- العلاقة بين النصر والإيمان
- معنى الإيمان وصفات المؤمن

- سبل نصرة غزة وعوامل زيادة الإيمان

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..وكان حقا علينا نصر المؤمنين}[الروم:47] ويقول سبحانه وتعالى أيضا {يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتا
ب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل..}[النساء:136] الإيمان ليس أمرا هامشيا ينتهي القول فيه بمجرد التلفظ أو الادعاء أو التمني بل إنه يقين يخالط النفس والقلب حتى إنه ليجري مجرى الدم من العروق وما كان هكذا شأنه لا بد أن تظهر ثماره في القول والعمل والسلوك فما وقر في القلب لا بد أن يصدقه العمل، أي يصدقه العمل بين الناس وفي الواقع الملموس حتى يكون لما في القلب ألف شاهد وشاهد، وإذا كانت هناك علاقة وثيقة بين النصر والإيمان فكيف نفسر تخلف النصر أو تباطؤه عن المؤمنين أحيانا؟ وما حقيقة الإيمان المطلوب وما آثاره المرجوة في واقع الناس؟ إن الحديث عن الإيمان حديث طويل ومتشعب ويستغرق حلقات لكننا في هذه الليلة سنتحاور حول علاقة النصر بالإيمان وحقيقة الإيمان وكيفية حصوله وعلاقته بالصحة النفسية والشدائد والبذل، إنه حديث عن أثر الإيمان في الحياة كلها بجوانبها المختلفة. إذاً الإيمان كما يرسمه القرآن الكريم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي؟

يوسف القرضاوي: مرحبا يا أخ عثمان.

العلاقة بين النصر والإيمان

عثمان عثمان: في البداية، يقول الله عز وجل {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}[غافر:51] أي علاقة بين النصر والإيمان؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب عن سؤالك يا أخ عثمان أريد أن أوجه كلمات ثلاثا، كلمة إلى غزة وكلمة إلى تركيا وكلمة إلى الصومال وهي كلمات تحية وتهنئة في الحقيقة، الكلمة الأولى أوجهها إلى غزة لأحييها وأهنئها بالنصر شعبا وحكومة فإذا كان هناك كثير من البلاد العربية قد انفصل فيها الشعب عن الحكومة ففي غزة التحم الشعب والحكومة ولم يكن هناك فاصل بين هذا وهذا والحكومة قاست ما قاسى الشعب والشعب دافع عن الحكومة ولم يعد هناك انفصال يعني استشهد وزير الداخلية واستشهد أخوه وزوجة أخيه واستشهد ابنه ويعني عشرة أشخاص هدمت عليهم البيوت، الشعب كله، ولذلك أنا أوجه التحية والتهنئة بهذا النصر إلى الشعب الغزاوي وإلى حكومة الأخ المجاهد أبي العبد إسماعيل هنية ويعني أحييهم وأهنئهم جميعا بهذا النصر وأسأل الله تعالى أن يثبتهم ويثبت أقدامهم وأن يجعل يومهم خيرا من أمسهم وغدهم خيرا من يومهم. الكلمة الثانية إلى تركيا فقد كانت تركيا في الحقيقة في هذه المحنة مثلا أعلى يعني العرب أنفسهم لم يصلوا يعني إلى عشر معشار ما قامت به تركيا وقد قابلنا الرئيس التركي في وفد العلماء وسمعنا منه ما سرنا وأثلج صدورنا ثم كان الموقف الأخير من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في مؤتمر دافوس هذا وهذا الموقف الذي احتج فيه على بيريز ولم يسمح لنفسه أن يبقى في هذا المكان وغادر المكان، يعني فنحن نحيي رجب الطيب ونحيي الحكومة التركية ونحيي الشعب التركي على هذا الموقف الشجاع الكريم الذي يليق بأمة إسلامية حقيقة، لا تغرنا القشرة العلمانية فالشعب التركي في مجمله وفي مجموعه شعب مسلم والحمد لله. الكلمة الثالثة والتحية الثالثة أوجهها إلى شعب الصومال، هذا الشعب الذي عانى الكثير يعني خلال عقدين من الزمان يعني أصابته الحروب الأهلية والصراعات الداخلية وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح ودمرت البلاد وحدث ما حدث ثم هيأ الله له ظروفا لإقامة المحاكم الإسلامية ورئيس اتحاد المحاكم الإسلامية الشيخ شريف أحمد الذي انتخبه البرلمان الصومالي بأغلبية ساحقة رئيسا للبلاد وقد زارني هنا سعدت بزيارته في منزلي في قطر واستمعت إليه وتحدثت إليه ووجدته رجلا يتسم بالحكمة واتزان العقل وهدوء النفس والنظرة البعيدة وأنا يعني أستبشر خيرا باختياره وأسأل الله لهذا الشعب أن يهيأ له الاستقرار والسكينة واتحاد الكلمة وأدعو الفصائل الأخرى شباب المجاهدين والشيخ ظاهر ويس رفيقه في الدرب وشريكه في الجهاد من قبل، أدعوه لأن يتقوا الله في أنفسهم وفي شعبهم ويحاولوا أن يلتقوا على مائدة المفاوضات والمحاورات، كل شيء يمكن أن يحل بالتحاور يكفي هذا الشعب ما قدمه من دماء وتضحيات وأيضا أدعو الله سبحانه وتعالى لهذا الشعب أن يكون مستقبله خيرا من ماضيه وأن يجمع كلمته على الهدى وقلوبه على التقوى ونفوسه على الأخوة والمحبة، اللهم آمين. نعود إلى سؤالك.

عثمان عثمان: نعم، بحديثكم عن النصر في غزة ربما يكون الوقت ملائما للحديث عن العلاقة بين النصر والإيمان.

الإيمان هو سبيل النصر الأول في نظر الإسلام وفي فلسفة الإسلام والمسلمين ولا يكون إلا للمؤمنين
يوسف القرضاوي:
الإيمان هو سبيل النصر، الطريق الأول للنصر في نظر الإسلام وفي فلسفة الإسلام والمسلمين هو الإيمان، الإيمان، النصر للمؤمنين والنصر بالمؤمنين، النصر لا يكون إلا للمؤمنين كما قال الله تعالى {..وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وقال {..إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا..}، {إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون}[الصافات:172، 173] النصر لأهل الإيمان، لا يمكن أن ينصر الله كافرا على مؤمن إلا إذا كان المؤمن لا يستحق النصر إنما الأصل في الإيمان الحقيق أنه هو لا بد منه، فالنصر للمؤمنين حتى وإن كانوا أقل عددا {..كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..}[البقرة:249] حتى وإن كانوا أقل مالا {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون..}[الأنفال:36] قد يكونون يعني أقل حصونا، أعداؤهم أقوى وأمنع ولكن الله تعالى يقول {..وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا..}[الحشر:2]، المؤمن يضرب بسيف الله ويقاتل بقوة الله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[الأنفال:17] فنصر للمؤمنين هو النصر بالمؤمنين، الله ينصر أهل الإيمان بأهل الإيمان، يعني لا يأتي النصر هابطا من السماء دون أن يكون هناك، حتى لو كان هناك ملائكة، هناك ملائكة نزلت على الرسول والصحابة في غزوة بدر وفي غزة الخندق وفي غزة حنين، ولكن هذه الملائكة لا تتنزل على فراغ لازم تتنزل على مؤمنين {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا..}[الأنفال:12] يعني لا بد أن يوجد الذين آمنوا حتى تنزل عليهم الملائكة فأنا أقول النصر للمؤمنين والنصر بالمؤمنين، يعني الله لا ينصر الحق إلا إذا وجدت له ثلة مؤمنة قوية تدافع عنه وتبذل النفس والمال والغالي والرخيص في الحالة دي ولذلك يقول الله تعالى لرسوله {..هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم..}[الأنفال:62، 63] لا بد أن يكونوا مؤمنين مؤتلفين، من أثر الإيمان أنه يؤلف بين القلوب وألف بين قلوبهم، {..لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم..}[الأنفال:63] المتفرقون، المتبعثرون، المتشرذمون لا ينصرون لازم يكونوا مؤمنين كالجسد الواحد كالبنيان يشد بعضه بعضا، هنا يتنزل نصر الله عز وجل فالنصر لا يأتي للحق إذا كان الحق مجردا ما عندوش رجال، لازم يكون في رجال

وشيمة السيف أن يزهى بجوهره       

وليس يعمل إلا في يدي بطل

لا بد أن تكون البطولة متمثلة في أهل الإيمان الباذلين المضحين.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور يعني قد توجد هذه الثلة المؤمنة، الطائفة المؤمنة، قد تتوفر أسباب كثيرة للنصر ورغم ذلك يتأخر هذا النصر في التنزل، لماذا برأيكم؟

يوسف القرضاوي: الحقيقة النصر يتأخر لأسباب كثيرة شرحها الشهيد سيد قطب في سورة الحج في قوله تعالى{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}[الحج:39] وقال لماذا يبطئ النصر ولماذا يتأخر النصر عن أهل الإيمان؟ فذكر الحقيقة ثمانية أسباب منها أن الوقت لسه لم يحن بعد، أن الفئة المؤمنة لا زالت في حاجة إلى أن تنضج فلا بد أن تصهر في بوتقة الابتلاء والامتحان، لا يزال الباطل المعادي لهم يعني غير مكشوف زيفه فلا بد أن يعطيه الله المهلة حتى ينكشف زيفه للناس ويعني عدة أسباب كلها تحتاج يعني متصلة بسنن الله سبحانه وتعالى، لا بد أن تتهيأ السنن وتتهيأ الأسباب وينضج الموقف فيكون في هذه الحالة النصر مستحقا، فكل شيء بأجل مسمى ليس هناك شيء اعتباطي.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لو نظرنا إلى حال الأمة اليوم، حال الأمة ضعيفة مهيضة الجناح مستلبة الحقوق، هل يرجع ذلك إلى ضعف أو خلل في إيمانها أيضا؟

يوسف القرضاوي: ضروري، لا بد، هو في الحقيقة يعني لا بد أن نفهم ما هو الإيمان، يعني سئلت مرة، ربنا قال {..وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، {إن الله يدافع عن الذين ءامنوا..}[الحج:38]، {الله ولي الذين ءامنوا..}[البقرة:257]، {..وأن الله مع المؤمنين}[الأنفال:19] وإلى آخره، أمال فين؟ نحن شايفين هذا؟ قلت له أنت يعني جبت هذه الآيات من القرآن عن المؤمنين وعن الذين آمنوا، هل عرفت ما هو الإيمان في القرآن ومن هم المؤمنون في القرآن الذين قال نصر المؤمنين، من هم المؤمنون؟ لازم كما جبت بالآيات هذه من القرآن لا بد أن تأتي أيضا بحقيقة الإيمان وحقيقة المؤمنين من القرآن، القرآن وصف المؤمنين وجلاهم تماما كيعني أوضح ما يكون في أوائل سورة الأنفال وأوائل سورة المؤمنين وفي سورة الحجرات وفي سور شتى {إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}[الحجرات:15] المؤمنون الصادقون، {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}[الأنفال:2] {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}[الأنفال:3]، يعني في أعمال قلبية وفي أعمال ظاهرية فلا بد للإيمان أن، هو أصله في القلب وأعمال القلوب هي المهمة وله آثاره في الخارج في الصلاة والزكاة وغيرها {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون}[المؤمنون:1- 4] إلى آخره، فهي يعني عبادات ومعاملات وأخلاق ويعني وعقائد فالإيمان مجموعة هذه الأشياء. ثم أيضا المؤمنون لهم منهج، الله وضع لهم منهجا يسيرون عليه فلا بد أن يؤمنوا بهذا المنهج وأن يلتزموا به وأن يطبقوه {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[النساء:65]، {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..}[الأحزاب:36] كل هذه هي أوصاف الإيمان فإذا لم توجد هذه الأوصاف كيف ننتظر أن ينزل علينا نصر الله الذي وعد به المؤمنين ونحن لم نحقق في أنفسنا صفات المؤمنين؟!..



معنى الإيمان وصفات المؤمن

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور يعني قد نجد هذه العبادات تنفذ على الأرض، قد نجد هناك من يصلي في الصف الأول هناك من يصوم النوافل هناك من يؤدي العبادات بالشكل الكامل ولكن سلوكه على الأرض مخالف لمفاعيل هذا العمل التعبدي الإيماني يعني إلى أي مدى أهمية التطبيق السلوكي في المعاملات في العلاقات الاجتماعية؟

يوسف القرضاوي: لو كانت هذه العبادات عبادات حقيقية مستوفية لشرائطها لأدت ثمراتها وآتت أكلها لأن ربنا مثلا قال {..وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر..}[العنكبوت:45] فإذا رأيت إنسانا يصلي ولكنه يرتكب الفحشاء والمنكر معناه أن صلاته مخدوشة وإذا رأيت إنسانا يزكي ولا تتطهر نفسه {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم..}[التوبة:102] فهو لا نجده متطهرا ولا متزكيا، الصيام {..كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}[البقرة:183] فالصيام المفروض يهيئ الإنسان للتقوى فإذا صام ولم نجد أثر التقوى في حياته، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وهكذا كل العبادات لا بد أن يكون لها آثارها في السلوك والحياة فإذا لم نجد ذلك معناه أنها لم تؤدى كما ينبغي، أن فيها خللا، أن فيها غبشا فلا بد أن نصلح هذا الخلل ونؤديها كما يحب الله تعالى ويرضى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم في سياق حديثكم الآية الكريمة {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..} هناك البعض يرى خلافا في فهم هذه الآية وفي تطبيقاتها، ما هو التطبيق المثالي لهذه الآية؟

الإنسان لا يتم إيمانه ولا إسلامه إلا إذا رضي بمنهج الله حكما وألا يتخذ غير الله ربا ولا غير الله وليا ولا يبتغي غير الله حكما
يوسف القرضاوي:
هذه معناها أن الإنسان لا يتم إيمانه ولا يتم إسلامه إلا إذا رضي بمنهج الله حكما يعني من ضمن عناصر التوحيد أن لا يتخذ غير الله ربا ولا يتخذ غير الله وليا ولا يبتغي غير الله حكما، {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا..}[الأنعام:114] فواحد يقول لك أنا أصلي وأصوم ولكن أحتكم إلى قوانين أوروبا، آخذ مناهجي الفكرية من فلسفة أوروبا ومناهجي الأخلاقية من النظرية الأخلاقية الأوروبية، لا، إذا كنت مسلما لازم تحتكم إلى الإسلام، إلى الإسلام تأخذ منه موازين القيم ومعايير الأخلاق ومقاييس التفكير الصحيح فالإسلام مش مجرد لاهوت، لا، الإسلام منهج متكامل لتقويم النظر والفكر ولتقويم الخلق والسلوك ولتصحيح العبادة وتجريدها لله، هذا المنهج لا بد أن يحتكم، من رفض هذا فإن إيمانه مشكوك فيه. الله تعالى يقول {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}[النور:51] بخلاف المنافقين، المنافقين {إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا}[النساء:61]، فهم يأخذونه إذا كان في صالحهم ولا يأخذونه إذا كان عليهم، {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين}[النور:49] وإذا لم يكن لهم يرفضونه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، الآية الكريمة تتحدث عن صفة من الناس أو عن مجموعة من الناس تقول {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا}[الإسراء:72] ما دلالة العمى هنا؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحاور فيها مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الدكتور ما دلالة العمى الوارد في قوله عز وجل {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} هل ينطبق هذا على الأمة الإسلامية اليوم التي ضلت سبيل الرقي والتقدم وأصبحت مسلوبة الحقوق والكرامة والثروات؟

يوسف القرضاوي: العمى في هذه الآية ليس عمى العين إنما هو عمى القلب، ليس عمى البصر وإنما هو عمى البصيرة كما قال القرآن {..فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج:46] وإنما يأتي العمى هنا من الإعراض عن هدى الله الذي أنزل به كتابه وبعث به رسوله. الله سبحانه وتعالى لم يترك البشرية سدى وإنما بعث إليهم رسله مبشرين ومنذرين ليهدوهم إلى الصراط المستقيم ليقيموا القسط بين الناس {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..}[الحديد:25] يحققوا العدل في الحياة، فالكتاب والميزان، الكتاب النصوص الإلهية والميزان المواريث الأخلاقية التي توارثها الأنبياء، هذه هي التي تهدي البشرية، إذا ضل الناس عنها إذا تركوا هذه الأشياء ومشوا وراء أهوائهم وشهواتهم واتبعوا شياطين الإنس والجن ضلوا السبيل وكثيرا ما يضلون السبيل وهم لا يعلمون للأسف {إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس قالوا أنؤمن كما ءامن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}[البقرة:11- 13] فالمشكلة أحيانا يضل الإنسان وهو لا يدري أنه ضال، ده اللي بيسموه الجهل المركب أن يجهل ويجهل أنه يجهل، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري وهؤلاء الذين قال الله فيهم {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}[الكهف:104] ولذلك كان من الأدعية أن تقول اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، لأنه أحيانا يزين للإنسان الباطل {أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا..}[فاطر:8] فهذه المشكلة أن يتبين لك الحق من ناحية وتميز بين الحق والباطل وبين الطيب والخبيث وبين الهدى والضلال، فرق بين الأمرين بوضوح وبعدين مش بس تفرق، ممكن من الناحية العملية بعض الناس تعرف الحق ولكنها لا تتبعه تسير وراء الباطل فالأمران مهمان بعضهما مع بعض.

عثمان عثمان: الأخت هدى من مصر تسأل هل طاعة الحكام الذين وقفوا في وجه الشعوب ومنعوهم عن نصرة أخوانهم تعتبر من الإيمان وهل هؤلاء الحكام هم فعلا الذين ينطبق عليهم {..أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..}[النساء:59]؟

يوسف القرضاوي: هو بقية الآية، يعني لو ردت الأخت بقية الآية قال {.. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر..}[النساء: 59]، فهل يؤمن هؤلاء الحكام بأننا نرد الأمر إلى الله والرسول إذا اختلفنا نحن وهم يكون عندنا مرجعية وعندنا المسلمون عندهم مرجعية ملزمة وهي مرجعية القرآن والسنة {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله..}[الشورى:10] فلو أننا عندما نختلف مع حكامنا في أمر من الأمور {..تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم..}[آل عمران:64] تعالوا نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ولكن هم لا يعترفون بالقرآن ولا بالسنة ولهم مراجعهم الخاصة ولهم أئمتهم ولا يستمعون إلى العلماء ولا يستمعون إلى الحكماء، اتبعوا أهواءهم {..ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله..}[القصص: 50].

عثمان عثمان: الأخ خالد قدومي من إسبانيا يقول ألا ترى فضيلة الشيخ أن هناك من يسعى إلى تحريف كلمة الإيمان وللأسف يسعى البعض إلى ربط كلمة الإيمان بمفاهيم أخرى تهدف إلى التشكيك به، سؤاله يقول لماذا يسعى البعض لربط الإيمان بالإرهاب؟

بوش حاول أن يحارب الإسلام بدعوى محاربة الإرهاب وكان يحارب الأمة الإسلامية والدعوة الإسلامية والتشريع الإسلامي والفكر الإسلامي تحت دعوى الإرهاب
يوسف القرضاوي:
هذا يعني تحريف في الحقيقة يعني للكلم عن مواضعه، وهؤلاء، كما فعل بوش في أيامه وقد ذهب الله به، يعني حاول أن يحارب الإسلام بدعوى محاربة الإرهاب وهو الحقيقة لم يكن يحارب، كان يحارب الأمة الإسلامية ويحارب الدعوة الإسلامية ويحارب التشريع الإسلامي ويحارب الفكر الإسلامي تحت دعوى الإرهاب، فالإيمان في الحقيقة هو مصدر الإيمان والإسلام هو مصدر السلام والكثير من الأشياء التي تأتي عن طريق الإرهاب، هم مصدرها، المظالم التي أوقعوها بالمسلمين هي التي أثارت الكثير من الشباب وجعلتهم ينحرفون انحرافا جزئيا أو كليا عن الإسلام الحقيقي ولكن المظالم التي نزلت بأمة الإسلام، المعايير المزدوجة، يعني أميركا تقف مع إسرائيل في الحق وفي الباطل لا تقول لها لا، لا يجوز هذا، لا يجوز، لا، يعني والفيتو الأميركي باستمرار في خدمة إسرائيل مهما ظلمت ومهما طغت، ومهما طغت في البلاد فأكثرت فيها الفساد هي معها.

عثمان عثمان: الأخ سعيد من المغرب يقول ما هي الوسائل التي تعين المسلم على إبقاء شعلة الإيمان متأججة في داخله وذلك سيرا على ما روي عن صحابة رسول الله وعن السلف الصالح فيما كانوا ملتزمين به من التشاور والسؤال عن درجات الإيمان، كيف للمسلم أن يبقي الإيمان متأججا في نفسه؟

يوسف القرضاوي: هناك وسائل كثيرة منها أن يحاول المسلم أن يصحب أهل الخير وأهل الإيمان، هؤلاء يزيدون إيمانه قوة فإذا لم يجدهم في الدنيا، وهم موجودون لا محالة لأن لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة، والله تعالى يقول {..فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين}[الأنعام:89]، هناك طائفة كما جاءت في أحاديث مستفيضة عن عدد من الصحابة عن رسول الله أنه "لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" تسميهم العلماء الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية، والقرآن يقول عنهم {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}[الأعراف:181] يبحث الأخ عن هؤلاء ويجعلهم جلساءه وأصحابه، هؤلاء شبههم الرسول كحامل المسك إذا لم تشتري منه ستنالك رائحته، ابحث عن هؤلاء، إذا لم تجدهم اقرأ سيرهم، سير الصالحين وسير الأنبياء وسير أهل الخير والزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، تذكر الموت، اشتغل بما ينفعك، يعني في ناس تضيع أوقاتها في اللهو واللعب، في بعض الناس الآن مدمنين في الكمبيوتر وألعاب الكمبيوتر، شكى لي الكثير من الزوجات من هؤلاء، يقعد بالساعات يمسك الكمبيوتر وقاعد يلعب ومش عارف إيه، يا أخي اقرأ شيئا من القرآن، من سيرة الرسول، من سير الصالحين، زر الموتى، القبور واعتبر، إنها تذكركم بالآخرة وتزهدكم في الدنيا، هناك وسائل شتى لمن يريد أن يقوي إيمانه.



سبل نصرة غزة وعوامل زيادة الإيمان

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا هناك كما ذكرتم أسباب كثيرة لإبقاء هذا الإيمان مشتعلا أو متأججا في النفوس. الأخ مصطفى عبد الله يسأل لقد انتصر شعب فلسطين الباسل في غزة، ما حكم الإسلام على من ينكر نصر أهل غزة على إسرائيل في الحرب الأخيرة من رجال الإعلام في الصحافة العربية وتوجه بعض الشعوب ضد أهل فلسطين وتجريد غزة من نصرها؟ يعني هناك البعض يتكلم عن أن هناك هزيمة في غزة، هناك شهداء بأعداد كثيرة، هناك دمار كبير وبالتالي ينكر هذا النصر الذي تتحدثون عنه، ما حكمهم؟

يوسف القرضاوي: هؤلاء من العمي لم يروا الحقائق وهي واضحة، العدو كان يريد شيئا ولم يحقق هذا الهدف، كان يريد أن يقضي على المقاومة كان يريد أن لا يجعل لحماس أثرا ولا خبرا، لم يستطع أن يقضي على حماس لم يستطع أن يضعف حتى قوة حماس لم يستطع أن يصل إلى منصة من منصات الصواريخ، استطاع أن يقتل بعض الناس وهذا سهل جدا، القتل سهل والتدمير سهل لكن صمود الشعب التفاف الشعب بعضه حول بعض التفاف الشعب حول المقاومة، أن الشعب ما قالش أنه جبتم علينا البلاوي والموت والخراب وثار على، لا، بالعكس فهذا الالتحام هو نصر، انسحاب إسرائيل دون أن تحقق أهدافها هذا نصر. الله سبحانه وتعالى قال خاطب أهل مكة وقال عن النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر من مكة إلى المدينة {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين..}[التوبة:40] طيب نصره الله وهو خارج من مكة مطارد تارك أهله تارك بلده تارك وطنه فهذا يعتبر، آه، لماذا لأنه هم لم يحققوا هدفهم، كانوا يريدون أن يقتلوه، ما استطاعوا أن يقتلوه، كانوا يريدوا أن يدركوه قبل أن يهاجر ووصلوا إلى الغار ولم يستطيعوا، كان أبو بكر يقول له يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، ولكن لم يكلفوا أنفسهم أنه يوطي يشوف، قال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا. فكونهم يعني لم يستطيعوا أن يحققوا اعتبر القرآن هذا نصرا، النصر يعني درجات، مش ضروري النصر أنك تحطم إسرائيل، دي لسه جاية، إنما هذا نصر جزئي أنه استطاعت المقاومة رغم قلة إمكاناتها، إسرائيل عندها ترسانة من الأسلحة وجاءها المزيد أسلحة جديدة لم تستخدم في أي مكان قط لم تجرب إلا في غزة، جاءها مساعدات فورية من أميركا وهؤلاء ليس معهم صاروخ يضرب الدبابة، في صواريخ تضرب الدبابة من خمسة كيلو، ما عندهم شيء من هذا، الواحد كان بيدخل في لغم، يعني في الحفرة يحفر حفرة ومعه حاجة يعني يضرب بها لما تفوت الدبابة إذا فاتت، يمكن ما تفوتش على المكان ده ويقعد أسبوع تحت ومعه شوية تمر وماء وينتظر في الحفرة أن تفوت الدبابة ليضرب بها القنبلة، فهؤلاء.. هذا هو النصر يعني.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور ضمن يعني تفاعل المسلمين مع ما جرى في غزة الأخت داليا عرفة من أميركا تقول كثير من المسلمين في أميركا مستعدون لنصرة أهل غزة بكل ما أوتو من قوة، تسأل عن النصائح التي يمكن أن توجهها للمسلمين في أميركا في اتجاه هذه النصرة، الطرق والوسائل الأجدى لتفعيل هذه النصرة؟

يوسف القرضاوي: شوف كل واحد عليه أن ينصر أهل غزة، كل مسلم في العالم يجب أن ينصر أهل غزة لأن المسلم يجب أن ينصر المسلم في ساعة الشدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، لا يسلمه يعني إيه؟ يعني لا يخذله ولا يتخلى عنه، بل يساعده، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، فكل إنسان عليه أن ينصر أخوانه، هو ممكن ينصره بنفسه لو عنده مثلا خبرة في حرب الدبابات أو في حرب العصابات أو في عمل الصواريخ أو في أي خبرة عسكرية، ضابط في جيش من الجيوش وعنده خبرة يجد أن أهل غزة، يروح يسلم نفسه يعني لو واحد استطاع أن يصل إلى هناك يصل ومن لم يستطع ذلك الرسول وضع أمامنا قال "من غزا في سبيل الله فقد غزا ومن جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا" يدفع فلوس يجهز غازي، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا، فاللي في أميركا ما يقدرش يروح، يقدر يدفع مالا، يتبرع بطريقة من الطرق حتى ولو لم يسمحوا له، يعني بعض البلاد بعض الأخوة في بلاد لا تسمح بالتبرعات استطاعوا أن يجمعوا بعضهم من بعض ووصلوا الفلوس بطريقة ما، عليها تعمل دعاية الأخت دي تروح تجمع بعض من يناصرها ومن يوافقها يعملوا دعاية يعني يحاولوا يغيروا الرأي العام الأميركي لأن الرأي العام الأميركي محتاج إلى عمل شعب لتغيير هذا الرأي الذي تسيطر عليه الصحافة المسيرة من قبل اللوبي الصهيوني والإعلام الموجه من قبل اللوبي الصهيوني، نحتاج إلى اللوبي الإسلامي في أميركا والمسلمون في أميركا يعني يقاربون عدد الأميركان خصوصا المسلمين السود اللي هم من أصل أفريقي، والمسلمين من أميركا نفسها والمسلمين من البلاد العربية والإسلامية، كل هؤلاء يستطيعون أن يعملوا، إذا لم يعمل أي شيء يدعو لهم، يعني أقل ما يصنعه الإنسان أن يدعو لأخيه.

عثمان عثمان: أقل الإيمان نعم. فضيلة الدكتور بالعودة إلى صفات المؤمنين الذين تحدثت عنهم بشكل مسهب، الله عز وجل يقول {..ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..}[الحشر:9] لكن في المقابل نجد هناك تكالبا على الدنيا تطاحنا على الدنيا تفرقا ومعاداة من أجل الدنيا، هل كل ذلك يتناقض مع الإيمان الذي يريده القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: الإيمان معناه الأخوة، الله تعالى يقول {إنما المؤمنون إخوة..}[الحجرات:10] ما دمت أنا مؤمن وأنت مؤمن فلا بد أن ينعقد بيننا عقد إخاء، أنت أخي وأنا أخوك، هناك أخوة بشرية بين الناس عامة أنه كلنا لآدم وآدم من تراب، كلنا أبناء أب واحد وعبيد لرب واحد، دي أخوة إنسانية عامة، وفي أخوة قومية أو وطنية كما قال الله تعالى {وإلى عاد أخاهم هود..}[هود:50] {وإلى ثمود أخاهم صالحا..}[هود:61] {وإلى مدين أخاهم شعيبا..}[هود:84] دي أخوة، مع أنهم كفروا به وكذبوا برسالته إنما اعتبرهم أخ لأنه قال لهم يا قوم اعبدوا الله، هم من قومه، وهناك أخوة دينية ودي أعمق الأخوات، الأخوة الدينية لها حدود في حد أدنى وحد أعلى، حدها الأدنى سلامة الصدر من الحسد والبغضاء والأحقاد، {..ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا..}[الحشر:10] صدر المؤمن سليم من كل حقد ومن كل غل لا يحسد أحدا، دي أدنى، وفي درجة بعدها أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفي أعلى درجة الإيثار، معنى الإيثار أن يقدم أخاه على نفسه، يجوع ليشبع أخوه، يسهر لينام أخوه، يفدي أخاه بنفسه، كان في الحروب الواحد يعني يقي أخاه بنفسه ويتلقى الضربات هو، كان في إحدى الغزوات في غزوة اليرموك، في الجرحى يحتاج إلى أن يشرب ويقول هل من ماء؟ وبعدين يجي واحد يجيب له الماء يسمع أخاه يئن بجواره يقول له اذهب إلى أخي لعله أحوج إلى الماء مني، فيذهب إليه يقول له أخي هذا اذهب إليه ويذهب من هذا إلى هذا سبعة، حتى إذا وصل إلى الأخير وجده قد مات، يعني ما انتظرش، يرجع إلى الأول يجده مات، يرجع إلى الأول يجده مات، يمر عليهم ماتوا كلهم وهم عطاش وكل واحد يؤثر أخاه على نفسه، هذه الآية نزلت في الأنصار، ربنا قال {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليه..}[الحشر:9] يعني أحبوا المهاجرين وآثروهم على أنفسهم، سيدنا عبد الرحمن ابن عوف النبي عليه الصلاة والسلام آخى بينهم وبين سعد بن الربيع من الأنصار، وكان سعد بن الربيع من أثرياء الأنصار فقال له يا عبد الرحمن إن لي دارين اختر إحداهما يعني أخليها لك وعندي زوجتان انظر إلى أيهما أوقع في قلبك أطلقها لك، وعندي مال كثير خذ منه ما تشاء فقال له عبد الرحمن بارك الله لك في دارك وبارك الله لك في مالك وبارك الله لك في أهلك إنما أنا امرؤ تاجر فدلوني على السوق. فانظر إلى هذا الإيثار من جانب سعد بن الربيع وإلى هذا التعفف النبيل من جانب عبد الرحمن، هذا هو المجتمع المؤمن حقا، كانوا يتنافسون ليس على الدنيا، يتنافسون يجي الفقراء يقولوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، أصحاب الأموال يتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، ولا ولا ما عندناش مال، يقول لهم ألا أدلكم على شيء يعني تدركون به من قبلكم ولا يلحقكم من بعدكم، تسبحون الله وتحمدون الله وتكبرون الله عقب كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فبعدين فعلوا ذلك، الأغنياء سمعوا هذا فبرضه سبحوا وحمدوا وكبروا، يعني فكانوا يتنافسون في الخيرات والصالحات.

عثمان عثمان: طبعا هناك أسئلة كثيرة يعني هذا اليوم من السادة المشاهدين ونحب أن نعطيهم الفرصة حتى يستفسروا عن الكثير ولم يتبق معنا إلا ثلاث دقائق فقط، أحد الأخوة المشاهدين يسأل عن الإيمان، هذا الإيمان يزيد وينقص، ما هي عوامل زيادة هذ الإيمان؟

يوسف القرضاوي: الإيمان يزيد بأمرين، بازدياد المعرفة، كلما عرف الله سبحانه وتعالى ازداد إيمانه، كلما قرأ كتاب الكون، ولذلك ربنا يقول {..إنما يخشى الله من عباده العلماء..}[فاطر:28] هذه جاءت بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر..}[فاطر:27] يعني عرف الجبال والدواب والناس وأسرار الكون فيزداد إيمانا بالله تعالى، كلما تعمق في الكون {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا..}[آل عمران:189، 190] فمعرفة أسرار الله في الكون ومعرفة أسرار الله في الشرع تزيد الإنسان إيمانا، لما تنزل السور {..فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون}[التوبة:124] الأمر الثاني الطاعات، كلما أقبل الإنسان على الله وصلى الصلاة الخاشعة وصام الصيام الذي يورث التقوى وأدى الزكاة التي تطهر النفس وتزكيها، كلما أقبل على الله سبحانه وتعالى، كلما تلى القرآن كلما ذكر الله ذكرا كثيرا وسبحه بكرة وأصيلا، كلما يعني شعر بالضيق فقال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، كلما شعر بالمرض فقال ما قال أيوب ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، كلما، هذا يزيد الإيمان قوة على قوة، أما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا على إيمانهم.

عثمان عثمان: طبعا هناك الكثير من الأسئلة نعتذر من السادة المشاهدين الذين لم نستطع أن نجيب على أسئلتهم لضيق الوقت، في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على ما قدمتم وتقدمون في سبيل نصرة هذه الأمة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل إليكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يحييكم، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.