- معنى الهداية ودلالات الألفاظ المتعلقة بها

- طرق الهداية ومراتبها
- أسباب الهداية وموانعها

عثمام عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ..}[الفاتحة: 6 و7]، الضلال حيرة والحيرة قلق والهدى إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين، فما السبيل إلى الهداية؟ وما أسبابها؟ وكيف نكون من المهتدين؟ طريق الهداية موضوع حلقة اليوم من برنامج "الشريعة والحياة" مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلا وسهلا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: أهلا وسهلا.

عثمان عثمان: قبل الدخول في محاور الحلقة يبدو أن لديكم كلمة تودون قولها.

يوسف القرضاوي: نعم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فيبدو أن هذا العام عام فقد العلماء والدعاة، من قريب تحدثنا عن عالمين أو علمين من أعلام العلماء والدعاة في موريتانيا وقبل ذلك تحدثنا عن علمين آخرين من العلماء والدعاة من مصر، الدكتور حسان حتحوت والدكتور توفيق الشاوي، وقبل ذلك، وقبل ذلك، واليوم ودعت لبنان وودعت الأمة العربية والإسلامية عالما من علمائها وداعية من كبار دعاتها ولسانا من ألسنة الصدق في الدعوة إلى الله وإلى الإسلام العظيم، ودعت الأمة الإسلامية الداعية الشهير الأستاذ فتحي يكن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمده برحمته وأن يسكنه الفردوس الأعلى، فتحي يكن أحد الدعاة الذين تركوا بصماتهم على الدعوة والحركة الإسلامية بلسانه وقلمه وكتبه ومحاضراته وخطبه وأشرطته، وكان له تأثير لا ينكر حوالي نصف قرن أو تزيد من الزمان، ارتحل من لبنان إلى بلاد شتى وإلى أقطار شتى في الشرق وفي الغرب داعية إلى الله وكان له تلاميذه وكان له مريدوه ومحبوه وقارئو كتبه، وقد التقيت به كما التقى به غيري في ساحات الدعوة في لبنان وفي غير لبنان في العالم الإسلامي كله، والآن ودعته الأمة الإسلامية وودعه لبنان وودعته الجماعة الإسلامية في لبنان وودعته الحركة الإسلامية باعتباره أحد أعلامها ورجالها المؤثرين. لا ينكر أحد ما كان لفتحي يكن من فضل وتأثير على الأجيال المسلمة المعاصرة، ربما خالفته في بعض المفاهيم التي دعا إليها مثل اعتباره أن الشورى ملزمة من أمراض الحركة الإسلامية وأنا أتبنى إلزامية الشورى ولا معنى للشورى إذا كانت معلمة ولم تكن ملزمة، خالفته في موقفه الأخير وفي بعض المفاهيم التي تبناها كما خالفه جمهور إخوانه في لبنان ولكن هذا لا يسقط تاريخه ولا يلغي اعتباره، لست من الإسلاميين الغلاة الذين يهدمون الشخص بسبب موقف من مواقفه أو بسبب سلوك من سلوكياته فهذا التاريخ الحافل لا يمكن أن يهدم ولا يمكن أن يحبط بموقف من المواقف وخصوصا إذا كان مبنيا على اجتهاد، نسأل الله ألا يحرمه أجر المجتهد إذا أخطأ. لقد ودعنا الأخ العزيز علينا الحبيب إلينا الأثير لدينا فتحي يكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبله في الصالحين من عباده وفي العلماء العابدين والدعاة الصادقين، ونقدم عزاءنا إلى أسرته الكريمة، إلى الأخت الفاضلة الدكتورة منى وإلى أولاده وإلى إخواننا في لبنان وإلى رجال الدعوة الإسلامية جميعا، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا أجره وألا يفتننا بعده وأن يغفر لنا وله.

معنى الهداية ودلالات الألفاظ المتعلقة بها

عثمان عثمان: آمين، بارك الله فيكم فضيلة الدكتور. يعني بالعودة إلى موضوع الحلقة طريق الهداية. فضيلة الدكتور نقرأ في كل ركعة من ركعات الصلاة {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، نسأل الله تعالى الهداية، يدعو بعضنا لبعض بالهداية، بداية ما الهداية؟

يوسف القرضاوي: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. الهداية هي الدلالة على الطريق سواء كان طريقا حسيا أم طريقا معنويا، الطريق الذي يوصل إلى الغاية، الله جعل النجوم لنهتدي بها {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..}[الأنعام:97]، {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }[النحل:16]، هذه هداية إلى الطريق الحسي، هناك دليل يدل الإنسان على الطريق الذي يريده مثل الإشارات التي تكتب بتاع هذا يذهب إلى من أراد أن يذهب إلى كذا من هنا ومن هنا، دي كلها دلالات هداية ولكن الهداية الأهم هي الهداية إلى الحق، إلى طريق الله، الطريق الذي يوصل الإنسان إلى مرضاة الله إلى السعادة في الدنيا والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، هذه الهداية التي كلنا يسأل وهي التي يسميها القرآن الهداية إلى الصراط المستقيم، ولذلك علمنا القرآن في سورة الفاتحة، فاتحة الكتاب وأم القرآن التي أمرنا أن نتلوها في كل صلاة من صلواتنا المفروضة الخمس أو المسنونة أو النوافل التي فتح التطوع بها في الليل والنهار، نقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ونقول في هذه الفاتحة {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}[الفاتحة: 6، 7]. ما معنى اهدنا؟ ألسنا مهدين؟ مسلمون، اهتدينا إلى الإسلام وآمنا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وبالقرآن إماما ومنهاجا، فما معنى اهدنا؟ معنى اهدنا يعني يا رب ثبتنا على الهدى، لأن هناك من الناس من يهتدي ثم يزيغ وهذه مصيبة، لذلك من أدعية المؤمنين {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً..}[آل عمران:8] فالاستمرار في الهداية حتى لا يبتعد الإنسان عن هذا الطريق بالمغويات والمضلات التي تضل الإنسان عن طريق الحق، هذه معنى اهدنا، ثبتنا أو زدنا هدى لأن الهداية طريقها مستمر، الله تعالى يقول {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}[محمد:17]، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى..}[مريم:76] فالهدى يعني مستمر وممتد، ويزيد {..وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}[طه:114] فالإنسان يحب أن يزداد هدى من الله، فمعنى يا رب اهدنا إلى الصراط المستقيم، ثبتنا على هذا الصراط المستقيم ولا تزغ قلوبنا عنه أو زدنا هدى حتى نصل إلى الهداية الكاملة، الهداية إلى الجنة وإلى طريق الجنة.

عثمان عثمان: مولانا يعني هناك ألفاظ أيضا في القرآن الكريم مهتدون، هنالك ألفاظ ضالون، غاوون، ما الفرق بين هذه الصفات جميعها؟

يوسف القرضاوي: هناك الضلال يقابله الهدى والرشد يقابله الغي، فالهدى أو الهداية أن تعرف الحق، أن تعرف الحق وتتبعه ويقابله الضلال أن لا تعرف الحق، وهناك الرشد والغي، هذا يتعلق بالسلوك، السلوك أحيانا الإنسان يهتدي ولكنه لا يكون سبيله سبيل الراشدين بل سبيل الغاوين فيمشي في طريق الفساد ولذلك إذا رزق الإنسان التوفيق من الله اهتدى ورشد، والله سبحانه وتعالى قال عن رسوله محمد {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}[النجم:1، 2] يعني لم يضل من ناحية العقل عن طريق الهدى ولم يغو عن طريق السلوك، بل هو عقليا اهتدى إلى طريق الحق ووصل إليه وصولا كاملا وسار على هذا الطريق، طريق الراشدين، فالله تعالى قال عن سيدنا إبراهيم {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ..}[الأنبياء:51] أوتي الرشد. في الرشد رشدان، رشد بالسن نقول الإنسان بلغ الرشد {..فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً..}[النساء:6] وفي رشد بالعقل وبالعلم، أوتي من العلم ما به رشد {..رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}[الكهف:10]،  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة:256]، وذم الله قوما فقال {..يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً..}[الأعراف:146] فالإنسان الذي يعني كمله الله عز وجل يكمله بالهداية وبالرشد فبالهداية يعرف الحق وبالرشد يتبع الحق ويسلك سبيله.

عثمان عثمان: فكل راشد مهتدى وكل مهتدى هداية تامة هو راشد؟

يوسف القرضاوي: آه، إذا اهتدى هداية تامة فهو راشد وإلا قال الله عن بعضهم {..قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}[الأنعام:140] فهؤلاء ليسوا لا راشدين ولا مهتدين.

عثمان عثمان: في الموضوع أيضا فضيلة الدكتور، الله تعالى يقول في كتابه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69] يعني يلاحظ من هذه الآية أن الله تعالى علق الهداية بالجهاد، ما دلالة ذلك أيضا؟

يوسف القرضاوي: آه، المراد بالهداية هنا الهداية الكاملة التي تتضح بها الحقائق للإنسان ويستنير أمامه الطريق ولا يكون في حياته غبش، كل شيء وضح له تماما، هذا لا يأتي عفوا صفوا ولكن يأتي بطريق الجهاد، لا بد من رياضة النفس لا بد من الجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "المجاهد من جاهد هواه" وفي حديث في رواية أخرى "المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل" فهذا الجهاد هو الذي يوصل الإنسان إلى الهداية، ليس الجهاد في الإسلام هو الجهاد الحربي فقط أنك تحمل السيف، لا، هذا جهاد لا يحتاج إلى أن تحمل سيفا ولكن يحتاج إلى أن تروض نفسك حتى ترتاض معك. النفس بطبيعتها أمارة بالسوء -أخذنا حلقة في هذا- والنفس إذا تركت وغريزتها وأهوائها يمكن أن تضل بالإنسان سواء السبيل، فالإنسان بحاجة إلى أن يضبط نفسه بضوابط الهداية الإلهية، النفس تتمرد على هذا لأنها تحب الشهوات وتحب الدنيا وتحب الذات فإذا لم يلجمها الإنسان بلجام التقوى ويوقفها عند حدود الله ستتمرد عليه وتمشي في طريق الشيطان وهذا لا يأتي بسهولة ولكن لا بد من جهاد كما قال الله تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس:7- 10] هي ألهمت الفجور كما ألهمت التقوى، فيها قابلية للأمرين، كما قال تعالى {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد:10] طريقين طريق الخير وطريق الشر طريق النور وطريق الظلام طريق الهدى وطريق الضلال، فقابلة، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان:3] فكيف تأخذ النفس من الكفران إلى الشكران ومن الضلال إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة؟ هذا يحتاج إلى جهاد، إلى أن الإنسان يلزم نفسه بأشياء ويراقبها في العمل ويحاسبها قبل العمل وبعد العمل، حتى تستقيم على أمر الله {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[هود:112].

عثمان عثمان: في موضوع الهداية أيضا فضيلة الدكتور هناك بعض النصوص القرآنية من الكتاب وهناك نصوص أيضا نبوية ربما البعض يتوهم فيها أن الهداية من الله عز وجل وأن ليس للإنسان خيار في هذا الموضوع كمثل قوله تعالى {.. اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}[الشورى:13] كذلك الحديث القدسي "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" ما الفهم الصحيح لمثل هذه النصوص؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

طرق الهداية ومراتبها

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان طريق الهداية مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي كنت قدمت بآية وحديث البعض يفهم منها أن الإنسان ليس له خيار في موضوع الهداية وربما أحد الأخوة المشاهدين يقول هل الهداية صفة اختص الله تعالى بها أشخاصا بعينهم من عباده وليس للعبد أمر فيها أم أن العبد له دور في هذه الهداية؟

يوسف القرضاوي: من أراد أن يعرف موقف القرآن والسنة من عملية الهداية والإضلال فعليه أن يقرأ الآيات المتصلة بالموضوع ويجمعها كلها في سياق واحد، أما أن يأخذ بعض الآيات دون بعض فلن يصل إلى الحقيقة، الحقيقة في مجموع الآيات، هناك ألوان من الهداية، هناك الهداية الكونية العامة، الله سبحانه وتعالى أعطى الهداية لكل شيء في هذا الكون، كما سأل فرعون سيدنا موسى وهارون {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه: 49، 50] كل شيء في الكون هدي إلى ما به صلاحه وكماله حتى الحيوانات حتى النباتات حتى الجمادات الأفلاك الشمس القمر النجوم الجبال كل شيء أعطي ما به تمامه وما يحتاج إليه.

عثمان عثمان: التعليم الفطري لهذه الأشياء.

يوسف القرضاوي: هذا شيء بالفطرة، الشمس بتمشي {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا..}[يس:38]، {..وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}[الأنبياء:33] ما فيش شيء يعني يتجاوز فلكه، في مداره المحدد، دي كلها هداية، يعني هدى الأكوان كلها، الصامت والناطق والجماد والمتحرك والعاقل وغير العاقل كله أعطي هذه الهداية {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}[الأعلى:2، 3] وهذه من الأدلة على وجود الله عز وجل، الخلق والتسوية والتقدير والهداية، يعني في الهداية هذه فيها أشياء عجيبة جدا، الثعابين، ثعابين البحر والمياه هذه تأتي من قارة إلى قارة لتبيض في مكان وترجع آلاف الأميال عشرات الآلاف من الأميال، ما الذي هداها إلى هذا؟ الطيور تذهب وتسيح في الجو ثم تعود إلى أعشاشها ووكوناتها، فهذه الهداية العامة للمكلفين وغير المكلفين. ثم هناك هداية عامة للمكلفين جميعا، الله أعطى المكلفين جميعا العقل ليعرفوا به الحق من الباطل، ليستدلوا به على وجود الله، وجود الله تدل عليه الفطرة ويدل عليه العقل، العقل حين ينظر في الكون يستدل بالكون على المكون وبالمخلوقات على الخالق، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..}[فصلت:53] ففي العقل، ثم لم يكتف بالعقل، أنزل عليهم الكتب وبعث لهم الرسل {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}[النساء:165] فالرسل عليهم أن يقيموا الحجج ليدلوا على أنهم مبعوثون من الله، الرسول سفير من الله إلى خلقه، أي واحد سفير بيقول له قدم أوراق اعتمادك ما الدليل على أنك مندوب الدولية الفلانية؟ لازم يقدم، فكل رسول الناس تقول له ما دليلك، ما آيتك؟ ولذلك أرسل الله الرسل بالآيات بالبينات بما يدل على أنهم يمثلون الله ولا يمثلون أنفسهم، عن طريق المعجزات عن طريق كل رسول ما يبين أنه من الله وإذا لم يبلغ الإنسان الحجة من الله لم تبلغه الدعوة فهو معذور، الله تعالى يقول {..وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء:15]، {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ..}[التوبة:115] فلا بد من هذه الهداية، هداية البيان والدلالة، كلهم بيقولوا الهداية دلالة مع لطف يعني مش مجرد دلالة، فيها رفق وفيها لطف.

عثمان عثمان: دلالة وبيان وتوضيح.

يوسف القرضاوي: ففي هداية الدلالة والبيان التي من شأنها أن توصل إلى الحق وإن لم توصل إلى الحق فهذا ممنوح لكل المكلفين، كل المكلفين الطريق أمامهم مفتوح ومعهم من عقولهم ما يسندهم وما يهديهم إلى الطريق، هذه مرتبة من الهداية أو لون من الهداية. بعدين هناك هداية اللي هي التوفيق إلى الوصول إلى الحق يعني دلالة موصلة إلى الحق أو هي هداية مستلزمة للاهتداء وهذه يعني الله تعالى قال لرسوله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ..}[القصص:56] دي من الله سبحانه وتعالى، ومعنى من الله يعني إيه؟ يعني ربنا أعطى للجميع الفرصة، كل الناس عندهم الفرصة ليهتدوا ويصلوا إلى الحق ولكن هناك ألطافا من الله سبحانه وتعالى يمنحها للبعض {..وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ، فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً..}[الحجرات:7، 8] هذه نعمة من الله والهداية الخاصة هذه المستلزمة للاهتداء، الدلالة الموصلة إلى الحق ليست لكل الناس، كل الناس يستطيعون أن يصلوا إليها ولكن ينبغي أن يقبلوا بالهداية، في ناس لا تقبل الهداية تأتيهم الهداية ولا يقبلونها وهؤلاء هم الذين قال {..وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}[النحل:107]، {..إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[المنافقون:6]،  {..إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة:51]،  {..إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}[غافر:28] لا يهديه ليه؟ هو رافض الهداية، لم يتحرها لم يبحث عنها لم يقبلها فلذلك لا يهديه لأن الله لا يهدي من يرفض الاهتداء، كما تقول علمته فلم يتعلم، أنت بتعلمه ولكن هو مغلق فكره فلا يقبل منك شيئا، علمته هديته فلم يهتد، فالله هدى الجميع ولكن بعض الناس اهتدى وبعضهم. وبعدين آخر يعني مرتبة من الهداية، الهداية إلى الجنة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[يونس:9] الهداية إلى الجنة حينما يدخل أهل الجنة {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا..}[الأعراف:43] هدانا إلى الجنة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ عبد العزيز من سوريا، السلام عليكم. تفضل أخي الكريم بسؤالك... يبدو أن الاتصال انقطع من المصدر. الأخ عبد المحسن المطيري من الكويت، السلام عليكم.

عبد المحسن المطيري/ الكويت: وعليكم السلام وكيف الحال يا أستاذنا، وكيف الحال يا فضيلة الشيخ وبارك الله بك.

يوسف القرضاوي: بارك الله فيك.

عثمان عثمان: مرحبا بك أخ المطيري.

عبد المحسن المطيري: والله إني أحبك في الله والله.

يوسف القرضاوي: جزاك الله خيرا، أحبك الذي أحببتنا من أجله.

عبد المحسن المطيري: الله سبحانه وتعالى فرض علينا الصلوات الخمس وقال عليه الصلاة والسلام "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاتكم تدخلوا بإذن الله جنة ربكم" لا إله إلا الله، لكن المشكلة أن الصلاة لما نقرأها عند النبي يعني عندما يقول عليه الصلاة والسلام "حبب لي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر أو غضب أو كذا توجه فتوضأ فصلى، فالصلاة الآن لما أقرأ أنا الكتب عندي أجد أنها مختلفة عن الصلاة الآن، يعني عليه الصلاة والسلام كان يقول "أرحنا بها يا بلال". الآن الصلاة لم تعد قرة أعين أصبحت يعني أقرب إلى حكم تكليفي نريد أن ننتهي منه وكأن الواحد يعني ينتظر الإمام أن يسلم حتى يقول انتهيت من، يعني بقلبه، انتهيت مما هو..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ عبد المحسن شكرا جزيلا لك وصلت الفكرة. نأخذ الأخ باسم من سوريا، أخ باسم تفضل.

باسم إبراهيم /سوريا: السلام عليكم. سؤالي {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}[الغاشية:21، 22] هذه الآية ذكرها الله رب العالمين بمعنى الهداية، يعني على رسول الله الكريم أن يذكر الناس بما أنزل عليه من جبريل، ولكن رسولنا ليس عليهم بمسيطر، فهل الهداية هي لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء.

عثمان عثمان: السؤال؟

باسم إبراهيم: سؤالي لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء يعني بس أن الهداية هي من رب العالمين وليست من عبد الله؟

أسباب الهداية وموانعها

عثمان عثمان: شكرا جزيلا لك باسم من سوريا. أعتقد فضيلة الدكتور يعني أنتم أجملتم مراتب الهداية وذكرتم مراتبها الأربعة كما ذكرها ابن القيم رحمه الله أيضا. فضيلة الدكتور يعني بالعودة إلى هذه الهداية يعني ما هي أسبابها؟ كيف تحصل الهداية؟ كيف أستطيع أن أكون مهتديا؟ البعض يعني ربما نكمل ما بدأه الأخ باسم يقول لو شاء الله لهداني إلى الصلاة وصليت، لو شاء الله لفعلت الخير، ما هي أسباب الهداية؟

يوسف القرضاوي: أسباب الهداية، أول سبب من أسباب الهداية أن تبحث عنها، يعني أن يعتبر الناس أن الهداية ده شيء عظيم جدا وهو أساس النجاة في الآخرة والسعادة في الدنيا فعلى الإنسان أن يبحث عن الهداية لا يعتبر أن الهداية دي أمر هامشي، يبحث عن الرزق ويبحث عن المال ويبحث عن الأولاد ويبحث عن المنصب ولا يبحث عن.. أول شيء يبحث عن الهداية، يتحرى الهداية، القرآن علمنا بهذا {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} أن الهداية دي أمر مهم وكما جاء في الحديث القدسي الشهير حديث أبي ذر "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" قبل أن يقول "كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" قبل ما يطلب الإنسان الطعام الشراب والكساء والمسكن وهذه الأشياء يطلب الهداية، فطلب الهداية ده أمر مهم، فأول سبب من أسباب الهداية البحث عنها وبعد ذلك يبحث من أين توجد الهداية، أين يهتدي وكيف يهتدي وعلى يد من يهتدي؟ ربنا سبحانه وتعالى بعث النبيين وبعد النبيين ورثهم الأنبياء، الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فالعلماء هم ورثة الأنبياء فعليه أن يبحث عن العلماء ويتعلم منهم طريقة الهداية، فالله سبحانه وتعالى يسر سبيل الهداية للناس جميعا، لم يغلق هذا الطريق ولا هذا الباب أمام أحد، الباب، باب الهداية مفتوح للجميع، بعض الآيات التي ذكرتها تشير إلى هذا تقول {..قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}[الرعد:27] من أناب يعني هو لازم يبدأ خطوة من عنده يقوم ربنا يهديه، إنما الهداية يعني هو لازم، تبدأ من الإنسان، وأسباب الهداية مبثوثة في الكون وبعدين هناك الهداية بالآيات، التكوينية والهداية بالآيات التنزيلية يعني هناك مصحفان، مصحف ناطق ومصحف صامت، المصحف الصامت هو الكون فالكون هو رسائل من الله

تأمل سطور الكائنات فإنها

من الملأ الأعلى إليك رسائل

وقد خط فيها لو تأملت سطرها

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

هذا المصحف الصامت، هناك مصحف ناطق، القرآن وهو عام للناس جميعا ومفتوح للناس جميعا وميسر للذكر {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}[القمر:17] والرسول عليه الصلاة والسلام قال "تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" فلا يوجد حجة أمام من يقول أنا لم أجد طريقا للهداية، الهداية أمامك ما الذي يمنعك منها؟ ولذلك القرآن يقول {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ..}[الإسراء:94]، {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[الانشقاق:20]،  {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ..}[الحديد:8] يعني معناه أن الإيمان في مكنتهم وفي مقدرتهم، هم الذين يمنعون أنفسهم من الإيمان.

عثمان عثمان: نأخذ الأخ محمد السبيتي من السعودية، تفضل أخ محمد.

محمد السبيتي/ السعودية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بالنسبة للحديث القدسي يقول الله جل في علاه "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" قال كيف نستهديه؟ قيل بعمل الشيء الذي يرضيه، نستهديه بعمل الشيء الذي يرضيه، من استطاع أن يطع الله فليطعه ومن لا يستطع فلا يعصيه. هذا هو.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. فضيلة الدكتور هل الطاعة والعبادة وفعل التقرب إلى الله عز وجل هو من أسباب الهداية أيضا؟

يوسف القرضاوي: من كمال الهداية، يعني هو أول الهداية أن تؤمن بالله، هناك الهداية الأولى، الخطوة الأولى في طريق الهداية أن تؤمن بالله عز وجل وإذا آمنت بالله اهتدى قلبك كما قال تعالى {..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ..}[التغابن:11] وبعدين الهداية توصل إلى الطاعة والطاعة تزيد الإنسان هداية كما قال الله تعالى {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى..}، فالهداية كما قلنا مستمرة وبابها مفتوح للجميع، ما فيش وقت يقول خلاص أنا اهتديت ما عادش عندي سبيل إلى الزيادة، لا، الزيادة ممكنة باستمرار.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا في الآية الكريمة {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}[الأنعام:82] البعض فهم من هذه الآية أن التوحيد هو من أسباب الهداية، أليس التوحيد نفسه هو الهداية؟

يوسف القرضاوي: هو إحنا قلنا في هداية والهداية تجلب هداية أخرى، التوحيد أول هداية وبعد ذلك التوحيد يزيدك هدى.

عثمان عثمان: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغني. ما الهدى المسؤول عنه هنا؟

يوسف القرضاوي: النبي عليه الصلاة والسلام له أسئلة وأدعية من الله عز وجل كثيرة في الهداية مثل ما علم الحسن أن يقول في دعاء القنوت واهدنا في من هديت، اللهم اهدنا في من هديت، وفي هذا الحديث الصحيح "اللهم إني أسألك الهدى والتقى" الهدى، كلمة الهداية قد تكون من الله وقد تكون من الإنسان إنما الهدى حينما يذكر في القرآن هو ما جاء من الله عز وجل ولذلك القرآن ربنا سماه {..هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }[البقرة:2]، {..هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..}[البقرة:185]، {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[لقمان:5] ويقول الله تعالى حينما أهبط آدم وحواء إلى الدنيا {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123، 124] فهنا الهدى هنا هدى الله {..قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى..}[البقرة:120] أي الهدى الكامل هو هدى الله عز وجل، فالرسول يطلب الهدى أي الهدى الكامل من الله واتباع الهدى حتى لا يضل ولا يشقى، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

عثمان عثمان: الأخ أبو محمد يقول ما رأيكم في قول بعضهم إن الوسطية تختصر الهداية في الخلاص الفردي للإنسان ولا تهتم بهداية الأمة؟

يوسف القرضاوي: الوسطية؟

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: من قال هذا؟ الوسطية التي أؤمن بها وأدعو إليها وفصلتها في كتبي هي وسطية للفرد وللأسرة وللمجتمع وللأمة وللإنسانية وأصل الوسطية كما ذكرت في القرآن {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً..}[البقرة:143] فالوسطية صفة للأمة فلا تقتصر على خلاص الفرد، خلاص الفرد هذه فكرة مسيحية، المسيحية تعمل على خلاص الفرد وقالوا إن المسيح جاء ليخلص الناس من الخطايا، سموه المخلص، من الخطايا التي ورثها الناس عن أبيهم آدم، ونحن عندنا هذه الفكرة مرفوضة لأن خطيئة آدم انتهت بمجرد توبته، قال الله تعالى {..وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}[طه:121، 122] وحتى لو كان ما تابش يعني ما ذنبنا، الإنسان لا يتحمل ذنب غيره {..وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..}[الأنعام:164] فكيف أتحمل وزر أبي الأول وبيني وبينه آلاف أو ملايين السنين الله أعلم لم يحدد لنا القرآن ولا السنة ما بيننا وبين آدم، كيف أحمل يعني ذنبا لم أحضره ولم أعشه ولم أره؟ فليس عندنا فكرة الخلاص الفردي، الخلاص الفردي فكرة مسيحية. المسلم دائما يفكر في نفسه يفكر في أسرته يفكر في مجتمعه يفكر في الإنسانية جمعاء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ..} هكذا علمنا القرآن الكريم.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور يعني الهداية نطلبها من الله عز وجل في كل ركعة من ركعات الصلاة ولكن لو أردنا أن نتحدث عن موانع هذه الهداية، ما هي هذه الموانع؟

يوسف القرضاوي: أول مانع من موانع الهداية إلغاء العقل، أن لا يفكر الإنسان بعقله، يفكر بعقول الآخرين وبعض الناس يفكر بعقل أجداده وآبائه {..إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}[الزخرف:22]، القرآن يقول {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}[المائدة:104] يعني الإنسان أحيانا يعلم الشيء بنفسه وأحيانا يعلمه بمعلم عن طريق غيره فهؤلاء لا يعلمون شيئا لا بأنفسهم ولا عن طريق معلميهم فكيف يتبعونهم؟ هذا هو التقليد الأعمى، وأحيانا يتبعون السادة والكبراء كما حكى القرآن عن هؤلاء {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[الأحزاب:67] فهذا التقليد الأعمى أحيانا هو يكون مانع من موانع الهداية، وأحيانا رذائل خلقية مثل الكبر والحسد، القرآن يقول عن قوم فرعون لماذا لم يتبعوا موسى مع أنه كانت آياته بينات، يقول {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً..}[النمل:14] فمن الظلم أن الإنسان يكون الحق أمامه ولا يتبعه استعلاء واستبكارا في الأرض، أحيانا يكون من الحسد مثل بني إسرائيل لم يتبعوا محمدا إزاي يكون هذا النبي الموعود يطلع من بني إسماعيل ولا يظهر من بني إسرائيل؟ فكانوا قبل الإسلام يستفتحون به على الذين كفروا {..وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ}[البقرة:89]، القرآن يقول {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ..}[البقرة:109]. أحيانا من موانع الهداية حب الدنيا أن الإنسان لا يريد أن يخسر دنياه، كثير من الأحبار والرهبان عرفوا محمد وعرفوا أوصافه وكما القرآن {..يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة:146]، هرقل عرف محمدا صلى الله عليه وسلم وسأل عنه وجاء ببعض العرب وكان أبو سفيان وسأله أسئلة في غاية الدقة حتى عرف أن هذا هو النبي الذي ينتظر بعد عيسى ولكنه حينما يعني أراد أن يختبر القوم من حوله القسس والكبار حاصوا حيصة حمر الوحش هاجوا عليه فقال لهم لا أنا أردت أن أختبر إيمانكم، فغلب حب الدنيا وحب الملك على ما تبين له من الإيمان. هناك موانع كثيرة تمنع الإنسان أن يتبع الهدى الذي اتضح طريقه، في قريش كانوا يذهبون ليسمعوا القرآن سرا، كانوا يتلذذون بسماع القرآن يقولون إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، فكان يضبط بعضهم بعضا، إيه أنت؟ يقول استر علي، أنا كنت بأسمع محمد أو بأسمع أبو بكر، وبعدين أبو جهل قال له طيب ما منعك أن تتبعه؟ أحد المشركين بيقول له، قال له نحن وبنو عبد مناف تنافسنا، أطعموا فأطعمنا وسقوا فسقينا حتى إذا تحاذينا على الركب قالوا منا نبي يوحى إليه فمن أين نأتي بهذا؟ الطعام أطعمنا كما أطعموا وسقينا الحجاج والمعتمرين كما سقوا، إنما النبي! فيعني العصبية العمياء هي التي منعتهم، فهذه كلها من موانع الهداية.

عثمان عثمان: دكتور يعني لم يتبق معنا إلا دقيقة وبعض الثواني، الأخ الدكتور مصطفى التوفيق يقول ما هو الطريق لإرشاد شباب هذه  الأمة للهداية في زمن الفتن؟ وباختصار شديد.

يوسف القرضاوي: ما هو الطريق؟

عثمان عثمان: كيف نرشد شباب هذه الأمة إلى الهداية في زمن تعج فيه الفتن؟ في أقل من دقيقة.

يوسف القرضاوي: والله شوف عندنا الهدايا مراتب، هداية الحواس وهذه قد تخطئ، وبعد هداية الحواس هداية العقل، العقل هو الذي يصحح خطأ الحواس، وبعدين بعد العقل هناك هداية النبوة، هداية الوحي، هي هذه الهداية التي.. ونحن عندنا الوحي الخاتم، القرآن الكريم الذي فصلت آياته ثم أحكمت من لدن حكيم خبير وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعني وحي يخاطب العقول قبل أن يعني يقيم المعجزات أو هذا يخاطب عقول الناس فلا عذر لنا ألا نتبع هذا الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم وفي السنة المحمدية الصحيحة، الطريق واضح أمامنا ولا لبس فيه {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[الأنعام:153].

عثمان عثمان: بارك الله فيكم مولانا، شكرا جزيلا لكم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة. كما نعتذر من السادة المشاهدين الذين راسلونا عبر البريد الإلكتروني ولم نستطع الإجابة على أسئلتهم، أشكركم مشاهدنا الكرام على حسن المتابعة ولكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل. إلى اللقاء في الأسبوع القادم بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.