- فقه التوقع والفقه الافتراضي
- معاني مآلات الأفعال وسد الذرائع

- العمل بالأحوط وأهمية فقه التوقع وعلاقته بالغيب

- أصول وقواعد فقه التوقع

 
 عثمان عثمان
 عبد الله بن بيه

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ..}[الأنعام:108]، وفي الحديث الصحيح جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال فلا تعطيه مالك، قال أرأيت إن قاتلني، قال قاتله، قال أرأيت إن قتلني، قال فأنت شهيد، قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار. هذا مثال واحد من أمثلة عديدة في السنة النبوية على ما سمي بالفقه التقديري بأن يبحث المسلم عن حكم واقعة يفترضها قبل وقوعها. وإن كان الفقيه عادة ما يستجيب إلى الوقائع والنوازل التي وقعت بالفعل ولكن عليه أن لا يحتجب بالواقع عن المتوقع وبالحاضر عن المستقبل فالحاضر غدا لحظة لقصره والمستقبل بات يدهمنا بسرعة تغيراته وتحولاته فاتسع، وفي ظل هذا كله أين أضحى فقه التوقع؟ وما موقع المستقبل من علم الفقيه اليوم؟ وما تطبيقات ذلك كله؟ فقه التوقع موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. مرحبا بكم فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بيه: مرحبا بكم، الله يحييكم.



فقه التوقع والفقه الافتراضي

عثمان عثمان: ماذا يعني فقه التوقع الذي اخترناه موضوعا لهذه الحلقة؟ الإجابة في التعليقات الآتية التي سجلناها على هامش الندوة التي عقدتها وزارة الأوقاف في سلطنة عمان تحت عنوان "الفقه والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع"، فلنتابع معا هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

وهبة الزحيلي/ فقيه بارز-سوريا: فقه التوقع هو المستنبط من الأصول الشرعية ومراعاة الأعراف والمصالح ودرء المفاسد وسد الذرائع وفتحها، كما أنه يشمل الفقه الافتراضي الذي لم يقع ولذلك أصاب الإمام أبو حنيفة الذي تميز بهذا الفقه حينما قال نستعد للبلاء قبل وقوعه.

محمد كمال إمام/ أستاذ الشريعة الإسلامية-جامعة الإسكندرية: يقصد به تصور ما يمكن أن يحدث في المستقبل واستخدام القواعد الشرعية ومصادر الشريعة ومقاصدها في وضع أحكام شرعية له حتى لا يفاجأ المسلمون بأحداث جديدة وبمستجدات علمية وبمستجدات حياتية ولا يعرفون لها حكما، فقه التوقع لا يتحرك من زاوية الواقع وما يحدث فيه وإنما من زاوية المستقبل وما يمكن أن يطرأ عليه ومن هنا كان التوقع جزءا أساسيا من بنية العقل الفقهي المعاصر الذي ينبغي رصده وينبغي الاطلاع عليه.

عبد الله العزي/ باحث في الفقه الزيدي-اليمن: هو نظرة عقلية استشرافية للمستقبل وذلك من خلال النظر إلى الواقع بالاستناد إلى الأدلة الشرعية وهو في الحقيقة يعود إلى ما يصلح أمر الناس فيما يعود عليهم بالخير ويدفع عنهم الشر. ونظرا للتسارع الذي يأتي في هذه العصر والتقدم الرهيب فإن هذه الندوة جاءت لتعالج مبدأ أساسيا في فقهنا الإسلامي وهو كيفية المعالجات لفقه التوقع وذلك بإيجاد حلول قضايا قبل وقوعها ولكن هذه القضايا لا بد أن تدرس تحت قاعدة سد الذريعة أو فتحها في الفقه الإسلامي.

رضوان السيد/ مفكر لبناني: بدأ الحاضر يضيق وصارت الأبعاد كلها أبعاد مستقبلية وبالنظر إلى مهام الفقيه المسلم عنده ثلاثة مهام أساسية، المهمة الدينية الحسبية في تعليم الشعائر وقيادتها ومهمة التعليم الديني ومهمة الفتوى. وأرى أن من مقتضيات فقه التوقع والفقه المقاصدي أن يدخل الفقيه المسلم وهذا أولى من أي واجب آخر في المهمة الرابعة، هي المهمة القيمية الأخلاقية المقاصدية، علاقة المسلم بدينه وبمجتمعه السليمة والتي تؤمن الأمن والأمان والاستقرار، وعلاقة المسلمين بالخارج العالمي الديني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والديني والثقافي بالتحديد، فالعلاقة بالأمم والأديان الأخرى ما استطاع أحد من الفئات الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية العربية أو الإسلامية القيام بها وترتيبها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الخارج الديني والخارج الثقافي هاجم علينا وعلى الإسلام، فالإسلام في خطر من جهة ثم إنه من جهة أخرى دين دعوة عالمية وهذان الأمران يقتضيان أن يقوم رجالاته بواجبات تجاهه في الداخل وتجاهه مع الخارج الثقافي والديني.

[نهاية التقرير المسجل]

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ مرحبا بكم من جديد. يعني نحن أردنا في إدخال يعني فقه التوقع، أردنا من خلال ذلك إدخال اعتبار المستقبل وعلم المستقبليات في مجال عمل الفقيه، هل يختلف هذا عن الفقه التقديري أو الافتراضي برأيكم؟

عبد الله بن بيه: الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. الفقه الافتراضي أو المستقبلي يمكن أن يدخل بفقه التوقع بشكل أو بآخر، لكن علينا أولا أن نتحدث عن هذا المصطلح الذي يعتبر وكأنه مصطلح قد تم وقد اتفق عليه..

عثمان عثمان (مقاطعا): فقه التوقع؟

فقه التوقع مصطلح جديد وإن كان حديثا بالنوع قديما بالجنس، وهو مجال تغطيه الذرائع والمآلات والمترقبات
عبد الله بن بيه: نعم. إنه حقيقة مصطلح جديد وإن كان حديثا بالنوع قديما بالجنس، فالمجال الذي يغطيه فقه التوقع هو مجال تغطيه الذرائع والمآلات وتغطيه أيضا المترقبات وهي المصطلح الذي استعمله البقاري واستعمله الزقاق، هل يراعى مترقب وموقع؟ وهل يراعى مترقب وموقع يومئذ أم قهقرى إذا رجع، وتبنى عليه قاعدة الانعطاف وقاعدة الانكشاف..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هذه المصطلحات بحاجة إلى تفسير وتوضيح.

عبد الله بن بيه: نعم، هي كان المفروض إذا أردنا أن نبحث فقه التوقع أن ننظر إلى شذور هذا الفقه وقواعده في التراث الإسلامي، فهناك مترقبات وهي تشبه التوقع إلا أن هذه المترقبات تشتمل على جملة من المترقبات منها المترقبات المتحققة كأرباح القراض، الأموال الزكوية، هل تسند إلى الحول وبالتالي نراعي الحكم قبل وقوع المترقب وقبل تحققه، أم أنها لا تبدأ إلى مع تحقق المترقب؟ والحمل الذي كان ظاهرا ثم أنه ظهر ريحا هل يعتبر من ابتداء الترقب أو من حصول المحقق؟ فهذه قاعدة المترقبات هي في الحقيقة قاعدة في معناها وفي مبناها تشبه كثيرا ما يسمى بفقه التوقع، لكن مع ذلك لا مشاحة في الاصطلاح ويمكن أن نقبل هذا الاصطلاح لنعطيه مدلولا ومضمونا لأن المصطلح يبدأ عائما فإذا أعطي المدلول وتداولته الألسنة واتفق فيه أهل الفن وأهل الاختصاص على مضمون معين، يصبح مصطلحا ثابتا وراسيا. أنا أشعر بأن فقه التوقع لم يرس بعد ولكنه قد يرسو لأنه لا مانع من قبول هذا المصطلح باعتبار أنه يغطي كثيرا من الفقه. أولا دعني أقل إن فقه التوقع يعني استناد الفقه إلى المستقبل وهذا الاستناد إلى المستقبل يتعلق بالموضوع وبالمحمول معه، الموضوع هو المحكوم عليه، هذه القضية لم يكن لها وجود في التاريخ وبالتالي هذا الموضوع أنشأناه للمستقبل، والحكم وهو المحمول أيضا حكم يقدم لهذا الموضوع ويطبق عليه وهو حكم جديد، قد يكون الإسناد إلى المستقبل بناء على تأثير المستقبل في الحكم أي أن الموضوع نفسه يشتمل على عناصر المستقبل بحيث أن الفقيه عندما ينظر في هذا الموضوع، فنتكلم بأمثلة..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، فضيلة الشيخ يعني لنأخذ مثالا توضيحيا يعني مصطلحات ربما راقية بعض الشيء بحاجة إلى توضيح أكثر.

عبد الله بن بيه: طيب، لننزل عن الموضوع وعن المحمول والألفاظ المنطقية لنصل إلى الأمثلة، رجل يبيع، فبالتالي طبعا بيع السلاح ليس جيدا ولكن فلنقبل مثالا، يبيع أسلحة، هذا البيع عندما باع هذا السلاح هو اشترى وباع والآخر باع وهذا لا إشكال فيه لكن هذا البيع عند مالك وأحمد هو باطل لماذا؟ لأن عنصر المستقبل يجب أن يضاف إلى هذه العملية وأن هذا السلاح قد يستعمل في قتل أو في قتال ونحو ذلك، فهنا المستقبل أثر، اعتبر عنصرا من الموضوع نفسه ليؤثر بالحكم الذي يجب أن يستجيب لحاجيات ولضرورات المستقبل، فالحكم عندما يكون الموضوع مشتملا على عنصر مستقبلي فإن الحكم عليه أن يكون كذلك مستجيبا لحاجات وضرورات المستقبل.

عثمان عثمان: إذاً في حديثنا عن المستقبل فضيلة الشيخ يعني كما ذكرتم هناك في أصول الفقه يعني ما يدل على هذا الموضوع، يعني كما ذكرتم مآلات الأفعال، سد الذرائع، مراعاة المصالح الآجلة أو المتوقعة، العمل بالأحوط، يعني إذاً أنتم ترون في هذا بعدا مستقبليا أيضا؟

عبد الله بن بيه: أرى في هذا بعدا مستقبليا ولكن يبقى الفقه الافتراضي، الفقه الافتراضي هو عبارة عن موضوع لم يكن موجودا وبالتالي الموضوع والمحمول كلاهما مستقبلي، أي أن الموضوع، هنا يوجد موضوع لكنه يشتمل على عناصر مستقبلية في نيته وبنيته، هناك لا يوجد هذا الموضوع أصلا بمعنى أن الفقيه يقدر أنه لو وقع كذا، عادة يبدأ بكلمة لو أو بـ أرأيت، لو وقع كذا ما هو حكمه؟ يكون حكمه كذا، فالفقيه هنا ينشئ الموضوع وينشئ أيضا المحمول، بينما هنا الموضوع موجود لكن المحمول هو الذي يقدمه الفقيه في هذا. فالفقه الافتراضي يدخل في للإضافة إلى الاستقبال المهم الذي يحدد عناصر التوقع هو أنه مضاف إلى المستقبل موضوعا أو محمولا أو هما معا، وهذه الإضافة إلى المستقبل هي التي تميز المستقبل.



معاني مآلات الأفعال وسد الذرائع

عثمان عثمان: نعم، فيما يخص مآلات الأفعال، ماذا نعني بذلك؟

مآلات الأفعال عبارة عن فعل جائز لكنه قد يؤدي في مآله إلى ما لا تحمد عقباه، أو فعل محرم قد يؤدي في مآله إلى مصلحته
عبد الله بن بيه: مآلات الأفعال هي من هذا الذي يغطيه مفهوم التوقع الذي تحدثتم عنه، قلنا يغطي المترقبات، يغطي مآلات الأفعال، مآلات الأفعال هي عبارة عن فعل جائز لكنه قد يؤدي في مآله إلى ما لا تحمد عقباه، أو فعل محرم قد يؤدي في مآله إلى مصلحته، هكذا يقول الشاطبي.

عثمان عثمان: مثال على ذلك فضيلة الشيخ؟

عبد الله بن بيه: يقول الشاطبي إن الفقيه لا بد أن ينظر في مآل عمله لأن هذا المآل قد يكون الحاضر مشروعا لكنه في مآله قد يؤدي إلى مفسدة، وقد يكون غير مشروع ولكنه في مآله قد يؤدي إلى مصلحة، وهذا كثير حتى في الكتاب والسنة، {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله..}،  {.. وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ..}[النور:31]،  {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ..}[هود:113]، في الأحاديث كثيرة، هلا سألوا إذ جهلوا إنما دواء العي السؤال، عندما أمروا الرجل بأن يغتسل فمات، أمروه بالاغتسال هذا شيء جيد، في الحاضر إذا قلت لشخص أن يؤذن في أوروبا في مسجد في أوروبا هذا فعل مشروع لكن هذا الفعل قد يؤدي إلى نتائج إلى مفسدة، كذلك قد يكون الفعل حراما لكنه يؤدي إلى مصلحة فحينئذ يتغير بسبب المآل، ويختم الشاطبي كلامه بقوله وهذا مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة، بعد أن شرح مسألة المآلات وأنها معتبرة

لولا قومك حديث عهدهم بكفر

لأسست الكعبة على قواعد إبراهيم

فالعمل مشروع ولكن مآله قد لا يكون كذلك.

عثمان عثمان: يعني انطلاقا من هنا كيف يمكن للمفتي أن يراعي مآلات فتواه في هذا الإطار حتى لا تؤدي إلى مفسدة؟

عبد الله بن بيه: هو المفتي يجب أن يكون يقظا، يجب أن يكون على علم أولا بأنه ليس كل فعل مطلوب بأصله أو بطبيعته ليس مطلوبا دائما في مآلاته وبالتالي عليه أن يوازن دائما بين المصلحة المتأدية من هذا الفعل وبين المفسدة التي قد تترتب عليه. فقه المآلات عبارة عن موازنة بين مصلحتين إحداهما أرجح، إحداهما مستقبلية والأخرى حاضرة، موازنة بين مفسدتين إحداهما مستقبلية والأخرى حاضرة، ففقه المآل هو عبارة عن توازن لكنه توازن بين حاضر وبين مستقبل، هذا الذي نسميه فقه المقال والفقيه عليه أن يعتمد على الأدوات التي بإمكانها أن يكتشف هذا المستقبل.

عثمان عثمان: يعني هذا ما يتعلق بمآلات الأفعال، ماذا عن سد الذرائع؟

عبد الله بن بيه:  مآلات الأفعال تدخل في حقيقتها في سد الذرائع، الذي يفرق بين مآلات الأفعال وسد الذرائع أن سد الذرائع غالبا هو في جائز يتذرع به إلى حرام، ومآلات الأفعال قد تكون في حرام يتذرع به إلى مصلحة، وبالتالي المجتهد ينظر في مآل الفعل ولا ينظر في طبيعة الحكم، قد يكون الحكم مطلوبا لكن هذا المطلوب قد يؤدي إلى مفسدة، قد يكون الحكم حراما لكنه يؤدي إلى حرام أكبر، هذه مآلات الأفعال. أما الذرائع فإنها عبارة عن مصلحة تؤدي إلى مفسدة حسب عبارة الشاطبي، وعبارة عن أمر جائز في ظاهره إلا أنه يؤدي إلى محظور حسب عبارات ابن رشد الجد والقرطبي  ومن عرفه، فهذه عبارات متقاربة إلا أنها في حقيقتها هي عبارة عن إفضاء عمل ما إلى مفسدة وبالتالي فإن الفقيه الذي يحدد الذريعة فإن عليه دائما أن يعرف مدى الإفضاء.

عثمان عثمان: من هنا فضيلة الشيخ يعني أسأل كيف يمكن للفقيه أو للمفتي أن يحذر وأن يحتاط من احتيال المستفتي ليأخذ يعني بحكم ما ذريعة تؤيدي به إلى ارتكاب الحرام؟

عبد الله بن بيه: هو الفقيه عليه أن يكون يقظا وأن يعرف مآلات الأفعال، مثلا لو اشترى من عندي شخص عنبا، على مذهب الإمام مالك وأحمد فهو سيفرق بين الشخص الذي يريد هذا العنب ليعصر منه خمرا وبين ذلك الذي يريده للأكل، عليه أن يكون يقظا في تعامله مع الواقع، عليه أن يعرف هذا الواقع حتى يعرف المتوقع لأن المتوقع هو في حقيقته مآل للواقع وبالتالي على الفقيه لأن الذريعة ما هي؟ الذريعة عبارة عن وسيلة يتوسل بها إلى شيء، عما يتوصل به إلى شيء لأن الذريعة في اللغة العربية هي عبارة عن ناقة كانوا يجعلونها للصيد ولهذا يقول الشاعر

وللمنية أسباب تقربها

كما تقرب للوحشية الذرع

هي توصل، فاستعاروها إلى فعل الجائز. من أوقد نارا في بيته هذا جائز لكنه إن أوقدها في ريح هذا من شأنه أن يحرق الجيران ويكون ضامنا لذلك على مذهب الإمام أحمد ومالك لأن هؤلاء هم أهل الذرائع مالك وأحمد، بينما الشافعي رحمه الله تعالى ينتفي من الذرائع. لكن المسألة هي عنصر الإفضاء، يجب أن نفهم هذا، فإذا أفضت الوسيلة قطعا، الذريعة قطعا فلا يختلف مالك والشافعي وأحمد فيها، من حفر بئرا على طريق المسلمين لا خلاف في ذلك لكن إذا كانت الوسيلة غالبة أن تؤدي إلى المتوسل هنا يختلف هنا، هنا الشافعي لا يقول بالذرائع ومالك وأحمد يقولان بالذرائع، إذا كان ذلك أكثريا فمالك يقول بالذرائع في الأكثرية وبنى عليه ألف مسألة في بيوع الآجال.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني لكننا نلاحظ أن كثيرا من الفقهاء المتأخرين بالغوا في مسألة سد الذرائع حتى ضيقوا الخناق على مسلم اليوم، إلام تعزون ذلك؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نقف وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان فقه التوقع مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. فضيلة الشيخ سألت أن بعض الفقهاء أو أن الكثير منهم ربما بالغوا في مسألة سد الذرائع حتى ضيقوا على الكثير من المسلمين، إلام تعزون ذلك؟

عبد الله بن بيه: هو يمكن أن نقول إن بعض الفقهاء بالغوا في سد الذرائع فسدوا كل شيء ومنعوا جملة من البيوع الجائزة والمعاملات الجائزة بناء على أنها قد تؤدي، بذرائع ضعيفة، منع للتهمة ما كثر قصده كما يقول المالكي. ولكن هذا أعزوه إلى شيئين، أحدهما الورع الشديد الذي قد يتملك الفقيه، فهي مسألة ذاتية subjective مسألة ترجع إليه، والمسألة الأخرى هي أيضا أن يكون الفقيه ليس متوسعا في أصول الفقه وليس مطلعا على قواعد التيسير ومقاصده وبالتالي فهو منحصر بين جدارين، بين جدار النص أو القريب من النص وهو العلة الجزئية، أي العلة لأن العلة في القياس إنما تكون الجزئية وبالتالي لم يرتق إلى المجالات الفسيحة للكليات وهذا عائقه. المسألة الثالثة يعني التفسير الثالث هو أن الفقيه لا يكون متشددا لكن المجتمع قد يكون متحللا بحيث يطالب الفقيه بأن يحل كل شيء وأن يبيح كل شيء وإذا لم يفعل ذلك فإنهم يصمونه ويسمونه بالتشدد والتعمق وأنه شخص متزمت وقد لا يكون الأمر كذلك، قد يكون العيب في المجتمع، فالعيب في العين لا في الشمس، كما قال الشاعر في الصغر، العيب يكون في المجتمع وليس في الفقيه.

عثمان عثمان: لذلك قالوا إنما العلم رخصة من ثقة.

عبد الله بن بيه: نعم وهو كذلك، هذه مقولة صحيحة للسفيان.



العمل بالأحوط وأهمية فقه التوقع وعلاقته بالغيب

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ أين يتجلى البعد المستقبلي فيما يسميه الفقهاء العمل بالأحوط؟

عبد الله بن بيه: العمل بالأحوط هو الخروج من الخلاف، والعمل الأحوط قد يختلف من مذهب إلى مذهب لأنه في المذهب المالكي أو مذهب الإمام أحمد هو الخروج من الخلاف بمعنى المسألة يكون فيها قولان فتذهب إلى القول الأشد، وبعض العلماء يرى ذلك لحديث عمار، ما خير بين أمرين لاختار أشدهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم زكى ذلك، مع أن هذا الحديث روي بأسدهما، أكثرهما سدادا أو أرشدهما، ويعارضه، النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. فالعمل بالأحوط قد ينظر إلى المستقبل، قد ينظر إلى أن الإنسان يريد أن يحتاط لدينه يريد أن لا يفسح المجال أمام الآخرين حتى لا ينطلقوا في مجالات واسعة قد تخرج من ضبط الشرع. لكن العمل بالأحوط هو بخاصة النفس وليس للعامة، هذا الذي نراه في هذه المسألة.

عثمان عثمان: طبعا هناك الآن الأحوطيات أصبحت كثيرة وربما أيضا تضيق على كثير من المتدينين.

عبد الله بن بيه: نعم، هذا يقع أحيانا ولكن القضية هي قضية ضبط، أن نضبط النصوص الجزئية والقواعد الكلية وأن نعرف الواقع بكل تضاريسه ومتوقعاته حتى نطبق عليه حكما متوازنا لا هو بالمتحلل ولا هو أيضا بالمتشدد المتزمت المتقوقع وكان بين ذلك قواما.

عثمان عثمان: الأخ عبد العظيم فهمي المراغي من مصر يقول "رفقا ورحمة بنا نحن عوام المسلمين بما يسمى بفقه التوقع، فإن كان الكثير من الدعاة ببلادنا غير ملمين بالفقه الحالي وما زالت الكثير من المسائل الفقهية يختلف فيها حتى كبار العلماء ولم تحسم، فالأولى حاليا تثقيف وتطوير الدعاة  في الفقه التقليدي وإلمام الدعاة بهذا الفقه بصورة جيدة قبل الدخول في ما يسمى بفقه التوقع" يعني أين تكمن أهمية فقه التوقع اليوم؟

عبد الله بن بيه: هو فقه التوقع كما رسمنا له يتحرك في مجالين، مجال عبارة عن جائزات يتوقع أن تؤدي إلى محرمات وهي ما يسمى بالذرائع والمآلات، مجال آخر هو افتراض قضايا لم تكن موجودة وهذه القضايا أفادتنا كثيرا. يقول الحطاب في شرحه لخليل، لو طار ولي الله في السماء قبل طلوع الشمس وقبل طلوع الفجر رأى الفجر هل يصلي أو لا يصلي؟ ويقول إنه لا يصلي لأن الفجر هو في الأرض. ويقول الحطاب مرة أخرى لو طار وقت زوال الشمس وكان قد صلى الظهر ثم جاء إلى مكان أخرى فهل يصلى الظهر مرة أخرى أو لا يصليه؟..

عثمان عثمان (مقاطعا): شيخنا هذه كلها أمثلة من التاريخ، نريد أمثلة نعيشها اليوم.

عبد الله بن بيه: هذه الأمثلة مهمة لأن هذه الأمثلة من الافتراضيات جعلتنا اليوم في سعة لأنهم هم تحدثوا عما وقع، عما وقع فيما بعد. فأود أن أقول إن التوقع بجانبيه هو افتراض أولا كما ذكرنا وافتراض هذه المسائل قد يخدم الاجتهاد في الوقت الحاضر لأن اجتهاد الحاضر اجتهاد قدمه الأولون لنا وإن كان ليس في زمانهم، لم يكن موجودا يعني لم يكن موجودا إلا وجودا ذهنيا، يعني لم يكن له الوجود الحقيقي من الوجودات الأربع، نعد الأربع وجودات، وجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان ووجود في الخارج ووجود العيان.

عثمان عثمان: اسمح لنا فضيلة الشيخ أن نأخذ مداخلة من الدكتور نور الدين الخادمي الأستاذ في جامعة الزيتونة، السلام عليكم فضيلة الدكتور.

نور الدين الخادمي/ أستاذ في جامعة الزيتونة-تونس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: تفضل دكتور.

نور الدين الخادمي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. تحية طيبة أخي عثمان وتحية إلى العلامة الشيخ عبد الله بن بيه. فقه التوقع كما ذكر فضيلة الشيخ هو فقه يعنى باستشراف القضايا التي يمكن أن تقع في المستقبل وهو يقابل فقه الواقع من حيث زمن الوقوع فهو إذاً خطوة معرفية وفقهية واجتهادية متقدمة جدا..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور يعني اسمح لي يعني عذرا للمقاطعة، يعني أشبع فقه التوقع تعريفا في خلال الحلقة، نريد بعض التطبيقات على هذا الفقه؟

نور الدين الخادمي: تطبيقاته كثيرة جدا قديما وحديثا وأكتفي بإيراد بعضها مما يتعلق بالقضايا المعاصرة الحديثة..

عثمان عثمان (مقاطعا): حبذا أن تكون من القضايا المعاصرة نعم.

نور الدين الخادمي: نعم، يمكن أن أورد مثالين أو ثلاثة أمثلة، مثال أول يعرف بمثال الاستنساخ البشري، الاستنساخ البشري هو مثال حي ومعاصر معناه إيجاد نسخة بشرية على غير الطريقة المعروفة بالتوالد والتناسل بين زوجين اثنين، هذا المثال لما ظهر في بداية أمره تساءل الفقهاء وتساءل عامة الناس عن هذا المثال وعن حكمه الفقهي وهو لم يقع بعد وربما لم يقع إلى حد الآن أو وقعت بعض أجزائه، فهذا المثال يمكن للفقيه أن يتفهمه وأن يتصوره وأن يعطي الأحكام الشرعية المناسبة له وذلك يكون بتوقع نتائج ومآلات وحقيقة هذا الاستنساخ كأن يتمثل أو يتوقع المفاسد التي تترتب عليه، ومن هذه المفاسد مثلا انتهاك الكرامة الإنسانية، التلاعب بالجينات، انتهاك الخيط الوراثي، الابتزاز المادي، الاستهانة بالأديان والقيم وبغير ذلك، بناء على هذه المفاسد التي يقدمها الخبراء والعلماء المتخصصون في الهندسة الوراثية بهذه المفاسد يستطيع الفقيه أن يحكم على هذا الاستنساخ، وهذا ما صار فعلا في هيئات الإفتاء ومجامع الفقه لما حرموا هذا الاستنساخ ومنعوه وهو لم يقع بعد أو ربما وقعت بعض بداياته وخطواته، هذا مثال أول. مثال ثان أيضا يتصل ببعض الزواجات أو بعض الزيجات الجديدة المعاصرة التي ظهرت في بعض المجتمعات كزواج مثلا المصياف أو زواج المضياف أو زواج المطيار أو الزواج الأبيض أو الزواج بنية الأوراق أي بنية الحصول على الجنسية أو الإقامة في بلد ما، فإن الفقهاء لهم أن يتوقعوا حقيقة هذه الزيجات وسماتها ومآلاتها وبعض تفاصيلها التي تعينهم على حسن التصور وعلى حسن التكييف ثم على حسن بيان الحكم وتنزيله.

عثمان عثمان: شكرا دكتور نور الدين الخادمي الأستاذ في جامعة الزيتونة كنت معنا من تونس. فضيلة الدكتور لدي سؤال هنا، أحد الأخوة المشاهدين يقول "فقه التوقع ربما يكون شطرا من علم الغيب الذي يمارسه بعض الكهنة، وهل لعلم الغيب علم؟ كيف يتوقع إنسان ما سيجري في مستقبله؟ والله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا الله، أفيدونا أفادكم الله من فضله".

عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة أن هذا ليس من علم الغيب، هو عبارة عن توقع أمر ما لوجود بعض العلامات التي تدل عليه أو لوجود أحكام تتعلق به، مثلا توقع أن في أوروبا أن يطلع رئيس مسلم فما هي الأحكام التي يجب على هذا الرئيس أن يلتزم بها؟ هل يجب عليه أن يطبق الشريعة في مجتمع ليست شريعته الشريعة الإسلامية؟ طبعا هذا توقع، توقع قد يكون بعيدا وقد يكون قريبا، وبالتالي التوقع لا يعني البتة حتى التوقعات عند الغربيين اللي هي الـ anticipation الاستباق والتوقع واللي زي الـ (آنتي باسيون) عن الفرنسيين، فإنها لا تعني أيضا علمها غيبي وإنما تعني أن نحصل من خلال معطيات الحاضر على محاولة لمعرفة قانون في المستقبل، قد يكون هذا القانون قانونا اقتصاديا قد يكون حركة السوق قد يكون حركة الفاعلين التجاريين نعرفها من خلال ما يسمى بنظرية الاحتمال probability أو من خلال العينات المختلفة التي نطلع عليها ومن خلال الاستقراء، والاستقراء مؤصل في الإسلام، فالتوقع له أدوات هذه الأدوات قد تكون بديهية، حدس المفتي قد يعرف هذه الأدوات وقد تكون هذه الأدوات خفية كما قلت يعني، الانتخابات قد تفرز نوابا في تلك البلاد. هناك إشكالات الآن أنا أسأل عنها، مثلا نتوقع أن الأنكحة في البلاد الغربية، كما أشار الدكتور الخادمي، قد تكون هذه الزيجات تؤدي إلى مشاكل ولهذا في المجلس الأوروبي أفتينا بأنها تمر أولا في البلدية حتى تسجل بعد ذلك لأننا توقعنا أن مآلها أن يترك هذا الرجل هذه المرأة وبالتالي تبقى هي ومن ولدت في حالة لا تطاق، فهذا التوقع جعلنا نعدل عن الحكم الشرعي المعروف وهو أن الزواج يقع بين اثنين بمحضر شاهدين أو ولي، فعدلنا عن هذا لوجود مستقبلي، لوجود تصور لما يكون من المستقبل، هذه كلها قضايا، الكثير من القضايا التي عندنا في المجامع الفقهية. الخيارات أو الاختيارات التي هي في الغرب في البورصات هذه يعني تقوم على التوقعات تقوم على توقعات الارتفاع أو الانحدار، نحن عندنا خيار التروي أحد الخيارات، عندنا ثلاثة خيارات اثنان منها لا يدخلان في هذا وهو خيار النقيصة وخيار المجلس، يبقى خيار التروي، خيار التروي يدخل في فقه التوقع لأنه يقوم على توقع لإسناد شيء لمستقبل، يجب أن نفهم التوقع هذا بأنه ليس فقط افتراضا لمسألة وإنما هو إصدار حكم لوجود علة مستقبلية.



أصول وقواعد فقه التوقع

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الشيخ يعني هناك بعض الفقهاء كان لا يفتي في المسألة إلا إذا وقعت ونعلم أيضا أن الفتوى تكون باختلاف الزمان والمكان واختلاف حال المستفتي، كيف يمكن أن نتعامل مع فقه التوقع وفق هذه المعطيات؟

عبد الله بن بيه: هو بعض الفقهاء في القديم، مالك رحمه الله تعالى كان لا يفتي إلا في مسألة وقعت ويذم حتى الفقهاء يقول أحدهم كالجمل المغتلم يقول هو هذا، هو هذا يهدر، حتى يصف الفقهاء بأنهم يهدرون، مالك أنه كان شديدا في هذا، والإمام أحمد كان يسأل هل وقعت؟ وحتى بعض الصحابة كانوا يسألون عن ذلك، لكن هذا لا يمنع أن توليد المسائل الذي له هدف وله غاية وليس عبثا أنه جائز، وأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، دعوني اتركوني ما تركتكم. كان النهي في زمانه صلى الله عليه وسلم حتى لا يفرض شيئا لم يفرض، أما بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم فقد اختلف الناس كما يقول ابن رجب الحنبلي على فريقين، فريق من أهل الحديث جهلوا الحدود بمعنى أنهم اقتصروا على الأقل ولم يتفقهوا في الدين، لم يفتقوا المسائل وفريق زاد في تفتيق المسائل والحق هو واسطة بين هذين الفريقين، ولأجل ذلك فقه التوقع وإن كان فقه التوقع هي كلمة ما زالت يعني يسمعها الإنسان ربما لا يتحملها..

عثمان عثمان (مقاطعا): هي مصطلح طارئ على مسامع الكثيرين الآن.

الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسبة من الأدلة التفصيلية بالاجتهاد، وإضافة الفقه إلى التوقع دليل ربط العلاقة بين الأحكام التي يصدرها الفقيه استنادا إلى توقع وبين الأحكام التي يصدرها استنادا إلى واقع
عبد الله بن بيه: نعم، لأن الفقه هو علم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسبة من الأدلة التفصيلية بالاجتهاد لكن فقه التوقع هو لا هو.. التوقع ليس هو الأدلة الاجتهادية لكن إضافة الفقه إلى التوقع هي إضافة تدل على العلاقة التي بين هذه الأحكام التي يصدرها الفقيه استنادا على توقع وبين الأحكام التي يصدرها الفقيه استنادا على واقع، بين المترقبات ما سماه البقاري بالمترقبات وبين الواقع الذي ليس مترقبا.

عثمان عثمان: البعض يعتبر أن فقه التوقع هو إفراغ للأحكام الشرعية من قوالبها، يعني كيف يمكن لفقه التوقع أن يكون مرتبطا بالكتاب والسنة؟

عبد الله بن بيه: الكتاب والسنة مليئان بفقه التوقع، كل ما جاء في القرآن وأكثر ما جاء في القرآن {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً..}[النساء:35]،  {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ..}[البقرة:229]،  {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً..}[النساء:3] هذه كلها خفتم خفتم هي بناء على توقع، {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا..}، نبعث الحكمين للمرأة التي نخاف عليها النشوز نبعث حكمين، نبعث حكمين بناء على ماذا؟ بناء على توقع، {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً..} لمن يريد أن يتزوج أكثر من امرأة، ولماذا؟ {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً..} بناء على توقع يتوقف عند واحدة لا يتزوج أكثر من امرأة واحدة. {.. فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ..} أيضا، الخلع تقدمه، كل هذا الخوف، خفت كذا، مبني على التوقع، فمسألة التوقع هي أصيلة في كتاب الله وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: في موضوع السنة فضيلة الشيخ يعني كما جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام امتنع عن قتل المنافقين الذين كانوا يعيشون في المجتمع الإسلامي حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه، ما تعليقكم؟

عبد الله بن بيه: وهو كذلك لأنه توقع الحملة الإعلامية التي تنشأ عنها لتشويه صورة الإسلام، فقال دعه لا تقتله، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن إعادة البيت أيضا على قواعد إبراهيم، وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الناس الذين يعني أو أنبهم على أنهم أفتوا الرجل بأن يغتسل فمات، قال هلا سألوا إذا جهلوا إنما دواء العي السؤال، لأنه كان يتوقع، التوقع مهم. عمر بن الخطاب أسقط جزءا من الحد، الزاني البكر، جلد مائة وتغريب سنة، غرب شخص ذهب إلى العدو، فعمر رأى التوازن بين مصلحة إسقاط جزء من الحد ومفسدة دخول الشخص مع العدو كفر فأسقط هذا الجزء من الحد، لماذا؟ بناء على توقع. هناك الصحابة كانوا يعملون، عمر رضي الله عنه امتنع عن البيان، كان قادما من الحج، كان في الحج يريد أن يصدر بيانا عن قضية الخلافة ونظام الحكم فعبد الرحمن بن عوف قال له يا أمير المؤمنين هنا كل عوام الناس فيطيرون بكلامك كل مطار، لا يفهمونه، فعمر توقف عن ذلك حتى رجع إلى المدينة وأصدر ذلك البيان الضافي الذي ذكره البخاري وما وقف على المنبر بعدها، توفي، قتل رضي الله عنه.

عثمان عثمان: ربما أيضا هنا يحضرنا الحديث يعني قال من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أفلا أبشر الناس؟ قال لا حتى لا يتكلوا.

عبد الله بن بيه: أحسنت، أحسنت، هذا جيد، هذا من التوقعات، هذا بناء الأحكام على التوقعات، بالتوقعات، نحن في الذرائع مشكلتنا هي هل التوقع قريب، هل هو مغنون، هل هو قطعي؟ هل المآل أيضا مآل واحد؟

وما له حال مع المآل

ألا ولو اعتبر وقيل التالي

شيء يكون له حاله ومآله هل أعتبر الحال أو المآل؟ إذا كان له مآلان أيهما نعتبر؟ الفقهاء ضبطوا هذا بحيث يمكن أن نعمل وأن نؤصل لفقه بمختلف مصطلحاته وأدواته حتى يساعد الآخرين في التوقع، لأن التوقعات الآن سمعتها سيئة بعدما وقع في الاقتصاد العالمي بناء على تلك التوقعات التي كان مبنية على رسالة عملها واحد ووجد بها، حصل بها على جائزة نوبل [كلمات أجنبية] أي التوقع الرشيد أو التوقع العقلاني، لكن ظهر أن توقع هذا الرجل في مسألة الاقتصاد الكلي كان توقعا رديئا وبالتالي سقطت هذه الأسواق ولا تعرف الآن كيف سقطت ولا العلاج، فالتوقعات الآن سمعتها سيئة ويمكن أن نقول إن مكانتها في البورصة متدنية جدا فليست جيدة، طبعا التوقعات عندهم تقوم على كما قلت على سبر العينات، على مسألة probability على الاحتمال نظرية الاحتمال على جملة من القوانين والمؤشرات من خلالها يضعون قانونا ويقولون التوقع هو كذا. لكن نحن عندنا القطع والظن والتوقع الضعيف، التوقع الضعيف لا نبني عليه شيئا يعني التوقع الضعيف أو البعيد لا نبني عليه شيئا، إذا الوسيلة انفصلت عن أصلها بأن كانت.. الله سبحانه وتعالى نهى عن أن يتزوج الرجل المرأة وهي في العدة، نهى عن ذلك، قال {..وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ..}[البقرة:235]، لا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب -أي العدة- أجله، لكنه أباح {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ..}[البقرة:235]، الوسيلة المباشرة منعها والوسائل البعيدة أباحها وهي التعريض والإكنان في النفس، كلما ابتعدت الوسيلة، هنا فقه الفقهاء وفطنة العقلاء أن نعرف ما هي الذريعة ما هي الوسيلة التي يمكن أن نبني عليها حكما وما هي الوسيلة التي لا يبنى عليها حكم، ما هو التوقع الزائف وما هو التوقع الصحيح، وهذا كما قلت هو الذي جعل الأسواق تسقط وبالمناسبة التوقع ليس مهما للفقهاء فقط، التوقع مهم لرجال السياسة والحكام ورجال الاقتصاد هؤلاء هم الذين عليهم أن يتوقعوا لأممهم لأن قراراتهم إذا لم يتوقعوا..

عثمان عثمان (مقاطعا): تؤثر في الأمة كلها، نعم.

عبد الله بن بيه: ولهذا تقول الحكمة الفرنسية لتكن حاكما جيدا عليك أن تتوقع جيدا، [كلمات أجنبية] أي الحكامة هي التوقع.

عثمان عثمان: نعم، يمكن أن نأخذ مثالا تطبيقيا آخر فضيلة الشيخ، يعني عندما منع الإسلام الرجل من طلاق زوجته في حالة الحيض والنفاس لحالتها النفسية أيضا.

عبد الله بن بيه: هو هذا ليس من هذا الوجه، هو لوجه آخر فيه توقع وهو أن يطلقها في حالة الطهر لأنه إذا انتظر الطهر كما قال مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ليتيح فرصة للمراجعة بينهما ولهذا جاء في القرآن الكريم أمره بأن لا يخرج المطلقة من بيتها لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، ذلك الأمر ما هو؟ هو الرجعة، ولهذا فلننظر إلى منع الطلاق في الحيض من زاوية إتاحة الفرصة للتراجع بينهما فهو توقع لكن ليس ناشئا عن حالة نفسية التي للزوجة وإنما هو ناشئ عن أنها في فترة لا يمكن للزوج أن يقربها فيها ولو كان في فترة أخرى لأمكن أن يتراجع في قراره.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني أقل من دقيقة، في ثلاثين ثانية ربما، ما هي أهم العلوم التي يجب على المفتي أن يلم بها ليفتي في الشأن العام؟

عبد الله بن بيه: المفتي عليه أن يعرف الأحكام الجزئية والمقاصد الكلية والواقعة، هذه ثلاثة عناصر إذا أتقنها المفتي يمكن أن يفتي، بالإضافة إلى قائمة أخرى من الاشتراطات. لكن مع ذلك هذه العلوم المعاصرة عليه أن يستعين بغيره، لا يمكن أن يطلب منه أن يعرف علم الحساب أو..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الشيخ أعتذر منك فقد ضاق الوقت، أعتذر للمقاطعة، أشكركم فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.