- ماهية الفتوى والحاجة إليها والمجالات الخاضعة لها
- تأثير الفتوى في تطور البحث العلمي
- معايير الفتوى وسبل تجنب إشكالاتها

عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم وأرحب بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43]. المجال العلمي أحد أبرز مجالات الشأن العام لأن نتائجه تعم الجميع وتؤثر في المجتمعات وتطورها ولكن قضايا وتطورات علمية دأبت على أن تثير جدلا دينيا في العالم كله وليس في الإسلام فقط وانقسم الناس فيها إلى فريقين فريق ينادي بفصل حركة العلم عن تعاليم الكنيسة أو عن مجال الإفتاء وتدخل الفقهاء وفريق ينادي بضرورة أن تضبط حركة العلم وتطوراته بمعيار أخلاقي وهذا المعيار إنما يوفره الدين بتعاليمه التي من شأنها أن تصون حرمة الإنسان وأن تصون حرمة الأديان معا. في هذه الحلقة مشاهدينا الكرام سنعالج العلاقة بين مجال الفتوى ومجال العلوم الحديثة أين يتداخلان وهل ينفصلان؟ وما الإشكالات العملية الناتجة عن دخول الفتوى في مجال العلوم؟ وما شروط المفتي فيها وما حدوده؟ الفتوى والعلوم الحديثة، شروطها وإشكالاتها، موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. أهلا وسهلا بكم فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور هل كل فتوى هي توقيع عن رب العالمين؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد، فقبل أن أجيب على هذا السؤال لا بد لي من كلمات يقتضيها الموقف الذي تعيشه أمتنا على ما هي عادتنا في هذا البرنامج نتعرض للقضايا العامة التي تهم الأمة في المرحلة الحالية. أول ما أتوجه به هو أعزي الشعب السوداني الشقيق وأسرة الفقيد الأديب العربي الكبير الروائي العالمي الشهير الأستاذ الطيب الصالح رحمه الله تعالى رحمة واسعة وقد عرفناه هنا في قطر، ظل سنوات وهو ممثلا لليونيسكو وكان مثالا للرجل المهذب الحسن العلاقة بالناس جميعا، لا نملك إلا أن ندعو له بالمغفرة والرحمة. الأمر الثاني نواسي الشعب المصري في النازلة التي نزلت به، الحادثة الإجرامية التي وقعت في حي الحسين وراح ضحيتها إحدى السائحات وجرح من جرح، وأنا يعني أدعو الشباب الذين يقومون بهذه العمليات أن يتقوا الله ربهم وأن يخشوا الله في أمتهم وفي شعبهم وفي وطنهم، لا داعي لأن نتكلم بلغة الرصاص وبلغة القنابل وإنما ينبغي أن نتكلم باللغة التي يجب أن توجه إلى الناس جميعا، أدعو هذا الشعب وأدعو الحكومة وأدعو الأحزاب وأدعو الجميع أن يدعوا العنف وأن يتكلموا بمنطق العقل والحجة وهذا ما يدعونا إليه الإسلام، أما منطق الموت والرصاص هذا فهذا مرفوض من غير شك. الكلمة الثالثة في قضية يعني مهمة وهي هذه الإساءة التي صدرت من التلفزيون الإسرائيلي إلى الأنبياء، إلى المسيح عليه السلام وأمه العذراء البتول الطاهرة التي قال القرآن فيها {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}[آل عمران:42] والتي جعل القرآن سورة خاصة باسمها، سورة مريم، هذا التلفزيون الإسرائيلي والقناة العاشرة بالذات اعتدت على مريم العذراء ووصفتها بما لا يليق، بما برأها الله تعالى منه وعلى المسيح عليه السلام، ونحن كمسلمين ننكر الإساءة إلى أي نبي من الأنبياء فكيف بنبي من أولي العزم من الرسل، القرآن الكريم أثنى عليه ثناء عطرا في سور عدة وأثنى على أمه وأثنى على كتابه، وهذا التلفزيون أساء إلى سيد الرسل وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام إساءة مسفة وبذيئة ولا تليق يعني بإنسان عنده ذرة من عقل أو أدب ولكن هؤلاء قتلوا الأنبياء من قبل وهؤلاء تطاولوا على الله {..الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء..}[آل عمران:181]، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ..}[المائدة:64] إلى آخر ما حكى القرآن عنهم، وحكت عنهم حتى الكتب السماوية، حتى كتابهم نفسه وصفهم بالشعب الغليظ الرقبة، فهؤلاء يعني نحن ننكر هذا الأمر، الاعتداء على مقام رسولنا ورسول العالمين رحمة الله للعالمين سيدنا محمد وعلى مقام المسيح وأمه عليه السلام، ولا بد للأمة أن تحتج على هذا بما تستطيع من برقيات ورسائل إلى آخره. أمر رابع أيضا، عدوان آخر ولعله عدوان أشد خطرا وأبعد أثرا من الكيان الصهيوني نفسه وهو أنهم يعدون العدة للعدوان على حي البستان في القدس وهذا الحي فيه 88 عقارا وفيه 1500 عائلة في هذا الحي، يراد أن يضم هذا الحي إلى طريقتهم، أن يزيلوا هذا الحي إزالة تامة ويزيلوا حارة المغاربة لإخلاء المنطقة من سكانها وتفريغها تماما وليقيموا حيا مفتعلا، حيا يهوديا يعني قسريا على خلاف الواقع وخلاف التاريخ يوازي الحي الإسلامي، وأنا أنادي الأمة الإسلامية والأمة العربية وزعماء العرب والمسلمين وكل القوى الفاعلة أن تقف ضد هذا المشروع الصهيوني حتى لا يتحقق في الواقع. هذا ما أحببت أن أقوله قبل الدخول في موضوعنا.

ماهية الفتوى والحاجة إليها والمجالات الخاضعة لها

عثمان عثمان: بارك الله فيكم مولانا وحفظكم ذخرا لهذه الأمة. نعود إلى السؤال هل كل فتوى هي توقيع عن الله عز وجل؟

المفتي حينما يقول هذا حلال وهذا حرام وهذا فرض وهذا مستحب وهذا مكروه كأنما يوقع عن الله
يوسف القرضاوي:
نعم. الفتوى كما وصفها ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" يقصد بالموقعين عن رب العالمين، فالمفتي حينما يقول هذا حلال وهذا حرام وهذا فرض وهذا مستحب وهذا مكروه كأنما يوقع عن الله، بيمضي عن الله عز وجل، لأنه معنى حلال يعني إيه؟ يعني أحله الله تعالى. حرام، أي نهى الله تعالى عنه نهيا جازما ومن خالف ذلك استحق غضب الله ولعنة الله واستحق دخول النار وهكذا، فهذا هو التوقيع حتى وإن كان اجتهاد منه هو ولكنه اجتهاد مبني على أدلة شرعية ويقول لأن الله تعالى يقول كذا أو لأن رسوله يقول أو لأن الأمة أجمعت على كذا أو لأن القياس يقتضي كذا أو لأن مقاصد الشريعة تقول كذا أو أن القواعد الفقهية، فهو يبني، يعني لا يبني كلاما من عند نفسه، لا، يبنيه على اعتبارات وقواعد مرعية وأصول شرعية يبني عليها فتواه، من هنا تعتبر الفتوى توقيعا عن رب العالمين.

عثمان عثمان: ولكن يعني أين العنصر البشري في تركيب الفتوى؟ من يصدر الفتوى بالنهاية هو بشر يخطئ ويصيب.

يوسف القرضاوي: هو بشر طبعا هو بشر ولذلك هو اجتهاد منه، حتى هو المفتى منهي أن يقول هذا حكم الله، لا يقول هذا حكم الله ولكن يقول هذا رأيي، حتى الناس لما يأتوا يسألوا المفتى بيقولوا ما قولكم دام فضلكم في كذا وكذا؟ حدث لي كذا وكذا، ما قولكم؟ يعني بيسأل عن قوله عن رأيه عن اجتهاد، فهو بيعبر ولكن اجتهاده ليس يعني معلقا في الهواء، اجتهاده مؤسس على أصول وعلى قواعد، من لا يفعل ذلك لا يستحق أن يكون مفتيا.

عثمان عثمان: ربما نسأل فضيلة الدكتور عن طبيعة الفتوى وما الحاجة إليها؟

يوسف القرضاوي: الفتوى الحاجة إليها أنها تبين أحكام الشرع في النوازل التي تنزل بالناس، الناس تنزل بهم نوازل في حياتهم الخاصة والعامة، الفردية والأسرية والاجتماعية والأمة المتدينة عادة تحب أن تستبين موقعها بحيث هل هذا أمر أحله الله فيقدمون عليه أم أمر نهى الله تعالى عنه وتوعد عليه بالعذاب فيحجم عنه ومن ذلك كثرت الاستفتاءات في الأمة الإسلامية لأن الأمة الإسلامية أمة دينية، أمة ذات كتاب ومؤمنة برسول والدين أساس في حياتها، الدين هو الموجه الأول لتفكيرها والمؤثر الأول في شعورها والمحرك الأول لسلوكها ولذلك تلجأ على علماء الدين تستفتيهم دائما.

عثمان عثمان: ولكن البعض فضيلة الدكتور يسأل لماذا تحشرون الدين في كل قضية؟ لماذا علماء الدين يقحمون أنفسهم في كل تفصيل من تفاصيل الحياة، سواء في الحياة الاقتصادية، السياسية أو في القضايا العلمية البحتة؟ يعني هل هناك حدود للفتوى تقفون عندها؟

يوسف القرضاوي: إذا كانت الفتوى هي بيان حكم الشرع وموقف الشرع من هذه القضية فالشريعة الإسلامية شريعة شاملة، علماؤنا يقولون الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين، لا يخرج فعل مكلف من المكلفين عن حكم الشريعة، أي مكلف، وسيعمل عملا اقتصاديا سياسيا تجاريا علميا شخصيا أي عمل لا بد للشريعة حكم لازم في هذا العمل، إما حلال وإما حرام وإما فرض وإما واجب وإما مستحب، لا بد، لا يخرج فعل من الأفعال عن واحد من هذه الخمسة ولذلك مش علماء الدين اللي حاشرين، الدين هو اللي حاشر نفسه، وهي الحياة هكذا، يعني لا يوجد في الحياة شيء اسمه دين وشيء دنيوي وشيء اقتصادي وشيء، الحياة نسيج واحد، دي تقسيمات فنية، إنما الإنسان هو من أول ما يقوم بيأكل وبيشرب وبينام ويروح شغله ويقرأ في كتاب ويعمل كلها شيء متواصل فهذا الشيء هو شيء مشروع ولا غير مشروع؟ لا يمكن أن نقول كل عمل الإنسان كل ما يهواه يكون صحيحا، لا، يمكن يهوى شيئا ولا يجوز له لا ينبغي له أن يفعله فكيف يعرف ما هو صحيح مما هو.. في أشياء بينة، الحلال بين والحرام بين، وفي أشياء بتحتاج إلى سؤال هذه هي اللي بنذهب إلى المفتى إنما مش مطلوب من الإنسان أنه كل شيء يروح، في شيء بين فليس محتاجا إلى سؤال مفتي ولا عالم.

عثمان عثمان: يعني لو أقصينا الفتوى عن مجال من المجالات يعني هل يعني ذلك إقصاء للدين عن الحياة أم أن الفتوى غير الدين؟

يوسف القرضاوي: لا، الفتوى هي بيان التوجه الديني بيان الموقف الديني من المسألة فالذين يريدون إبعاد الفتوى عن الحياة هذا اتجاه علماني، العلمانية هي الفصل بين الدين والحياة ولذلك الأيديولوجيات الشاملة التي نعرفها لم تستطع إلا أن تجمع لأجل تسيطر على الدين وعلى الدنيا وعلى الأسرة وعلى الكذا، الشيوعية، حتى المسيحية التي يقول إنجيلها دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أيام قوتها وسيطرتها لم تدع ما لقيصر لقيصر وما لله، سيطرت على قيصر وعلى الإمبراطوريات ووجهت الحياة وأحيانا وجهت الحياة توجيها خاطئا ولكن ليس هذا ذنب الدين، ذنب رجال الدين الذين أساؤوا فهم الدين وأساؤوا تطبيقه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني الفتوى تتعلق بمسألة جزئية أو خاصة بحادثة معينة ولكن في مجال العلوم الحديثة كالاستنساخ وغيره هل يمكن للفتوى أن تحكم في هكذا قضايا أم أن هذا ليس من طبيعتها وليس من مجالها؟

يوسف القرضاوي: لا، هناك ممكن تحكم الاتجاه العام، يعني أقول لك مثلا في جامعة قطر من حوالي 25 سنة تقريبا عقدت ندوة جامعة قطر خاصة كلية العلوم مع منظمة الإيسيسكو المنظمة الإسلامية للعلوم والتربية والثقافة مع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية في ليبيا وكان الموضوع هذا هو الهندسة الوراثية والتحكم في الجينات وهذه الأشياء في مقابل الانعكاسات الدينية والأخلاقية والقانونية، ما موقف الدين والأخلاق والقانون من عمل الهندسة؟ هل الهندسة الوراثية تعبث بما تشاء في هذه الأمور أم أن هناك قيودا دينية وقيودا أخلاقية وقيودا قانونية؟ اجتمع في هذه البتاع أطباء وعلماء بيولوجيون وعلماء يعني شرعيون وقانونيون وتباحثوا، هكذا. في الكويت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وهذه منظمة تقيم ندوات كل سنتين تقريبا وأحيانا كل سنة وأقامت ندوات يعني عديدة خلال السنوات الفائتة مهمتها أن تجمع صفوة من الفقهاء وصفوة من الأطباء وتبحث في قضية من القضايا الطبية ذات العلاقة بالفقه والجوانب الإنسانية، الأطباء يشرحون القضية ويعرضونها ويحللونها ويناقشونها والفقهاء يستمعون منهم ويناقشونهم ويسألونهم حتى تتضح القضية فيحكم الفقهاء بما يجوز وما لا يجوز، ما يحل وما لا يحل. لكن لا يستطيع الفقيه وحده أن يفهم هذه الأشياء ما لم يكن هناك متخصص قادر على الشرح والتوضيح وهذا هو الواجب على علماء الدين في هذه القضايا يعني المهمة والقضايا التي تتعلق بالعلم والقضايا التي تتعلق بالطب والقضايا التي تتعلق بالفلك والقضايا التي تتعلق بالاقتصاد لا بد أن يحضروا الخبراء في هذه النواحي ويستمعوا منهم حتى يفهموا وبعد ذلك يكون الإفتاء والحكم الشرعي.

عثمان عثمان: يعني هذا الاستماع، هذا الإفتاء هل يكون على القضايا العلمية البحتة أم ينطلق إسلاميا وفقهيا من المفتي انطلاقا من مبادئ قيمية أو أخلاقية؟

يوسف القرضاوي: قطعا الدين قائم على قيم وأخلاق حينما يحلل ويحرم، ليه بيحلل ويحرم؟ هل اعتباطا كده؟ لا، القرآن يعني قال عن النبي عليه الصلاة والسلام يعني في وصفه في التوراة والإنجيل قال {..يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}[الأعراف:157] فلا يحل الدين إلا الشيء الطيب والشيء النافع ولا يحرم إلا الخبيث وإلا الضار سواء كان ضرره على الفرد ضرره على الأسرة ضرره على المجتمع ضرره ماديا، ضرره كان معنويا يعني ضرره آنيا ضرره مستقبليا، الدين حينما ينظر إلى المنافع والمضار لا يقصرها يعني على جانب واحد، عادة البشر حينما ينظرون إلى هذه المسائل يركزون على جانب وينسون جوانب كثيرة إنما لأن هذا حكم الله قائم على علم الله الذي يعلم المفسد من المصلح  {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14] الذي لا يغيب عنه أي شيء و محيط بكل شيء فبينظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ينظر إلى الجوانب المادية والجوانب الروحية جوانب الدنيا وجوانب الآخرة جوانب الفرد وجوانب المجتمع وهكذا، فحينما ينظر عالم الدين تكون هذه النظرة هي معياره الذي يقيم على أساسه الحكم والفتوى.

عثمان عثمان: في موضوع البصمة الوراثية أو الشيفرة الوراثية، تحليل الـ DNA يعني ما دور الفتوى في هذه القضية؟ البعض يقول إن الفتوى بالمنع قد تعوق تطور البحث العلمي. أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصير. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة.

[فاصل إعلاني]

تأثير الفتوى في تطور البحث العلمي

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الفتوى والعلوم، شروطها وإشكالاتها، مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور في القرار السابع الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي في دورته السادسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة طبعا في عام 2002 يقول عن البصمة الوراثية إن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين أو نفي هذه النسبة عنهما، ولكن في البند الثالث يقول لا يجوز شرعا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب ولا يجوز تقديمها على اللعان ويقول أيضا في البند الرابع لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعا ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونا لأنسابهم. هل المنع هنا يكون عائقا أمام تطور البحث العلمي؟

يوسف القرضاوي: لا لا، ليس عائقا ولكن البحث العلمي شيء وتطبيقه في مجالات معينة شيء آخر، خلي الأبحاث حول البصمة الوراثية والشيفرة الوراثية وهذه الأشياء تصل إلى ما يمكن أن تصل إليه ولكن يعني هناك أحكاما وقواعد تحكمنا، يعي لا يجوز أن نأتي ونبحث في أنساب الناس نشوف الأولاد دول أولاد الرجل ده ولا لا لأنه معناه نحن بنشكك في الأمة وفي نساء الأمة، عندنا قاعدة الولد للفراش، ما دام مولودا على فراش الزوجية هو ابن أبيه من الأب الظاهر للناس، لا يجوز أن نبحث عنه لأنه معناه عايزين نفضح المرأة هذه ونفضح الولد ده المنسوب لأبيه ونقول ده جاي من حرام، خل الأمور ماشية، دي قاعدة شرعية. هناك أشياء مثل اللعان لو واحد اتهم امرأته، اتهم امرأته بالزنا أو اتهم أن الولد ده مش ابني، القرآن في الحالة دي قال هناك اللعان، يعني القاضي يحضرهم والرجل يقول يعني لعنة الله عليه، يشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، هو صادق في رميها بالزنا أو نفي الولد، والمرأة يدرأ عنها الحد والعذاب أن تشهد أربعة شهادات أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب عليها إن كان من الصادقين، والولد في الحالات دي يعني لا ينسب إلي أبيه وينسب إلى أمه، هل يجوز إحنا أن نجعل البصمة الوراثية هي الحكم؟ لا. لكن أنا في..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا أنتم موقعون على هذا القرار.

يوسف القرضاوي (متابعا): في هذا المجمع أنا كنت حاضرا وكان لي رأي لم يؤخذ به ولكن أنا أراه صوابا ومتمسك به، اللي هو أن المرأة من حقها أن تطلب تحكيم البصمة الوراثية، يعني واحد قال لها الولد ده مش ابني قالت له أنا أحتكم إلى العلم، العلم القطعي أحتكم إليه، أنا أرى أنه في هذه الحالة القاضي يعني يستجيب لها لأنه إذا ثبت هي مش حتقول هذا إلا إذا كانت مطمئنة 100% أنها لم ترتكب إثما ولم تتصل برجل آخر، فهي مطمئنة أن البصمة الوراثية حتكون في صفها، فهذا إذا جاءت البصمة وقالت الولد ده ابن هذا الرجل يبقى استفدنا، برأنا المرأة من التهمة أثبتنا نسب الولد يعني أرحنا الزوج من الشك، بعد ما كان شك حيعرف أنه كان ظالما لامرأته، فأنا أرى أن هذا.. إنما العكس لا، لو الرجل نقول لا، نحن الشرع يريد أن يستر على المرأة فلازم نبقي..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هناك مجالات ممكن استخدام فيها البصمة الوراثية ومجالات.

يوسف القرضاوي
(مقاطعا): كثير، كثير من الأشياء في الحروب مثلا يعني افرض في حرب غزة وجاء ووجدنا بعض الأولاد من بعض العمارات أو بتاع ومش عارفين مين آباءهم، مين دول، أولاد مين، لا في أقارب لهم ولا جيران ولا شيء، ممكن نحكم البصمة الوراثية علشان نعرف دول أولاد مين، ممكن أحيانا في المستشفيات يحصل غلط، ولد يروح مكان واحد أو كذا ويمكن تتنازع الأمهات دي تقول ده ابني عايزة تأخذ الذكر وتسيب البنت بتقول ده ابني وهكذا، نحكم الإيه؟ البصمة الوراثية، لو واحد تنازعوا في إثبات نسب طفل أو ولد أو كذا ده يقول ده ابني وده يقول ده ابني، نحتكم إلى البصمة الوراثية.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور يعني طبعا هنا مجالات متعددة، دعنا نأخذ الدكتور عبد الهادي مصباح زميل الأكاديمية الأميركية لعلم المناعة، السلام عليكم دكتور.

عبد الهادي مصباح/ زميل الأكاديمية الأميركية للمناعة-القاهرة: وعليكم السلام وأهلا وسهلا والسلام عليكم يا فضيلة الدكتور.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا يعني الكلام يخرج هذه الأيام وفي كل وقت أنه يجب إبعاد المفتين عن العلوم، عن الفتوى في العلوم، ما تقولون في هذا المجال؟

عبد الهادي مصباح: هو اللي أنا حأقوله الحقيقة ليس بالضروري يكون رأيي أنا الشخصي ولكن أنا حأقول الرأي العلمي في الموضوع، الرأي العلمي أن هناك الحقيقة في مجال العلم يقطع لأن التجربة أن كل حاجة بتبدأ المفروض في المجال العلمي أنه ما يكون في حظر على التفكير أو الابتكار العلمي أيا كان نوعه وبالتالي أطلق العنان لفكرك واللي يخضع الموضوع هو التجربة العملية اللي تبين ده ضار وده نافع. نأتي هنا إلى مشكلة أنه إحنا العلم بيتقدم والناس بدأت تصل إلى منطقة سر الكون اللي هي الحامض النووي اللي هي DNA وهذا الحامض النووي منطقة خطيرة جدا اللعب عندها ممكن يخلق أجيالا مشوهة، فبدأت تتعالى الصيحات أكثر على ضرورة وجود تقنين للأبحاث العلمية، الناس العلميون بيردوا بيقولوا طيب ما هو أنتم لو إحنا مثلا الذرة كنا حجبنا عن العلماء أنهم يعملوها علشان هي مدمرة ما هي بتعالج دلوقت الأورام السرطانية، فكل شيء في الدنيا ممكن يستخدم بالسلب أو بالإيجاب، نفس الوضع بالنسبة للاستنساخ مثلا يعني تقنية استنساخ البني آدم الكامل آه مرفوضة لكن طلع من حاجة جانبية منها حاجة اسمها الخلايا الجذعية، الخلايا الجذعية ممكن تستخدم بديلا لزراعة الأعضاء وبالتالي أقدر أنقذ منها أشياء كثيرة جدا. هي المشكلة أنه إحنا أولا ليس هناك إجماع في الفتوى بداية يعني، يعني على سبيل المثال أدي لحضرتك نقل الأعضاء، أو تعريف الموت الإكلينيكي..

عثمان عثمان: باختصار لو سمحت دكتور.

عبد الهادي مصباح: تعريف الموت الإكلينيكي عندنا في مصر ما زال عليه خلاف في الوقت اللي في السعودية وفي قطر وفي دول كثيرة أقروا بتعريف الموت الإكلينيكي بأنه موت جذع المخ، نفس الوضع بالنسبة لتقنية الاستنساخ. فأنا برأيي أنه ينبغي الحقيقة تقريب وجهات النظر بين العلماء والفقهاء لأنه في النهاية إحنا عندنا اللي ننشده هو مقاصد الشريعة اللي من ضمنها المحافظة على النفس البشرية وأنه إحنا ما نجيبش أجيالا مشوهة بعد كده ما نعرفش نعمل فيها إيه.

عثمان عثمان: الدكتور عبد الهادي مصباح من القاهرة شكرا جزيلا لك. ربما الدكتور عبد الهادي تحدث عن أنه يجب أن يكون هناك جمع بين علماء الشريعة والعلماء في العلوم الطبيعية وأن يتم الوصول بعد دراسات كما ذكرتم فضيلة الدكتور للوصول إلى نتائج علمية وتكون الفتوى وفق هذه النتائج العلمية.

يوسف القرضاوي: هذا ما تفعله المجامع الفقهية، يعني في المجمع الفقهي ورابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي إذا أرادوا البحث في قضية طبية يجمعون مجموعة من الأطباء، من كبار الأطباء المختصين حتى يشرحوا لهم القضية، لو في قضية فلكية زي قضية إثبات الهلال أو كذا نأتي بعلماء الفلك، لو قضية اقتصادية نأتي بعلماء الاقتصاد..

عثمان عثمان: هؤلاء أهل الفكر يعني.

يوسف القرضاوي (متابعا): نسمع الفقهاء منهم حتى يحكموا بناء على بينة ولا يحكموا بالجهل.

عثمان عثمان: طبعا هو يقول إنه يجب أن لا يكون هناك حكم عام، مثلا قضية الاستنساخ على البشر ربما تفرع عنها الخلايا الجذعية التي استفيد منها في بعض الأعضاء التي تفيد البشر.

يوسف القرضاوي: أيضا عرضت هذه على الفقهاء وأفتوا فيها وفرقوا بين يعني أنواع مختلفة متى تأخذ الجذعية، من أين تأخذها؟ يعني مثلا من جنين، جنين إيه؟ مثلا هل يعني تسقطه علشان تأخذ منه، لا، لا يجوز في هذه الحالة، لازم يكون جنين يجب إسقاطه أو يعني سيسقط طبيعي أو بناء على فتوى طبيب أو غير ذلك، إنما هذه الأشياء حينما يدخل فيها العلماء يدخلون فيها بعد أن يفهموها بحق.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني البعض يرى أن هناك مشكلة حقيقية بين المفتين والعلوم الحديثة، العديد من التطورات العلمية كانت في الماضي تجابه بالتحريم ولو كان للمفتين سلطة كما يقول هؤلاء لتوقفت الأبحاث في عدد من الميادين العلمية، كيف يمكننا تبديد هذا الخوف؟

يوسف القرضاوي: ليس هذا صحيحا، أنا أقول لك أولا هذا بالنسبة لنا كمسلمين يعني غير صحيح لأنه إحنا عندنا دائما كان هناك تعاون بين العلم والدين، الصراع بين بين العلم والدين كان في أوروبا ما كانش في العالم الإسلامي، حين ذكرنا في الحلقة التي ذكرناها عن العلم أنه كان كثير من علماء الدين هم علماء في الرياضيات وعلماء في الطبيعة وعلماء في الكيمياء وغير ذلك يعني ذكرنا مثل ابن النفيس وذكرنا مثل ابن رشد وصاحب "الكليات" وصاحب "بداية المجتهد" والفخر الرازي الذي كانت شهرته في علوم الطب لا تقل عن شهرته في علوم الدين، ليس عندنا هذه القضية. إنما حتى في أوروبا التي أقامت محاكم التفتيش لمحاكمة العلماء والذي قال عن كروية الأرض جرى له، وكانت هذه موجودة في كتبنا وتدرس بسهولة، حتى هذا لم يقف ضد التطور العلمي وقام العلم رغم وقوف الكنيسة ضد رجال العلم، استطاع العلم أن يكتسح هؤلاء فادعاء أن التحريم وقف وأخر العلم هذا لم يحدث لا عندنا ولا عندهم، العلم ماشي في طريقه.

معايير الفتوى وسبل تجنب إشكالاتها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يجب أن نفرق بين الفتوى والمفتي، الفتوى تكون عامة في كل المجالات بينما المفتي ربما يفتي في بعض المجالات، من يفتي في القضايا العلمية؟ هل هناك مواصفات، معايير معينة للمفتي في القضايا العلمية؟

المفتي في القضايا العلمية كالمفتي في القضايا الاقتصادية، لا يفتي المفتي إلا بعدما يكون لديه نوعان من الفقه: فقه الأدلة وفقه الواقع
يوسف القرضاوي:
المفتي في القضايا العلمية كالمفتي في القضايا الاقتصادية كالمفتي في أي قضايا، لا يفتي المفتي إلا بعد أن يكون عنده نوعان من الفقه، الفقه الأول فقه الأدلة أن يكون يعني دماغه مليء بفقه الشرع عنده الملكة الفقهية يعرف القرآن والحديث وأصول الفقه ويعرف اختلاف العلماء ويعرف الرجوع إلى المقاصد الشرعية وإلى القواعد الفقهية وإلى كذا، هذا فقه لا بد منه. الأمر الثاني فقه الواقع، لا بد لتنزيل النصوص والأدلة على الواقع هذا، كثير من العلماء يخطئ لأنه لم يصور الواقع على حقيقته مثل الذين أجازوا الصلح مع إسرائيل لم يفهموا حقيقة الموقف من إسرائيل والعلاقة، بعضهم قال إنهم {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ..}[الأنفال:61] إزاي إسرائيل جنحت للسلم وهي لا تزال تحتل ديارنا وتسفك دماءنا وتعتقل أبناءنا وتفعل بنا ما تفعل ونعتبرها جنحوا؟! هذا ليس تصويرا حقيقيا. بعض الناس أجازوا فوائد البنوك واعتبروا أن الإنسان وكل البنك، هذا غير صحيح بالمرة ليس هذا توكيلا ولا البنوك تعمل في الاستثمار..

عثمان عثمان (مقاطعا): يجب الإحاطة بكل جوانب الفتوى يعني؟

يوسف القرضاوي: فأي مفتي لكي يفتي فتوى صحيحة لا بد أن يكون عنده من الفقه والمعرفة بالأدلة القدر الكافي، الأمر الثاني أن يعرف الواقع، الواقعة التي يعني يفتي فيها لا بد أن يعرفها معرفة تامة، ولذلك لا بد هناك في القضية العلمية لا بد أن يكون هناك حد أدنى لمعرفة هؤلاء العلماء، بعض العلماء لم يدرسوا الدراسة الحديثة، هذه العلوم دخلت الأزهر من قديم سموها العلوم الحديثة والحقيقة هي مش حديثة هي كان المسلمون درسوا هذه الأشياء وكانت علومهم هم الذين صدروها إلى أوروبا إنما لما دخلت يعني من مائة سنة إلى الأزهر سموها العلوم الحديثة، يعني الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات وسموها العلوم الحديثة. في بعض البلاد الإسلامية العلماء لم يدرسوا هذه الأشياء، ما عندهمش أي فكرة، بعضهم.. لما استفتتني من حوالي 35 سنة تقريبا أو 30 سنة مجلة العربي في بعض الفتاوى عن شكل الجنين وعن أشياء طبية مختلفة وبأقول أنا فيها إن المرأة حينما تبيض في كل شهر كذا ومش عارف إيه؟ بعض العلماء قعدوا يسخروا، يقول لك القرضاوي بيقول إن المرأة بتبيض، هي المرأة بتبيض ولا بتولد؟ ومعروف أنه في أشياء بتولد وأشياء بتبيض، المرأة هل هي ممن يبيض ولا ممن يلد؟ يعني ما عنده فكرة، فلازم يكون ولذلك يعني التطوير الحديث للجامعات الدينية والشرعية لا بد أن يدرسوا ابتداء في المعاهد يدرسوا العلوم الحديثة حتى يكون لهم ثقافة علمية معقولة، أرضية يبنى عليها.عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني ذكرتم بعض الشروط والمواصفات للمفتي لو فرضنا أن أحد المفتين أفتى وهو لا يملك هذه المواصفات كيف يجب التعامل معه؟ وربما هذا إجابة على سؤال الأخ عبد الغني من الجزائر يقول، يقول الله تعالى {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43] يقول ما حكم الأشخاص الذين يتدخلون في الفتوى بغير علم؟

يوسف القرضاوي: هؤلاء يجب أن يمنعوا..

عثمان عثمان: كيف؟

يوسف القرضاوي: يصادروا، ابن الجوزي يقول يجب على ولي الأمر أن يمنع هؤلاء من.. كما يمنع الذي يمارس الطب وهو لا يحسن الطب، وابن تيمية كان يقول يجب أن يكون على هؤلاء محتسب، أيكون على الخبازين والطحانين محتسب ولا يكون على أهل الفتوى محتسب؟! هؤلاء يجب أن يمنعوا.عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نحن نعرف أن هناك في الفقه الإسلامي مصطلح، مجتهد، مسألة، هي تحيل إلى مسألة في التخصص العلمي، لماذا لا تنشأ تخصصات داخل الفتوى ذاتها يعني هناك من يفتي في الاقتصاد، هناك من يفتي في القضايا العلمية، هناك من يفتي في السياسة إلى غير ذلك ويكون لهذا المتخصص تكوين علمي خاص؟

يوسف القرضاوي: أنا اقترحت هذا الاقتراح على المؤتمر الذي عقد في الشهر الماضي في مكة المكرمة، مؤتمر عالمي للفتوى واقترحت عليهم أنه لا بد أن يكون هناك معهد عالي أو تخصص عالي بعد الشهادة العالمية أو شهادة الإجازة يعني لأهل الفتوى وقلت لهم إن الأزهر عمل ثلاثة تخصصات بعد الشهادة العالمية، تخصص للقضاء وتخصص للوعظ والإرشاد وتخصص للتدريس، أنا أخذت تخصصا في التدريس. تخصص القضاء لخريجي كلية الشريعة وتخصص الوعظ لخريجي الدعوة وأصول الدين وتخصص التدريس لكل الكليات الثلاث. قلت لهم كان ينقصهم يعملوا تخصصا للفتوى لأن حاجة الناس إلى المفتي مثل حاجتهم إلى القاضي بل أكثر لأن الناس لا تحتاج إلى القاضي دائما في النزاع إنما محتاجين إلى المفتي دائما والمفتي يحتاج إلى تكوين خاص وكتبت يعني مذكرة في هذا المعهد أو هذا التخصص الذي يجب أن ينشأ كيف يختار طلابه كيف يختار أساتذته كيف يضع برنامجا، اقترحت عليهم برنامجا معينا لتكوين المفتي حتى يعني يكون مفتيا على بصيرة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا يعني ربما استطرادا نجد في الدراسات الشرعية سواء في المعاهد أو الجامعات هناك الفقه ولا يوجد مادة للإفتاء وربما اقتراحكم يأخذ طريقه للتنفيذ. الفتوى إما أن تقع ابتداء أو جوابا على سؤال، هل ينطبق هذا أيضا في المجالات العلمية؟

يوسف القرضاوي: لا، الفتوى هي الجواب، الفقه ممكن يكون ابتداء حتى القرآن الكريم يعني نهج القرآن في بيان الأحكام يقوم على نوعين، النوع الأول يبتدئ بالبيان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ..}[المائدة:1]،  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ..}[البقرة:282] أطول آية في القرآن في بيان للأحكام ابتداء. النوع الثاني هو بيان، بيان على سؤال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ..}[الأنفال:1]،  {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ..}[البقرة:219]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى..}[البقرة:222]، يأتي بعد كلمة يسألونك أو يستفتونك، {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ..}[النساء:176] إلى آخره. فهذا يعني إنما كلمة فتوى هي الإجابة عن سؤال، أن يسأل الإنسان في واقعة معينة في سؤال معين يتطلب إجابة، المفتي هو من يجيب باسم الشرع أو في ضوء أحكام الشرع عن هذا السؤال.

عثمان عثمان: البعض يطرح أن قضايا الشأن العام أو الفتاوى في القضايا العلمية هذه يجب أن تكون محصورة في المجامع الفقهية وليس أن تكون متاحة للأفراد بشكل عام مهما بلغ هذا الفرد من العلم، هل ترون الأمر مجديا في هذا الموضوع؟

يوسف القرضاوي: هو طبعا المفروض القضايا الكبيرة تعرض على المجامع ولكن أحيانا يضطر الشخص يسأل في قضية اقتصادية قضية علمية،  والناس محتاجون إلى الجواب، أحيانا لأن المجمع يجتمع كل سنة مرة ويعني في كل سنة يناقش قضية قضيتين ثلاث والباقي يؤجله إلى دورة أخرى والناس محتاجة إلى جواب فماذا تفعل؟ فهما قلنا وأحلنا الأمر إلى المجامع سيظل هناك حاجة من الناس إلى استفتاء أفراد العلماء، المهم أن يسألوا العلماء الذين يستحقون أن يسألوا، المشكلة أن الناس لا تفرق بين العالم الفقيه والعالم الواعظ، في عالم واعظ جيد ولكنه ليس فقيها جيدا ثم يفهمون أن كل خطيب مفوه يهز أعواد المنابر أنه يصلح لأن يفتي، فليسألوا من يصلح للفتوى، وعلى العالم الذي لا يحسن الفتوى أن لا يستحي من أن يقول لا أعلم، المشكلة هي مشكلة الناس الذين يعني يوهمون أنهم يعرفون كل شيء ولا يغيب عنهم شيء، وهذا مستحيل، كل عالم يعرف شيئا وتغيب عنه أشياء {..وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }[الإسراء:85]، فإذا سئل عالم في قضية وهو لا يحسن والله يقول أعطني فرصة حتى أراجع، حتى أشاور، ممكن يرجع إلى الكتب وممكن يشاور بعض أخوانه من العلماء وليس في هذا ما يعيب الإنسان لأنه ليس هناك من يحيط بكل شيئا علما إلا الله عز وجل.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور كيف يمكن أن نصل إلى تبديد مخاوف العلماء من أن تكون الفتوى عائقا أمام أبحاثهم العلمية وبالتالي تبديد مخاوف المفتين من شطط العلماء بعيدا عن مفاهيم الدين وأخلاقيات الإسلام؟

يوسف القرضاوي: والله أنا أقول لك إن شطط العلماء أصبح الآن أكثر من شطط المفتين، أنا بتجيني أوراقا من أناس يفسرون القرآن يعني بما لم ينزل الله به سلطانا ولم يقم عليه برهانا ويتعسفون بالتأويل باسم العلم، والله أمامي ورقة جاية من كم يوم واحد مفسر النفس الواحدة {..خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا..}[النساء:1] وخرج عن كل ما يمكن أن.. كأن الرسول والصحابة والأئمة والقرون الأولى لم يفهموا القرآن، هو اللي فهم القرآن واهتدى إلى الفهم وكل الأمة في 14 قرنا لم تفهم القرآن! أنا يعني أخشى من تطاول أخوانا الكثيرون إلى الجانب الديني وتدخلهم فيما لا يحسنون، هو هذا أخطر من دخول المفتين، المفتي الذي لا يعرف العلم لا يدخل فيه ويكف عنه إنما المشكل هو العالم الذي يظن أنه يفهم في الدين بما لا يفهمه علماء الدين.

عثمان عثمان: ولكن هو يعتبر نفسه يقدم خدمة للبشرية بهذ العلم.

يوسف القرضاوي: هو بيقدم خدمة ولكنه في الحقيقة يضلل الناس عن الحقيقة التي عرفها المسلمون خلال القرون، لو كان بيقول إن دي يعني كما يذكر في علم التفسير حاجة اسمها إشارات، تفسير إشاري، أنه في إشارة إلى كذا، نسميه ملح العلم لا مانع، إنما يعتقد أن ده صلب العلم وأن هذا هو حقيقة الدين وأن هذا ما جاء به القرآن، هذا هو الخطر.

عثمان عثمان: في الختام لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم لهذه الحلقة أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل. وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله.