- نصرة غزة بين الحكام والمحكومين
- وجوب نصرة غزة ومبرراتها ودور العلماء فيها

- دور المقاطعة ووسائل النصرة وتأثير الفتوى

- الجهاد بالمال والجهات المستحقة له ومشروعية المقاومة

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض..}[الأنفال:72] ويقول عز من قائل أيضا {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم}[الأنفال:74]. أهل غزة اليوم تفرقوا فرقتين فرقة تعيش تحت الثرى وأخرى فوقه لكن بين ركام الحجر أو على أسرة المرض وقد فقدوا كل شيء، وغزة هنا رمز القضية الفلسطينية وليست بديلا عنها أو اختصارا لها، اللعنات لا تكفي والغضب لا يكفي ومتابعة الأخبار والهم والغم لأجل فلسطين وقلبها المكلوم غزة لا يكفيان كذلك فكيف نغادر ساحة الفعل السلبي إلى ساحة الفعل الإيجابي؟ كيف ننصر غزة المنكوبة وما واجبنا تجاه المقاومة؟ هل قصرنا في واجبات النصرة وكيف نستدرك؟ نصرة غزة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي بعد طول غياب زاد منه الأحداث الأليمة والحرب الإسرائيلية على غزة.

يوسف القرضاوي: شكرا  يا أخ عثمان، بارك الله فيك.

عثمان عثمان: قبل أن نبدأ فضيلة الدكتور بمحاور الحلقة نشاهد هذا التقرير الذي يرصد التحركات الشعبية لنصرة غزة على امتداد العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع.

[تقرير مسجل]

هاني بشر: أشعلت إسرائيل سماء غزة وثراها بنيران تحرق كل شيء وامتد الشرر إلى ما بعد غزة ليشعل فتيلا آخر في شوارع العرب والمسلمين والعالم كله، فتيل الغضب، غضب بالحناجر قد يتطور إلى غضب بالأيدي وقد يصل الأمر إلى أن يضرم المرء النار في نفسه ليصل صوته إلى العالم كما فعل هذا المسن التركي في اسطنبول، آخرون فضلوا أن يضرموا النار في شيء مختلف يربطهم بإسرائيل، تنوعت أساليب الاحتجاج لتصل إلى احتلال قاعات الدراسة كما فعل طلبة في المملكة المتحدة كي تسحب كليتهم الدكتوراه الفخرية التي منحتها للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، وفي أماكن عدة ضاق الفضاء بمساحات التضامن والنصرة فوسعه فضاء إلكتروني لا متناهي المساحة وابتكر بعض الشباب ما أسموه المقاومة الإلكترونية مستخدمين سلاح الإنترنت لإيقاظ الوعي وتوصيل الرسالة. هي إذاً جهود حاول من خلالها الكثيرون أن يفعلوا شيئا من أجل غزة على أمل أن يقف نهائيا صوت الرصاص في القطاع وينقشع ضباب المعارك كاشفا عن أمل جديد.

[نهاية التقرير المسجل]

نصرة غزة بين الحكام والمحكومين

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بعدما رأيناه في هذا التقرير هل ترون أنه وقع تقاعس من المسلمين عن نصرة غزة؟

إسرائيل هزمت لأنها لم تحقق أهدافها التي كانت تريد تحقيقها وهي القضاء على المقاومة وضرب منصات الصواريخ واستعادة أسيرها
يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأزكى صلوات الله وتسليماته على رحمة الله للعالمين وحجته على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد فأبدأ هذه الحلقة بعد غياب طويل بإسداء التهنئة لأخواني وأحبتي وأهلي في غزة الحبيبة الصابرة المصابرة المرابطة المجاهدة التي لم تستكن ولم تضعف ولم تهن لما أصابها في سبيل الله، نصر الله غزة وخذل العدو وهزمهم بإذن الله وخرجوا وانسحبوا مدحورين مذؤومين تحيطهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أهنئ أخواني أهل غزة وأهنئ أخواني رجال المقاومة بكل فصائلها الذين اجتمعت بهم في دمشق ورأيتهم على قلب رجل واحد مصرين على أن يذودوا عن حياضهم وعن مقدساتهم وعن حرماتهم وعن أرضهم وعرضهم بكل ما يملكون من قوة مضحين بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، أهنئهم على ما هيأ الله لهم من نصر وعلى أن أعاد عدوهم بالخيبة والندامة. ربما يظن بعض الناس أن إسرائيل لم تنهزم، لا، انهزمت، لماذا؟ لأنها لم تحقق أهدافها كانت تريد أهدافا معينة كانت تريد أن تقضي على المقاومة كانت تريد أن تضرب منصات الصواريخ كانت تريد أن تحصل على الأسير الذي أسر من فترة، لم تستطع أن تصل إلى شيء من هذا فهذا عدم تحقيق الهدف هو انتصار للخصم. الله سبحانه وتعالى يقول يخاطب أهل مكة {إلا تنصروه..} عن النبي عليه الصلاة والسلام {..فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار..}[ التوبة: 40] خارج من مكة ومطارد ولكن بيقول نصره الله، نصره الله على إيه؟ لأنه ثبت على موقفه ولم يستطع المشركون أن يحققوا هدفهم بالوصول إليه حيا أو ميتا. فأنا أقول نصر الله أهل غزة، صحيح لم يكن لهم مثل ما كان لحزب الله من قبل لأن المكان غير المكان والظرف غير الظرف وهؤلاء تأتيهم أسلحة كاتيوشا وصواريخ كاتيوشا وأولئك يصنعون صواريخهم تحت الأرض في غزة رغم الحصار الخانق ورغم أنه ليس هناك دولة تسندهم من الدول العربية المحيطة بهم فأنا أقول أخواننا قد نصرهم الله فهنيئا لهم بهذا النصر وخيب الله إسرائيل وزادها خيبة وهزيمة وخذلانا إن شاء الله.

عثمان عثمان: ربما سنتطرق في سياق الحلقة إلى انعكاسات هذا النصر على سائر حركات المقاومة في البلاد الإسلامية المحتلة..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): سؤالك كان إيه يا أخ عثمان؟

عثمان عثمان: سؤالي فضيلة الدكتور عن نصرة المسلمين لشعب غزة، كيف تقومون هذه النصرة؟

يوسف القرضاوي: المسلمون نوعان، محكومون وحكام، شعوب وجماهير وهذه لا أستطيع أن أصفها بالتقاعس ولا بالجبن ولا بالقعود عن نصرة أخوانهم، بالعكس لقد انتفضت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها من مشرقها إلى مغربها من شمالها إلى جنوبها من الفيليبين وأندونيسيا إلى موريتانيا والمغرب، الأمة الإسلامية كلها قامت تعبر عن غضبها على هذا العدوان عن نصرتها لأخوانها في غزة وكلهم مستعد أن يذهب ليضحي بنفسه ويقدم رأسه على كفه لنصرة أخوانه، كل ما في الأمر أنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى هناك.

عثمان عثمان: هذه ردة فعل المحكومين

الحكام والزعماء والقادة أمرهم آخر إلا من رحم ربك، معظمهم متخاذلون بل بعضهم كان يتمنى أن تنهزم المقاومة وحماس خاصة ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وانتصرت غزة وانتصرت المقاومة
يوسف القرضاوي:
آه، أما الحكام والزعماء والقادة فأمرهم آخر إلا من رحم ربك، معظمهم متخاذلون بل بعضهم كان يتمنى أن ينهزم الأخوة في المقاومة وفي حماس خاصة ولكن الله يعني رد كيدهم في نحورهم وانتصرت غزة وانتصرت المقاومة، المشكلة يعني مشكلة القادة، من قديم قال الأستاذ محب الدين الخطيب، رفع شعارين في مجلته "الفتح" وهي مجلة إصلاحية تجديدية، شعارين أحدهما يقول المسلمون إلى خير ولكن الضعف في القيادة، والشعار الثاني يقول أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، أنت حارس على نقطة من نقاط الحدود أوعى أحد يتسلل ويدخل منها، أنت جندي ديدبان خليك يقظا باستمرار، فالمسلمون على خير والأمة الإسلامية بخير، الناس عادة في الجماهير اللي يقول لك الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة، وليس هناك حديث بهذا اللفظ إنما المعنى صحيح، إن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة وأنه في طائفة العلماء يسمونها الطائفة المنصورة تبقى إلى يوم القيامة تقاتل عن دين الله وتدافع عن دين الله حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.

عثمان عثمان: في موضوع الحكام فضيلة الدكتور الذين وصفتهم موقفهم بالمتخاذل عن نصرة غزة وعن نصرة الشعب الفلسطيني، البعض وصف هذا التخاذل من باب التولي يوم الزحف، هل ترون الأمر كذلك؟

يوسف القرضاوي: يا ريت، التولي يوم الزحف اسمهم زحفوا وبعدين تولوا ودول لا تولوا ولا زحفوا، ما زحفوا ولا في نيتهم الزحف. في حديث يقول "من لم يغز ومن لم يحدث نفسه بالغزو فقد مات على شعبة من النفاق" يعني لا يجاهد ولا يخطر في باله، لم يحدث نفسه، لم يخطر، هؤلاء لم يخطر في بالهم، بالعكس هم يقاومون من يريد أن يجاهد ويعني يعتبرونه عدوا لهم وهذه مشكلة أكثر من التولي يوم الزحف.



وجوب نصرة غزة ومبرراتها ودور العلماء فيها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما البعض استبطأ هذا النصر مدة 22 يوما مع العلم أن الآية الكريمة تقول {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم..}[محمد:7] كيف نفهم هذه الآية؟

يوسف القرضاوي: نصر الله أن تنصره بنصرة دينه ونصرة شريعته ونصرة أمته، أن تحقق الإسلام  في نفسك وتدعو إليه غيرك وتذود عنه إذا أصيب الإسلام في دعوته أو في أمته بسوء كن مستعدا لتدافع عنه لأن الإسلام ليس مجرد كلام ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل {..الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله..} نحن بدأنا الحلقة بقراءة هذه {..آمنوا وهاجروا وجاهدوا..} فالإيمان والهجرة والجهاد البذل والتضحية، هذا هو المطلوب من المسلم.

عثمان عثمان: لو أتينا على هؤلاء الحكام، إلى هؤلاء القائمين على شؤون الأمة، ما هي المبررات، ما هي الأسباب التي تدعوهم إلى أخذ دور في نصرة غزة؟

يوسف القرضاوي: إلى أخذ؟

عثمان عثمان: الدور وإلى أن يكون عليهم واجب هذه النصرة؟

يوسف القرضاوي: والله هي الأسباب التي تأخذنا، دور إيجابي يعني؟

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: يعني تريد أن يأخذوا دورا إيجابيا بدل هذا الدور السلبي، هذا..

عثمان عثمان (مقاطعا):  يعني نتحدث عن قوة إيمانية، عن قومية، عن وطنية؟

يوسف القرضاوي: هو كل هذا وارد أن يؤمنوا بأن هناك أمة وأن هذه الأمة يجب أن تكون متضامنة متكافلة ينصر بعضها بعضا ويشد بعضها أزر بعض كالبنيان، كما قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر.. فهم يعني من التلاحم العضوي والوحدة العضوية كالجسد الواحد، مش بس كالأسرة الواحدة، كالجسد الواحد يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ولذلك الأمة الإسلامية متكافلة اجتماعيا ومتكافلة أدبيا ومتكافلة عسكريا ودفاعيا بحيث لو احتلت قطعة أرض من أي بلد إسلامي فواجب أهلها أن يدافعوا، كل أهلها، يعني الحكم الشرعي فقها في كل المذاهب مش الأربعة، الثمانية، إن على أهل البلد أن يقوموا عن بكرة أبيهم يدافعون عن أرضهم..

عثمان عثمان (مقاطعا): في موضوع غزة فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: (متابعا): وبعدين إذا لم يستطيعوا، كان العدو أقوى منهم يبقى على جيرانهم، ثم جيران ثم، حتى يصبح فرضا على الأمة كلها. وهذا هو الواقع في قضية فلسطين وقضية غزة أنه لا يستطيع أهل غزة أن يقاوموا الترسانة النووية بأسلحة الدمار الشامل وهي ترسانة مؤيدة بالسلاح الأميركي يعني تصور على رغم ما عند إسرائيل من مخزونات أسلحة تسد عين الشمس، أميركا أرسلت إليها أسلحة جديدة متطورة لم تستخدم قط وبعضها محرم دوليا، فهل يستطيع أهل غزة أن.. إذاً أهل غزة يجب أن يساندوا من جميع المسلمين في أنحاء العالم وجميع العرب لأن العرب هم أقرب الناس إليهم فهم أولى الناس بهم ثم المسلمون في أنحاء العالم، هذا هو الواجب.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني أمام أزمة غزة أمام مأساة غزة أمام العدوان الإسرائيلي على غزة، بعض الدعاة أو معظم العلماء والدعاة اكتفوا بالدعاء لغزة، ماذا يغني الدعاء في نكبة غزة؟

نادينا الناس في أنحاء العالم أن يكون يوم الجمعة 9 يناير يوما للغضب والنصرة، الغضب على العدوان والنصرة للأهل في غزة، واستجاب العالم الإسلامي والمسلمون خارج العالم الإسلامي في بلاد الأقليات
يوسف القرضاوي:
لا، هذا مش صحيح هذا، من قال إن معظم العلماء والدعاة اكتفوا بالدعاء؟ لا، العلماء يعني أيقظوا الأمة وحركوا الأمة والكثير منهم يتمنى لو أتيحت له الفرصة ليذهب إلى الجهاد، لماذا يعني يقال هذا عن العلماء؟ ده تقليل لدور العلماء. إحنا كممثلين للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين ذهبنا في وفد لنقابل الملوك والرؤساء وجها لوجه ونضعهم أمام مسؤولياتهم وفعلا لقيناهم وحدثناهم بكل صراحة وبكل قوة والله قابلنا بعضهم وكان الناس الحاضرون يعني بيعجبوا كيف نتكلم بهذه القوة وبهذا الوضوح، يعني العلماء، وبعدين نادينا الناس في أنحاء العالم أن يكون الجمعة اللي كانت يوم 9 يناير هذا يكون يوم الغضب ويوم النصرة، الغضب على العدوان والنصرة للأهل في غزة، واستجاب العالم الإسلامي واستجاب المسلمون خارج العالم الإسلامي في بلاد الأقليات وقامت مظاهرات مليونية وأكثر من مليونية في عدد من البلاد في تركيا في الجزائر في.. يعني لماذا يا أخي نقلل دائما دور العلماء والدعاة ونحاول أن نهبط بهم.

عثمان عثمان: في موضوع جولتكم فضيلة العلامة على الرؤساء والملوك والقادة البعض يأخذ عليكم هذه الجولة ويقول إنما كان المطلوب استغلال الوضع، ترشيد الساحة الإسلامية استثمار ما يجري في غزة في تأطير الشعوب وبالتالي إصدار الفتاوى..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): والله احترنا مع الناس، إذا لم نخرج قالوا ما لكم أيها العلماء قد سكتم؟ لماذا لم تذهبوا لهؤلاء الحكام لتقيموا عليهم الحجة؟ ولماذا لم تفعلوا.. ولما فعلنا، لا لماذا؟ يعني شوف رضا الناس غاية لا تدرك

ومن في الناس يرضي كل نفس

وبين هوى النفوس مدى بعيدا

إذا كان بعض الناس يقول هذا فالأغلبية العظمى من الناس يعني بالعكس قابلت هذا بالثناء وبالحمد وأنا جاءتني رسائل ومكالمات من أنحاء العالم وأخواني الذين جاؤوا من بلاد شتى يعني أيضا بلادهم أثنت عليهم، وبعدين إحنا ليس علينا أن نهدي الحكام، قلوبهم مش بيدينا، بيد الله، إنما علينا أن نبصرهم وأن نقيم عليهم الحجة وأنا أعتقد أن بعضهم حتى من لم يستجب لنا هزهزناه من داخله، يعني الإنسان ممكن ينهزم داخليا ولا يعترف ولكن بعد ذلك سيظهر في معاملاته وفي قراراته من بعد ذلك فإحنا أقمنا الحجة على هؤلاء ولم نسكت عن الشارع، إحنا دعونا الشارع، إحنا لم نقل علينا بالحكام ونسيب الأمة، بالعكس، إحنا عملنا الأساسي مع الأمة على المساس مع الجماهير فإحنا الجماهير والحمد لله أيقظناها وناديناها فلبت نداءنا ولم تتأخر عن دعائنا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور انطلاقا مما ذكرتم هل نحن أمام مشهد جديد للعلماء ليقودوا الساحة من جديد كما قاد ساحة الجهاد الشيخ عز الدين القسام وقبله الشيخ العز بن عبد السلام وغيرهما، هل نحن أمام يعني مشهد جديد لدور علمائي ريادي؟

يوسف القرضاوي: هو أنا يعني لست من المبالغين يعني أنا طبيعتي النهج الوسطي لا أحب أن أبالغ في الأشياء وأصخمها وأقول لك أيوه بدأ، إحنا هذه محاولات لأن يكون للعلماء دور، وأنا أعتقد أن العلماء لا تزال لهم كلمة عند الشعوب وعند الجماهير وخصوصا العالم الذي يشعر الناس بصدقه ويشعر الناس بأنه ليس ممثلا وليس متلاعبا وليس همه أن يرضي هذا أو يرضي ذاك، الناس عندها حاسة تحس العالم الصادق من العالم المزيف، فأنا أقول هناك محاولات لأن يكون للعلماء دور ونحن بهذه المحاولة هي بداية نرجو أن تتبعها ولا نقول انتهى دورنا بهذه الجولة التي جلناها بين العالم الإسلامي، لعل الزمن يدخر لنا جولات وجولات أخرى إن شاء الله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني من وسائل النصرة مقاطعة الشركات الأجنبية التي تدعم إسرائيل ومقاطعة الدول التي تدعم إسرائيل أيضا، ما دور هذه المقاطعة في واجب النصرة لغزة؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

دور المقاطعة ووسائل النصرة وتأثير الفتوى

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة و التي نخصص هذه الحلقة لموضوع نصرة غزة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي كنت أسأل عن دور المقاطعة في نصرة غزة خاصة وأننا قرأنا بعض الفتاوى وسمعنا بعض الفتاوى من بعض المرجعيات الدينية تقول ما نصه "العالم الآن كالحلقة الواحدة لا يستغني بعضه عن بعض وكما يحتاجون لنفطك تحتاج أنت لسلعتهم، والتهديد بالمقاطعات التجارية لبعض المنتجات لا يخدم شيئا" هذا جزء مما قالته هذه المرجعية، ما دور المقاطعة في نصرة غزة؟

يوسف القرضاوي: المقاطعة وسيلة من الوسائل المطلوبة في كل حرب، حتى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بعض الناس قال لن يصل إلينا حبة إلى أهل مكة حينما غزوا النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حتى المثل العامي يقول ما ضرب إلا ضرب القرش، يعني إذا تضرب واحد اضربه من الناحية الاقتصادية توجعه. النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، ما سبب غزوة بدر؟ النبي أراد أن يلقى القافلة التجارية القادمة من الشام ليستولي عليها مقابل ما استولى عليه أهل مكة من دورهم وتجاراتهم وعقاراتهم وأموالهم فكان أراد أن يضربهم ضربة اقتصادية فالمقاطعة الاقتصادية حتى لا يستفيدوا منك، لما قاطعنا الدنمارك في أيام الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالصور الكاريكاتورية والحاجات دي، هاجت الشركات وثارت وبعضهم ترجوا المسلمين أن يرفعوهم ولما رفعنا بعض الشركات انتعشت، فما يقول أحد إن المقاطعة ليس لها قيمة بالعكس بس المهم أننا نصبر عليها ونستمر وننظمها فالشركات هي وراء هذه الأمور كلها، الشركات الكبرى، إذا استطعت أن تنظم، المسلمون 1500 مليون في العالم فلو قاطعوا الشركات لها قيمة كبرى حتى لو نصفهم عمل لو ربعهم عمل هذا يكون شيئا ممتاز جدا.

عثمان عثمان: معنا أحد السادة المشاهدين الأخ فوزي الزرقاطي من تونس يقول "أمامنا الكثير لفعله من أجل نصرة فلسطين ومن الوسائل المتاحة النضال عبر الإعلام والإنترنت وكذلك سلاح المقاطعة الذي دعا له فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والعديد من الجمعيات فماذا ننتظر لمقاطعة المنتجات الأميركية؟ إن أميركا تقدم للاحتلال المال والسلاح والفيتو وما كانت إسرائيل لتنتصر في أي حرب لولا الدعم الأميركي، نحن أكثر من مليار مسلم" وذكرتم نحن مليار ونصف ويزيد على ذلك. اسمح لنا فضيلة الدكتور أن نأخذ الدكتور رائد فتحي محاضر في المسجد الأقصى، مرحبا بك دكتور، دكتور رائد.

رائد فتحي/ محاضر في المسجد الأقصى: مرحبا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: وعليكم السلام، فضيلة الدكتور يعني أمام ما جرى في غزة، أمام التحركات الشعبية العارمة الاحتجاجية لنصرة غزة في العالم العربي في العالم الإسلامي في العالم أجمع، كيف تنظرون إلى الصورة؟

رائد فتحي: في الحقيقة أخي الحبيب عثمان اسمح لي في البداية أن أقدم تحيتي وخالص حبي واحترامي وتقديري العميق إلى فضيلة شيخنا وحبيبنا وأستاذنا العلامة الكبير الدكتور يوسف القرضاوي وهذا الرجل الذي يقف بين يديك وأمام ناظر مشاهدين كثر في طول الأرض وعرضها الآن الذي صار يصدق فيه قول أبي تمام لما قال

لو لم يكن جحفلا يوم الوغى

لغدا من نفسه جحفلا نجد

أما بعد أحبتي في الله فمن هنا من أرض بيت المقدس من أرض الإسراء والمعراج من أرض المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين من أرض الأنبياء، من أرض الأنبياء الذين قدموا معاني البطولة والتضحية والفداء من أرض النبوة والرسالات، الأنبياء الذين علمونا معنى التضحية معنى الفداء معنى أن يعيش النبي من أجل أمته من أجل رسالته ومن أجل الإنسانية جمعاء نقول لقد تربى أهل هذه البلاد على معنى النصر وعلى معنى الانتصار على معنى التضحية وعلى معنى الفداء وما زلنا إن شاء الله وسنبقى خير ورثة بإذن الله لميراث الأنبياء أجمعين ولميراث حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. إن ما حدث على أرض غزة وما يحدث اليوم هو استمرار لسلسلة البطولة لسلسلة هذه الرسالات وحمل صادق وتمسك أكيد بالكتاب من بعد الأنبياء أجمعين، فمن ذا الذي يقول إن الأنبياء الذين استشهدوا في سبيل تبليغ رسالاتهم قد هزموا؟ أليس قد وهبوا للحياة معنى الحياة؟ من ذا الذي يقول قد هزم الشهداء؟ كيف هزم الشهداء يا أحبتي أليس قد استبدلوا بحياة الفناء لحياة البقاء؟..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور يعني دعنا ندخل بشكل عملي فضيلة الدكتور إلى موضوع نصرة غزة، دكتور رائد هل تسمعني، دكتور رائد يعني كيف يمكن للشعوب العربية يعني ما هي وسائل النصرة، ما هي آليات النصرة التي يمكن للشعوب أن تقدمها لأهل غزة ولأهل فلسطين عامة؟

رائد فتحي: بارك الله فيك يا أخي الحبيب، في الحقيقة أنا أريد أن أجيب على هذا السؤال المبارك وأقول كالآتي، إن الأمة اليوم ينبغي أن تعلم أن ما لا يقصر كله لا يترك جله وأنه ولا بد أن نحيي من جديد نظرية التغليب والمقاربة وأنا أقول أمتي إذا كان من الواجب علينا أن نعمل على إنكار المنكر بأيدينا فإن لم نستطع فبألسنتنا فإن لم نستطع فبقلوبنا بشرط أن نستنفد كل طاقاتنا، كل ما في إمكاناتنا. الله جل وعلا ضرب لنا أمثلة والقرآن الكريم ضرب أمثلة والسنة النبوية ضربت أمثلة، أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا"؟ أليس الله تبارك وتعالى يقول في آخر آية قبل مبدئ سورة بني إسرائيل سورة الإسراء قال جل من قائل {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران:200] فالأمة عندما تكون تتعرض إلى الأذى في أي وقت من الأوقات مطالبة بالصبر هي من حيث هي متعرضة للعدوان وكذلك سائر أفراد الأمة مطالبين بأن يصابروا وبأن يثبتوا هؤلاء الأخوة. أنا أقول..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، نعم، شكرا لك الدكتور رائد فتحي مدرس في المسجد الأقصى. فضيلة الدكتور بالعودة إلى موضوع غزة، أثناء العدوان صدرت فتاوى بتكفير من يتواطأ على غزة ويساعد المعتدي وبالمقابل صدرت فتاوى تتحدث عن المظاهرات بأنها غوغائية أنها نوع من الإفساد في الأرض، ما دور الفتوى في نصرة غزة أو خذلانها؟

يوسف القرضاوي: الفتوى أمر مهم بالنسبة للأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية أمة دينية الجذور، الدين هو المحرك الأول لسلوكها، الموجه الأول لتفكيرها المؤثر الأول في مشاعرها ولذلك يلجأ أبناؤها دائما إلى العلماء يستفتونهم في هذا الأمر واجب ولا غير واجب، حلال ولا حرام، مشروع ولا غير مشروع، هذا دليل على أهمية الدين في حياة الأمة ولذلك كان للفتوى أهميتها ومن هنا دائما الذين يريدون أن يقاتلوا إسرائيل عايزين فتوى تقول بفرضية القتال والذين عاوزين يصالحوا إسرائيل يروحوا للعلماء يقولوا لهم اعملوا لنا فتوى بالصلح وبعض الناس تستجيب في الحالتين، ولكن العلماء يجب أن يكون لهم موقف لا إلى حد الغلو ولا إلى حد التسيب، لا نريد أن نكفر الناس بالجملة، التكفير له شروطه وخصوصا التكفير المعين، يعني فلان ده كافر، لا، إنما نقول من فعل كذا فهو كافر، من أعان الكافر على المسلم متوليا له فإنه كافر، والله تعالى يقول {..من يتولهم منكم فإنه منهم..}[المائدة:51] إنما فلان ده هو الله أعلم لأنه يمكن عنده عذر يمكن نيته نية أخرى، يمكن كذا يمكن كذا، فنقول من فعل كذا يحكم عليه بكذا. وأما الذين يقولون إن المظاهرات وهذه الأشياء دي بدع، هذا يعني.. البدع هي ما كان في أمر الدين المحض إنما الناس تخترع أشياء للاحتجاجات على الظلم، الله تعالى يقول {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..}[النساء:148] المظلوم من حقه أن يصرخ، من حقه أن يخرج إلى الشارع فالناس من الظلم يخرجون إلى الشارع يستغيثون بالله ويجمع بعضهم بعضا، هذه وسيلة عالمية الناس تعارفوا عليها ووجدوا أنها وسيلة من وسائل إيصال الاحتجاج إلى الآخرين ودي لها أصل في الشرع يعني بعض الناس يظن أنها ما لهاش، لا، لها أصل، حينما أسلم سيدنا عمر بن الخطاب خرج المسلمون وكانوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم في صفين، على رأس الصف الأول حمزة بن عبد المطلب وعلى رأس الصف الثاني عمر بن الخطاب ومشوا يعني وللأرض منهم وئيد يعني بقوة، هذا تظاهرة يعني لإثبات الوجود أمام.. والنبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى عمرة القضاء قال للصحابة يعني وهم كانوا جايين منهكين وتعبانين من السفر قال لهم "رحم الله امرؤا أرى القوم قوة من نفسه" يعني أنه يوريهم وده أصل الرمل في العمرة أن الواحد، وأصل كشف الذراع كده علشان تبان العضلات، فإظهار القوة أمام الخصوم مطلوب، فأنا أعجب لمن يقول هذه بدعة حتى هنا بعض الناس في قطر قالوا لا إحنا ما نخرجش، إحنا يعني الشيخ القرضاوي يعني له رأيه ولكن نحن لا نقول لا ولا نشارك، هذا يعني في الحقيقة، إنما على كل الأمة الإسلامية استجابت وخرجت وأبدت يعني رأيها فهذا كنوع، كأنه نوع من الاستفتاء، نستفتي الأمة إيه رأيكم في هذا؟ وهذا نوع من الاستفتاء العملي.



الجهاد بالمال والجهات المستحقة له ومشروعية المقاومة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور من وسائل النصرة التبرع بالمال وهو من باب الجهاد بالمال ولكن هناك تساؤلات يطرحها الكثير من المتبرعين من أصحاب رؤوس الأموال الذين يريدون أن يقدموا لغزة، لمن تدفع هذه الأموال؟ هل تصل هذه الأموال إلى مستحقيها؟ هل لديكم إجابة على هذه الأسئلة؟

يوسف القرضاوي: والله شوف أنا أقول بالنسبة للأموال حتى أموال الحكومات وأموال الأفراد والجمعيات وهذه يجب أن يجتهد الجميع في إيصالها إلى غزة، لا ينبغي أنها تدفع للسلطة مثلا لأن الذين تضرروا بالفعل واحتاجوا إلى التعويض واحتاجوا إلى الإعمار وإعادة البناء هم أهل غزة فيجب إيصاله وكل بلد فيها ناس اشتغلوا مع أهل غزة قبل ذلك، يعني حتى في السعودية في البنك الإسلامي للتنمية والندوة العالمية للشباب الإسلامي هنا في قطر، اللجنة المشتركة وجمعية قطر الخيرية وجمعية الشيخ عيد ووزارة الأوقاف يعني في أكثر من جهة، كل بلد فيها ناس يستطيعون أن يوصلوا وفي ناس يستطيعون أن يوصلوا بطريقة، أنا عندي طرقي الخاصة وأوصل، اللي عنده فلوس يجيبها وأنا حأوصلها وستصل إلى أهلها إن شاء الله. هذا جهاد بالمال وهذا واجب كفائي وهذا يعني أنا لا أحب أن أسميه تبرعات لأن كلمة التبرع فيها كأنه نوع من التفضل، هذا فرض علينا، أن نغيث أخواننا أن نفرج كربتهم أن نساهم في إعادة الحياة إليهم، هذا فرض بكل.. وأنا أقول أهل غزة أولى بالزكاة من غيرهم، كل واحد يدفع لهم جزء من الزكاة، من لم يستطع أن يدفع من غير الزكاة يدفع منها، هم أولى بالزكاة لأنهم فقراء ومساكين وغارمون وأبناء سبيل وفي سبيل الله، هم من أجل الجهاد يستحقون ومن أجل الحاجة يستحقون من أكثر من جهة، بل أقول من كان عنده مال فيه شبهة أو فيه مكاسب من حرام فوائد أو شيء من ذلك، هم أولى الناس بهذا، هي حرام عليه، حلال لهم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا أنتم أصدرتم بيانا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاستكم أصدرتم بيانا بأن توجه هذه الأموال إلى داخل غزة..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): نعم، هذا ما نؤكده، يعني نؤكد على هذا البيان.

عثمان عثمان: نعم، بعض دولنا العربية والإسلامية جزء من الحصار المفروض على غزة، إيصال الأموال، إيصال المساعدات الإغاثية، إيصال الأدوية عبر هذه القنوات وهو بحاجة إلى غطاء سياسي وقانوني، كيف يمكن للمسلمين للدول الإسلامية لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تفك هذا الحصار؟

الحصار المفروض على أهل غزة حصار ظالم غاشم إذا فعلته إسرائيل فلا ينبغي ولا يجوز بحال من الأحوال ولا يحل ولا يسوغ لا دينا ولا عقلا ولا شرعا ولا خلقا أن يساهم المسلم في حصار إخوانه
يوسف القرضاوي:
لا بد من أن يفك هذا الحصار، هذا الحصار على أهل غزة حصار ظالم غاشم إذا فعلته إسرائيل فلا ينبغي ولا يجوز بحال من الأحوال ولا يحل ولا يسوغ لا دينا ولا عقلا ولا شرعا ولا خلقا أن يساهم المسلم في حصار أخوانه، المسلم مطلوب أن يدافع عن أخوانه بالمال وبالسلاح وبالروح وبالنفس، كيف يعني يساهم في حصارهم يقتلهم جوعا؟ أنا قلت في خطبتي من عدة أسابيع يعني أهل غزة يعني مخيرون بين موتين إما الموت البطيء وإما الموت السريع، إما أن يموتوا يعني بطيئا بطول الحصار أو يموتوا سريعا بضرب النار، وهذا يعني لا يجوز أن يساهم أي مسلم فيه فردا أو جماعة أو دولة، هذا لا يليق بحال من الأحوال.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني العدوان الإسرائيلي على غزة أحدث دمارا كبيرا، دمر، إبادة شاملة للبشر للحجر للشجر، البعض يرى أن المقاومة التي تأتي بهذا الدمار ليست مقاومة ونحن لسنا بحاجة لها، هل نصرة المقاومة أمام هذا الكلام هو يعتبر من نصرة غزة أيضا؟

يوسف القرضاوي: هذا معناه يجب أن يسقط الجهاد باستمرار لأنه لا جهاد بدون تضحيات، لذا من أراد أن يجاهد هذا يعني العلماء بيسموا هذا جهاد دفع مش جهاد طلب في أنك بتضرب العدو في داره، أنت مضطر إلى هذا الجهاد، مضطر إلى هذه المقاومة، أنت محتل، فرض عليك دينا وفرض عليك بالفطرة.. الجسم الإنساني ربنا زوده بجند دفاع، لو جاء جسم غريب في جسمك يقاوم هذا، فدي الفطرة الإنسان يدافع عن نفسه وعن حياته. الشرع جاء بهذا ولا بد من تضحيات، الله تعالى يقول {..إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون..}[النساء:104]، صحيح أكثر من 1200 شهيد ولكن هؤلاء ليسوا أمواتا {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون}[البقرة:154]، {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء..}[آل عمران:140]، ربنا يريد أن يتخذ منكم شهداء وأنت تقول له لا مش عايز! لازم تدفع، ده ثمن الحرية، هذا ثمن الاستقلال ثمن السيادة، ما فيش شيء مجانا ما فيش حاجة، سنة الله  أن من يريد شيئا لا بد أن يدفع ثمنه،

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يدق

ولا تنبت شجرة الحرية إلا بالدماء، لا تنبت ولا تورق ولا تزهر ولا تثمر إلا بمزيد من الدماء، فكنا نريد مقاومة بدون يعني تضحيات هذا شي، الذين يقول هذا هؤلاء انهزاميون وهؤلاء خبثاء يعملون لصالح الأعداء، وإحنا لسنا أول.. ما أهل فيتنام ظلوا يحاربون سنين عددا ويقدمون القتلى بعد القتلى والتضحيات بعد التضحيات بعدين انتصروا أخيرا، أما الناس تريد يعني كما يريد بعض الناس إن ليس عندنا إلا التفاوض، بعضهم يقول إلا الحوار، نحاور بدل السنة عشر سنين، عشرين سنة، نأخذ كل سنة 1% وبعدين بعد عشر سنين نأخذ واحد، نقعد مليون سنة لهذا الحوار! إذا لم يكن هناك المقاومة، الذي جعل للمفاوضات قيمة هو المقاومة، هي التي جعلتهم، جعلت بيغن يستقبل السادات حينما حدث النصر الجزئي سنة 1973، رحبوا بالبتاع ليخرجوا مصر من المعركة لأن كان هدفهم الأكبر نتفق مع مصر لتخرج من المعركة أكبر قوة عربية ضاربة ونعزلها وتصبح وسيطا بعد أن كانت شريكا. فمن قال إن المقاومة اللي دفعت إلى مدريد.. إذا لم يكن هناك مقاومة يبقى لن تعطيكم إسرائيل ولا نقيرا ولا قطميرا ولا ذرة، هؤلاء ربنا قال عنهم { أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيرا}[النساء:53] النقير ده نقرة في النواية، يعني لا يأتون الناس نقيرا، فإذاً المقاومة هي التي تجعل حتى إذا كان في مفاوضات يقدروا يدوك شيئا وإلا لن يعطوك أي شيء.

عثمان عثمان: في موضوع الخسارة والدمار ما المعيار الذي يتعامل به الفقهاء في حسابات خسارة الأرواح أو خسارة الأموال، هل يؤثر ذلك في مشروعية المقاومة أيضا؟

يوسف القرضاوي: لا هو يعني الفقهاء لا يعتبرون الشهداء خسارة ولا يعتبرون الخسارة في الأموال إلا إذا كان شيء فاق الحد وليس عندك يعني أدنى طاقة نقول لك اصبر بقى حتى تتمكن، إنما إذا كنت تريد جهادا ومقاومة وتحريرا للأرض وطردا للعدو وهزيمة للاحتلال بدون ثمن هذا يعني وهم وخيال وضد سنن الله في الكون وضد القوانين الاجتماعية، فلا بد أن يعي المسلمون هذا. في بعض الأحيان حينما يفقد الناس القوة مثل المسلمين الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت الستار الحديدي في الاتحاد السوفياتي أيام قوته وتمكنه ما تقدرش تقول للناس ثوروا على الاتحاد السوفياتي لأنهم محكومون حكما يعني قاهرا، لا يستطيعون التلفت منه، وصبروا على الحصار الطويل صبروا على الجوع صبروا على العطش صبروا على قلة الوقود، صبروا على البرد صبروا على قلة الدواء والغذاء صبروا صبروا فلا ينبغي أن نقلل من قدرة هؤلاء وهم إن شاء الله قادرون وسيصلون إلى النصر، سنة الله سبحانه وتعالى أن ينصر من نصره وهؤلاء نصروا الله، والله تعالى يقول {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج:40

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في دقيقة واحدة، أنتم في خطبة الجمعة الماضية في مسجد عمر بن الخطاب وجهتم ست رسائل، الوقت لا يتسع لكل هذه الرسائل، نريد منكم الرسالة الموجهة إلى أهل غزة الصامدين الصابرين، في دقيقة واحدة لو سمحتم؟

يوسف القرضاوي: هي رسالتي إلى أهل غزة رسالة تحية ورسالة تعاطف ورسالة إجلال وتقدير لهم وتأييد ووقوف معهم إلى آخر الخط فهم منا ونحن منهم، هم أهلنا وأخوتنا، نحن لسنا متفضلين بنصرة أهل غزة، نحن لو تخلى أهل غزة عن أرضهم يجب أن ندافع نحن عنها لأننا نعتبر أن أرضهم أرضنا وأن مهمتهم مهمتنا وأن بلاءهم بلاؤنا فنحن معهم في كل شيء. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم عليهم النصر، أن يفتح لهم فتحا مبينا وأن يهديهم صراطا مستقيما وأن ينصرهم نصرا عزيزا وأن يتم عليهم نعمته وينزل في قلوبهم سكينته وينشر عليهم فضله ورحمته إنه سميع مجيب.

عثمان عثمان: اسمح لي فضيلة الدكتور أن أعتذر من السادة المشاهدين الذين راسلونا عبر بريد البرنامج، لم نستطع أن نأخذ كل الأسئلة لنجيب عليها لضيق الوقت. في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلى أن نشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وأنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.