- دلالات اقتران الإيمان بالعمل
- سبل تحريك الفاعلية ودلالات الإيمان السليم

- دور الإيمان في تثبيت القلوب

- انعكاسات الإيمان في حياة الناس

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل..}[النساء:136] الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالتعاطي وينقص بالمعاصي، والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولكن كيف يحصل الإيمان وكيف يتحول إلى سلوك يومي بين الناس وفي الواقع الملموس؟ في الحلقة الماضية تحدثنا عن العلاقة بين الإيمان والنصر وهذه الحلقة نخصصها للحديث عن صورة الإيمان كما يرسمها القرآن الكريم وعن علاقة الإيمان بالصحة النفسية والشدائد والأمن والسكينة، إنه حديث عن أثر الإيمان في الحياة كلها بجوانبها المختلفة، فكيف يطمئن المرء إلى سلامة إيمانه في زمن ينتشر فيه الكثير من الأخلاق الفاسدة والمعاملات غير الأخلاقية؟ ما الذي يستوجبه الإيمان من سلوكيات وتصرفات وأخلاق؟ الإيمان كما يرسمه القرآن الكريم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي؟

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

دلالات اقتران الإيمان بالعمل

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الإيمان في القرآن الكريم دائما ما يقترن بالعمل {..الذين آمنوا وعملوا..} أي دلالة لهذا الاقتران؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، قبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أقول كلمة لا بد منها وهي ليست بعيدة عن موضوع الإيمان لأن الإيمان يتجسد في الوحدة كما أن الكفر يتجسد في التفرقة، الله تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}[آل عمران: 100] الآية كما جاء في أسباب النزول يعني تعني يردوكم بعد وحدتكم متفرقين، فعبر عن الوحدة بالإيمان وعبر عن التفرق بالكفر، أقول هذا بمناسبة ما أوردته في حلقة الأسبوع الماضي حينما هنأت الإخوة في الصومال الشقيق بما انتهوا إليه من طرد الإثيوبيين واختيار رئيس جديد للبلاد ورجوت أن يكون في ذلك عهد جديد تلتقي فيه الصفوف وتتحد فيه الكلمة ويقف الجميع جبهة واحدة للبناء والتعمير ولكن يعني للأسف، يعني استجاب الشيخ شريف حفظه الله وقال أنا مستعد لوساطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عرضنا في البيان الذي أصدرناه باسم الاتحاد عن استعدادنا للوساطة بين الإخوة المختلفين بعضهم وبعض، استجاب الشيخ شريف ولكن إخوانه من الفصائل الإسلامية الأخرى كونت فيما بينها تنظيما يقاتل الحكومة ويقاتل الرئيس الجديد ولا أدري إلى متى؟ يعني أنا آسف جدا أنه لا يوجد دين مثل الإسلام دعا إلى الوحدة ونهى عن التفرق ولا يوجد مثل أمة الإسلام تفترق في أمورها وتختلف وتتوزع شذر مذر بحيث يجافي بعضها بعضا ويعادي بعضها بعضا ويقاتل بعضها بعضا، أخواننا في أفغانستان انتصروا على أكبر قوى إلحادية في الأرض وفي التاريخ قوة الاتحاد السوفياتي ولكنهم للأسف لم ينتصروا على أنفسهم وظلوا يقاتل بعضهم بعضا حتى ذهبوا جميعا وجاء من أخذ الحكم منهم ولا أرجو أن تتكرر هذه التجربة في الصومال يكفي الصومال ما مضى من عمره في الفرقة والقتال والحروب الأهلية، أرجو أن يستجيب الأخوة للوساطة وأرجو من دولة قطر وأمير دولة قطر بما لهم من مبادرات طيبة في التقريب والإصلاح في لبنان والآن في دارفور وغيرها أرجو أن يكون لهم دور في الإصلاح بين الأخوة والتقريب، أن يجلسوا بعضهم إلى بعض، ماذا تريدون؟ يعني هذا، لماذا لا يكون عندنا منطق إلا منطق القوة والقتل؟ المسلم المفروض أن يكون ذليلا على أخيه، {..أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..}[المائدة:54] لم يمدح الله الذل في القرآن إلا في موضعين ذل الإنسان لأبويه {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة..}[الإسراء:24] وذل الإنسان لأخوانه المؤمنين {..أذلة على المؤمنين..} فأنا أطالب الأخوة في الصومال خصوصا الأخوة الذين شهروا السيف وعزموا على القتال أن يراجعوا أنفسهم وأن يتقوا الله في بلدهم وفي شعبهم وفي وطنهم ويحاولوا أن يفتحوا بابا للصلح، الله تعالى يقول {..والصلح خير..}[النساء:128] بهذا الإطلاق، الصلح كل الصلح خير والقتال ليس وراءه إلا الدماء والخراب، نسأل الله أن يوفق الأخوة لقبول الصلح وأرجو من دولة قطر ومن أمير قطر حفظه الله أن يكون لهم دور في الإصلاح بين الأخوة في هذا البلد الشقيق. نعود إلى..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم فضيلة الدكتور ربما الآن أنتم لبيتم نداء أحد الأخوة المشاهدين محمد المحمود الذي وجه نداء عاجلا لسماحتكم أن تتوجهوا بهذا النداء وقال "أتوقع أن يكون لندائكم وبيانكم أثر إيجابي في عدد مقدر من أجنحة هذه المعارضة". نعود إلى السؤال فضيلة الدكتور..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): وأنا يعني أنادي بأعلى صوتي الأخوة يعني أن يرجعوا إلى دينهم، دينهم لا يقول هذا أبدا، دينهم يقول يعني يستمعوا بعضهم {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم..}[الحجرات:10] وليس هناك شيء يستعصي على الحل إذا صدقت النيات إن شاء الله، أرجو من الأخوة الذين جاهدوا في سبيل تحرير هذا البلد من القوات الغازية ومن تجار الحرب وغير ذلك أن يتفاهموا فيما بينهم، أسأل الله أن يشرح صدورهم لقبول هذه الدعوة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور دلالة اقتران الإيمان بالعمل في القرآن الكريم ما هي؟

يوسف القرضاوي: الإمام أحمد بن حنبل قال الإيمان اقترن بالعمل في القرآن في نحو تسعين موضعا، يعني آمنوا وعملوا الصالحات أو أحيانا يجيب العمل والإيمان شرط {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن..}[طه:112]، {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن}[الإسراء:19] بصيغ مختلفة، ربط الإيمان بالعمل هذا في القرآن واضح جدا لأن الإيمان ليس مجرد فكرة في الذهن، ممكن واحد يكون ذهنه مؤمن بالشيء أو يعني عارف للشيء ولكن لا يذعن له، كما قال تعالى في قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا..}[النمل:14] فالإيمان معرفة ذهنية ولكنه بعد المعرفة تصديق في القلب اعتقاد في القلب، السلف قالوا الإيمان اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، أي بالأركان البدن يعني، فلا بد من هذه الثلاثة حتى يكتمل الإيمان، ليس مجرد عمل ذهني فقط ولا مجرد عمل قلبي حتى فقط وأساس القلب، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..}[الحجرات:14] فالإيمان أساسه في القلب ولكن القلب يعبر عنه اللسان وتصدقه أعمال الجوارح، هذا هو الإيمان المطلوب من كل مؤمن.

عثمان عثمان: البعض فضيلة الدكتور يرى أن هذا الإيمان هو شأن داخلي وعلاقة بين العبد وربه لا شأن للناس به، ما رأيكم في هذا القول؟ هذا من ناحية، من ناحية أخرى أليس لهذا الإيمان، أليس من شأنه أن ينعكس سلوكا وإيجابيات في حياة الناس؟

يوسف القرضاوي: طيب هذا هو الرد على الكلام ده، أنه من شأن الإيمان أن ينعكس سلوكا وأخلاقا وأعمالا في حياة الإنسان فكيف يكون شأنا داخليا بين العبد.. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع، والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قالوا من هو يارسول الله قد خاب وخسر؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه. من لا يأمن جاره شره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. الإمام البيهقي ألف كتابا صدر يعني أخيرا محققا في 17 جزءا اسمه الجامع لشعب الإيمان، الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إلاه إلا الله وأدناه إماطة الأذى من الطريق، كل دي شعب الإيمان وكلها شعب عملية يعني لما تقرأ ما قاله الإمام البيهقي، الأحاديث التي جاءت كلها تملأ الحياة كلها، الحياة الفردية، الحياة الأسرية، الحياة الاجتماعية، الحياة الاقتصادية، حياة الأمة، حياة الدولة، الإيمان يدخل في هذا كله، فالقول بأنه شأن بين العبد وربه هذا لا أساس له.



سبل تحريك الفاعلية ودلالات الإيمان السليم

عثمان عثمان: كيف يمكن فضيلة الدكتور أن يتحرك هذا الإيمان في حياة الناس ليكون فاعلا؟ يعني البعض يجد في نفسه الهمة والنشاط والإيمان ولكن عندما يأتي ليمارس هذا الإيمان على الأرض يجد نفسه ضعيفا، أين الخلل برأيكم؟

يوسف القرضاوي: الخلل هنا في التربية لأن الإيمان لكي يكون له أثر لا بد أن يمارس، ربنا سبحانه وتعالى عرف هذا من طبيعة الناس فألزم الناس بفرائض، لماذا فرض الإسلام الصلاة وجعلها عماد الدين وجعلها من الأركان وبعدين كررها جعلها في اليوم خمس مرات؟ لأن الإنسان ممكن أن يغرق في لجة الحياة وفي مشاغل الدنيا وينسى الله عز وجل ولكن ربنا جعل له مذكرات باستمرار، إذا طلع الفجر ذهب ليصلي، إذا زالت الشمس عن كبد السماء صلى صلاة أخرى، إذا صار ظل كل شيء مثله يصلي صلاة العصر، إذا غربت الشمس صلى المغرب، إذا غاب الشفق، يعني باستمرار، حمام يومي يغتسل فيه المسلم كل يوم خمس مرات، فربنا جعل لهم من الأسباب ما يذكره دائما ولكن الإنسان يحتاج أيضا إلى الصحبة الصالحة، الجليس الصالح لمثل حامل المسك والبعد عن البيئة السيئة والبيئة الشريرة وحضور مجالس العلماء الصالحين أو إذا كان لا يستطيع أن يحضر الآن بقى في طريقة أنك تسمع الشريط وأنت ذاهب إلى عملك في سيارتك تستمع إلى درس ديني يعني بس لكن تخير العلماء الصالحين الثقاة الذين لا يملؤون ذهنك بالخرافات والمبالغات، لازم نتخير، هذه كلها وسائل لتقوية الإيمان إشعال جمرة الإيمان حتى تتوهج دائما ولا تنطفئ أبدا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني البعض في بعض الأوقات نجده شعلة في الإيمان شعلة في العمل الصالح وفي بعض الأوقات نجد هذا الإيمان يفتر، هل هذه حالة طبيعية برأيكم وكيف يمكن تجاوزها؟

من الطبيعي أن يكون الإنسان على حالة واحدة من اليقظة والتوهج، وكل إنسان يعتريه الفتور، المهم أن لا يدوم هذا الفتور
يوسف القرضاوي:
هو يعني ليس يعني من الطبيعي أن الإنسان يكون على حالة واحدة من اليقظة والتوهج، كل إنسان يعتريه الفتور، المهم أن لا يدوم هذا الفتور، الصحابة نفسهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاء أحدهم اسمه حنظلة جاء يعدو وقابله سيدنا أبو بكر وهو يعدو ويقول نافق حنظلة نافق حنظلة فسيدنا أبو بكر إيه نافق؟ حتى ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول هذا فقال له ما شأنك يا حنظلة؟ قال له يا رسول الله نكون عندك فنسمع موعظتك فترق قلوبنا وتدمع عيوننا ونذكر ربنا ونذكر الآخرة كأنها رأي عين ونعود إلى بيوتنا فنداعب الأطفال ونلاعب النساء وننسى ما كنا فيه، أليس هذا هو النفاق؟ حالة كده وحالة على عكسها، يعني مش ماشيين على.. هذا هو النفاق، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم يا حنظلة لو دمتم على الحالة التي تكونون فيها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، يعني زي ما يقول ساعة لقلبك وساعه لإيه؟ لربك، المهم مش تدي 23 ساعة لقلبك وساعة واحدة لربك يمكن الساعة لربك لا تكون خالصة لله تقف تصلي وأنت برضه مشغول بالدنيا، فالمهم الإنسان لا بد أن يعتريه الضعف لا بد أن يعتريه الفتور ولكن لا يترك نفسه لا يستسلم لهذا الفتور لأنه إذا استمر عليه ضعف إيمانه وإذا استمر الضعف ممكن يودي به والعياذ بالله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا الحديث المعروف "لا يزني المؤمن حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن"، هل ينفصل الإيمان عن المؤمن بارتكاب الكبائر؟

يوسف القرضاوي: الإيمان فعلا عاصم من ارتكاب الكبائر لأن المؤمن دائما يخاف الله ويخشى حسابه ويعلم أن كل شيء يطلع عليه الله، لا يستطيع الإنسان أن يغيب عن عين الله وهو معكم أينما كنتم لو تذهب يعني يمين أو شمال فالله معك، رقابة الله عز وجل، شعوره برقابة الله في الدنيا وشعوره بالحساب في الآخرة وأن هناك كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وميزانا يوزن فيه كل شيء {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا..}[الأنبياء:47] هذا يجعله يجتنب الكبائر ولكن ممكن كل إنسان تزل قدمه، قد يقع في الكبيرة، المؤمن يقع في الكبيرة ولكنه سرعان ما يستيقظ ويرجع إلى الله عز وجل ويستغفر الله، كما قال الله تعالى في وصف المتقين قال {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}[آل عمران:135] الكبائر تخدش الإيمان لا تقطع دابر الإيمان لا تهدمه نهائيا، هذا كلام الخوارج الغلاة القدماء أنهم قالوا إن الكبيرة معناها إذا ارتكب الإنسان كبيرة خرج من الإيمان ودخل في الكفر، كفر. لا، أهل السنة والجماعة ومعهم نصوص القرآن ونصوص السنة أن الإيمان يخدش وينقص كما قلنا إن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كما أنه يزيد بالمعرفة بآيات الله في الكون وينقص أيضا بالجهل بهذه الآيات، فقال هذه الأشياء تنقص من الإيمان وتنال من الإيمان ولكنها لا تقطع الإيمان، وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا زنى الإنسان يعني يصبح الإيمان على رأسه كالظلة، يطلع فوقه واقف ينتظر، فإذا انتهى من كبيرته يعود إليه الإيمان خصوصا إذا أحس بنوع من الذنب..

عثمان عثمان (مقاطعا): الذي يلجئه إلى التوبة.

يوسف القرضاوي: آه، الذي ينتهي به إلى التوبة، يعني يحس يعني لا تكون المعصية حلوة في نفسه، يستحلي المعصية ويستمرئ هذا الأمر.

عثمان عثمان: نعم، بهذا الموضوع يعني الإنسان يريد أن يطمئن إلى إيمانه يريد أن يختبر هذا الإيمان، هل هناك علامات دلالات على أن هذا الإيمان سليم وكامل أو أنه ناقص؟ وربما هذا السؤال يسأله أيضا الأخ عبد العظيم المراغي من مصر حيث يقول كيف أعرف نفسي أنني مؤمن؟

من علامات صلاح الإيمان حرص المرء على أداء فرائض ربه وخصوصا الصلاة والزكاة والصيام ومثل هذه الأشياء، وحرصه أيضا على اجتناب المحارم المحرمات خصوصا الكبائر السبع الموبقات
يوسف القرضاوي:
شوف في علامات كثيرة، من هذه العلامات أن المؤمن حريص على أداء الفرائض، فرائض ربنا وخصوصا مثل الصلاة والزكاة والصيام وهذه الأشياء، حريص أيضا على اجتناب المحارم المحرمات خصوصا الكبائر السبع الموبقات، يعني الأشياء هذه دليل إذا وجد الإنسان أنه حريص لما يجي وقت الصلاة يصلي هذا دليل على حضور الإيمان، إذا وجد أن عنده يعني أن الصلاة دي يعني صلى ما صلاش يستوي عنده هذا يجب يراجع إيمانه، إذا وجد أنه يرغب في المعصية وأنه يجد للمعصية حلاوة يعني في قلبه هنا يجب أن يراجع إيمانه، هناك أشياء مثلا الرسول عليه الصلاة والسلام قال "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكانت خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له" فإذا وجد عنده عندما ينعم الله عليه بنعمة يقول الحمد لله ويشكر الله عز وجل ويحس بفضل الله عليه، هذا من علامات الإيمان، إذا نزلت به بلية يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ويصبر ولا يجزع ولا يسخط هذا دليل إيمان، إذا كان عكس ذلك يبقى يراجع إيمانه وهكذا.

عثمان عثمان: في حال وقوع المصيبة فضيلة الدكتور، ما دور الإيمان في تثبيت القلوب أمام المحن أمام الابتلاءات أمام المصائب التي تقع بهذا الإنسان؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

دور الإيمان في تثبيت القلوب

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الإيمان وكيف يرسمه القرآن الكريم مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور آيات قرآنية كثيرة، أحاديث نبوية كثيرة أيضا حثت على الإيمان بالقضاء والقدر، كيف يمكن للإيمان بالقضاء والقدر أن يخفف ويهون الكثير من المصائب والابتلاءات التي يقع بها الإنسان؟

يوسف القرضاوي: أنت سألتني قبل الفاصل سؤالا يعني عن المصائب التي تنزل بالإنسان وهو أيضا موصول بمسألة القدر، المؤمن إذا نزلت به مصائب الدنيا لا يتزعزع ولا يتزلزل يعني لا تحطمه المصيبة كما لا تستخفه النعمة، كما قال الله تعالى {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}[الروم:60] المؤمن يعلم أن هذه الدنيا دار ابتلاء فلا يطمع أن يعيش فيها كما يعش أهل الجنة، كما قال الشاعر

جبلت على كدر وأنت تريدها

صفوا من الآلام والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

ويعلم أيضا أن الإنسان في هذه الدنيا يعني معرض للابتلاء حياته قائمة على الابتلاء {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه..}[الإنسان:2] فهو مبتلى منذ طفولته إلى أن يموت كما قال الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في كبد}[البلد:4] يكابد المشقات في حياته وخصوصا الإنسان المؤمن صاحب رسالة يريد أن يهدي الناس إلى رسالته يريد أن يدعو الناس إلى الله ومن قام بذلك لا بد أن يعادى ولا بد أن يؤذى ومن هنا جاء الحديث "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة دينه ضعيف ابتلي على قدر دينه، وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، أنه أيضا مما يؤمن به الإنسان المؤمن أن ما ينزل به من بلايا يكفر الله به عن سيئاته، ما من مسلم يصيبه غم ولا هم ولا نصب ولا وصب ولا أذى ولا حزن إلا.. حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. فلو كان يعني أصيب ببلايا كثيرة كثيرة كفرت كل خطاياه تزيد حسناته وترفع درجاته وهكذا، فهذا يجعله يطمئن. مما يزيده اطمئنانا أنه يؤمن أن كل شيء بقدر الله تبارك وتعالى، ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو أن الخلق اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. هذا بيخفف عنه الألم {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها..}[الحديد:22] كتبها الله قبل أن يخلق الخلق {..إن ذلك على الله يسير، لكيلا لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم..}[الحديد:22، 23] ولهذا المؤمنون دائما أصحاب الرسالات الرسل وأتباعهم صبروا على الأذى وصبروا على العذاب حتى جاءهم نصر الله {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء..}[يوسف:110].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ محمد الشيخ من الصومال، أخ محمد تفضل.

محمد الشيخ / الصومال: سؤالي هو، الأخ العزيز، هو سؤالي يعني الذي اقترف كثيرا من أكل أموال الناس الباطلة ولا يستطيع أن يردها يعني وهو قائم يريد أن يتوب توبة صحيحة ماذا يفعل؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ معلم محمود من فرنسا.

معلم محمود/ فرنسا: السلام عليكم أخي وأريد أن أقول إلى الشيخ إني أحبك في الله وأريد من شيخي الكريم أن يصدر فتوى تشجيعية إلى المنظمات الإسلامية ابتداء يعني أن نجمع تبرعات إلى الشعب الفلسطيني وعلى الأقل مرة في كل ثلاثة أشهر، وهذه الفتوى يا أخي سوف تعين أخواننا الفلسطينيين لأن شيخي الكريم يوسف القرضاوي هو رئيس العلماء في أوروبا..

عثمان عثمان (مقاطعا): الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وصلت الفكرة أخ معلم محمود، الشيخ تحدث في هذا الموضوع كثيرا وحث على المساعدة وخصصنا حلقة لنصرة غزة. الأخ عبد الله عثمان من السويد.

عبد الله عثمان/ السويد: السلام عليكم شيخنا العزيز، شيخنا الجليل جزاك الله خيرا ونحن نعرف الشيخ دعمه الكبير للأمة الإسلامية وإن شاء الله نطلب الشيخ الدعم لشعب الصومال لأنه يعرف الشيخ منذ عشرين سنة كانت الصومال يعني المشاكل وشعب كله شرد من بيوتهم ونحن العائشين في بلاد مختلفة حتى أبناء الصومال الآن لو اجتمعوا ما يقدروا يتكلموا بلغة صومالية لوحدهم لازم يكون الترجمان بينهم، الأب يترجم من يعني ابنه للي هو عمه، يعني يترجم من الابن الثاني يعني صارت مصيبة، الشعب الصومالي كلهم صاروا مهاجرين نحتاج من العلماء..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخي الكريم الصورة واضحة والشيخ تحدث في بداية الحلقة في هذا الموضوع مطولا، هل لديك سؤال إلى فضيلة الدكتور؟

عبد الله عثمان (متابعا): علماء المسلمين يقفوا يساندوا..

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا جزيلا الأخ عبد الله عثمان من السويد، نأخذ محمد محمود من قطر.

محمد محمود/ قطر: السلام عليكم، أنا عندي سؤال، ما هي صور عذاب القبر وما هي الآيات التي تدل على عذاب القبر؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا طبعا نحب أن نجيب على السؤال لكن هو خارج سياق الحلقة، ربما في حلقة أخرى نخصص جزءا من بعض الحلقات لمناقشة مثل هذا الموضوع. فضيلة الدكتور الأخ محمد الشيخ يعني ربما السؤال نوعا ما قريب أو بعيد عن محور الحلقة، هو أخذ أموال الناس ويريد أن يتوب إلى الله عز وجل ولا يستطيع أن يسدد هذا المال، ماذا يفعل؟

يوسف القرضاوي: مسألة الأموال دي شديدة جدا، يعني المفروض المسلم يعني في معاصي بينه وبين الله، هذه التوبة منها سهلة أنه يرجع إلى الله ويستغفر الله ويعني يندم ندما حقيقيا، الله سبحانه وتعالى يغفر له، إنما في الذنوب التي لا يتركها الله هي حقوق العباد خصوصا الحقوق المالية حتى جاء في الحديث "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" يعني شوف الشهادة في سبيل الله، يقتل في سبيل الله، ربنا يغفر له كل شيء إلا ديون العباد، هذه تحتاج إلى شيء خاص من الله عز وجل، فمن أراد أن يتوب وعليه ديون للناس أو كان أخذ أشياء من الناس بالظلم بالنهب بالرشوة بالغش في التجارة وعليه ديون إذا كان عنده فلوس يرجعها إلى أصحابها ما أمكن إذا كان يعرف أصحابها، أحيانا ما يعرفش أصحابها يتصدق بهذا المال عنهم وسيصل إليهم، ما معه شيء ينوي أنه طالما كان حيا كلما توفر عنده مال يتصدق به عن هؤلاء أو يرده إلى أصحاب الحق أو إلى ورثته، إذا عجز عن ذلك يبقى أمره إلى الله ربنا هو أعلم بنيته إذا كان صادقا في توبته وصادقا في رد المال لأصحابه الله يصلح بينه وبين خصومه يوم القيامة.

عثمان عثمان: طبعا الأخ عبد الله عثمان من السويد ركز على موضوع دعم الحالة في الصومال الآن واعتبركم يعني ركنا أساسيا في هذه المسيرة..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): نرجو أن يوفق الله يعني..

عثمان عثمان (مقاطعا): لدي سؤال فضيلة الدكتور هون يعني يقول هل يمكن أن يكون الفرد في قلبه إيمان وهو لا يصلي؟ يعني هناك كلمة تدور على ألسنة العامة من الناس وكثير من الناس بأن الإيمان في القلب وليس له علاقة بالخارج، الأخ يسأل هنا يعني هل يمكن أن يكون هناك إيمان في القلب وبالتالي هذا المؤمن لا يصلي؟

يوسف القرضاوي: لو إيمان حقيقي لا بد أن يدفعه إلى العمل وأول ما يجب أن يعمله المسلم هو الصلاة يعني الذي لا يصلي لا يكون مؤمنا وربنا قال عن الكفار {..لم نك من المصلين}[المدثر:43]، {ما سلككم في سقر}[المدثر:42] أهل جهنم، إيه اللي دخلكم النار؟ {قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين}[المدثر:43، 44]، وبعدين قال ربنا عن المشركين {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون}[المرسلات:48] وقال عن المنافقين {..وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى..}[النساء:142] يعني المنافقين بيصلوا ولكن كسلانين فما بالك من لا يقوم إلى الصلاة لا نشيطا ولا كسلان ماذا تقول عنه؟ ترك الصلاة هذا يعني شيء عظيم نخشى أنه يقطع الإيمان يهدد الإيمان أن يقطع من جذوره إذا استمر على هذا.



انعكاسات الإيمان في حياة الناس

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الدكتور كما ذكرتم الإيمان له إنعكاسات كثيرة في حياة المؤمن وفي حياة المسلم، الله تعالى يقول {..فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا..}[طه:123، 124] يعني هنا كيف يكون الإيمان سبيل الهداية والرشد في حياة الناس؟

من شأن الإيمان أنه يحقق للإنسان الحياة النفسية السعيدة الطيبة، وليس من الضروري أن تكون أموال كثيرة وحياة راغدة، المهم ما يشعر به الإنسان من سكينة النفس
يوسف القرضاوي:
الإيمان هو فعلا يعطي الإنسان نورا يدي له بوصلة ومن يؤمن بالله يهدي قلبه، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به..}[الحديد:28]، {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا..}[الأنفال:29] تفرقون به بين الحق والباطل وبين الأمور المتشابهات، هذا من شأن الإيمان، من شأن الإيمان أنه يحقق للإنسان الحياة النفسية السعيدة الطيبة، القرآن يقول {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة..}[النحل:97] الحياة الطيبة ليس من الضروري أن تكون يعني أموال كثيرة وحياة راغدة، لا، المهم يكون مطمئن القلب بالإيمان يعني فهذا السكينة ما يشعر به الإنسان من سكينة النفس {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم..}[الفتح:4]، السكينة والطمأنينة هذه لا تشترى بمال، ولا يمكن، قد يكون عندك أموال قارون ولكن لم ترزق السكينة قلق في حياتك تشعر بالأسى وبالهم يشغل حياتك فالهم.. الله تعالى يقول {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}[الرعد:28] وبعدين من ناحية أخرى أن الإيمان أيضا حتى قد يسبب، خصوصا الإيمان الجماعي المجموعة المؤمنة إذا سلكت الطريق المستقيم ممكن ربنا هو الطبيعي حسب سنن الله أن يوسع عليها في حياتها {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..}[الأعراف:96]، {وألو استقامو على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا}[الجن:16]، {..ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب..}[الطلاق:2، 3] فسعة الرزق ورغد الحياة موصول بالإيمان أيضا حسب سنن الله عز وجل.

عثمان عثمان: الإيمان أيضا يمنح الأمل بالحياة {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..}[الزمر:53]، {..فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..}[ الرعد:17]، هل معني ذلك أن الإيمان أيضا يتنافى مع اليأس والإحباط؟

يوسف القرضاوي: قطعا، لا يتفق الإيمان واليأس أبدا، اليأس من لوازم الكفر والقنوط من مظاهر الضلال، الله تعالى يقول {..إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون}[يوسف:87]، {قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}[الحجر:56] يعني فالقنوط واليأس من مظاهر الكفر ولوازم الضلال، المؤمن دائما واسع الأمل واسع الرجاء في فضل الله تعالى وفي رحمته، إن كان مريضا فهو يأمل في الشفاء وإن كان محاربا فهو يأمل في النصر وإن كان عاملا فهو يأمل في النجاح، دائما عنده أمل إذا كان معسرا يأمل في اليسر {فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا}[الشرح:5، 6]، {..سيجعل الله بعد عسر يسرا}[الطلاق:7]، {..وتلك الأيام نداولها بين الناس..}[آل عمران:140] يعلم أن دوام الحال من المحال والدهر يومان يوم لك ويوم عليك إذا كان النهار ده عليك غدا يكون لك، فهو بهذا يعيش في أمل دائم لا يظلم اليأس قلبه أبدا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا هناك رابط قوي ما بين الإيمان والقوة كما يقول الله عز وجل {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها..}[البقرة:256]، ما وجه العلاقة بين الإيمان والقوة؟

يوسف القرضاوي: المؤمن يؤمن بالله والله سبحانه هو القوي المتين، فهو يستمد قوته من الله يتوكل على الله ومن توكل على الله فالله حسبه وكافيه، يؤمن بأن معه قوة لا تقهر، يؤمن بأن معه جند الله {..وما يعلم جنود ربك إلا هو..}[المدثر:31] معه جند السماء معه الملائكة معه الحق ومن كان معه الحق فلا بد أن تكون معه القوة فهو لا يهاب البشر ولا يخاف من القوة المادية، القرآن ضرب لنا مثلا، القرآن دائما يذكر لنا نماذج، نعرف الإيمان فيه نماذج مختلفة ذكر لنا نموذج الشاب المؤمن سيدنا مثلا إسماعيل لما قال له أبوه {..يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}[الصافات:102] هذه قوة، قوة الإرادة يعني وتحمل الذبح ويقول له ستجدني إن شاء الله. نجد مثلا آخر، سيدنا يوسف حينما راودته امرأة العزيز عن نفسه وغلقت الأبواب وهيأت الأسباب {..وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}[يوسف:23] قوة أخرى، وضرب لنا مثلا بالقوة بالنسبة لسحرة فرعون، هؤلاء الذين جمعهم فرعون ليتحدى بهم موسى فالذين جاء بهم ليتحدى بهم موسى آمنوا بموسى حينما قابلوا سيدنا موسى {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون}[الشعراء:44] قبلها قالوا لفرعون {..أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين}[الشعراء:41، 42] فلما ألقوا حبالهم يعني سيدنا موسى بطبيعته البشرية خاف، آلاف الحبال والعصي تتحرك أمامه، هو عارف أن هذا سحر إنما بحكم البشرية {فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى}[طه:67- 69] فلما ألقى العصا ابتعلت كل هذه الأشياء {..فإذا هي تلقف ما يأفكون}[الشعراء:45] من عادة الساحر لما يكون ساحر أقوى منه يبطل سحره ولكن تبقى الأدوات إنما هنا نبحث عن الحبال والعصي مش لاقينها وهم سحرة مهرة، فين هذ الأشياء؟! ابتلعتهم العصا، الحية دي، يعني ولذلك إيه؟ قالوا آمنا برب هارون وموسى، ففرعون هددهم وقال يعني {..إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى، قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا}[طه:71، 72] هذه هي القوة أنه أصبح فرعون اللي كان بيعبدوه بالأمس ويقول لهم أنا ربكم الأعلى ويقولون له بعزة فرعون إنا لنحن.. دلوقت يقولوا والذي فطرنا، يحلفون بالله الذي فطرهم وليس.. هذه القوة، الإيمان هو صانع هذه القوة، أنشأهم خلقا جديدا، صب فيهم في عروقهم قوة جديدة هي قوة هذا الإيمان بالله وبالدار الآخرة {إنا آمنا بربنا ليغفر خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى}[طه:73].

عثمان عثمان: إذاً هناك رابط قوي ما بين الإيمان والقوة. فضيلة الدكتور أي دور للإيمان في تراتبية الضمير الإنساني؟ للأسف الشديد لم يتبق لدي إلا دقيقتين فقط.

يوسف القرضاوي: الإيمان هو أعظم قوة ضابطة للإنسان، الإيمان يعني قوة هادية وقوة محركة وقوة ضابطة يعني تدفع الإنسان إلى الخير وتردعه عن الشر، تربي فيه ما سماه القرآن النفس اللوامة اللي بيعبروا عنها الآن بالضمير، الضمير الحي، النفس اللوامة التي تلوم صاحبها دائما إذا قصر في واجب تلومه نفسه وتردعه تكويه وإذا ارتكب محظورا أو محرما أيضا تلومه نفسه فهي لوامة، كلمة لوامة اسمها صيغة مبالغة في اللغة العربية يعني كثيرة اللوم يعني باستمرار هي له بالمرصاد، هذه النفس هي الضمير فلذلك لا يوجد شيء يصنع الضمير كالإيمان، يقول الشاعر

لن يصنع القانون فينا رادعا

حتى نكون ذوي ضمائر تردع

هذا هو الذي صنع إيمان الأمة المسلمة في أول الأمر وجعل الإنسان يخشى الله قبل أن يخاف. سيدنا عمر في طريقه إلى الحج وفي الطريق جاعوا وأرادوا.. بعدين لقوا واحدا معه غنم، فسيدنا عمر قال له يا راعي الغنم بعنا شاة من غنمك، قال له أنا مملوك وليست غنمي، قال له قل لسيدك أكلها الذئب -أراد أن يختبره- فقال له يا هذا فأين الله؟ -ما يعرفش أنه عمر- قال له فأين الله؟ حأقول لسيدي هذا الصغير أما سيدي الأكبر ماذا أقول له؟ فبكى سيدنا عمر وبعدين عرف سيده واشتراه منه وأعتقه، قال له هذه كلمة أعتقتك في الدنيا من الرق وأرجو أن تعتقك في الآخرة من النار. هذه هي الضمائر الحية التي يصنعها الإيمان.

عثمان عثمان: وكم نحن بحاجة في هذه الأيام إلى مثل هذا الراعي.

يوسف القرضاوي: ما أشد حاجتنا إلى هذا والله.

عثمان عثمان: نعم، فضيلة الدكتور يعني في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أعتذر عن الإجابة على الكثير من الأسئلة والتي كانت بشكل خاص خارج إطار الموضوع. إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم ها هو معد البرنامج معتز الخطيب يحييكم والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.