- ماهية الشريعة ووظيفتها وعلاقتها بالدين
- أهداف وشروط وضوابط تطبيق الشريعة الإسلامية
- الثنائيات ومواطن الخلل في الفكر والتدين الإسلامي المعاصر
- العلاقة بين الإنسان والخالق والتحديات أمام المؤمن المعاصر

عثمان عثمان
 
أبو يعرب المرزوقي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا ومرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال:24] فكيف تتحق الاستجابة المحيية؟ وما العلاقة بين الشريعة والدين؟ وما دلالة دعوات تطبيق الشريعة؟ وما هي علل التدين وكيف نعيد إحياءه؟ موقع الشريعة في الحياة المعاصرة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في جامعة تونس الأولى سابقا، دكتور مرحبا بكم في حلقة من حلقات الشريعة والحياة.

أبو يعرب المرزوقي: أهلا، وشكرا.

ماهية الشريعة ووظيفتها وعلاقتها بالدين

عثمان عثمان: بداية ما هي الشريعة وما هي علاقتها بالدين؟

أبو يعرب المرزوقي: بعد حمد الله وشكره أريد أن أشكركم على هذه الدعوة الكريمة واعذرني إن بدأت بالإشارة إلى المنظور الذي أتكلم منه فأنا لست فقيها ولست أصوليا وإنما سأتكلم كمجتهد يعتمد على الفكر العقلي بمعنيين، المعنى الأول هل يوجد تعارض بين الطبيعة والشريعة في تنظيم الشؤون البشرية؟ وهذا السؤال سأله ابن خلدون ولكي يجيب عنه كتب "المقدمة"، والسؤال الثاني هل يكفي تأسيس القانون الذي ينظم الشؤون البشرية؟ هل يكفي تأسيسه على الأخلاق بدون أن يكون هناك صبو إلى ما يتعالى عن الأخلاق أي إلى البعد الديني من حياة الإنسان؟ وهذا السؤال هو نفس السؤال الذي طرحه ابن خلدون ولكن بمعنى أكثر حداثة في عصرنا صار في فلسفة الحقوق هذا السؤال مطروح هل تأسيس القانون على الأخلاق يقف عند الأخلاق أم يتجاوز ذلك إلى أفق ديني؟ إذاً جوابي سيكون من منطلق هذا المنظور.

عثمان عثمان: نعم تفضل.

أبو يعرب المرزوقي: أنت سألتني ما هي العلاقة بين الشريعة والدين.

عثمان عثمان: طبعا مصطلحان ما الصلة بينهما؟

أبو يعرب المرزوقي: بالضبط، أولا ليست علاقة جزء بكل ليست الشريعة جزءا من الدين وإنما هي الدين كله إذا نظر إليه من حيث هو ممارسة عملية، أحكام ممارسة الدين العملية سواء في وجهها التعبدي أو في وجهها المتعلق بالمعاملات هذه هي الشريعة وهي عين الدين ولكن إذا نظرنا إليه من حيث هو عقيدة عندئذ نتكلم عن الإيمان ولذلك تجد دائما علاقة وثيقة بين {.. مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ..}[الكهف:88]، {.. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً ..}[البقرة:62] فيكون الدين له وجهان وجه الإيمان ووجه العمل الصالح، الشريعة هي أحكام العمل الصالح بما يقتضيه الإيمان وهذه هي العلاقة، إذاً هي ليست علاقة جزء بكل وإنما هي علاقة كل بذاته إما كنظرية أو كتطبيق وعمل.

عثمان عثمان: يعني كما جاء في الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} ربما ننطلق منها إلى السؤال ما أهمية التدين تدين المسلم في الواقع المعاصر اليوم؟

أبو يعرب المرزوقي: هذا السؤال فيه جزآن الجزء الأول لماذا نربطه بالمعاصر بالواقع المعاصر هل إن حاجة الإنسان إلى التدين متغيرة في التاريخ أم أن ظهور التدين أو ظهور هذه الحاجة هي المتغيرة؟ إذا كان التدين يعني أن الإنسان يتجاوز مشاغل الحياة الدنيوية ويسمو بذاته إلى ما يمكن أن نسميه متعاليات تتجاوز الظرفي فإن ربط العلاقة بالدين بالعصر أو باليوم فيه نوع من شبه رد على من يقول إن التدين لا يتماشى مع العصر، ولكن التدين مسألة ملازمة للإنسان من حيث هو لا يريد أن يكون مخلدا إلى الأرض يريد أن يتعالى وإلا فإنه سيكون كما قال القرآن الكريم يأكل كما تأكل الأنعام يعني يعيش حياة بهيمية، هذا السمو عن الحياة البهيمية هو التدين، وأعتقد أنه اليوم هذا التدين وهذا السمو ازداد إلحاحه أكثر مما كان سابقا الحاجة اليوم صارت أكثر مما كانت سابقا لأن طغيان الإخلاد إلى الدنيا ومغريات الدنيا قد تبعد الإنسان عن هذا الهم الروحي المتسامي عن حياة الدنيا.

عثمان عثمان: ربما في مرحلة لاحقة من الحلقة سنتطرق إلى روحية هذه الشريعة التي يدعو الكثير إلى تطبيقها ولكن هذه الشريعة اليوم لو أردنا أن نحدد وظيفتها بشكل دقيق.

أبو يعرب المرزوقي: هنا نعود إلى السؤال الذي قلت لك إن ابن خلدون قد طرحه، هل الإنسان من حيث هو كائن طبيعي أعطاه الله كيانا طبيعيا يخضع لقوانين الطبيعة مثل الكائنات الأخرى؟ هل هذا الإنسان أعطاه الله قوانين أخرى متنافية مع هذه القوانين وهي قوانين الشريعة؟ نلاحظ أن هناك فرقا بين هذين النوعين من القوانين، في قوانين الطبيعة الإنسان مضطر الإنسان ليس يختار الدورة الدموية ولا يختار قوانين الإرث البيولوجية التي يخضع إليها ولكن القوانين الشرعية هي التي تتعلق بما للإنسان من حرية الاختيار ومعنى ذلك أنها قوانين يمكن للإنسان أن يعمل بها ويمكن للإنسان ألا يعمل بها ولأنه له هذه الإمكانية يصبح مأجورا إن عمل بها وربما يستحق العقاب إن لم يعمل بها ولكن هذه مسافة حريته، حريته تقاس بهذا الفرق بين نوعين من القوانين كرها وطوعا، هناك التزام بالقانون كرها ولكن عندئذ يكون الإنسان كائنا طبيعيا مثل الحيوانات الأخرى يخضع لقوانين الطبيعة لقوانين البيولوجيا ولكن هناك مساحة كبرى للإنسان القوانين التي يعلمها ويعلم أهميتها له حرية أن يعمل بها وأن لا يعمل بها وهنا يتدخل الاختيار ويتدخل الاجتهاد والجهاد أيضا مجاهدة النفس ومجاهدة الإخلاد إلى الأرض.

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الدكتور يعني الأصل ربما في الشريعة وفي الدين المعنى الكبير الذي لخصه الصحابي ربعي بن عامر عندما ذهب إلى كسرى قال "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"، يعني كيف تكون الدعوة إلى تطبيق الشريعة في المجتمع المعاصر هي بنفس الوقت دعوة إلى تحرير الإنسان من الطغيان ومن الظلم ومن الاستبداد سواء كان من الحكام أو من عامة الناس؟

أبو يعرب المرزوقي: بالضبط، هنا ينبغي أن نميز معنى السلطان يعني الشريعة لا تحرر الإنسان من سلطان الإنسان بصورة مطلقة وإنما هي تحرره من سلطان الإنسان غير الشرعي لأن الشريعة في نفس الوقت تحرر الإنسان وتؤسس النظام السياسي الذي هو سلطان للإنسان على الإنسان ولكن باسم ماذا؟ هل هو باسم التحكم الإنساني أم باسم الشرع والقانون والأخلاق؟ إذا كان سلطان الإنسان على الإنسان سلطانا شرعيا فالشريعة لا تلغيه بل بالعكس هي تدعمه لأن هذا السلطان الشرعي يؤدي وظائفا لا تتحقق الشريعة ولا قيم الدين من دونها، ولذلك نقول إن الإسلام لا يقبل الفصل عن الفعل السياسي بمعناه السامي بمعنى الفعل التربوي وفعل رعاية شأن الجماعة من الجماعة نفسها يعني {.. أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ..}[النساء:59] يعني من الجماعة ليس أنه ينتسب إليهم من هويتهم أو من قوميتهم بل من تعيينهم هم الذين اختاروه لكي يسير شؤونهم، بهذا المعنى فإن هذه القولة لا تصح ولكنها تصح بمعنى الحكم الذي ليس له شرعية ومن ثم فهو الحكم المغتصب الذي يتحكم ولا يطبق شرعا إلهيا.

أهداف وشروط وضوابط تطبيق الشريعة الإسلامية

عثمان عثمان: دكتور هناك الآن دعوات كثيرة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية قد تكون من جماعات من تيارات من مجتمعات معينة، ما دلالة هذه الدعوة إلى تطبيق الشريعة؟ البعض يرى ربما فيها هروبا من الواقع المتأزم الذي نعيشه إلى العصر الذهبي الذي كان في التاريخ الإسلامي.

أبو يعرب المرزوقي: أعتقد أن دعوة المسلمين الحالية إلى تطبيق الشريعة لها قبل أن ننظر في بعدها الديني دلالتان، الدلالة الأولى هي موقف من فقدان الأمة لتحديد قيمها هي موقف إذاً إزاء ما يفرض عليها من قيم وهو إذاً نوع من التعبير عن استقلال الإرادة التشريعية للأمة لأن اختيار الشرع أي شرع سواء كان وضعيا أو سماويا إذا كان من اختيار الخاضعين لهذا الشرع فإنهم قد أسهموا فيه ولكن إذا كان مفروضا عليهم سواء كان سماويا أو دنيويا فهم لم يسهموا فيه ومن ثم فهذا الشرع لا ينطبق مع التعبير عن الإرادة الإنسانية.

عثمان عثمان: ربما هنا نتكلم عن تطبيق الشريعة في المجتمع المسلم أو على مستوى العالم.

أبو يعرب المرزوقي: لا، الآن في المجتمع المسلم من حيث هو يرد الفعل على من يريد أن يفرض عليه شريعة بديلة سواء كانت وضعية أو سماوية. وهناك أيضا نوع من الدافع إلى هذا الموقف سببه أن القانون الوضعي الذي طبق في قرني النهضة لم يكن قانونا وضعيا وضعته سلط شرعية منتخبة فيعبر عن الإرادة وإنما كان قانونا وضعيا مجتلبا يعني مستوردا لتنظيم الشأن الإسلامي على نموذج يعتبر أسمى من النموذج الشرعي فهو إذاً احتجاج، هذا التبرير الاجتماعي الثقافي. ولكن هناك تبرير ديني وهو أن المسلم من حيث هو مسلم يؤمن بأن تطبيق القوانين الشرعية أساسي في بناء المجتمع الإسلامي وهنا ينبغي أن ننتبه إلى نوع من التطرف حصل في هذه الدعوة وهو أنهم أهملوا الوجه التربوي من الشريعة وألحوا على الوجه الردعي من الشريعة، الشريعة لها وجهان لها وجه تربوي وكلما نما الوجه التربوي كلما ضمر الوجه الردعي إلى أن يصل في وقت من الأوقات يصبح الوجه التربوي مغني عن الوجه الردعي، أما إذا تحولت الشريعة إلى جهاز قانوني للردع فهي تفقد قدسيتها وتصبح مجرد قوانين مثل قوانين الطرقات وهي أسمى من هذا لأن لها بعدا خلقيا سماه ابن خلدون بالوازع الذاتي الذي ينبع من الذات في مقابلة الوازع الأجنبي الذي يأتي من سلطة خارجية، إذاً هناك سلطة الضمير سلطة الإيمان التي هي وازع داخلي ذاتي في حين أن الوازع الخارجي مفروض من خارج الإرادة الإنسانية سواء كانت إيمانا أو عقلا لا يهم المهم أنها نابعة من الذات.

عثمان عثمان: نعم دكتور طبعا عندما نتحدث عن تطبيق الشريعة عن الزمن الذي نعيشه وربما فساد الواقع أحد مبررات الدعوة إلى تطبيق الشريعة نتذكر ابن خلدون الذي تحدث فقال يعني "إن علة فساد العمران الظلم والعسف"، هل لدعوات تطبيق الشريعة أن تعيد الحقوق المغتصبة لأصحابها وأن تعيد الحريات المغتصبة أيضا إلى أهلها؟

أبو يعرب المرزوقي: طبعا إذا طبقت بشروطها.

عثمان عثمان: ما هي شروطها؟

أبو يعرب المرزوقي: لها شرطان، الشرط الأول أن تكون نابعة من خيار الجماعة يعني أن تكون الجماعة قد اختارت تطبيق الشريعة والشرط الثاني أن تكون الجماعة مراقبة لتطبيقها لأنه إذا طبقت كما يطبق القانون الوضعي من سلطة بدون رقابة فإنها ستصبح ربما أكثر تبريرا للاغتصاب من القانون الوضعي لأنها تجمع بين سلطة القانون وشرعية الدين وجمعها بين هذين الأمرين قد يحولها إلى أداة طغيان إذا لم تكن الجماعة قد ربيت تربية إسلامية تفهم معنى تطبيق الشريعة من حيث هي بالأساس تربية وليست ردعا.

عثمان عثمان: عندما أيضا تتحدث عن الدعوة إلى تطبيق الشريعة ربما البعض يرى أن هذه الدعوة غير مبرأة ويرى فيها يعني محاولة لاستبدال السلطة الدينية بالسلطة الدنيوية.

أبو يعرب المرزوقي: ولهذا أنا شخصيا أعجب مما يجري حاليا، يعني الشريعة.. الرسول صلى الله عليه وسلم كان..

عثمان عثمان (مقاطعا): استبدال الاستبداد الديني باستبداد القانون الوضعي.

أبو يعرب المرزوقي: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتبر أن من شروط تطبيق الشريعة التمدن لأن من يسميهم القرآن البدو هم أبعد الناس عن الشريعة لنقصان التمدن عندهم، ولكن نحن اليوم نلاحظ أن المجتمعات العربية والإسلامية التي تدعو إلى تطبيق الشريعة هي مجتمعات أبعد ما تكون عن التمدن وإذاً فتطبيقها فهمها لتطبيق الشريعة مناف حتى لجوهر الدعوة القرآنية حتى أنه من شروط التدين الحقيقي هو حصول الهجرة إلى المدينة عدم البقاء على حياة الجفاء والوحشية البدوية لأن عدم التمدن يتنافى من الانضباط القانوني والانضباط الشرعي وفهم معنى وظيفة القوانين الخلقية والدينية والاجتماعية لتنظيم الحياة الجماعية، لذلك فتنظيم مثلا الدولة بالطريقة التي نراها في المجتمعات البدوية بدعوى أنهم يريدون تطبيق الشريعة هذا يضر بالشريعة من حيث هي تربية من حيث هي ترقية لروحانية الإنسان حتى يصبح متمدنا فيكون مدركا لأهمية القوانين الخلقية والقوانين الدينية أما إذا كان بدويا وجلفا ويريد أن يطبق الشريعة فهو لن يرى منها إلا قطع اليد، لن يرى منها التربية.

عثمان عثمان: عندما نتحدث دكتور في المسألة التي سبق أن طرحت السؤال حولها موضوع البعض يتخوف الاستبداد الذي هو الآن باسم القانون الوضعي باسم السلطات المنوطة باسم القانون أن يتحول هذا إلى استبداد باسم الدين باسم الإله.

أبو يعرب المرزوقي: ولذلك قلت لك إن تطبيق الشريعة إذا لم يتم بشروطه..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني ما هي الضوابط لعدم الوقوع في هذه المعضلة؟

أبو يعرب المرزوقي: توفر شرطين الشرط الأول أن تكون إرادة الجماعة معبرة عن ذاتها والشرط الثاني أن تكون جماعة مراقبة للتطبيق للتنفيذ، يعني التطبيق.. السلطة الشرعية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد ختم نزول القرآن السلطة الوحيدة المعصومة والتي يحق لها أن تختار شرعا من الشرع هي الجماعة يعني الأمة وليس شخصا معينا مهما كان علمه ومهما كان اختصاصه في الفقه لا يحق له أن ينتقل من وظيفة القاضي يطبق الشرع إلى وظيفة واضع الشرع أو مختار الشرع، اختيار الشرع ووضع الشرع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد توقف نزول الوحي يعود إلى الأمة وهي بصورة شرعية تختار تشريعها بحسب القيم القرآنية وبحسب الأحكام القرآنية وتراقب تطبيقه وهو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مراقبة تطبيق قيم القرآن في الحياة الاجتماعية من الجماعة وليس من سلطة رسمية تعينها السلطة السياسية من الجماعة.

عثمان عثمان: دكتور، ساد في الفكر الإسلامي المعاصر الكثير من الثنائيات التي يدعي حلها، الأصالة والمعاصرة، الباطن والظاهر، الدنيا والآخرة، الدين والدولة، برأيكم هل نحن أصبحنا أسرى هذه الثنائيات؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة.

أبو يعرب المرزوقي: إن شاء الله.

عثمان عثمان: فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الثنائيات ومواطن الخلل في الفكر والتدين الإسلامي المعاصر

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان موقع الشريعة في الحياة المعاصرة مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في جامعة تونس الأولى سابقا. دكتور هل أصبحنا أسرى الثنائيات، الأصالة والمعاصرة، الدين والدنيا، الدولة والقرآن يعني؟

أبو يعرب المرزوقي: صحيح هذه الملاحظة صحيحة فعلا نحن الآن أسرى لهذه الثنائيات ولكن هذه الثنائيات في الحقيقة ترجع إلى الثنائية التي أشار إليها ابن خلدون وعالجها بالاعتماد على نصوص قرآنية صريحة، ما هي هذه الثنائية؟ يعني لو أخذت قسما منها المعاصرة وإلى آخره وقسم ثاني لوجدتها تعود إلى هل ما في الإنسان من طبيعي يتنافى مع ما في الإنسان من متعال على الطبيعة؟ يعني الشريعة والطبيعة هل تتصادمان في الإنسان أم تتوافقا؟ يعني هل الخلقة والأخلاق يتماشيان أما يتنافيان؟ يتآلفان أم يتخالفان؟ نظرية القرآن هي نظرية الفطرة وهي أن الخلقة والخلق متطابقان، كيف عالج ابن خلدون هذه القضية؟ سأل السؤال التالي التاريخ يثبت أن ما يحدث في التاريخ بحسب قوانين العمران هو بالذات ما تريده الشريعة هناك تطابق بين الشرع والتاريخ، هل معنى ذلك أن ما يجري في التاريخ من الجرائم تريده الشريعة؟ لا، الشريعة تريد.. تعترف بوجوده وتعالجه لا تعتبر التدين نفيا للواقع وإنما هو علاج للواقع تعامل مع الواقع فمن ثم فإن التقابل إذا ربط بوحدة الفطرة الإنسانية من حيث خضوعه لقوانين طبيعية ككل الكائنات ومن حيث سموه لكي يتحرر من هذه القوانين الطبيعية فإن هذه المعادلة لا تصبح التقابل وإنما تصبح الجهد الضروري لكي يكون الإنسان طبيعيا وساعيا إلى التحرر مما يحط من قيم الإنسان في الطبيعة، يعني الإنسان مثلا يأكل ولكن إذا أكل بإفراط يتجاوز الطبيعة والشريعة، يتجاوز الطبيعة لأنه يمرض ويتجاوز الشريعة لأنه لم ينته عما نهته عنه، يعني الأكل وهو فعل طبيعي إذا تجاوز حدا معينا يمرض وهو قانون طبيعي ولكن إذا تجاوز هذا الحد المعين الذي يمرضه فهو يكون عندئذ لم يحترم.. قد تخلى عن احترام قاعدة شرعية وهي الأكل بحدود معينة، وهكذا بالنسبة إلى جميع الثنائيات يعني العلاقة بين الأصالة والمعاصرة يعني العلاقة بين الماضي الذاتي والحاضر والمستقبل، كيف يمكن لك أن تصل إلى المستقبل إذا لم تحدث جسورا مع الحاضر والماضي؟ فعل التجسير هذا هو فعل يلغي الثنائية ويحولها إلى حركية تغير متناغم بين الماضي والحاضر والمستقبل.

عثمان عثمان: كيف نجعل هذه الجسور بين هذه الثنائيات؟

أبو يعرب المرزوقي: عندما نفهم معنى العلاقة بين الخلقة والخلق، قلنا إن الخلقة لها حدود إذا تجاوزناها نمرض والخلق ينهانا عن تجاوزها إذاً نحن لم نحترم قواعد الخلق ولم نحترم قواعد الخلقة فمرضنا سواء بالأكل أو بأي مبالغة المخدرات أو التبغ أو أي مبالغة لم نحترم قانونا طبيعيا ولم نحترم قانونا خلقيا الربط بينهما هو أن نحترم القانونين.

عثمان عثمان: دكتور اسمح لنا أن نأخذ مداخلة من الدكتور عدنان زرزور أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة البحرين، السلام عليكم دكتور.

عدنان زرزور/ أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة البحرين: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: دكتور دعوات تطبيق الشريعة ينصرف أذهان الكثير من الناس عند سماع هذه الدعوات إلى أمرين ربما لا ثالث لهما، إقامة الحدود وأسلمة الواقع والمظاهر، أين الخلل برأيكم؟

عدنان زرزور: بسم الله الرحمن الرحيم. أولا التحية لك يا أخ عثمان وللأخ الزميل العزيز الدكتور أبو يعرب صاحب الفكر الفلسفي الرصين سلام دكتور أبو يعرب.

أبو يعرب المرزوقي: أهلا مرحبا.

عدنان زرزور: الحقيقة يعني مسألة تطبيق الشريعة سؤال حضرتك نقطتين يعني موضوع الحدود والنقطة الثانية؟

عثمان عثمان: أسلمة المظاهر.

عدنان زرزور: والله أبدأ بالثانية موضوع أسلمة المظاهر أظن مرفوضة عند الجميع بكل المعايير لا يمكن إحنا.. يعني الإسلام ليس طلاء نسحبه على الناس أو على أوضاعهم الحالية ونقول إنها صارت أوضاعا إسلامية فالأمر لا أظن يحتاج إلى وقفة طويلة، ولكن الموضوع الأول الحقيقة يعني لا بد من الإشارة إليه أو الدخول عليه وربما أشار إليه الأخ الدكتور أبو يعرب قبل قليل عندما تحدث عن موضوع مكة والمدينة، ولكن أساسا يعني بعض الملاحظات السريعة، مسألة تطبيق الشريعة في الأساس مرهونة بدوام الاجتهاد والتجديد أو بضرورة الجمع بين الفقه القديم والفقه الحديث أو المعاصر أو كما قلتم قبل قليل بين الأصالة والمعاصرة ولكن بشرط أن يكون الفقه القديم في هذه الحالة سلة واحدة إن صح التعبير تحتوي على فقه الصحابة والتابعين وفقه المذاهب الإسلامية كافة وهي المذاهب التي عنيت بها موسوعات الفقه الإسلامي المعاصرة وينتقى من هذا الفقه ما يحقق العدالة والأمن وسائر مصالح المسلمين بعيدا عن التعصب المذهبي والنزعة الطائفية بل بعيدا كل البعد عن الثقافة التي تقوم في فحواها على رفض الآخر والتشنيع عليه. الحقيقة النقطة الثانية اللي هي جوهرية وتدخل في موضوع الحدود على أقل تقدير مسألة تطبيق الشريعة تعني في الأساس إعادة تنزيل الأحكام الشرعية هذه على حياة الإنسان بحيث تصبح مهتدية بأحكام الإسلام في السلوك والتعامل الفردي والاجتماعي والإنساني بل أن تهتدي بهدي الإسلام كذلك ومنهج القرآن بوجه خاص في تعامل المرء مع الكون والطبيعة بوصف الإنسان عبدا لله وسيدا للطبيعة، وفحوى هذا أن مسألة تطبيق الشريعة ليست مسألة قانونية فحسب، قد يكون مدخلها قانونيا نعم ولكن مع شمول الإسلام للحياة بوصفه عقيدة وشريعة ومنهج حياة طبعا أوسع من هذا وأعم ويمكن وصفها بأنها مسألة ثقافية وليست قانونية فحسب. وشعار تطبيق الشريعة عندما رفع يمكن أول مرة نادى كثير من الناس أو الجماهير أظن عام 1967 ثم في أعقاب السقوط الاشتراكي في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي وتواري الحقبة الماركسية لم يكن يقصد به فيما أعتقد المعنى الفقهي أو المعنى الخاص بالشريعة والأحكام فضلا عن أن يراد به فقط قانون العقوبات الإسلامي أو نظام الحدود الذي أشرت إليه ولكن أريد فيما أعتقد العودة إلى نظام الحياة في الإسلام بالمعنى العام أو الشامل، الإسلام ليس شريعة أو فقها فحسب والشريعة ليست قانون عقوبات فحسب وقانون العقوبات ليس الحدود فحسب ومع ذلك فقد وجدنا من يختزل شعار تطبيق الشريعة بتطبيق الحدود، ربما كانت المشكلة في هذه النقطة أن كثيرا من الناس يشعر بأنه يعيش حاضرا يعني تختلط فيه الأوراق أو حاضرا يعني يغلب عليه الطابع العلماني العملي أو الرسمي إلى آخره فيريد تجسير هذه الهوة كما قلتم قبل قليل يعني يريد أن يهدم.. يريد يعني أن يملأ هذه الفجوة ما بين الغائب الديني إن صح التعبير والحاضر العلماني بالحدود، هذا ليس ممكنا بكل تأكيد..

عثمان عثمان: شكرا دكتور عدنان زرزور أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة البحرين، هل تودون التعليق قبل أن ندخل إلى محور آخر؟

أبو يعرب المرزوقي: اسمح لي أحيي الصديق والأخ العزيز الأستاذ زرزور الذي تعرفت عليه وتشرفت بالحديث معه وهو من خيرة المفسرين ودارسي القرآن.

عثمان عثمان: دكتور هناك علل في التدين تدين المسلم اليوم، برأيكم ما سبب هذه العلل؟ ما هي هذه العلل؟ يعني كيف نعيد تحرير تدين المسلم اليوم من كل هذه القيود؟

أبو يعرب المرزوقي: المشكلة بالنسبة إلى التدين عالج الغزالي ضربين من القيود خضع لهما التدين في اللحظة التي كانت فيها الأمة الإسلامية رائدة في الكون ومنذ ذلك العصر كانت الأزمة موجودة، ألف الغزالي كتابين لعلاج هذه القضية الأول سماه "فضائح الباطنية" نظر فيه فيمن يجعل التدين فقط مجرد أداة سياسية فسمى ذلك فضائح أي أن الدين حول إلى مجرد أداة أيديولوجية لغرض سياسي فقط وليس سياسيا بمعنى القرآن.. بالمعنى الإسلامي للسياسة أي تربية البشر وإنما بالمعنى السياسوي لكلمة سياسة فسمى هذا الكتاب "فضائح الباطنية" وبين فيه كل الحيل السياسية لاستدراج الناس لانتدابهم الحزبي والسياسي، هذا العائق الأول في التدين أي أن التدين يفقد ما يؤديه من وظيفة في حياة الإنسان وهي وظيفة السمو به من الإخلاد إلى الدنيا إلى قيم متعالية. المشكل الثاني هو موضوع كتاب ثاني للغزالي وهو "إحياء علوم الدين" عندما ينقلب الدين إلى مجرد ممارسات خارجية ويتحول إلى قشور وعوائد يفقد ما فيه من بعد مثالي ويتحول إلى ظاهرة ثقافية تهتم بشكليات الدين وليس بروحانية الدين. وإذاً فهو فقد ألف هذين الكتابين واحد ضد الباطنية والثاني ضد الظاهرية إن صح التعبير لكي يبين أن عوائق التدين هي في التطرف الباطني والتطرف الظاهري عندما يتحول الدين إلى قشور ظاهرية يفقد معناه وعندما يتحول إلى حيل سياسية يفقد معناه. وإذاً فالمسلم المعاصر يعاني من هذين الخطرين، تدينه التدين الإسلامي يعاني من هذين الخطرين، من خطر الاستغلال والتوظيف الباطني للدين ومن خطر الانحصار في قشور الممارسات الشعائرية وليس في أدائها بحقيقتها من حيث وظيفتها في مراقبة الشأن العام من حيث هو فعل تحقيق قيم القرآن في التاريخ الفعلي وهو معنى الشهادة على العالمين وهو معنى استعمار الأرض وهو معنى الاستخلاف فيها، هذا الذي فقدناه حقيقة وصرنا يتنازعنا هذان التطرفان تطرف القشور وتطرف الاستغلال السياسي للدين وما لم نحرر الإسلام من هذين التطرفين فإنه لن يمكننا من أداء دورنا التاريخي دور الشهادة على الناس لا نستطيع أن نكون شاهدين على الناس إذا لم نكن أفضل الناس ولسنا أفضل الناس بعنصرنا بجنسنا وإنما بما يقول القرآن التفاضل هو في سلم التقوى وليس في شيء آخر.

عثمان عثمان: {.. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..}[الحجرات:13].

أبو يعرب المرزوقي: بالضبط.

عثمان عثمان: اسمح لنا أيضا أن نأخذ مداخلة من الأستاذ الجامعي محمد المعتصم بالله البغدادي من لبنان، السلام عليكم.

محمد المعتصم بالله البغدادي/ أستاذ جامعي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلا وسهلا بالأخ عثمان تحية لك ولضيفك الدكتور أبو يعرب المرزوقي. الموضوع الذي تحدث فيه الدكتور ربما يعني لمس فعلا القضية الأساسية، التدين أصيل في الإنسان يعني يعود إلى الفطرة أصلا ويعود إلى أن هذه الأمة حاملة للتدين في -إن صحت اللفظة- في لا وعيها التاريخي، ولكن يعتري هذا التدين يعني ظواهر مشكلة أنه تدين يعني فيه تضخم في جوانب وضمور في جوانب أخرى يعني تدين غير متجانس في نفسه وربما كان هناك انفصال بين العقيدة والسلوك والأخلاق فتجد أنه قد يضخم جانب العقيدة على حساب القيم والأخلاق أو يضخم جانب السلوك على حساب العقيدة والقيم وهكذا، وربما التدين تحول إلى نوع من التبرير والتسويغ بحيث أنه يعني يقوم بالبحث عن مبررات لسلوكه وإذا استفتى فلا يزال يستفتي حتى يأخذ الرأي الذي يناسبه أو الفتيا التي تناسبه يعني هو تدين مع وقف التنفيذ إن صح التعبير. الجانب الآخر أن هذا التدين فيه مفارقة تاريخية يهتم -كما قال الإمام الغزالي وكما تفضل الدكتور- بجانب الشكل يعني يريد أن يعيد التاريخ بالشكل فقط لا بمضمون التاريخ ولذلك المشكلة هنا أن.. هو يؤخذ مجردا وربما صورة مجردة خالية من الواقع الإنساني وفاقدة الصلة للتأثير في الواقع المعاصر أو في التخطيط للمستقبل، وربما كان هناك أيضا ظواهر من التدين النفاقي الذي تحول إلى وسائل للوصول إلى المال أو الجاه أو السياسة أو ما شاكل ذلك. وهناك ظهر بين ظواهر التدين أيضا مشكلة معينة ظاهرة الجهل المركب في التدين الجهل المتعالم يعني الجهل الذي يظن فيه الشخص أنه عالم وأنه يعرف في أمور كثيرة وربما يعرف بعض الآيات وبعض الأحاديث يظن نفسه أنه قد ختم كل العلوم وفهم كل الأمور وهكذا يعني المشكلة في التدين أنه يحمل ظواهر مختلفة من بين عدم..

العلاقة بين الإنسان والخالق والتحديات أمام المؤمن المعاصر

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا الأستاذ الجامعي محمد المعتصم بالله البغدادي من لبنان. دكتور هناك من يرى أن الإله في المركز وهناك من يرى أن الإنسان في المركز، كيف ترسمون العلاقة بين الإنسان وخالقه، بين هذا الإنسان المخلوق وبين الله عز وجل الخالق؟

أبو يعرب المرزوقي: بالنسبة إلى من لا يؤمن بالله القضية في فكر الإنسان يعني ليست في الأعيان ليست علاقة بين حقيقتين موجودتين فعلا واحدة اسمها الله وثانية اسمها الإنسان هي بالنسبة إلى هذا النوع من المفكرين هي علاقة في ذهن الإنسان هي علاقة بين فكرتين وليس بين حقيقتين وتعود في النهاية إلى الظن بأن كل ما عدا الإنسان لا يوجد إلا في ذهن الإنسان وهي ما يسمى بالـ solipsism أو النظرية التي تعتبر الوجود الآخر الخارجي هو مجرد أفكار في ذهن الإنسان، هذا طبعا لا يقبل عقلا ولا نقلا. أما إذا أخذنا القضية على أنها علاقة بين ذاتين حقيقيتين موجودتين تتواصلان وهو معنى الوحي، معنى الوحي هو رسالة موجهة من الله إلى البشري وإلى الكائنات التي لها التكليف الكائنات المكلفة، فعندئذ العلاقة حددها الدين نفسه وهي علاقة مستخلِف ومستخلَف، هناك إله كلف الإنسان بمهمة وكلفه بمهمة دون أن يتخلى عن مراقبته، فهذه العلاقة خلافا لما يقول شلاير ماخر إن الإنسان يتدين بمجرد أن يدرك التبعية، لا، التبعية هي مفهوم المربوبية بالمعنى التيمي أي أن الإنسان خاضع لقوانين الطبيعة وهذا يعطي مفهوم الرب ولا يعطي مفهوم الإله أي أن الإنسان عندئذ مثل جميع الكائنات يتبع القوانين كرها لا طوعا في حين أن التدين الحقيقي هو المألوهية والآلهية أن الإنسان يعبد إلها بإرادته الحرة في حين أن الإنسان خاضع للقوانين الطبيعية ليست بإرادته الحرة، هذا النوع الثاني..

عثمان عثمان (مقاطعا): {.. فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ..}[الكهف:29].

أبو يعرب المرزوقي: بالضبط. هذا النوع الثاني من العلاقة يتجاوز مفهوم شلاير ماخر للتبعية ويتحول إلى فعل اختياري للقيام بوظيفة الخليفة أي لتحقيق قيم الدين في التاريخ وتحقيق قيم الدين في التاريخ هو الفعل الذي كلف به الإنسان ويحاسب عليه في مستوى الفكر مقدار الاجتهاد وفي مستوى الفعل مقدار الجهاد والجهاد هنا لا يعني القتال وإنما يعني الفعل المحقق للقيم في التاريخ، هذا هو الذي يمكن من تجاوز هذه المقابلة بين من المركز الله أو الإنسان، القضية ليست علاقة بين مركزين وإنما هي العلاقة بين ذاتين حرتين بينهما عقد وتكليف، هكذا على الأقل يتصور القرآن العلاقة، القرآن يتصور العلاقة أن هناك تعاقدا بين الخالق والمخلوق وهذا التعاقد يحاسب عليه المخلوق في النهاية هل احترم العقد أم لم يحترم العقد هذه هي العلاقة وأعتقد أننا بهذه الصورة يمكن أن نتجاوز هذه المقابلة التي يتصورها من لا يؤمن أنها مقابلة بين فكرتين في رأسه وليست في الحقيقة.

عثمان عثمان: دكتور هناك فصام ما بين الشريعة والحياة إلام تعزون هذا الفصام ما سببه؟

أبو يعرب المرزوقي: إذا كنت تقصد بالفصام الانفصال بينهما فهذا له وجهان، وجه إيجابي جدا وهو أن الشريعة تتعلق بالمثال الأعلى ولا يمكن أن تتحقق تحققا مطلقا فهناك مسافة فاصلة دائما بين المثال الأعلى وأعيان تحققه في التاريخ، لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الغاية في تحقيق المثل وهذا نوع أول من الانفصال بين الحياة والشريعة محمود لأنك إذا ظننت أن تعيينا ما للمثال هو المثال صرت تعبد الأوثان وهو معنى العودة إلى الماضي على أنه هو حقيقة الدين، ليس هناك لحظة في تاريخ الإنسان يمكن أن نقول إنها قد حققت كل الدين لأن الدين مثال أعلى ولا يمكن أن نحققه ككل، هذا الفصام المحمود. الفصام المذموم الآن هو رفض السعي لتحقيق المثال والقول المثال أحلام عندئذ يصبح فصاما قصديا الهدف منه لا نريد أن نحقق المثل نريد أن نعيش بحسب معاملات الدنيا وهو رفض للتعالي، إذاً الأول هو إيمان بأن التعالي لا ينتهي والثاني هو استغناء عن التعالي.

عثمان عثمان: دكتور اليوم في ظل واقعنا المعاصر وما فيه من تحديات ثقافية واجتماعية وبكل معاني التحديات كيف للإنسان أن يعيش مؤمنا معاصرا؟

أبو يعرب المرزوقي: والله لا أدري لماذا يقابلون بين المعاصرة والإيمان، أولا إذا فهمنا أن المعاصرة نوعان هناك معاصرة مطلقة وهو أن تكون معاصرا لذاتك وهناك معاصرة إضافية وهو أن تكون معاصرا لغيرك وأعتقد أن سبب فشل النهضة العربية وحتى الإسلامية هو أنهم ظنوا أن المعاصرة هو أن تعيش عصر غيرك لا أن تعيش عصرك أنت.

عثمان عثمان: ما هي المعاصرة؟

أبو يعرب المرزوقي: لحظة سأجيبك، يعني أن تكون في فعلك الحاضر مطابقا لما آل إليه تطورك بحيث يكون تطورك في غايته في تلك اللحظة، يعني مثلا إذا كان المسلمون قد وصلوا إلى مرحلة من مراحل التطور وعاشوا بحسب ما تقتضيه تلك المرحلة فهم معاصرون لأنفسهم أما إذا كانوا ما زالوا مثلا يعيشون في مرحلة تناسب تقريبا القرن الثالث عشر الميلادي ويريدون أن يعيشوا مثل أوروبا في القرن العشرين ماذا يحدث؟ يحدث أنهم في حقيقتهم ما زالوا في القرن الثالث عشر وفي مظهرهم يأكلون ويلبسون مثل الأوروبيين وهذا لا يقدمهم بل يصبح عائقا أمام التقدم أما إذا عرفت.. مثلا ماذا فعل اليابانيون والمصريون في القرن التاسع عشر؟ اليابانيون بقوا في معاصرة ذواتهم وأخذوا ما هو كوني أي العلوم وأدوات الإنتاج، في حين أن ما حدث عند العرب هو أن يعيشوا مثل الأوروبيين.

عثمان عثمان: شكرا دكتور أبو يعرب المرزوقي على حضورك معنا في هذه الحلقة وعلى هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو يعرب المرزوقي: والحمد لله.