- مستويات وطرق تعامل القرآن مع التاريخ
- موقع التاريخ وطريقة فهم سننه

- فلسفة التاريخ وجوانب علم التاريخ

- مسائل حول فهم حركة التاريخ وقيمته المرجعية

عثمان عثمان
عماد الدين خليل
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ..}[يوسف:111] ويقول عز من قائل {..فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ..}[الرعد:17]. إن القرآن أعطى للتاريخ مساحة واسعة فكم من مرة ذكر قصص التاريخ ووقائع القرون الماضية وسنن الهلاك وعاقبة الذين لا يعتبرون بالتاريخ ولا يصدقون أن في التاريخ وأحداث القرون عبرة وعظة. كيف يروي القرآن الكريم الوقائع التاريخية؟ وما المغزى منها؟ وأي فلسفة للتاريخ يقدمها؟ حديث القرآن عن التاريخ موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور عماد الدين خليل أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في عدد من الجامعات العربية، مرحبا بكم دكتور.

عماد الدين خليل: أهلا ومرحبا.

مستويات وطرق تعامل القرآن مع التاريخ

عثمان عثمان: بداية دكتور القرآن الكريم يؤكد باستمرار على حكاية قصص الأنبياء والأمم والجماعات، لماذا هذا الإكثار؟ ما الفائدة المرجوة من ذلك؟

عماد الدين خليل: بسم الله الرحمن الرحيم. أشكر أولا قناة الجزيرة وبرنامج الشريعة والحياة على هذه الفرصة التي..

عثمان عثمان: مرحبا بكم.

عماد الدين خليل: مرحبا وأهلا. على هذه الفرصة الطيبة للحديث عن جانب من هذا الكتاب الإلهي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلَق على كثرة الرد. البعد التاريخي، في الحقيقة هنالك لمن يوغل في آيات الله البينات ثلاث بوابات كبرى لهزِّ الضمير البشري ودعوته للانتماء إلى هذا الدين لكي يقوده إلى الصراط ويمنحه الانتماء الصحيح. البوابة الأولى تقودنا إلى المصير البشري إلى المستقبل البعيد إلى يوم القيامة والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار، مساحة كبيرة يوليها أو يعطيها القرآن الكريم لقضية المصير البشري وهي فعلا مشحونة بالقدرة على التأثير الوجداني في المخاطب. ثمة بوابة أخرى تقودنا بالعكس إلى الوراء، إلى التاريخ، حيث يمضي القرآن الكريم إلى الماضي هذه المرة، إذا كان في المرة الأولى قد مضى بنا إلى المستقبل فها هنا يمضي بنا إلى الماضي لكي يعلمنا من وقائع التاريخ باعتبار أن التاريخ معلم كبير قد نتعلم منه الكثير. وثمة بوابة ثالثة تقفنا في اللحظات الراهنة أمام إبداعية الله في الكون، أمام الطبيعة والعالم والوجود حيث يحدثنا القرآن الكريم في آياته البينات في مقاطع عديدة وعديدة جدا عن هذه الإبداعية في خلق السموات والأرض وفي تسخير ما تنطوي عليه الأرض من إمكانات وفي الكون القريب والسماء البعيدة. فإذاً نجد أنفسنا أمام ثلاثة أنماط من الخطاب القرآني كل واحد يمضي باتجاه معين والنتيجة النهائية أنها دعوة مؤثرة تتعامل مع المصير حينا ومع التاريخ حينا آخر ومع إبداعية الله في هذا العالم والكون القريب حينا ثالثا لكي تقود الناس إلى الصراط.

عثمان عثمان: إذاً في التاريخ فضيلة الدكتور نجد في القرآن الكريم أيضا ألوانا متعددة فيما يتعلق بالتاريخ، نجد حديثا عن قصص نجد حديثا عن الأمثال وعن المثلات، ما الفرق بين هذه الألوان الثلاثة؟

عماد الدين خليل: في الحقيقة هنالك ثلاثة مستويات في تعامل القرآن مع الوقائع التاريخية، مع التاريخ، المستوى الأول السرد التاريخي للوقائع وهذا يغطي مساحات كبيرة من القرآن قد تتجاوز النصف، نصف.. النصف الإلهي في هذا الكتاب. والمستوى الثاني يذهب إلى ما وراء الحدث لكي يعطينا تصورا عن السنن التي تحرك التاريخ، ما يسميه فلاسفة التاريخ بقوانين الحركة التاريخية. وثمة طبقة ثالثة تحدثنا عن الجانب الحضاري، عن القوة المؤثرة التي تصنع الحضارات والأمم والدول والإمبراطوريات أو تقودها إلى الانكماش والسقوط. فالقرآن الكريم في تعامله مع التاريخ يتحدث.. هو فقط ثلاثة مستويات، المستوى الأولى يعنى به المؤرخون والمستوى الثاني يعنى به فلاسفة التاريخ والمستوى الثالث يعنى به دارسو الحضارات، وقد تتاح الفرصة إن شاء الله عبر هذا الحوار أن نتحدث في هذه السياقات الثلاثة..

عثمان عثمان (مقاطعا): سنتحدث إن شاء الله في سياق الحلقة عن هذه المواضيع الثلاثة بإذن الله.

عماد الدين خليل: إنما الفارق بين القصة القرآنية والمثل القرآني والمثلات، القصة تعطي مساحة واسعة للحدث وتنطوي على قدر كبير من تقنيات القصة القصيرة أو القصة القصيرة الطويلة الـ novel كما نسميها في المصطلح النقدي، فيما كتب عنه طلاب الدراسات العليا في المعاهد والجامعات العديد من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه عن البعد الفني في القصص القرآني، نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن البعد الفني في القصص القرآني وإنما عما تنطوي عليه هذه القصص من سرد تاريخي يقدم لنا مساحات واسعة من الوقائع التاريخية التي تتعلق بالأنبياء بالأقوام السابقة ببعض الرجالات وبصراع الحق والباطل ودائما كان هذا الصراع ينتهي بانتصار الإيمان على الكفر حيث كانت تتنزل كلمة الله لكي تنصر الأنبياء على الطواغيت والأرباب الزائفين.

عثمان عثمان: هذه القصة القرآنية.

عماد الدين خليل: هذه القصة. أما المثل فهو ينطوي على مساحة أصغر بكثير ويعتمد على التشبيه وعلى المجاز ويقدم لنا عبرة أو عظة في مساحة ضيقة قد لا تتجاوز الآية والآيتين. المثلات هي العبر المستخلصة من الوقائع والعقاب الذي نزل بالأمم السابقة كأنه يدعو الأمم اللاحقة التي استعصت على دعوة الأنبياء أن ينتبهوا إلى أن عقابا سينزل بهم كما نزل بالذين سبقوهم واستعصوا على الأنبياء، فهذه المثلات هي تهديد وتلويح بإمكان إنزال العقاب على الأقوام التي ترفض الانتماء إلى دعوات الأنبياء.

عثمان عثمان: في موضوع القصة التاريخية في القرآن الكريم نجد القرآن يتعاطى مع الوقائع التاريخية بشكل مرشد ومجتزئ، لا يتناول القصة القرآنية بشكل تفصيلي، كيف يروي القرآن الكريم الوقائع التاريخية دكتور؟

عماد الدين خليل: والله سؤال في محله لأن القرآن ليس كتاب تاريخ في نهاية الأمر، يعني على ما في القرآن من مساحات واسعة أعطيت للتاريخ فهو ليس كتاب تاريخ، بمعنى أنه لا يحاول أن يغطي الأحداث بكل تفاصيلها وإنما يجتزئ من هذه الأحداث الخطوط العريضة التي يمكن أن تستخلص منها العبرة أو المغزى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ..} أي لذوي العقول القديرة على استخلاص المغزى من قراءتها للتاريخ {..مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[يوسف:111] فكأن قراءة التاريخ تعطينا المغزى وتعطينا التعاليم التي ترحم الأمم والشعوب من أن تقع في مطبات جديدة من أن تنزلق باتجاه ما انزلقت إليه الأمم الأخرى، معلم كبير هذا التاريخ، والقرآن الكريم يمنح هذه المساحات الكبيرة للتاريخ لكي يعلمنا، يعني أشبه بـ.. كأنه يمنحنا شبكة traffic light مروا من هنا تريثوا هنا توقفوا هناك من أجل ألا نقع  في ما وقعت فيه الأمم السابقة. فالقرآن الكريم وهو يتعامل مع التاريخ سردا قد يكسر حاجز الزمن لا يذكر الزمن على الإطلاق، قد يكسر حاجز المكان لا يحدد المكان، قد يكسر حتى حاجز الشخوص التاريخية التي يتشكل بواسطتها الحدث التاريخي، وإنما يمضي إلى ما وراء الزمن ما وراء المكان ما وراء الشخوص إلى الواقعة التاريخية في خلاصاتها الأساسية من أجل أن نستخلص منها العبرة والمغزى التي تضيء لنا الطريق في اللحظات الراهنة إلى المستقبل الموعود.

عثمان عثمان: أيضا دكتور يعني من القصص التاريخية الوقائع التاريخية نراها تتكرر في القرآن الكريم في أكثر من موضع وفي أكثر من مكان وبأكثر من أسلوب أيضا، في بعض الأوقات تكون يعني موجزة في بعض الأوقات تكون تفصيلية، لماذا كل ذلك؟

عماد الدين خليل: التكرار في المنطوق البلاغي وحتى على مستوى الخطاب الدعوي نوع من التأكيد الذي يلح عليه القرآن من أجل تنبيه المدعوين إلى الصراط إلى أن ينتبهوا إلى ما تعنيه قصص الأنبياء وما قادت إليه في نهاية الأمر من نتائج قد يتعلم منها الكثيرون فالقرآن الكريم يؤكد هذا المرة تلو المرة ولكن في معظم الأحيان يدير الكاميرا -إذا صح التعبير- يعني يعطي مقطعا ها هنا لقصة موسى عليه السلام أو قصة عيسى عليه السلام أو قصة إبراهيم عليه السلام ثم في سورة أخرى أو في مقطع آخر يدير الكاميرا على لقطة أخرى مرحلة أخرى من مراحل هؤلاء الأنبياء الثلاثة وغيرهم كثيرون، فإحنا لو قمنا فيما يمكن اعتباره -إذا صح التعبير- مونتاج لتجميع هذه المقاطع الخاصة بالأنبياء وترتيبها زمنيا فإننا سنجد تسلسلا يثير الدهشة في تغطية تكاد تكون دقيقة لهؤلاء الأنبياء ولكن مع هذا في خضم أو في سياق هذا السرد التاريخي الذي يعتمد خطا زمنيا صاعدا نجد قدرا من التكرار الغرض منه -كما هو الحال- كما يقول البلاغيون التأكيد من أجل -مرة أخرى كما بدأت حديثي- دعوة الناس دعوة الضالين والمارقين إلى الصراط أن يتعلموا من المصائر التي لحقت بالأمم والشعوب والقيادات الضالة التي وقفت قبالة الأنبياء وجابهتهم واستعصت عليهم.

موقع التاريخ وطريقة فهم سننه



عثمان عثمان: دكتور أيضا نلاحظ أن القرآن الكريم يحيل في بعض المواقع إلى التاريخ، القرآن الكريم هو المصدر الأول للمعرفة والثقافة، هل نستطيع أيضا أن نقول إن التاريخ أيضا هو مصدر آخر لهذه المعرفة؟

عماد الدين خليل: بالتأكيد المعرفة مصادرها كثيرة في الحقيقة، العقل أولا والحس والتجربة ثانيا وثالثا، هنالك التاريخ أيضا يمكن أن يقدم لنا مساحات معرفية واسعة عما حدث في الماضي، فالقرآن الكريم مضافا إلى هذه القنوات الأربع الأخرى يشكل منظومة معرفية يبقى القرآن في قمتها لأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويقدم لنا معرفة تنطوي على مصداقيتها الكاملة. يعني أذكر على سبيل المثال ما فعله أو ما قام به الطبيب الجراح الفرنسي المشهور المعاصر موريس بوكاي الذي كان ملحدا كما أعلن نفسه في مقدمة الكتاب الذي ألفه بعنوان "التوراة، الإنجيل، القرآن في ضوء المعارف الحديثة" اشتغل على هذه الكتب الثلاثة عشرين سنة في محاولة منه لفحص معطياتها المعرفية قياسا على الكشوف المعرفية المعاصرة يعني محاولة للمقارنة بين ما قدمته هذه الكتب الثلاثة من مقاطع أو معطيات معرفية وما بين ما كشف عنه العصر الحديث في هذا المجال فتبين له بعد عشرين سنة من الدراسة المقارنة في مجال التاريخ في مجال علم الأجنة في مجال التشريح في مجال الـcosmology في مجال الفيزياء في مجال الجيولوجي إلى آخره، أن تسعة من عشرة مما ذكرته التوراة من معطيات معرفية يسقط بإحالته على المعرفة الحديثة ولا يمر سوى العشر، وأن تسعة من عشرة مما ذكره الإنجيل من معطيات معرفية يسقط هو الآخر بإحالته على المعارف الحديثة، عشرة من عشرة مما قدمه القرآن الكريم من معطيات معرفية ok يمر بإحالته على المعارف الحديثة، يقول هذا الرجل لا يمكن لمحمد عليه الصلاة والسلام لو افترضنا أنه هو الذي أنشأ أو ألف هذا الكتاب أن يتعامل مع الكتابين السابقين التوراة والإنجيل برؤية المستقبل يعني يقيس معطياتهم المعرفية في ضوء معرفة لن تتشكل إلا بعد 14 قرنا ثم يسقط منها الخاطئ ولا يستبقي منها سوى العشر لكي يضيفه إلى هذا الكتاب المعجز، لا يمكن لرجل كهذا إلا أن يكون نبيا يتلقى معرفته، وحيه، من السماء. فالمعرفة إذاً.. القرآن الكريم يقدم السقف الأعلى للمعرفة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولكن تبقى القنوات الأخرى كالتاريخ نفسه كالعقل كالحس كالتجريب قد يخطئ وقد يصيب.

عثمان عثمان: طبعا نجد القرآن الكريم يستشهد ببعض الوقائع التاريخية ربما يجعل بعض الأحداث التاريخية أيضا دليلا على صدق القرآن أو النص القرآني، كيف يكون التاريخ مرادفا للقرآن الكريم؟ ما موقع التاريخ من القرآن الكريم؟

عماد الدين خليل: موقع التاريخ أنه.. إحنا يعني في محاولة اعتماد منهج علمي صارم في تحقق الوقائع التاريخية سنجد كيف أن هذه الوقائع التاريخية في حالة الوصول إليها ومطابقتها وليس بالظن والتخمين تأتي مطابقة لما أكد عليه القرآن الكريم، يعني على سبيل المثال فرعون الذي أغرق في ملاحقته لموسى عليه السلام في البحر الأحمر واللي القرآن الكريم أشار إلى أنه سيجعله آية لمن خلفه {..لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً..}[يونس:92] تبين من خلال الدراسات التاريخية أن رمسيس هذا هو نفسه الذي أغرق في زمن موسى عليه السلام ولا يزال جسده المحنط موجودا في متحف مصر للآثار القديمة، إضافة إلى.. هناك وقائع كثيرة جدا بالتحقيق التاريخي يتبين أنها تأتي مطابقة لما أعلن عنه القرآن الكريم، أذكر على سبيل المثال القرآن الكريم عندما يقول {غُلِبَتِ الرُّومُ}[الروم:2] في العصر المكي والمسلمون كانوا مضطهدين تلاحقهم الوثنية من كل مكان {غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ..}[الروم:2- 5] هذا وعد تاريخي في أن حدث ما سيقع بعد بضع سنين يعني كما يقول الدارسون سبع إلى تسع سنوات وكان المسلمون قد حزنوا لهزيمة البيزنطيين النصارى باعتبارهم أهل الكتاب على يد الوثنيين الفرس فوعدهم القرآن بأن النصر آت قريبا لا ريب فيه، وفعلا بعد سبع سنوات استطاعت الدولة البيزنطية زمن هرقل أن تضرب الفرس ضربة في الجزيرة الفراتية قريبة من الموصل ضربة قاصمة كادت أن تكسر عمودهم الفقري فجاء القرآن الكريم بوعده الصادق مطابقا للمعطى التاريخي. هناك وقائع كثيرة يمكن أن يشار إليها في هذا المجال والوقت لا يتسع للاستطالة فيها.

عثمان عثمان: ربما نتحدث عن سنن التاريخ في مرحلة لاحقة دكتور ولكن لو أردنا أن نركز على موضوع التاريخ، هناك من يشكك بأنه لا يمكن الوثوق بالتاريخ باعتبار أن أحداثه جزئية تفصيلية ظنية، أو أن التاريخ قد يكتبه المنتصرون، كيف نثق بالتاريخ؟ عن أي تاريخ نتحدث هنا؟

عماد الدين خليل: والله قدر الإمكان علينا أن نتجاوز مبدأ إما هذا أو ذاك، إما أن التاريخ علم ظني تخميني لا يقوم على أساس، يكتبه المنتصر فيزيف وقائعه وإما أن التاريخ علم منضبط exact science والتاريخ ليس علما منضبطا وإنما علما إنسانيا والعلوم والمعارف الإنسانية not exact science ليست منضبطة وإنما احتمالية، فيبقى دائما التاريخ.. ليش نقول إحنا المعطى التاريخي في القرآن الكريم هو السقف الأعلى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولكن المعطى البشري كل التآليف والتصانيف والمحاولات البشرية في سبر التاريخ البشري قد تحتمل الخطأ والصواب، الآن في القرن العشرين والقرن الذي نعيشه ازدادت مناهج البحث قدرة على مقاربة الوقائع التاريخية، يعني وسائل الوصول إلى الوقائع التاريخية فيما يسمى بالمعارف الموصلة أو العلوم المساعدة أصبحت ميسرة بأيدي الباحثين فأصبح الوصول إلى الحقائق التاريخية وتحديد زمنها ومكانها وتفاصيلها ومنحياتها أكثر بكثير مما كان عليه الحال في القرون الماضية ولكن يبقى التاريخ بكل تأكيد علما احتماليا قد يصدق وقد لا يصدق ويأتي القرآن الكريم ويستخلص من الوقائع التاريخية ما هو يقينا مؤكدا في وقوعه.

عثمان عثمان: دكتور يعني إن القرآن أو إن التاريخ تحكمه سنن ربما هذه هي النقلة النوعية الأبرز التي يقدمها القرآن الكريم في دراسة التاريخ، كيف يمكن توضيح هذه النقطة؟

عماد الدين خليل: هذا هو المستوى الثاني والأكثر أهمية من المستوى التاريخي الأول السردي، في المستوى الأولى القرآن يسرد وقائع، في المستوى الثاني يذهب إلى ما وراء الوقائع لكي يستخلص السنن أو ما يسميه فلاسفة التاريخ بقوانين الحركة التاريخية تلك القوى التي ترفع الأمم والقوى التي تخفضها وتقودها إلى فقدان الفاعلية وإلى الشلل وإلى الانهيار.

عثمان عثمان: ربما تحدث ابن خلدون موسعا في هذا الموضوع.

عماد الدين خليل: ابن خلدون جاء بعد حوالي سبعة قرون لكي يؤكد سننية الحركة التاريخية والحال أن هذه السننية وللأسف الشديد لم يشر إلى أنه قد سبق بالقرآن الكريم إلى قضية الكشف عن أن التاريخ لا يتحرك، تتحرك أو تتشكل حوادثه فوضى وعلى غير هدى وإنما وفق سنن منضبطة إذا اجتمعت أسبابها في حالة معينة تقود إلى نتائج محددة يقينا وإذا اجتمعت بصيغة أخرى تقود إلى نتائج أخرى يقينا، والقرآن الكريم يقدم الكثير الكثير في هذا المجال، في مجال قوانين الحركة التاريخية كما يسميها فلاسفة التاريخ. فإحنا لو ندخل كما دخلنا في اللحظات السابقة على النص القرآني بعقلية المؤرخ ووجدنا بعض التأشيرات الأساسية في المعطى التاريخي للقرآن، الآن نريد أن ندخل على النص القرآني من منطوق فيلسوف التاريخ أو فلاسفة التاريخ فسنجد أن القرآن الكريم يقدم من قوانين الحركة التاريخية ما لم يكتشفه العقل الوضعي البشري ممن جاؤوا فيما بعد، كروتشه وأرنولد توينبي وهيغل وشبنغلر وآخرون، إلا بعد قرون طويلة جاءت كشوفاتهم لسنن التاريخ وقوانين الحركة التاريخية مطابقة لما كان القرآن الكريم قد أعلن عنهم، يعني أذكر على سبيل المثال في تعقيبه على واقعة أحد {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ..} قوانين الحركة التاريخية{..فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ..} -إن الشرطية- {.. إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..}[آل عمران:137- 140] ما قال بين المؤمنين، قال بين الناس، أي أن الشعوب كلها عرضة على الإطلاق لأن تنتكس وترتكس وتخرج من التاريخ إذا لم تأخذ بالأسباب وتنتبه جيدا إلى قوانين الحركة التاريخية التي ترفع وتخفض، إضافة إلى هذه الآية هنالك الآية الكريمة التي تشير إلى التدافع {..وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ..}[البقرة:251] مفهوم التدافع هذا هو اللي حرك الحياة البشرية واللي يحكم التاريخ البشري من بدئه حتى منتهاه، هناك مفهوم التغاير {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..}[هود:118، 119] أي خلقهم للتغاير والاختلاف، هذا المنطوق الواقعي حقيقة -إذا صح التعبير- واقعية القرآن الكريم التي ترفض يعني ما يخرج عن مفاهيم الحركة التاريخية وتعطينا هذه المفاهيم بمصداقية كاملة ويجيء التاريخ لكي يؤكد هذه المصداقية يوما بعد يوم.

عثمان عثمان: طبعا القرآن أيضا أحال إلى السنن هذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول وربما ذكرتم بعضها، هذه السنن دكتور كيف نفهمها؟ كيف نسبر أغوارها دون أن نغرق في التفاصيل والجزئيات؟

عماد الدين خليل: هي تلم حقيقة يعني كل منظومة بالوقائع والأحداث تتحرك أو تتشكل في نسق معين تربطه من الداخل إذا صح التعبير فيما وراءه سنة من سنن التاريخ قانون من قوانين الحركة التاريخية، فنحن بدلا من أن نغرق بالوقائع والتفاصيل الجزئية علينا أن نمسك بتلابيب قانون الحركة التاريخية أو السنة التاريخية لكي نعرف بالضبط لماذا حدثت الوقائع بهذا الشكل ولم تحدث بشكل آخر، يعني السنن التاريخية هي الرابط الذي تتفجر عنه أو تنطلق منه منظومة كبيرة من الوقائع والأحداث ولكن هذه المنظومة الكبيرة من الوقائع والأحداث تجتمع لكي يمسكها رباط واحد هو قانون الحركة التاريخية إن صعودا لهذه الأمة أو تلك وانتشارا في الأرض وإن انكماشا وشللا في الفاعلية وانهيارا في الفاعلية وخروجا من التاريخ، ولهذا القرآن الكريم يقول {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[الرعد:41] هذا القانون تنطوي تحته مصائر الأمم كلها، كل الأمم انتهى بها الأمر إلى الانكماش وفقدان الفاعلية والخروج من التاريخ، اذكر لي أمة واحدة أو إمبراطورية واحدة أو مملكة واحدة لم ينزل عليها قدر الله ويخرجها من التاريخ؟ أبدا على الإطلاق حتى في اللحظات الراهنة، في القرن العشرين نحن وجدنا مجموعات كبيرة من الدول والتشكيلات السياسية العظمى انتهى بها الأمر إلى المصير نفسه {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا..} أي نضيق عليهم الخناق سواء كانت إمبراطورية أو حضارة أو أمة كبيرة {..نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا..} والذي يحكم هذا العالم هو الله وليس هذا الزعيم أو ذاك، {..لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ..} ليس ثمة استئناف لحكم الله في مصائر الأمم والشعوب وهذا الحكم قد ينزل على الأمة الإسلامية نفسها إذا لم تعرف كيف تأخذ بالأسباب فهو المنطوق العادل الذي ينزل على الأمم كافة مسلمة وغير مسلمة إذا لم تحسن التعامل مع قوانين الحركة التاريخية وتأخذ بالأسباب.

عثمان عثمان: دكتور طبعا ربما ذكرتم مصطلح الفلسفة لو أردنا أن نسأل بشكل نوضح الموضوع بشكل أوسع، أي فلسفة يقدمها القرآن الكريم للتاريخ؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

فلسفة التاريخ وجوانب علم التاريخ



عثمان عثمان: أهلا ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان حديث القرآن عن التاريخ مع الدكتور عماد الدين خليل. دكتور سألتك أي فلسفة للتاريخ يقدمها القرآن الكريم؟

عماد الدين خليل: القرآن الكريم الحقيقة هذا يذكرني بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام بخصوص الفلسفة والتعامل الفلسفي مع الظواهر والوقائع والأشياء، يحذرنا الرسول عليه الصلاة والسلام من أن نمارس ما يسمى بفلسفة الميتافيزيقا، ما وراء المنظور لأن هذه معني بها الدين، الدين هو الذي يقدم الإجابات على الأسئلة التي تؤرق الضمير البشري حول الوجود الكوني والوجود الإنساني..

عثمان عثمان: عالم الغيبيات.

عماد الدين خليل: وعالم الغيبيات. يعني الأديان قد كفت الإنسان مؤونة محاولة إعمال العقل في ما وراء المنظور لأن المسألة لا تأتي بنتيجة في ما يسمى بفلسفة الميتافيزيقا أو فلسفة الغيبيات لكنه وقال عليه الصلاة والسلام "فكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله" لأن التفكير في ذات الله يستعصي على العقل البشري الذي لم يهيأ لهذه المهمة وإنما هيئ للتنقيب في الأرض لإعمال قدراته في إعمار العالم واستخراج طاقات هذا العالم وبناء حياة جديرة بأن تعاش، إنما فلسفة التاريخ، القرآن الكريم يعطينا.. وهو لا يسميها فلسفة بطبيعة الحال وإنما نحن الذين يعني ننزل عليها هذا المصطلح باعتبارها معنية بنفس ما يعنى به فلاسفة التاريخ وهي البحث في قوانين الحركة التاريخية التي ترفع الأمم وتشكل القوى العظمى في هذا العالم أو التي تقودنا إلى الشلل والانهيار والخروج من التاريخ، هذا معنى فلسفة التاريخ أن نبحث بالقوى  الدافعة والقوى الساحبة إلى الوراء والتاريخ البشري كله عملية امتداد وتداول مستمر بين الأمم والشعوب، كما يقول القرآن {..وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..} يعني اليوم إحنا قاعدين في هذا -إذا صح التعبير- الناعور الذي يلف في الهواء وتجد أن هذا الشخص أقدامه فوق رأس اللي تحته، في الفترة الثانية اللي تحته رح تصير أقدامه فوق رأس هذا الشخص، فكأن التاريخ البشري فعلا مداولة متواصلة يرفع الأمم ويخفضها ويجعل المستضعفين في الأرض يملكون الزمام في يوم ما إذا أخذوا في الأسباب والمستكبرين ينزلوا إلى أسفل السافلين، تلك هي سنة الله في خلقه والتدافع مستمر إلى يوم الحساب وليس ثمة نهاية للتاريخ كما يرى فرانسيس فوكوياما الأميركي الذي ادعى بأن الوضع التاريخي سيستقر إلى ما لا نهاية في الحالة الليبرالية الأميركية وأن الحالة هذه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق لأن التاريخ ماض إلى يوم الحساب ولن يوقفه شيء ولن نجد أنفسنا أمام حالة سكونية للتاريخ البشري، الحالة السكونية لن تتحقق إلى يوم الحساب، أيهما أكثر واقعية، نظرية فرانسيس فوكوياما الذي يشير فيها إلى سكون التاريخ في حالة معينة وعدم تحركه فيما بعد أم القرآن الكريم الذي يؤكد أن الحركة التاريخية مستمرة إلى يوم الحساب؟ {..وَتِلْكَ الأيَّامُ..} مرة أخرى {..نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..}.

عثمان عثمان: دكتور نأخذ بعض المشاركات، يحي نمر من فلسطين السلام عليكم.

يحيى نمر/ فلسطين: وعليكم السلام. أستاذي الكريم، أستاذنا الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، هو أستاذي طبعا لم يرني إنما أنا تتلمذت على يدي كتبه. الآن أستاذي الكريم كنا في الصغر نتعلم التاريخ وصناعة التاريخ من خلال السرد ثم بعدها التحليل والأخذ بهذا التحليل وبعدها مثل ما بيقولوا إنه نهاية الواقعة وموجزها لكن عندما تعلمنا من كتاب الله تبارك وتعالى رأينا في هناك توازن بين السرد التاريخي وبين السنن فأخذنا انطباعا أكثر، الآن هذا لفت انتباهي من خلال الدراسة القرآنية أن هناك مقومات لبناء التاريخ أو مقومات لدراسة التاريخ الإنساني والبشري معا وجدت هذا في كتاب الله تبارك وتعالى في أربعة أمور هي رئيسية، أول إشي الجيوفيزيائية أو القشرة الأرضية ودوراتها..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخي يعني عفوا إذا كان..

يحيى نمر (متابعا): لا، أريد، نفسه بموضوعي. الآن الله بعدها الديموغرافية وتوزيع..

عثمان عثمان (مقاطعا): لن أستطيع أن آخذ.. هل لديك سؤال مباشر للدكتور؟

يحيى نمر: هو أنا هذا الآن.. الآن بعدها اللسان ومسألة اللسان والثقافة وبعدها السنن ومعها السن، الآن هل هذه العناصر الأربعة تدخل من خلال التحليل التاريخي ودراسة التاريخ ومقومات التاريخ؟ هذا هو السؤال لأستاذنا الله يبارك فيكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ صفاء الشيخلي من الدنمارك.

صفاء الشيخلي/ الدنمارك: تحية لك ولضيفك المبجل. يا سيدي قال السيد المبجل المحترم ضيفك الكريم أن فيلسوفا أو ملحدا فرنسيا قد أسلم بعدما وجد أن العلوم الموجودة في القرآن متطابقة مع علومه -هذا الفيلسوف قصدي- عشرة من عشرة، أنا سؤالي يكمن بالتالي ما كان جواب هذا الفيلسوف على الآية القرآنية التي تقول {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ..}[النحل:15] الرواسي، الجبال. علماء الجغرافيا يحددون ويقولون بأن الجبال الموجودة على سطح الكرة الأرضية كالبثور الموجودة على البرتقالة لا تؤثر فيها ولا على جاذبيتها بينما القرآن يقول {..تَمِيدَ بِكُمْ..} هي وجدت لسبب ضبط توازن الأرض. أرجو أن يتسع صدركم الكريم لسؤال آخر، في آية أخرى في القرآن الكريم تقول {..وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الأحزاب:62] بينما كثير من العلوم الموجودة في القرآن تتنافى -حسب اعتقادي، مع كل احترامي لمشاعركم ولمشاعر كل الناس- تتنافى مع النواميس الطبيعية. شكرا جزيلا.

عثمان عثمان: شكرا صفاء الشيخلي من الدنمارك. جنان عكاري بريطانيا.

جلال العكاري/ بريطانيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييك وأحيي الدكتور عماد بن خليل هذا الشيخ الذي عندما كنا في تونس العاصمة في جامعة سبحان الله قرب جامع الزيتونة كنا نعرف كتبه ولكن نحن الآن يعني فرحنا بوجوده في قناة الجزيرة، هذا أولا.

عثمان عثمان (مقاطعا): مرحبا بك، تفضل بسؤالك أخي الكريم.

جلال العكاري: ثانيا أريد أن أسأل فضيلة الدكتور، لي عندك طلب يا أستاذ عثمان بعد أن أسأل الدكتور، فضيلة الدكتور عماد بن خليل هناك كتاب اسمه "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة قيل إن هذا الكتاب لم يؤلفه الأستاذ ابن قتيبة ولكنه نسب إليه، هذا السؤال الأول هل هذه حقيقة أم لا؟ هذا السؤال الأول. السؤال الثاني لماذا كثير من المسلسلات العربية لا أسميها تشوه التاريخ الإسلامي تأتي على أساس مثلا هارون الرشيد أو أهل السنة وغيرهم كانوا مولعين يعني بالغناء وبالطرب وبالفساد وهذه المسلسلات مأخوذة من التاريخ ولعلكم لاحظتم هذا فضيلة الدكتور، أرجو منكم التعقيب على هذا. ثانيا أستاذ عثمان عثمان يطلب منك أن تستدعي بعض علماء غزة مثل الدكتور يونس الأسطل أو الدكتور ماهر الحولي أو الدكتور مروان أبو راس وسالم السلامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. دكتور باختصار مفيد يعني ماذا تعلقون؟

عماد الدين خليل: والله يعني أتمنى أن أتلقى الأسئلة يعني..

عثمان عثمان (مقاطعا): الأخ جلال ربما ركز على موضوع العصر العباسي وما كان يجري فيه من مجون ومصادر هذه الأحداث التاريخية.

عماد الدين خليل: نعم. أنا ذكرت الحقيقة قبل دقائق أن علم التاريخ علم احتمالي وأن الكثير من المرويات لا تصمد أمام النقد التاريخي وما قيل عن العباسيين تمت.. يعني انطوى على قدر كبير من المبالغة فيما يتعلق بالمجون لأنه كتب بأيدي عناصر مضادة للعباسيين وبالتالي نتوقع أن تشويها ما سيحدث في المرويات التي تتحدث عنهم وهذا نفسه الذي حدث مع الأمويين وحتى مع العصر الراشدي، يعني التاريخ ينطوي على قدر كبير من الأهواء والميول والتحزبات التي تقلب الأبيض أسودا والأسود رماديا إذا صح التعبير، فعلينا ألا نستسلم للمرويات خاصة إذا كان المصدر من مصادر التاريخ الأدبي وليس التاريخ السياسي العام، يعني على سبيل المثال أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني اللي يقدم هذه المرويات بغزارة كبيرة عن العصر العباسي ويعطي صورة كاحلة عن هذا العصر باعتباره عصر مجون في الحقيقة ثبت بالنقد التاريخي أن مرويات أبي الفرج الأصفهاني لا تصمد أمام هذا النقد ولا يمكن التسليم بها بسهولة.

عثمان عثمان: الأخ صفاء الشيخلي يقول {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}[فاطر:43] يقول إن هناك ربما الواقع من بعض ما يجري يتناقض مع مفهوم هذه الآية ولم يعط مثلا على ذلك.

عماد الدين خليل: كيف؟ لا بد من الأمثلة لكي نناقشه في ضوئها، يعني المسألة لا يناقش فيها أحد وهي معلوم من الدين بالضرورة أنه {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} يعني ذكرت قبل قليل {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا..} سنة إلهية في أن المنشار الإلهي ينزل على كل الأمم والجماعات والشعوب والإمبراطوريات والممالك ويخرجها من التاريخ، وليأتني أي شخص بدولة واحدة أو إمبراطورية واحدة أو حضارة واحدة لم ينزل عليها هذا المنشار الإلهي فيفترسها ويضيق عليها الخناق ثم يخرجها من التاريخ، هذه سنة إلهية والتدافع والاختلاف البشري والتغاير وكل ما ذكر عبر هذا اللقاء وما لم يذكر قد يعطينا مؤشرات على أن سنة الله لن تجد تبديلا على الإطلاق لأنها تنطوي على وعد إلهي بأن ما يريده الله سيتحقق بكل تأكيد وذكرت أيضا مثل على واقعة الصراع البيزنطي الفارسي الذي وعد به القرآن وتحقق في نهاية الأمر.

مسائل حول فهم حركة التاريخ وقيمته المرجعية



عثمان عثمان: الأخ عدنان يقول سليمان عليه السلام.. القرآن مختلف تماما عما نجده، طبعا سليمان القرآني، مختلف تماما عما نجده في التاريخ حسب اليهود والنصارى، هل يمكن أن نقول إن القرآن يستعمل الأسطورة أم أن هناك ما يخفى علينا لا نعرفه؟ كيف يمكن قراءة هذه القصص مع العلم أنه من المفسرين من ذهب مثلا إلى تأويل الطير على أنه مناصب في جيش سليمان على سبيل المثال؟

عماد الدين خليل: ذكرت أيضا في سياق الحديث عن الجهد الكبير الذي بذله موريس بوكاي في تحقيق بعض المعطيات التاريخية القرآنية ومضاهاتها مع المعطيات التاريخية الواردة في التوراة والإنجيل وتبين له بالإحالة على الكشوف الأكثر حداثة في المجال التاريخي أن ما قاله القرآن الكريم ينطوي على المصداقية المطلقة، يعني أذكر على سبيل المثال سورة يوسف، في سورة يوسف لا يرد اسم فرعون على الإطلاق لأن يوسف ظهر في الفترة الهكسوسية التي حكم فيها الهكسوس مصر وأخرجوا الفراعنة دفعوهم إلى بلاد النوبة وسيطروا على مقدرات مصر وشكلوا مملكة واللي كان يحكم مصر آنذاك كان يسمى ملكا وليس فرعونا فسنجد اسم الملك يتردد في سورة يوسف ولا تجد أي أثر لاسم فرعون، أية مصداقية تاريخية هذه تنطبق في الوقت الذي كان محمد عليه الصلاة والسلام لا يكاد يعرف شيئا عن هذا التاريخ الموغل في القدم والذي لم يتحقق أو لم يحقق إلا في العصور الحديثة في هذه المراحل الأخيرة التي تبين فيها أن يوسف ظهر في العصر الهكسوسي الذي كان يحكم فيها مصر الملوك وليس الفراعنة. وما أكثر الأمثلة التي لا يتسع الوقت لإيرادها ولكن يكفي ما قيل في هذا اللقاء قبل دقائق معدودات من مصداقية المعطى التاريخي في القرآن سواء كان هذا معطى سرديا أو كان بصيغة قانون حركة تاريخية وفي الحالتين معا.

عثمان عثمان: دكتور، الأخ يوسف همال من الجزائر يعني يبلغكم التحية ويثني عليكم وعلى مؤلفاتكم ثم يسأل هل نستطيع أن نوظف أو أن نستخدم الوقائع التاريخية في القرآن الكريم كبراهين مادية ووثائقية للتاريخ تساعد على التنبؤ مسبقا وبيقين شبه رياضي حسابي بالعواقب الحتمية لسلسلة من الوقائع التاريخية المعينة؟

عماد الدين خليل: والله مسألة المستقبليات يعني القرآن الكريم حقيقة كان اقتصر على وقائع محددة تحدث فيها عن المستقبل، المستقبل أيضا في سياق الفعل التاريخي أو الحركة التاريخية ولكن كان يركز دائما القرآن الكريم على الواقع وعلى الماضي وبالتالي نحن لا نستطيع أن نتحدث باستفاضة عما يقوله القرآن الكريم عن المستقبل، القرآن الكريم يتحدث عن المستقبل في سياق آخر، في سياق يوم القيامة ويوم الحساب لكن ما سيحدث تاريخيا هذا الذي يعني به المؤرخون في علوم المستقبليات وحتى ما يعني به أيضا المعنيون بالحديث النبوي فيما يسمى أيضا بالمستقبليات يعني الملاحم والفتن وأشراط الساعة الصغرى والكبرى وإلى آخره مما أفاض فيه الحديث النبوي، إنما القرآن اقتصر وإلى حد كبير على بعض الإشارات المستقبلية التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

عثمان عثمان: نعم. دكتور كيف نرجع لهذا التاريخ قيمته المرجعية؟

عماد الدين خليل: بأن نعتمد مناهج البحث الحديثة والتي تعتمد التحقيق وتوظيف العلوم المساعدة للوصول إلى الوقائع التاريخية كما تحققت فعلا لا كما يراد لها أن تكون، أن نبعد التحزبات والأهواء وإسقاط معطيات العصر الحاضر على الوقائع التاريخية وأن نجعل الوقائع نفسها تتكلم أو تتحدث بما كانت عليه فعلا لا بما يراد لها أن تكون، يومذاك نستطيع أن نقول بأن هذه الوقائع التاريخية التي أُعمل فيها منشار التحقيق والتدقيق والبحث العلمي وتوظيف آليات منهج البحث الحديث، كما يحدث الآن في الجامعات يعني الآن مئات من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه تكتب وفق منطوق مناهج البحث الحديثة وتصل إلى نتائج قريبة من الصواب، لا أقول مطابقة لأنه دائما يبقى العلم الإنساني الـ  humanity sciences لا يمكن إلا أن يكون علما احتماليا، بس بحقق مقاربة كبيرة، المطلوب إحنا في البحث التاريخي أن يحقق مقاربة كبيرة ولا أن يحقق مطابقة كما يحدث في عالم الفيزياء والكيمياء، في عالم الفيزياء exact science لا بل حتى في عالم الفيزياء والكيمياء الكشوف الأكثر حداثة في مجال فلسفة العلم تؤكد أنه يصعب السيطرة على الظواهر الفيزيائية وكما كان يعني يتوقع سابقا وأصبحت خارج نطاق السيطرة والهيمنة والحكم المسبق على مصائر حركة الجزيئات والذرات وتشكيلاتها.

عثمان عثمان: دكتور، ربما ضاق الوقت، في البعد الحضاري البعد الثالث لنقل، ما الجديد الذي يقدمه الإسلام في الرؤية الحضارية؟

عماد الدين خليل: المستوى الثالث للعرض التاريخي القرآني هو قضية يعنى بها دارسو الحضارات، ما الذي قدمه القرآن الكريم بخصوص قيام الحضارات واستمراريتها وصيرورتها دائما نحو الأفضل والأحسن؟ هنالك في الحقيقة شبكة من الشروط التي يقدمها القرآن الكريم وقد نجد بداياتها الأولى في الآيات 30- 39 من سورة البقرة التي تحدثنا عن بداية الخليقة وعن خلق آدم عليه السلام، تعطينا صورة واضحة ومحكمة في تماسكها وتسلسلها عن بداية الخلق وعن مهمة الإنسان في هذا العالم وهي مهمة حضارية بكل تأكيد {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..}[البقرة:30] هذه الضربة الأولى، {..قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة:30، 31] إلى آخره، نجد في هذا المقطع القرآني الذي ينطوي على 11 آية أو على عشر آيات حديث محكم ومتماسك عن بداية الخلق ومهمة الإنسان في هذا العالم وهي مهمة حضارية، يخلق آدم في أحسن تقويم، يمكنه جسديا وعقليا وروحيا ووجدانيا وإراديا يعني يكون كائنا فعالا قديرا على الأداء ولا يكتفي بهذا وحتى لا يشعر هذا الكائن الجديد بالدونية إزاء الملائكة طلب من الملائكة أنفسهم أن يسجدوا له دلالة على محاولة لتكريم هذا الكائن الجديد ودفعه لأداء دوره بأعلى الوتائر، ثم القضية لم تقف عند هذا الحد وإنما كان لا بد من مجابهته بقوة مضادة من أجل إيجاد الجدل أو الحوار أو التناقض أو التقابل بين طرفين لتحريك الحياة فكان الشيطان الذي يعني الشر بكل معانيه وكان على الإنسان حتى لا يقعد ساكنا مطمئنا إلى وضعه أن يقاوم، في المقاومة تتشكل الحضارات كما يقول توينبي، كلما استطاعت الأمم أن تقاوم أكثر أن تجابه قوى الشر والمصاعب التي تجابهها كلما كانت أكثر قدرة على الأداء الحضاري على الفعل الحضاري على الصيرورة الحضارية على بناء الحضارات، فالقرآن الكريم إذاً يقدم لنا تصويرا، تصورا محكما عن خلق آدم، منحه الاستعدادات الكافية، تكريمه ومجابهته بإبليس ثم تجربة لا أقول السقوط إلى الأرض وإنما الهبوط إلى الأرض وقد لا يجوز أن يكون هبوطا من أعلى إلى أسفل وإنما هبوط قد يكون أفقيا {..اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ..}[البقرة:61] يعني داخل الأرض التي خلق فيها لكي يؤدي دورا عمرانيا، {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة:38]،  {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ..}[البقرة:37] الكلمات هي المنهج الإلهي هي الأديان التي سيقدر لها أن تنزل بين حين وحين لكي تقود البشرية إلى الصراط وهي تمارس فعلها ودورها الحضاري، يعني ها هنا في الحقيقة قبالة هذه الآيات نجد أنفسنا أيضا أمام تسخير هذا العالم للإنسان الذي استخلف عليه لكي يؤدي مهمة عمرانية تجعل العالم صالحا لعبادة الله التي هي مركز وبؤرة الوجود البشري في هذا العالم.

عثمان عثمان: وربما هنا أحد الأخوة المشاهدين -خالد- يقول كيف نطبق قوانين الحركة التاريخية من خلال القرآن في واقعنا المعاصر؟ ومن المسؤول عن تطبيقها؟ ولكن لم يتبق معي إلا أكثر من دقيقة بقليل.

عماد الدين خليل: والله هنالك إحنا إذا تذكرنا قوانين التدافع والتغاير وقوانين الحركة التاريخية التي يعطيها القرآن هذا الاهتمام الكبير ألا نهن وألا نحزن وأن علينا إذا أردنا أن نرجع ثانية إلى التاريخ وبالمنطوق القرآني أن نمسك بالأسباب أن نأخذ بالأسباب وبدون الأخذ بالأسباب فإن ألف سنة من الدعاء المجرد عن الفاعلية لا يمكن أن يخرج هذه الأمة من وضعها الراهن، لا بد من الأخذ بالأسباب والأخذ بالأسباب منظومة كبيرة وشبكة معقدة تتطلب التعامل معها بجدية كاملة من أجل أن تخرج هذه الأمة من حالة ضعفها وانهيارها إلى حالة التقدم والقدرة على الأداء والفاعلية.

عثمان عثمان: أشكركم الدكتور عماد الدين خليل أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في عدد من الجامعات العربية. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج سلام الأمير وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.