- معانى السرف والترف والتبذير ومساوئها

- مجالات الترف والتبذير وموقع الزهد
- معنى الرفاهية وموقف الإسلام منها
- سبل الاعتدال والتوفيق بين متطلبات الحضارة والشريعة

 
 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31] فما حد الإسراف والتبذير وما الفاصل بين الطرف المنهي عنه شرعا وبين الرفاهية التي أصبحت إحدى خصائص المدنية الحديثة؟ الترف والرفاهية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

معانى السرف والترف والتبذير ومساوئها

عثمان عثمان: كما تعلمون جاء في القرآن الكريم تعبير المترفين في صيغ مختلفة على سياق الذم كما في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}[سبأ:34]، ما المقصود بالترف ولماذ هو مذموم؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فللإسلام فلسفته وسياسته في إنفاق المال واستهلاكه كما له طريقته في تملك المال وكسبه وتنميته وله أيضا في تداوله وتبادله بين الناس وفي توزيعه، الاقتصاد الإسلامي اقتصاد متميز بنزعته الربانية والإنسانية والأخلاقية لهذا لا يدع الفرد ينفق المال كما يشاء ولكن حدد له مجالات للإنفاق والاستهلاك كما حدد له مجالات في الكسب، وكل امرئ في يوم القيامة يسأل أسئلة أربعة ومن هذه الأسئلة سؤالان عن المال من أين اكتسبه وفيم أنفقه. من هنا كان الإسلام حريصا على أن من أنفق المال ينفقه في حدود الاعتدال {..وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31]، {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}[الإسراء:29]، وفي وصف عباد الرحمن {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[الفرقان:67] ولذلك كان السرف والترف مما حرمه الإسلام، خصوصا الترف، والترف يعني أخص من السرف، يعني كل ترف معه سرف وليس كل سرف معه ترف..

عثمان عثمان (مقاطعا): كيف يمكن توضيح ذلك؟

يوسف القرضاوي: يعني أحيانا الإنسان يسرف في ماله ويتجاوز الحد في الإنفاق ولكن ليس من المترفين، الذين ينفقون أموالهم في التدخين أحيانا تجد الرجل يشتري علبة السجائر بمبلغ كذا وهو محتاج إليها، أولاده محتاجون إلى القوت إلى الملابس إلى أشياء مهمة ويروح يشتري، وهناك من يشتري المخدارت هذه السموم وهو في أشد الحاجة، هناك من ينفق في الخمور أو في القمار، هؤلاء المدمنون لم يعودوا أحرارا في تصرفاتهم، الإدمان جعلهم أسرى وعبيدا لتصرفاتهم هذه التي لا تتسم بحكمة ولا بفضيلة، فهؤلاء ليسوا مترفين، في حياتهم أشبه بالمساكين، فهذا سرف ليس معه ترف. إنما السرف الذي معه ترف، الترف هو إيه؟ التوسع في التنعم، ليس مجرد التنعم ولكن يتنعم تنعما باللذائذ والطيبات واتباع الشهوات حتى تبطره النعمة وتطغيه، فهذا هو الترف، التوسع بحيث يبقى ويطغى في حياته ويعيش في حياة ناعمة، لا يصلح لأن يقوم بمهمة لأنه أول ما يفسد الترف يفسد نفسية الإنسان وشخصية الإنسان بعد أن كان قادرا على أن يعمل ويكدح ويكسب بكد يمينه وعرق جبينه يميل إلى الدعة وإلى الراحة، كما وصف أحد الشعراء أحد هؤلاء الناس يقول

خطرات النسيم يجرح خديه

ولمس الحرير يدمي بنانه

فهذا، أول ما يفسد الترف يفسد الشخصية. بعدين الترف فيه جناية على المجتمع لأنه كما قال أحد الحكماء ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيع. لأن الذي يعيش الترف ده على حساب آخرين محتاجين إلى ضروريات الحياة، كما روي عن سيدنا عمر بن عبد العزيز أن أحد أقاربه اشترى خاتما فصه بألف درهم فأرسل إليه عمر كتابا يقول "بلغني أنك اشتريت خاتما فصه بألف درهم فإذا جاءك كتابي هذا فبعه وأطعم بثمنه ألف جائع واشتر خاتما فصه من حديد واكتب عليه رحم الله امرء عرف قدر نفسه" فهذا حق المجتمع. ثم إذا شاع الترف في المجتمع أدى إلى الانحلال وفي هذا جاء قوله تعالى {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}[الإسراء:16] من أجل هذا نجد حملة القرآن على الترف والمترفين لأنهم أعداء كل رسالة، كل إصلاح متمسكون بكل قديم وأعداء كل رسالة جديدة تريد أن تصلح من الناس أو أن تهديهم إلى الصراط المستقيم، ولذلك الآية التي قرأتها {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}[سبأ: 34، 35].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كما ذكرتم أن القرآن الكريم في مواضع عدة ربط بين الترف والإهلاك، حتى أن ابن خلدون العلامة المعروف قال إن الدخول في مرحلة الترف هو بداية لانهيار الأمم والحضارات، يعني أنتم ذكرتم أن هناك علاقة مباشرة ما بين الترف والإهلاك أيضا من المفاهيم..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): بسبب إيه؟ لأنه كما قلت الترف يفسد الشخصية، يدمر الإنسان من داخله فيجعله غير قادر على تحمل المصاعب والمتاعب، الحياة لا يمكن أن تنجح إلا بالجهاد، لا نعني الجهاد العسكري، المجاهدة المكابدة أن تتحمل المتاعب، كما يقول الشاعر

حسب السلامة يفني هم صاحبه

عن المعالي ويغري المرء بالكسل

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا في

الأرض أو سلما في الجو فاعتزل

يحب السلام من كل شيء، يريد أن يعيش منعما ولا يصيبه شيء ولا يتحمل أدنى شيء، هذا لا يمكن أن تقوم به الحياة ولا أن يظهر به مجتمع ولا أن تنتصر به رسالة، إنما تنتصر الرسالة بالذين يبذلون ويتحملون، والرسول والصحابة كم تحملوا في سبيل الدعوة وفي سبيل الإسلام {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت:2]،  {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ..}[البقرة:214]، فالمترفون لا يصلحون لحياة لا دينية ولا دنيوية.

عثمان عثمان: نعم. من المفاهيم ذات الصلة أيضا بموضوعنا فضيلة الدكتور لفظ المبذرين وأنهم أخوان الشياطين كما جاء في قوله تعالى {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}[الإسراء:27]يعني أي علاقة، نتحدث هنا عن أي علاقة ما بين التبذير وأخوة الشياطين؟

يوسف القرضاوي: التبذير هو أخو السرف، الفرق بين التبذير والسرف إيه؟ أن السرف قد يكون في المباحات، يتجاوز الحد في تناول الطيبات من المباحات، يزيد في الكم، يعني الإسراف أكثر ما يتعلق بالكم والتبذير أكثر ما يتعلق بالكيف، لأن التبذير هو الإنفاق في الحرام في الفساد في المنكرات. سيدنا عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس يقول، التبذير هو الإنفاق في غير حق، ويقول مجاهد المفسر التابعي المعروف، لو أن رجلا أنفق ماله كله في الحق لم يكن مبذرا لو أنه أنفق القليل منه في باطل لكان مبذرا، يعني يسرف في الخمرة في القمار في المخدرات في النساء في الزنا وشهوات البطن والفرج  المحرمة ولو أنفق القليل ولو درهم يكون مبذرا إنما ممكن ينفق ماله في سبيل الله ولا يكون. سيدنا أبو بكر حينما جاء بماله كله في غزوة العسرة، غزوة تبوك وقال له النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أبقيت لأهلك وعيالك يا أبا بكر؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله. فهذا الفرق بين الإسراف و.. قال {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}[الإسراء:26] يعني مش لا تبذر يعني في إيتاء.. لا، لا، دي وصية مستقلة.



مجالات الترف والتبذير وموقع الزهد

عثمان عثمان: يعني هل هناك حدود للإنفاق في سبيل الله؟

يوسف القرضاوي: فبيقول ولا تبذر تبذيرا ليه؟ لأنه إذا بذر لا يبقى مجال ليعطي ذي القربى حقه واليتم والمسكين وابن السبيل، فعدم التبذير يوفر لهم ما يسعهم. وإنما إذا بذر الإنسان وبغير حدود لا يبقى مجال، المبذر أخو الشيطان لماذا؟ لأن دائما العرب يقولون على من لازم الشيء هو أخوه يعني ملازمه، فهم حلفاء الشياطين لأنهم لا ينفقون نعمة الله في طاعة الله وإنما يصرفونها في معصية الله وهذا هو شأن الشيطان {..وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}، {..وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ..}، يحالفونه ويطيعونه في المعصية ويكفرون بنعمة الله كما يفعل الشياطين.

عثمان عثمان: هل الترف والتبذير يكون في مجال محدد أم أنه يعم جميع نواحي الحياة؟

يوسف القرضاوي: الكلمات ثلاث، إسراف، تبذير، ترف، الترف والتبذير عادة يكون في الجانب المالي ولكن الإسرف يكون في جوانب الحياة كلها، ممكن الإنسان يسرف على نفسه كما قال تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا..}[الزمر:53]، أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي، ويقول المؤمنون الذين ابتلوا في معركة من المعارك مع أنبيائهم {..قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا..}[آل عمران:147] ما كان قولهم بعد أن هزموا في معركة إلا أن قالوا {..ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا..}، إذاً ليس إسرافا في المال، ربنا لما وصف قوم لوط قال {..بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}[الأعراف:81] في ارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، إتيان الذكور وترك النساء، وربنا وصف فرعون قال {..إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ}[الدخان:31] فالإسراف يشمل كل نواحي الحياة بينما التبذير بالذات في المال والترف في الحياة الاقتصادية والحياة المعيشية، زيادة التنعم.

عثمان عثمان: هنا سؤال فضيلة الدكتور يعني هناك إنسان أعطاه الله عز وجل مالا حلالا وهو يحب أن يكون عنده بيت فسيح ومركب مريح وثياب جميلة، هل الإسراف في هذه القضايا في التمتع بالحلال يعتبر أيضا من باب الإسراف المنهي عنه شرعا؟

يوسف القرضاوي: التنعم في حدود الاعتدال ليس من الإسراف وهذا هو ما يسمى بالرفاهية، ما هي الرفاهية؟ الرفاهية سعة العيش يعني أن تكون في رغد من العيش أو ما يسمى في اللغة الإسلامية والقرآنية الحياة الطيبة وهذه من مثوبة الله للمؤمنين، القرآن يقول {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97] ويقول الله سبحانه وتعالى {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل:112] فلما كانت مؤمنة مستقيمة ربنا وسع عليها، كما قال تعالى {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2، 3]، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}[الجن:16]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96]، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم..}[المائدة:66] هذه الرفاهية ليست مذمومة هذه، بل ضيق العيش وضنك العيش هو من عقوبة الله لمن أعرض عن منهج الله، كما قال تعالى لما أنزل آدم وحواء إلى الأرض قال {..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}[طه:123] لا يضل في الدين ولا يشقى في الدنيا {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:124] هذه المعيشة في الضنك هي عقوبة من الله لمن أعرضوا عن منهج الله، فسعة العيش أو الرفاهية ليست مذمومة. النبي عليه الصلاة والسلام رأى واحدا من أصحابه وعليه ثياب دون، يعني ثياب رثة فقال له ألك مال؟ قال نعم، قال من أي المال عندك؟ قال من كل المال آتاني الله، عندي إبل وبقر وغنم وحرث وزرع، قال إذا آتاك الله مالا فليرى أثر نعمته عليه، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، هكذا يعني علمه النبي صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: يعني أين موقع الزهد في هذا المجال؟

يوسف القرضاوي: الزهد يتعلق بالإرادة، تحدثنا عن هذا في حلقة سابقة، الزهد لا يتعلق بملك الدنيا، هناك أنبياء ملكوا الدنيا، سيدنا داود وسيدنا سليمان وسيدنا يوسف وهناك من الصحابة من كانوا من الأغنياء، عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وبعدين الصحابة بعد أن فتح الله عليهم الفتوح، الزبير وطلحة وغيرهم كانوا من أغنياء المسلمين ولكن لم تملكهم الدنيا، الزهد أن تملك الدنيا ولا تملكك، أن تستخدمها ولا تستخدمك، أن لا تتخذ الدنيا ربا فتتخذك لها عبدا، أن تكون الدنيا في يدك وليس في قلبك، ولذلك الزهد يتعلق بالإرادة، القرآن يقول {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ..}[الإسراء:18]، {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}[الإسراء:19]، {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}[الشورى:20] فعلق الأمر كله على الإرادة، أنك تعيش مريدا للدنيا وقد تملك الدنيا ولكنك لست مريدا لها ولست من عبيدها فهكذا كان الصالحون.

عثمان عثمان: مولانا، هناك بعض الناس رب العالمين جعل تفاوتا وتباينا بينهم في الحياة الاجتماعية وفي الدخل المادي، هناك من يأخذ راتبا شهريا بمبلغ عال جدا وهناك من يأخذ راتبا صغيرا، هل موضوع أن يصرف هذا المال، هل هناك فرق بين الاثنين معا؟ يعني هناك ينفق ألفي ريال مثلا على وجبة غداء، الآخر الغني أيضا ينفق ألفي ريال على وجبة غداء، كيف نفرق بين الأمرين؟

يوسف القرضاوي: القرآن وضع دستورا للإنفاق، أن كل إنسان ينفق على قدر ما عنده، الله تعالى يقول {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}[الطلاق:7] ويقول {..وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ..}[البقرة:236]، فالناس لا تستوي في هذا، كل واحد له حاجات، حتى حاجات الناس تختلف، يعني الفقير لا يشتهي ما يشتهيه الغني ويمكن لو جاءت له الأشياء بتاع الإغنياء يعني يعافها، فربنا وزع هذه الأمور على الناس، لا يجوز أنك تحرم نفسك من الطيبات وأنت قادر عليها تحريما دينيا أو بخلا دنيويا، بعض الناس يحرم الطيبات من الناحية الدينية مثل الرهبان وأصحاب الديانات التي تعمل على تعذيب الجسم من أجل ترقية الروح، في ديانات مختلفة وفلسفات حتى مختلفة الرواقيون وغيرهم، والله سبحانه وتعالى أنكر هذا بشدة، قال {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ..}[الأعراف:32]، وكان العرب خصوصا قريش في الجاهلية يحرمون على أنفسهم لبس الثياب ويطوفون عراة، يقول لك دي ثياب أذنبنا فيها وعصينا الله فيها لا يجوز أن نطوف ببيته ونحن لابسوها ويطوفون عراة، فهذا القرآن أنكره قال {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء..}[الأعراف:28]، {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ..}[الأعراف:31] حتى المسجد الحرام، {..وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ..}. فواحد أحيانا قد يحرم نفسه من الطيبات تحريما دينيا وواحد يحرم نفسه من الطيبات بخلا وشحا، الشح بعض الناس معه أموال وآلاف وملايين ولكنه يعيش عيشة الفقراء يبخل على نفسه وهؤلاء رأيناهم بأعيننا، يقول لك

لئيم لا يزال يلم وفرا لوارثه

ويدفع عن حماه

ككلب الصيد يمسك وهو طاو

طرائده ليأخذها سواه

يقول، بشر مال البخيل بحادث أو وارث، كأنه هو يعني يدخر ماله هذا الذي حرم نفسه منه لوارثه وربما وارثه ينعم به ويلعنه، فلم ينتفع به لا في دين ولا في دنيا.

عثمان عثمان: ولكن البعض ربما يسلك هذا السلوك من منطلق "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم"، وانطلاقا من قوله تعالى {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}[التكاثر:8]، ما تطبيقات هذه الآية في هذا المجال؟

يوسف القرضاوي: {..لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}، هذه الآية تذكرنا أن كل ما أنعم الله به علينا من نعم، في المأكل في المشرب في الملبس في المسكن في شؤون الحياة كلها سيسألنا الله عنها كما يسألنا عن كل شيء {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الحجر:92، 93]، وكما قلنا إن الإنسان يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. فالسؤال حتى يستشعر الإنسان بأنه مسؤول أمام الله فإذا شعر بهذه المسؤولية حاسب نفسه قبل أن يحاسب ووزن أعماله قبل أن توزن عليه وسأل نفسه قبل أن يصير السؤال إلى غيره. أما اخشوشنوا، فهذه وصية من سيدنا عمر رضي الله عنه، بعض الناس بيذكروها حديث، هي ليست حديثا، إنما سيدنا عمر قال اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم، اخشوشنوا، وهذا مطلوب للرجال خاصة حتى لا يصبح الرجال شبه النساء، النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس الرجل لبسة المرأة ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وحرم على الرجال لبس الذهب ولبس الحرير، لماذا؟ ليتميز الرجل بخشونته، حتى إذا دعا داعي الجد أو نادى منادي الجهاد وجدنا رجلا يستطيع أن يخوض المعارك ويدخل الميدان بصلابة وقوة، إذا أصابته محنة يعني حينما دخلنا المعتقلات في عهد الملكية وفي عهد الثورة كان معنا بعض الأخوة الطيبين ولكنهم ما استطاعوا المحنة، لا بد أن تتحمل أن تنام على البرش أو على الأسفلت أو على هذه الأشياء وتتحمل العيش الخشن والأكل القليل والأكل اللي فيه رمل واللي فيه سوس واللي فيه كذا، لا بد أن يتعلم الإنسان، ودي معنى اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم، لا تدري لعلك يعني تدخل السجن أو المعتقل حتى وإن كنت غنيا، ولعل الغني يفتقر، كم من عزيز قوم ذل وكم من غني افتقر والدهر كله، والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، ودوام الحال من المحال.

عثمان عثمان: من المفاهيم التي طرحها الفكر الاقتصادي المعاصر الرفاهية، وهناك من ربط بين الرفاهية في الدول الحديثة المعاصرة وما بين التنمية، ما الموقف من هذه النظرة؟ أسمع منك الإجابة إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى.



[فاصل إعلاني]

معنى الرفاهية وموقف الإسلام منها

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نتحدث فيها عن الرفاهية. مولانا، الرفاهية أصبحت غاية من غايات المدنية الحديثة، الدولة الحديثة، هناك من يربط ما بين الرفاهية والتنمية، ما الموقف من هذا؟

يوسف القرضاوي: الإسلام يدعو إلى الرفاهية، لا يحب ضنك العيش ويحارب الفقر ويكاد الفقر أن يكون كفرا، النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من الفقر، خصوصا الفقر المنسي والغنى المطغي ويقول إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي، والله امتن على رسوله فقال {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}[الضحى:8] نعم المال الصالح للرجل الصالح ولذلك الدولة الإسلامية دولة تسعى إلى رفاهية الشعب إلى أن يعيش الناس في سعة من العيش، ونقيس يعني الدولة مدى نجاحها في تحقيق هذا، ربنا امتن على قريش فقال {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}[قريش:4]، واعتبر القرآن شر ما تبتلى به المجتمعات هو الجوع والخوف {..فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل:112]، فلا بد أن نعمل على تحقيق الرفاهية، أن يعيش الناس، حتى نحن المفروض الزكاة ماذا نعطي الفقير؟ نعطي الفقير حتى تتم كفايته، يعني ما دام في الزكاة، في حصيلة الزكاة سعة نعطيه ما تتم به كفايته، يعني إيه كفايته؟ يعني كفايته من المأكل من المشرب من الملبس من المسكن من العلاج من التعليم من الزواج إن كان يعني غير متزوج، كل هذه الأشياء يعطى، تمام الكفاية، في مستويات، في حد الضرورة، يعني قوت لا تموت، وفي حد الكفاف يعني على قدرك، يعني الحد الأدنى للمعيشة وفي تمام الكفاية، المفروض أننا بالزكاة نحقق للشخص تمام الكفاية حتى قالوا كان شخص بيكسب يعني سبعة ولكن لا تتم كفايته إلا بعشرة، نعطيه الثلاثة التي يحتاجها حتى تتم، فهذا الدولة الإسلامية مطلوب منها هذا. الدكتور نجم الدين أربكان في تركيا أول ما ألف حزبه عمل حزب السلامة أو الخلاص، وبعدين الحزب الثاني سماه حزب الرفاه، يعني فالرفاهية مطلوب من كل مسلم وكل داعية إسلامي وكل سياسي إسلامي أن يحاول أن ينتقل الناس من الفقر إلى الغنى ومن الضيق إلى السعى ومن الضنك إلى الرفاهية، فالرفاهية مطلوبة، الترف هو المذموم وهو الذي يهلك الأمم ويأتي عليها في النهاية.

عثمان عثمان: ولكننا سيدي يعني كثيرا ما نسمع على ألسنة الخطباء أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، أنه توفي ودرعه مرهون عند يهودي، أنه كان يعلم الحصير على جنبه عندما كان ينام عليه، هل هذه الحالة الدائما للنبي عليه الصلاة والسلام أم أن هناك قراءة مجتزأة للسيرة النبوية؟

يوسف القرضاوي: لا، هو طبعا في مكة في العهد المكي كانت حياة كلها صبر واحتمال حتى أنهم حاصروه عليه الصلاة والسلام ثلاث سنين حتى أكل هو وأصحابه وأقاربه من بني هاشم وبني المطلب أكلوا أوراق الشجر حتى دميت أشداقهم، جرحت أفواههم، وفي هذا الوقت كان لا يجد ويشد على بطنه الحجر، حتى خرج مرة بعض أصحابه يشكون الجوع وقالوا يا رسول الله جعنا حتى وكشفوا عن بطنهم كل واحد رابط على بطنه حجرا، فالنبي كشف لهم عن بطنه رابط حجرين مش حجر واحد من شدة ما يصيبه، لكن في المدينة وسع الله عليه ومع هذا اختار حياة الخشونة، ليست حياة الترف، كان ينام على وسادة من أدم حشوها ليف، جلد محشية بالليف، وأحيانا ينام على الأرض وأحيانا ينام على الحصير وأحيانا ينام على السرير ودخل عليه عمر وهو يعني نائم على الحصير حتى أثر في جنبيه فقال له يا رسول الله كسرى وقيصر ينامان على الديباج والاستبرق وأنت تنام على الحصير! قال له يا عمر أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل مسافر أو راكب في يوم صائف قال، يعني قضى القيلولة، تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها. فالدنيا بالنسبة له محطة، مقيل للاستراحة ولكنه يعيش فيها غريبا أو عابر سبيل، فهذه حياته صلى الله عليه وسلم لكن لا يمنع من أنه في بعض الأحيان يأكل الطيبات ويحب الذراع من اللحم ويحب الحلو والبارد ويستعذب له الماء ويحب أن يكون كل شيء عنده طيبا.

عثمان عثمان: كذلك اشتهر على ألسنة بعض الخطباء أن عبد الرحمن بن عفو رضي الله عنه يدخل الجنة حبوا لثرائه وغناه، وهناك قصة أيضا عن حاطب بن أبي بلتعة يعني عندما طلب من النبي عليه الصلاة والسلام..

يوسف القرضاوي: ثعلبة بن حاطب.

عثمان عثمان: نعم، عندما طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله أن يرزقه مالا، فقال قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تستطيعه، يعني ما قولكم في هذين؟

يوسف القرضاوي: الإمام الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" ذكر الكلام الذي قيل أن عبد الرحمن يدخل الجنة حبوا وقال هذه الأحاديث التي وردت في هذا الأمر كلها ضعيفة ولم يكن عبد الرحمن بالذي يستحق ذلك وهو من العشرة المبشرة بالجنة ومن الستة أصحاب الشورى وممن أنفق ماله في سبيل الله وكان له في غزوة العسرة موقف كبير ويعني له مواقف في إنفاق المال، فيقول هو ممن ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للمرء الصالح، فرد هذه الأحاديث التي يقوي بعضها بعضها في نظر بعضهم، هو لم يقبل هذا. أما قصة ثعلبة بن حاطب هذه، حاطب بن أبي بلتعة آخر هو صاحب قصة الكتاب إلى مكة، إنما ثعلبة بن حاطب هذه القصة مردودة لعدة أسباب أولا ثعلبة بن حاطب هذا مذكور في البدريين، من الذين حضروا بدرا فكيف تنطبق عليه القصة والنبي صلى الله عليه وسلم ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم. من ناحية أخرى لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه قال عن الزكاة لما جاؤوا يأخذون من الزكاة قال إنها جزية، إنها أخت الجزية، هذا لا يمكن أن يصدر من صحابي. الأمر الثالث أنه حاول أن يأتي بالزكاة مرة بعد مرة والرسول رفض يأخذها منه وأبو بكر رفض يأخذها منه وعمر، هذا لا يمكن، دي الزكاة حق الله وحق المجتمع وحق الفقراء كيف يرفضها؟ هذا غير، ربنا يقول {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ..}[التوبة:103] واحد يجي يقول لك لا ما تأخذ. ثم هذا معناه أن التوبة مرفوضة، طيب إذا الواحد أخطأ وأراد أن يتوب تغلق في وجهه أبواب التوبة، هذا ضد. ولذلك هذه القصة بعضهم قال ضعيفة جدا وبعضهم قال إنها قصة باطلة ولا أصل لها، وأنا ممن يقولون إنها قصة باطلة ولا تستحق أن تروى أو تسمع.



سبل الاعتدال والتوفيق بين متطلبات الحضارة والشريعة

عثمان عثمان: نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ أحمد تيطراوي من الجزائر السلام عليكم.

أحمد تيطراوي/ الجزائر: السلام عليكم أخي الدكتور عثمان وتحية لشيخنا الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي. والله يا أخي عثمان أنا أوجه سؤالا إلى فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي وأقول له بأن حضارة عصرنا حضارة مادية تدعو إلى الترف، كيف يوفق المسلم يا فضيلة الدكتور بين هذه الحضارة المادية التي تدعو إلى الترف وإلى الشهوات وكيف يوفق بين الآية القرآنية {..خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ..}، {..كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ..}[البقرة:172]، خلاصة الحديث أخي الدكتور عثمان كيف نوفق ويتمتع المسلم بهذه الحضارة المادية المترفة وكيف يوفق بين الحلال في الإسلام وشكرا لكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، الأخ نوار صالح من السعودية.

نوار صالح/ السعودية: السلام عليكم، لو سمحت بغيت أسألك من اللي ولد في جوف الكعبة وعاش سنة في الإسلام وسنة في الجاهلية؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ، يبدو أن الأخ عبد الله اسماعيل انقطع الخط معه. فضيلة الدكتور الأخ أحمد تيطراوي يسأل عن الحضارة الحالية الآن، الحضارة المادية، كيف نوفق بين هذه الحضارة وبين الآيات القرآنية التي تدعو إلى الاعتدال في الحياة؟

يوسف القرضاوي: هذه الحضارة لا تلزمنا يعني ليست حضارتنا وبيسموها بعضهم بيسموها حضارة المسيح، وأنا أقول إنها ليست حضارة المسيح عيسى بن مريم ولكنها حضارة المسيح الدجال، لأن المسيح الدجال اشتهر بأنه أعور وهذه حضارة عوراء تنظر إلى الإنسان بعين واحدة هي العين المادية فليس للروحانيات ولا للغيبيات فيها نصيب، نحن نأخذ من هذه الحضارة خير ما فيها، نأخذ منها العمل والتكنولوجيا وحسن التنيظم والإدارة، نأخذ، نقتبس ما فيها من خير، والحقيقة هذا العلم وهذه الأشياء هم أخذوها منا أساسا، هي بضاعتنا ترد إلينا، لأنه نحن اللي أعطيناهم المنهج الاستقرائي التجريبي، كانوا هم يعيشون على منطق أرسطو المنطق الصوري أو القياسي وبعيدين عن التجريب أو الاستقراء، فأخذوا هذا من المسلمين، أخذه روجر بيكون وفرانسيس بيكون من الحضارة الإسلامية كما اعترف بذلك مؤرخو العلم عندهم، فنحن لسنا ملزمين أن نأخذ هذه الحضارة كما قال بعض أدبائنا بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ما يحب منها ويكره وما يحمد منها وما يعاب، لا، نأخذ منها ما يحمد لا ما يعاب وما يحب لا ما يكره، والخير لا الشر والحلو لا المر، ننتقي منها أفضل ما فيها. وهذه الحضارة الحقيقة التي أقامها ليس المترفين إنما أقامها الأوائل الذين بنوا الحضارة هم الرجال الأقوياء الذين جاؤوا من أوروبا مغامرين وبنوا هذه الحضارة بالجد والاجتهاد والتعب والمعاناة، هم هؤلاء بناة الحضارة أما المترفون لا يستطيعون أن يبنوا حضارة ولا أن يحافظوا عليها.

عثمان عثمان: نأخذ الأخ محمد ولد سيدي محمد من مالي، السلام عليكم.

محمد ولد سيدي محمد/ مالي: بعد التحية الطيبة لشيخنا، أود أن أقول إن الترف والرفاهية ليسا بالأمرين المحرمين في الشرع بل مرغوب فيهما، لكن لماذا لا يوجه شيخنا كلمة للذين يركبون هذا الأمر ويفرطون في مصالح الأمة من أجل تحصيل ترف أو تحصيل رفاهية. وشكرا.

عثمان عثمان: الأخ عبد الرحمن أحمد.

عبد الرحمن أحمد/ أنغولا: السلام عليكم. أنا من موريتانيا في أفريقيا وهناك عالمان جليلان من موريتانيا توفيا وهو لم يعقب عليهما في برنامجه هذا والذي قبله.

عثمان عثمان: أخ محمد تفضل بسؤالك.

عبد الرحمن أحمد: محمد.. و.. البصيري. نعم أنا أقول السؤال هو عن..

عثمان عثمان: أخ عبد الرحمن يبدو أن هناك بعض المشكلات في الصوت، الصوت غير واضح. نأخذ الأخ إبراهيم العمر من نيجيريا، أخ إبراهيم العمر من نيجيريا، تفضل.

إبراهيم العمر/ نيجيريا: نعم، سؤالي هو هل يجوز لامرأة أن تصلي مع زوجها واقفة بجانبه أو يجوز أن تكون في الوراء؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ إبراهيم، نحن نريد الأسئلة أن تكون في صلب موضوع الحلقة. فضيلة الدكتور يعني الأخ محمد ولد سيدي محمد من مالي يقول إن هناك قضايا كثيرة في حياة المسلمين بحاجة إلى أن ينفق عليها المسلمون بدل أن يترفهوا في الحلال.

يوسف القرضاوي: بدل إيه؟

عثمان عثمان: بدل أن ينفقوا أموالهم في الترفيه، أن يدفعوا هذه الأموال في سبيل الله لنصرة قضايا الأمة؟

يوسف القرضاوي: أولا الأخ يعني قرن بين الترف والرفاهية وأنا يعني يجب التفريق بشدة بين الترف والرفاهية، الرفاهية كما قلت هي الحياة الطيبة وهذه ليست ممنوعة ولكن الترف هذا مفسد هذا يدمر الحياة يدمر الفرد يدمر المجتمع، والقرآن ذم الترف ذما شديدا وقال عن أهل النار {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}[الواقعة:45] وقال {..وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}[هود:116] فلا يجوز أننا يعني نخلط بين الترف والرفاهية. بالنسبة لما ذكره الأخ من أولويات الإنفاق هذا شأن المسلم، المسلم الفرد أو المسلم الجماعة أو الأمة أو الدولة، هناك عندنا شيء اسمه فقه الأولويات أنك تقدم ما حقه التقديم وتؤخر ما حقه التأخير، لا يجوز أن تنفق على الكماليات أو التحسينات وفي حاجات لم توف، بل في ضروريات يعني في بعض الناس يروح يزرع الورود والأزهار والناس محتاجة إلى حبوب تأكل، أيها الأولى؟ تزرع كانتلوب شيء فيه نوع من الرفاهية والناس بحاجة إلى قمح أو ذرة أو أرس لرغيف العيش وللقمة اليومية فهذا مطلوب أننا نرتب الأولويات، الأهم يقدم على المهم والمهم يقدم على غير المهم وهذا أمر ضروري. الأخ اللي من موريتانيا بيقول لي إنه في علماء من موريتانيا توفوا وأنا لم أتكلم، أنا لا أتكلم عن كل علماء الدنيا، كل أسبوع يموت الكثير، أنا أتكلم عن الناس الذين أعرفهم، الذين عاشرتهم، الذين أعرف عن حياتهم بحيث أتكلم عنه، أما من لا أعرفهم كيف أتكلم عنهم؟

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في دقيقة ونصف ماذا يفعل من وجد من نفسه استغراقا في ملذات الحياة الدنيا وركونا إلى هذه الدنيا؟

يوسف القرضاوي: ينبغي أن يجاهد نفسه ويروض نفسه، النفس الإنسانية قابلة للتوجيه وقابلة للرياضة، إذا كان الجسم قابلا للرياضة، الإنسان الضعيف الجسم نعطيه تمرينات يقوي جسمه، النفس أيضا قابلة أيضا للتزكية {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا،وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: 9، 10] وعليه أن يستعين في ذلك بذكر الموت وبذكر الآخرة وبزيارة القبور وبمجالسة الصالحين وبالبعد عن أهل الدنيا، لا يعيش مع عشاق الدنيا لأنه سيتأثر بهم، سوء الخلق يعدي وحب الدنيا يعدي، ويقرأ سير الصالحين، إذا لم يستطع أن يعيش الصالحين يعيش معهم، فليعش معهم في ذكراهم في سيرتهم الموجودة في الكتب، قراءة هذه السير ترقق القلوب وتذكر بالآخرة وتذكر بالله تعالى ومن طلب شيئا وجده ومن سار على الدرب وصل وصدق الله العظيم {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69].

عثمان عثمان: بارك الله فيكم مولانا وجزاكم الله كل الخير، نشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.