- دلالات توقيت الوصية ورسالة الحج وواقعه
- حقوق الإنسان وواجباته بين الوصية والواقع

- موضوعا الربا والثأر وامتداداتهما المعاصرة

- المرجعية الإسلامية وشرعية الأضحية

عثمان عثمان
عبد الجبار سعيد
عثمان عثمان
: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم. في مثل هذه الأيام في التاسع ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة خرج المسلمون بعد صلاة الفجر إلى جبل عرفة وخطب فيهم النبي صلى الله عليه وسلم قائل "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وإن كل دم كان في الجاهلية كان موضوع، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا ولكن إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب،أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تهجرونهن في المضاجع وتضربونهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمون أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمون أنفسكم، أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حقه حقه وأنه لا تجوز وصية لوارث". حول معاني هذا البيان الجامع للحقوق والواجبات والذي رسم صورة مشرقة لحقوق الإنسان نتحدث اليوم مع الدكتور عبد الجبار سعيد أستاذ الحديث في جامعة قطر والأمين العام لهيئة علماء فلسطين في الخارج، مرحبا بكم دكتور.

عبد الجبار سعيد: حياكم الله يا مرحبا.

دلالات توقيت الوصية ورسالة الحج وواقعه

عثمان عثمان: دكتور كما تعلمون أن حجة الوداع وهذه الخطبة جاءت في السنة العاشرة للهجرة بعد أن طهرت مكة مما فيها من أوثان وأصناع ومظاهر شرك ووثنية، ما دلالة ذلك؟

عبد الجبار سعيد: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، فبداية جزاكم الله خيرا على جهودكم ونسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بكم وأن يؤجركم. واسمح لي قبل أن أجيب على السؤال أن أتوجه بالتهنئة لأمتنا العربية والإسلامية بعيد الأضحى المبارك الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيده على هذه الأمة وقد تحقق النصر وعزت الأمة في ظل راية الإسلام بإذن الله تبارك وتعالى، كما نهنئ الحجاج بحجهم ونسأل الله أن يجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا. بلا شك أن خطبة الوداع خطبة جامعة وهذه الخطبة هي بمثابة الدستور للمسلمين أجمع، وهذه الخطبة جاءت ثمرة لجهود متواصلة من الإصلاح والدعوة والتأثير في الناس، ثمرة المشروع الإسلامي في الحقيقة تمثلت وتجسدت في هذه الخطبة التي ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسامع عشرات الآلاف من المسلمين الذين شاركوه الحج في ذلك العام، وإذا تأملنا نصوص هذه الخطبة بلا شك فهي تصلح أن تكون دستورا يحتذيه الناس ويتمثلون ما فيه من المبادئ والقيم وهي في الحقيقة خلاصات التشريع الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية التي أراد الله تبارك وتعالى من خلال رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسيها بين البشر جميعا ولذلك تأخذ هذه الخطبة بعدها ليس انطلاقا من كونها خطبة صادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسب ولكنها انطلاقا، تأتي انطلاقا من استمرارية للتجربة الإسلامية عبر 23 عاما، النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في مكة فردا قبل 23 سنة من خطبة الوداع وهو في هذا الموقف يعود إلى مكة ويلقي هذه الخطبة مع ما يقارب الـ 140 ألفا من المسلمين، فقط بعد 23 عاما النبي صلى الله عليه وسلم حقق كل ما حقق ووصل إلى إرساء هذه المبادئ وهذه الأسس والأصول التي قامت عليها رسالة الإسلام.

عثمان عثمان: إذاً أدى هذه الحجة وأدى هذه الخطبة بعد أن طهرت مكة كما ذكرنا من كل مظاهر الشرك والوثنية.

عبد الجبار سعيد: ولذلك في الحقيقة الآية الكريمة قوله تبارك وتعالى {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً..}[المائدة:3] كما قال كثير من العلماء نزلت في هذا الموقف وفي هذا الموطن، فخطبة الوداع علامة تمام الدين وتمام الرسالة وكمالها فطهرت مكة من الأصنام والشرك وطهرت النفوس من كل آثار الجاهلية وأرجاسها وأدناسها ولذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة الجاهلية وما يتعلق بها من آثار تحت قدمه، صفت النفوس لله تبارك وتعالى وأصبح المسلمون أجمع على أتقى قلب رجل واحد خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت الطهارة عامة شاملة ليس في مكة وحدها وإنما في جزيرة العرب معظمها إن لم تكن يعني كلها وجميعها.

عثمان عثمان: طبعا مضامين هذه الخطبة ما أرست من حقوق وواجبات سنتطرق إليه في سياق الحلقة، ولكن قبل ذلك دكتور في هذه الخطبة النبي عليه الصلاة والسلام ربما قدم بيانا واضحا يودع فيه أمته "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" هل يحضر الأمة لأمر ما؟ يعني ما دلالة هذا الأمر؟

عبد الجبار سعيد: النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم ويدرك أن هذه الحياة له عليه الصلاة والسلام بين أصحابه لها نهاية وستحين لحظة يفارق فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وثمة آيات تنزلت قبل هذه الخطبة وهذا الموقف أشارت إلى كثير من هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أراد أن يقول لأصحابه رضوان الله عليهم هذا موقف لعلي لا ألقاكم بعده فاحرصوا على أن تتفاعلوا معه بأفضل صورة ممكنة وأن تأخذوا منه أفضل الأخذ وأحسن الأخذ الذي تستطيعون بل ودعاهم ألا ينحصر الأمر فيهم باعتبارهم حجاجا يشاركون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجه ودعاهم إلى تبليغ من لم يحضر ومن لم يشارك ومن لم يسمع لأن مضمون هذه الخطبة كما قلت جسد روح الرسالة وحقيقة وجوهر الفكرة التي جاء بها الإسلام ولذلك من جهة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ ما طرح على محمل الجد وعادة الجد أن يأخذوه على محمل الجد ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد مزيدا من الحزم في أخذ ما قدم وما طرح، ومن جهة أخرى -في تقديري- أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهيئ الأمة لأمر رحيله عليه الصلاة والسلام وأمر رحيله فيه مسائل كثيرة لا بد للأمة أن تتنبه في ذلك الوقت فضلا عن التهيئة الوجدانية لإمكانية فقدانه عليه الصلاة والسلام وهذا ليس بالأمر الهين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن استمرارية الرسالة واستمرارية الدولة واستمرارية المؤسسة كل هذا مدعاة لأن يتفكر هؤلاء الصحابة ويتهيؤوا لما بعد تلك اللحظات من فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: إذاً هذا البيان الجامع من النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الخطبة إلى صحابته وربما إلى الأمة كلها ربما انعكس في حياة السلف الصالح، تطبيقا على الأرض، ولكن لو نظرنا الآن إلى واقعنا دكتور، أين واقع الحج اليوم من واقع الحج يومئذ؟ يعني كيف يمكن أن يحقق الحج اليوم تلك الرسالة التي حققتها حجة الوداع فيكون مؤتمر الحج الجامع بحق؟

عبد الجبار سعيد: في الحقيقة بكل أسف يعني الأمة اليوم كما تعلمون ويعلم الناس جميعا ابتعدت كثيرا في بعض المناحي وأقل في مناحي أخرى من الحياة عن جوهر رسالة الإسلام، ولذلك الأمة في الجملة في مناحي حياتها جميعا بدءا من تطبيق الشريعة في الحكم إلى أبسط معاني الحياة والآداب والأخلاق، الأمة مدعوة لأخذ هذا الدين بكليته وبروحه والحرص على الالتزام فيه وتمثله، الحج كان دائما وأبدا فرصة مراجعة للأمة فرصة لقاء فرصة محاسبة أحيانا بين الخليفة والأمة، فرصة إرساء للحقوق والواجبات، الحج مؤتمر سنوي ينبغي أن يؤدي دورا عظيما للأمة من خلال لم شملها ولم شمل قادتها من خلال تبادل الخبرات والرأي والمسائل التي تهم الأمة في هذا المؤتمر السنوي الذي هو في الحقيقة في غاية الأهمية لو تم التعامل معه بالصورة التي ينبغي أن يتعامل الناس معها.

عثمان عثمان: ما هذه الصورة؟

عبد الجبار سعيد: النبي صلى الله عليه وسلم كما رأينا لم يحصر الأمر في أداء المناسك وإن أراد أن يعلم الناس مناسكهم على أفضل صورها فحج معهم وقال "خذوا عني مناسككم" ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة الجامعة المانعة أراد أن يوجه الناس إلى جملة من المبادئ والحقوق التي تهم الناس جميعا بالمناسبة وليس المسلمين وحدهم.

عثمان عثمان: أهمها؟

عبد الجبار سعيد: فحقوق الإنسان ورعايتها مسألة في غاية الأهمية، الحفاظ على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، صون هذه الدماء، صون هذه الحقوق مسائل في غاية الأهمية، رعاية المرأة وصون حقوقها، التجنب لكل ما يغضب الله تبارك وتعالى والتنكر للجاهلية وأعرافها وعاداتها وتقاليدها ومبادئها، كل هذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسيه في الأمة وأن يرسخه، الحج اليوم مدعو لهذا.

حقوق الإنسان وواجباته بين الوصية والواقع



عثمان عثمان: نعم، ولكن دكتور البعض يرى أن هذه الحقوق -حقوق الإنسان- التي أعلنت في خطبة الوداع هي خاصة بالمسلمين فقط وليست بكل الناس.

عبد الجبار سعيد: يرد على هذا في تقديري أننا إذا تأملنا نصوص الخطبة التي وردت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كانت تخاطب الناس جميعا.

عثمان عثمان: أيها الناس.

عبد الجبار سعيد: أيها الناس. وعهدنا في الشارع الحكيم إذا خاطب الناس فالخطاب للجميع وإذا أراد أن يخاطب المسلمين وحدهم كان النص يبدأ بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} أو نحوه ذلك من النصوص، ثم إن المبادئ التي نصت عليها الخطبة في جملتها في الحقيقة مبادئ إسلامية، الإسلام رعاها لكل الناس مسلمين وغير مسلمين، والإنسان كما تعلم أخي عثمان مكرم في ديننا بل هو محور الرسالة بمقاصدها وبجوهرها وبحقوقه وواجباته وكل ما يتعلق بهذا الإنسان رعاه الإسلام رعاية أنا في تقديري لم ترع في مبدأ من المبادئ ولا في دين من الأديان ولذلك الله تبارك وتعالى عندما كرم الإنسان كرمه لآدميته {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..}[الإسراء:70] النبي صلى الله عليه وسلم كرم الإنسان مسلما وغير مسلم، كرم أصحابه رضوان عليه المسلمين وكرم غير المسلمين الذين وفدوا إليه وأحسن إليهم وتعامل معهم وخاطبهم بما يليق بهم في رسائله ووفوده، في كل مقام من المقامات كان الإنسان بكل حقوقه رجلا وامرأة بل وحتى طفلا يرعاه النبي صلى الله عليه وسلم برعاية رسالة الإسلام له.

عثمان عثمان: أيضا دكتور، يعني هناك من يرى أن هذه الحقوق والواجبات التي أعلنت في خطبة الوداع هي مجرد مثاليات لا تنطبق على أرض الواقع، مجرد أفكار، مجرد أحلام طوباوية ربما.

عبد الجبار سعيد: دعنا نتأمل السيرة والتاريخ قليلا لنر دقة هذا من عدمه، وأنا في تقديري الزعم بهذا مخالف ومجاف للحقيقة والصواب، فأقرب العهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولا عهد النبوة ثم عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من بعده، يعني أنا لما أجد النبي صلى الله عليه وسلم يهتم لأمر طفل من المسلمين كان يداعب طائرا فيأتي إليه في يوم ثاني فلا يجد ذلك الطائر فيسأل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الطفل قائلا "يا أبا عمير ما فعل النغير؟" النبي القائد يهتم لشأن طفل يلعب مع طائر صغير، عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبمناسبة الحج وجدناه في الموسم في موسم الحج يقتص لرجل قبطي غير مسلم من ابن والي مصر ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي تعدى عليه وتجاوز على حقه يطلب من ابن والي -والي مصر- الذي تعدى على هذا القبطي أن يحضر الموسم الذي هو الحج إلى المدينة أمام عمر ويحاسبه عمر رضي الله عنه ويقيم العدل ويطلب من ذلك القبطي أن يقتص ممن تعدى عليه ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه ابن والي مصر ولم يكن ذلك القبطي مسلما في ذلك الوقت، هذا تطبيق حقيقي عملي يؤكد لنا أن هذه المبادئ عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاشها الصحابة من بعدهم في أفضل صورها وفي أفضل صور الحياة التي عاشها الناس بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة الصحابية.

عثمان عثمان: صورة عاشها السلف الصالح ولكن اليوم نجد أن الأمة بعيدة ربما في أمكنة كثيرة عن هذه المبادئ وهذه القيم والحقوق والواجبات.

عبد الجبار سعيد: لأنها لا تتجسد روح الإسلام حقيقة كما قلنا ولذلك الدور الرئيسي الذي نتمناه للحج أن يؤدي الرسالة نحو الأمة بأن يدفع الأمة باتجاه العودة إلى جذورها باتجاه العودة إلى دينها باتجاه التمسك بهذه المبادئ. ما يجري في الأمة اليوم يا أخي من فكر تكفيري متشدد إنما نشأ في ظل تفتت الأمة وتمزقها وبعدها عن أعلامها وعن شخصياتها العلمية وعن علمائها الراسخين، الأمة تتمزق اليوم بسبب تبعيتها للمستعمر، بسبب تبعيتها لغيرها لأنها لا تملك أمر نفسها. الحج كفيل أن يوحد الأمة إذا أتيح له أن يأخذ هذا الدور، الحج كفيل أن يجمع قيادات الأمة ونخبها الثقافية رجالها ونساءها كبارها وصغارها مسؤوليها ومواطنيها ليتدارسوا حال هذه الأمة في ظل روحانية عالية تقترب من الله سبحانه وتعالى في أقرب اللحظات وتستشعر حالة إخلاص لله تبارك وتعالى تتجرد فيها الأمة بشخصياتها عن كل هوى وعن كل مادية يمكن أن تفرقها وعن كل مصلحة يمكن أن تشتتها وبالتالي تندفع في ظل رحمة الله تبارك وتعالى نحو مزيد من القواسم المشتركة نحو مزيد من الوحدة نحو مزيد من الالتفاف نحو الإسلام وروح الإسلام الوسطية السمحة الجامعة الإنسانية البعيدة عن كل تشنج وكل تطرف.

عثمان عثمان: دكتور أيضا يعني لو أردنا أن نفصل أكثر في موضوع خطبة الوداع وما جاء فيها نجد أنها شغلت مساحة كبيرة جدا فيما خص موضوع المرأة، حقوق المرأة، واجبات المرأة، ما لها على زوجها ما لزوجها عليها، ما لها على المجتمع وما للمجتمع عليها، اليوم أين واقع المرأة من هذه المبادئ كلها؟

عبد الجبار سعيد: بداية كما ذكرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة أرسى المبادئ العامة التي هي ثمرة مرحلة طويلة من مراحل الإصلاح والرعاية والتطبيق ولذلك إذا تأملنا ما قبل هذه الخطبة نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه رباني تشريع إلهي قام على رعاية المرأة في كافة حقوقها، النبي صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام جاءت والمرأة تباع وتشترى، المرأة تظلم، المرأة مهضومة الحقوق، المرأة لا قيمة لها في المجتمع إلا من نساء قلائل ولذلك جعل الإسلام المرأة إنسانا كاملا اعترف بحقها وبآدميتها ساوى بينها وبين الرجل في كثير من الأمور جعلها ندا للرجل، كلفها كما كلف الرجل، الرجل والمرأة مكلفان بالعمل الصالح ويجزيان عليه كما أخبر ربنا تبارك وتعالى سواء بسواء لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، والإسلام جعل لهذه المرأة جملة من الحقوق بنتا بأن تربى وتحسن تربيتها وزوجا بأن تكرم وتحسن معاملتها وأما كذلك بأن تبر ويطاع أمرها في كل مرحلة من المراحل كانت رعاية غير عادية الحقيقة للمرأة ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان دائما يقول "استوصوا بالنساء خيرا، استوصوا بالنساء خيرا". الأمة اليوم بحاجة إلى هذه الروح؟ نعم حتى الأمة المسلمة بحاجة إلى هذا التشريع بحاجة إلى هذا العدل مع النساء، قطعا كثير من العادات والأعراف المجتمعية التي أصبحت تعطى أحيانا ثوبا من الدين طغت وظلمت كثيرا من النساء بدءا من أبسط الحقوق في الميراث وما يتعلق بها إلى غير ذلك من الحقوق السياسية والاجتماعية بل والدعوية والإيمانية، لم تعد المرأة تؤدي دورها في المجتمع كما أراده الإسلام ولذلك الدعوة قائمة للرجال جميعا وللنساء أيضا أن تأخذ المرأة دورها وأن تعطى حقها وفق ما أراد ربنا تبارك وتعالى سواء على صعيد الحقوق المادية سواء على صعيد حقوق العشرة الزوجية وحسن المعاملة، "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما سئلت عائلة عن حال النبي صلى الله عليه وسلم قالت "كان يكون في خدمة أهله فإذا أذن خرج إلى الصلاة" ولذلك حتى في بيته النبي صلى الله عليه وسلم كان يرعى أهله ويحسن معاملتهم ويقوم على شأنهم.

عثمان عثمان: دكتور أيضا يعني في هذا المجال في موضوع المرأة وموضوع مساواتها مع الرجل بعض المعاصرين بعض الخطاب النسوي ربما يأخذ بعض الملاحظات ويقول  {..وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ..}[البقرة:228] ويرى في ذلك حسب وجهة نظرهم انتقاصا من حقوق المرأة.

عبد الجبار سعيد: يعني إذا أردنا أن نتأمل المسألة جيدا سنجد أن نظرة الإسلام المتوازنة للمرأة ليست كما زعم هؤلاء، بداية دعنا نتفق ونؤكد أن الإسلام قام في نظرته للمرأة على أنها صاحبة دور مكمل ومتوازن مع الرجل، الرجل له دور وخلق وهيئ لما يتناسب ويتلاءم مع هذا الدور والخالق للاثنين هو الله تبارك وتعالى، والمرأة هي كذلك خلقت لدور وهيئت خِلقيا وجسديا وعاطفيا بما يتلاءم مع هذا الدور، دور المرأة مكمل لدور الرجل ودور الرجل مكمل لدور المرأة والحالة ليست حالة صراع وليست حالة تنافس، الحالة حالة التقاء حالة مشاعر متقاربة حالة ميول عاطفية جذابة، المرأة تميل إلى الرجل والرجل يميل إلى المرأة، المسألة ليست ساحة معركة وليست ساحة ندية، إذا انطلقنا من هذه الرؤية نستطيع أن نفهم طبيعة بعض الخصوصيات في دور المرأة وبعض الخصوصيات في دور الرجل، وبالمناسبة إذا تأملنا قول الله تبارك وتعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ..}[النساء:34] والأفضلية هنا ليست للرجال كما يحسب أو يريد كثير من الناس بالذات من الرجال أن يفهمها، الآية قالت {..بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..} بمعنى بما فضل بعض الرجال على بعض النساء، وفي تقديري البعضية هنا يا أخ عثمان تنصرف إلى أفضلية الدور للرجل في بعض جوانب الحياة وأفضلية الدور للمرأة في بعض جوانب الحياة، فالرجل يقوم بأدوار لا تستطيع المرأة أن تقوم بها والمرأة تقوم بأدوار لا يستطيع الرجل أن يقوم بها، ولذلك كان هذا التقسيم للمسؤوليات وكان هذا التوازي والتكامل للمهام والواجبات يكمل بعضه بعضا وليست المسألة أن الرجال أفضل من النساء أو النساء أفضل من الرجال، أبدا على الإطلاق.

عثمان عثمان: البعض ربما شبه هذه الحياة الزوجية بالشركة التي لا بد لها من مدير يدير هذه المؤسسة.

عبد الجبار سعيد: هي كذلك بلا شك، بالنتيجة نحن بحاجة إلى مدير صاحب قرار، نحن بحاجة إلى رجل أو لنفرض جدلا أنها ستكون المرأة صاحبت قرار، سيأتي الرجال ليقولوا لماذا المرأة صاحبة قرار؟ النتيجة في مضمونها وجوهرها وليست في شكلها بمعنى كون الرجل هو صاحب القوامة وكون الرجل صاحب القرار هذا لا يعني -وفق أخلاق الإسلام ورؤية الإسلام ومعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه وتوجيهاته- هذا لا يعني أن يستبد الرجل برأيه وهذا لا يعني أن يستبد الرجل بقراره وهذا لا يعني أن تصبح المرأة هامشية لا قيمة لرأيها في الحياة أو لوجودها في الحقيقة، ولذلك المسألة في جوهرها أن هذه مؤسسة لا بد لها من قائد من حيث النتيجة، هذا القائد جعله الإسلام الرجل ضمن تقاسم الأدوار والمسؤوليات دون استبداد ودون ظلم أو جور على الطرف الآخر.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني مزيدا من التأملات في هذه الخطبة خطبة الوداع إن شاء الله بعد الفاصل، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى.

[فاصل إعلاني]

موضوعا الربا والثأر وامتداداتهما المعاصرة



عثمان عثمان: أهلا ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة التي هي بعنوان وصية النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين أو خطبة الوداع مع فضيلة الدكتور عبد الجبار سعيد الأمين العام لهيئة علماء فلسطين في الخارج. دكتور قبل أن نتابع اسمح لنا أن نأخذ الدكتور طه جابر العلواني عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي، السلام عليكم دكتور.

طه جابر العلواني/ عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي-القاهرة: وعليكم السلام ورحمة الله، مرحبا بكم يا أستاذ عثمان وبالأخ الدكتور عبد الجبار سعيد.

عثمان عثمان: مرحبا بك دكتور. دكتور يعني نريد منك الخلفية التي انطلقت منها خطبة الوداع من حيث الزمان والمكان والناس.

طه جابر العلواني: نعم، أنا حين أقرأ خطبة حجة الوداع أشعر أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أن يلخص أهم الأمور التي جاء بها كتاب الله وقام بتفعيلها في الواقع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مستوى الأمة المسلمة الداخلي وعلى المستوى العالمي، واختار صلوات الله وسلامه عليه أهم النقاط التي تشكل عند البشرية موضع اختلاف وشد وجذب لكي يؤكد عليها فأكد صلوات الله وسلامه عليه على قضايا الفصل أو المفاصلة مع الجاهلية ومع الماضي ومع التقاليد والربا والدماء وكل ما يتعلق بالجاهلية واحتفظ بأمرين اثنين هما السقاية في الحج لأن ذلك فيه إشارة إلى وفائه صلوات الله وسلامه عليه وعدم طمعه بشيء أو بشرف كان يتمتع به آخرون فترك هذين الأمرين السقاية والعمارة. الأمر الثاني أنه صلوات الله وسلامه عليه أكد على قضايا المرأة، أكد على قضايا احترام الأمن، الانتساب الأصل الواحد، إلى الغاية الواحدة على المستوى الخارجي وعلى ضرورة احترام هذه الرابطة بين البشر، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكد صلوات الله وسلامه عليه ضرورة المحافظة على حرمة الأشهر الحرم وضرورة المحافظة على الأرواح وعلى الرقاب "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" فهذه الوصية أو هذه الخطبة لم تأخذ حظها الملائم من اهتمامات المسلمين وخاصة خطبائهم في شهر ذي الحجة وفي خطبة العيد، دائما يجري التأكيد على موضوع سيدنا إبراهيم والذبيح إسماعيل عليهما السلام ولكن هذه الخطبة قل أن يلتفت إليها الكثيرون ولذلك أشعر بأن علينا أن نشكركم لالتفاتكم إلى هذا الجانب. هذه الخطبة تشكل بيانا عالميا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقوق الإنسان بمعناها الدقيق وبمعناها التفصيلي حقوق المرأة حقوق الزوجة حقوق الأزواج حقوق الناس بعضهم على بعض حقوق الأمم بعضها على بعض واجباتنا في احترام الزمان والمكان واحترام رقاب الناس وأعراضهم وأبشارهم وما شاكل ذلك، فهي وثيقة دستورية عظيمة جدا جدا تستحق منا جميعا اهتماما خاصا في عملية تحليلها وبناء ثقافة خاصة عليها يكون مجال وميدان التذكير فيها هو هذه الأيام المباركات.

عثمان عثمان: الدكتور طه جابر العلواني كنت معنا من القاهرة عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي شكرا جزيلا لك.

طه جابر العلواني: مرحبا بكم حياكم الله.

عثمان عثمان: دكتور بالعودة إلى محاور خطبة الوداع كان هناك تركيز من النبي عليه الصلاة والسلام على حرمة الربا "إن كل ربا موضوع" طبعا في الفترة السابقة كان هناك مشكلات كبيرة لا تجد إلا البنوك الربوية لا تجد إلا التعامل الربوي الآن نجد نوافذ ربما إسلامية تتعاطى بالشأن التجاري بوضع الأموال من دون ربا، كيف تقيمون هذا الواقع يعني هل ترونها خطوة إن شاء الله إيجابية نحو الخروج من مأزق الربا؟

عبد الجبار سعيد: جزاك الله خيرا، في الحقيقة الربا -قبل أن نشير إلى قضية البنوك- جوهر تحريمه أنا في تقديري مرتبط أيضا بالبعد الإنساني ورعاية الإنسان لأن أسوأ ما في الربا أخي عثمان أن الإنسان المرابي يستغل حاجة الإنسان الفقير الذي يريد المال ليزداد مالا محرما لا حق له فيه، فهو استغلال بشع لحاجة إنسان محتاج في الحقيقة ولذلك حرمة الربا في تقديري فضلا عن أضرارها الاجتماعية العديدة والاقتصادية جوهرها رعاية لمشاعر الإنسان ولحق الإنسان في أن يعيش كريما غير مظلوم داخل المجتمع. الأمة اليوم مدعوة دعوة عامة مؤكدة في ظل خطبة الوداع ليس فقط إلى الإكثار في الحقيقة من فتح النوافذ الإسلامية للبنوك هنا وهناك بل للتخلي عن الربا في الحقيقة، إذا أردنا لهذه الأمة أن يكون لها مستقبل اقتصادي وسياسي حقيقي لا بد أن تتخلى الأمة عن الربا، وجوهر الاقتصاد الإسلامي في تقديري ظهرت حاجة الناس إليه في ظل الأزمة المالية القائمة حاليا والتي ظهرت خلال الفترة المنصرمة، الأمة بل الناس جميعا استدركوا أهمية الحاجة إلى الاقتصاد الإسلامي والتشريع الإسلامي في الجانب الاقتصادي وأضرار الربا والتعامل مع الربا ولذلك نحن لسنا فقط نشجع فتح النوافذ الإسلامية في المعاملة وتجنب الربا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بل ندعو دعوة صريحة  هي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع إلى تجنب الربا تجنبا تاما والسعي إلى تخليص الأمة من هذا الداء الذي حارب الله المرابي من أجله، {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ..}[البقرة:279]، ولذلك الأمة الحقيقة لا يصح أن تبقى محاربة لله تبارك وتعالى مجاهرة بهذه المعصية وهذه الخصومة، وفي تقديري البحث عن البدائل أمر ميسور وإن توفرت الإرادة السياسية والاقتصادية الجادة نستطيع أن نرسي دعائم مستقرة لاقتصاد إسلامي يمكن أن ينقذ الأمة الإسلامية بل ويمكن أن يشكل بديلا كافيا وناجعا حتى لغير المسلمين، وقد رأينا عددا من الدول تبحث في الاقتصاد الإسلامي في ظل الأزمة المالية المعاصرة لعلها تجد حلا وبعض قادة الدول كما تعلمون طرحوا على عدة لقاءات ومؤتمرات ضرورة البحث في الحل الإسلامي للأزمة المالية المعاصرة. ولذلك حرمة الربا حرمة من الله والله تبارك وتعالى هو الذي يعمل أضرار هذا الداء على هذه الأمة وهذه البشرية فنحن ندعو إلى تعميم التجربة الإسلامية وترسيخها واستبدالها والقضاء في الحقيقة على الربا.

عثمان عثمان: أيضا في خطبة الوداع فضيلة الدكتور هناك تركيز على حرمة الثأر وهتك الأعراض وقتل الأنفس ولكن للأسف الشديد ربما هناك في مجتمعاتنا لا تزال هذه العادة عادة الثأر موجودة خاصة في الحياة القبلية عند بعض القرى، عند بعض المجتمعات التي لم تنزل إلى المدينة ربما، لماذا لم تندثر هذه العادة البغيضة رغم هذا التحذير النبوي من شرها؟

عبد الجبار سعيد: الأجمل بالإضافة إلى التحذير النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن تطبيق هذا المبدأ على نفسه وأعلن أنه يضع، أول ربا يضعه ربا العباس، المال الزائد للعباس ويضع دم الجاهلية الذي كان قائما حتى ذلك الحين "وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع" كما نصت الخطبة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بوضع دم الجاهلية في ذلك العهد دم بني ربيعة كما نصت بعض الروايات، ولذلك وجود هذه الحالة في الأمة مرة أخرى هو مؤشر لغياب روح خطبة الوداع وروح التشريع الإسلامي عن هذه الأمة، لا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال من مسلم يلتزم بدينه أن يلجأ إلى عادة الثأر فيظلم ويقتل من لا علاقة له بدم قريبه أو دم وليه أو ما شابه ذلك، هذه عادة جاهلية وجودها مؤشر على وجود بعض الجاهلية في الأمة، ولذلك نحن ندعو أبناء المسلمين جميعا في الأرياف وفي غير الأرياف إلى التخلي عن مثل هذا، صاحب الدم الذي اعتدى يطلب دمه لأنه قاتل، كل من قتل يقتل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ..}[البقرة:179] لكن أن نتجاوز ونتعدى فنقتل من لم يقتل ونظلم من لم يتعد فهذا لا علاقة له بدين في الحقيقة ويجافي فضلا عن أنه يجافي روح الإسلام ونص الشريعة ونص خطبة الوداع فهو أيضا يجافي روح العدالة وروح الإنسانية ومنطق الأشياء السليمة ولذلك لا بد من التخلص من هذا في الحقيقة.

عثمان عثمان: دكتور أيضا يعني في خطبة الوداع جاء قول النبي عليه الصلاة والسلام "أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا ولكن إن يطع في ما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم" ما هي الأعمال التي نحقرها ورضي الشيطان أن نقوم بها، رضي أن يضلنا بها؟

عبد الجبار سعيد: في الحقيقة أخي هذا نص نبوي حكيم ولعل التدقيق فيه يوقفنا فيه على أهمية هذا النص، في كثير من الأحيان نحن نتساهل في بعض المسائل والأمور على أنها لمم وعلى أنها صغائر وعلى أنها يعني الوقوع فيها لن يؤثر كثيرا في صحائف الأعمال ولن ننال بها كثيرا من الأثر، هذا أحد أهم مداخل الشيطان للإنسان، نحن نتصور أحيانا أننا ما دمنا نعبد الله تبارك وتعالى ولم نعبد غيره بمعنى لم نصل لغيره لم نصل للشيطان لم نحج لإبليس ولم نعبد غير الله تبارك وتعالى فالمسألة مغفورة وهينة وسهلة، "الشيطان يئس أن يعبد" كما قال بعض العلماء بمعنى أنه يئس أن يصلى له أو أن يعبد من دون الله أو أن يشرك به من دون الله، لكنه على تعده القديم بأن يعقد للإنسان كل صراط يسلكه ويظن أنه مستقيما يسعى به للتقرب من الله تبارك وتعالى وأن يضله وأن يحرفه عن ذلك الطريق المستقيم، ولذلك هو يلجأ في كثير من الأحيان إلى بعض الأعمال التي نحقرها فلا نعدها من عظائم الأمور فنقع فيها ونحن نستريح لذلك ولا نشعر بكثير قلق ولا بكثير إثم، فنظرة إلى معصية من هنا وأكل قليل من الربا من هناك وغيبة من هنا وظلم لجار من هناك وعقوق أب أو أم بكلمة عابرة من هنا أو هناك يجعلنا هذا مع الوقت، هذه الصغائر تجعلنا نستشعر أننا يعني لم نقع في كبير إثم ولم نخالف كبير مخالفة..

عثمان عثمان (مقاطعا): والإصرار على الصغيرة تصبح كبيرة.

عبد الجبار سعيد: كما قال العلماء بالضبط، يعني لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، الإنسان المؤمن عليه أن يستغفر من الصغيرة ويتوب من الكبيرة ويحرص على أن يتجنب وسوسة الشيطان وأن يتخذ الشيطان عدوا {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ..}[فاطر:6].

المرجعية الإسلامية وشرعية الأضحية



عثمان عثمان: دكتور أيضا هناك ثمة قضية بالغة الأهمية جاءت في خطبة الوداع وهي تحديد المرجعية الإسلامية وحصرها في الكتاب والسنة الآن نجد هناك محاولات عديدة لتفكيك هذه المرجعية وربما نجد في حياة المسلمين مرجعيات كثيرة سواء كانت شرقية أو غربية عادات وتقاليد موروثة، كيف يمكن لنا أن نعيد هذه المرجعية الإسلامية إلى واقع حياة المسلمين؟

عبد الجبار سعيد: هذه المرجعية في جوهرها مظلومة من أبناء المسلمين ومن أعداء الإسلام في آن واحد بكل أسف، أولا من أبناء المسلمين بأن تخلوا عنها في مناحي كثيرة من الحياة لم يعد كتاب الله ولا سنة نبيه هما الحاكم، لم يعودا الحاكمان في واقع الناس والحياة فتم التخلي عنهما وهجرهما وهذا انعكس على مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في كثير من المناحي وفي نفس الوقت بعض أبناء المسلمين بات يتنكر بكل أسف لهذه المرجعية ويعتبر الدعوة إلى العودة إليها ضرب من العودة إلى الوراء والتخلف والرجعية وما شابه ذلك، ثمة فئة من أبناء المسلمين بهرها الغرب بحضارته المادية وتقدمه المادي الذي خطف أبصار هؤلاء الناس ولكن حال بينهم وبين معرفة الحقيقة والواقع، هذه الحضارات اليوم أخي هذه الماديات المعاصرة هذا العنفوان المتجبر الظالم لأقوى القوات على وجه الأرض وأقوى الماديات وأقوى قوى الاستعمار يؤكد لنا الحاجة إلى هذه المرجعية، العودة إلى الإسلام العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية العودة إلى تشريع الله الذي خلق هذا الإنسان والذي يعلم حقيقة ما يسعده والذي يحقق له السعادة في الدارين ولذلك نحن مدعوون إلى التمسك بالكتاب والسنة والدعوة إلى العودة للكتاب والسنة في شتى مناحي الحياة بدءا من الحكم بما أنزل الله إلى أبسط مبادئ العمل والحياة في حياتنا اليومية الشخصية، ولذلك هذه مرجعية أثبتها الله تبارك وتعالى وأثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ..}[المائدة:92] والنبي صلى الله عليه وسلم نص على هذا "تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي -كما في رواية أو- وسنة نبيه" كما في هذه الرواية في خطبة الوداع، ولذلك المؤمن ليس له إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يختار..

عثمان عثمان: {..أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..}[الأحزاب:36]

عبد الجبار سعيد: أو أن يكون له الخيرة دون ذلك.

عثمان عثمان: دكتور أيضا في موسم الحج أو في الحج شرع الهدي وفي عيد الأضحى شرعت الأضحية للمسلمين، بإيجاز شديد لو نتحدث عن أحكام الأضحية في دقائق معدودة.

عبد الجبار سعيد: يعني في هذا المقام الموجز، الأضحية سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم على قول الجمهور وهي ليست بواجبة وإن قال أبو حنيفة رضي الله عنه بذلك ولكن الجمهور على أنها سنة مؤكدة يشرع للمسلم أن يؤديها استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويبدأ ذبح الأضحية بعد شروق شمس يوم النحر، اليوم الأول، يوم عيد الأضحى المبارك الأول بعد أن يترك قدرا من الوقت، قدر أداء صلاة العيد لمن لم يصل ومن صلى صلاة العيد فبعد صلاته، لا تذبح الأضحية قبل ذلك، وشرعت الأضحية من الإبل والبقر والغنم سواء كان معزا أو ضئنا، ويسن للمسلم أن يقدمها في كل عيد إن استطاع وهي بالتالي سنة على المستطيع أن يؤديها ولا يصح أن يقوم الفقير كما يفعل بعض الناس اعتقادا بالوجوب..

عثمان عثمان (مقاطعا): لا يستحب ذلك للفقير.

عبد الجبار سعيد: لا، لا يستحب الحقيقة للفقير أن يلحق بنفسه حرجا وبأهله وأن يضيق على نفسه من أجل أن يقدم الأضحية، إن استطاع فهذا حسن وإن لم يستطع فلا وجوب عليه، حتى الإمام أبو حنيفة الذي جعلها واجبة هو جعلها واجبة على من بلغ اليسر ومن زاد ماله عن النصاب وكان مقيما أيضا وليس مسافرا ولذلك هي لا تجب على الفقير.

عثمان عثمان: ذكرتم أن وقتها يبدأ من بعد صلاة عيد الأضحى، كم يوما؟

عبد الجبار سعيد: تستمر إلى آخر أيام التشريق، الأيام الثلاثة بعد العيد، يعني يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة بإمكانه أن يذبح المسلم في أي وقت من هذه الأوقات ليلا أو نهارا بلا حرج.

عثمان عثمان: كيف توزع؟

عبد الجبار سعيد: الأصح والأرجح كما قال جمهور العلماء في توزيعها أن يأكل وأن يطعم وأن يدخر، والسنة في تقديري أن يجزئها ثلاثة أجزاء، ثلث يجعله لأهل بيته وثلث لأقاربه وأرحامه وثلث يتصدق به للفقراء والمساكين، هذا لعله الأقرب إلى السنة، وقول العلماء ثلث يؤكل وثلث يدخر وثلث يطعم لا يتناقض مع هذا لأن الثلث الذي يدخر يمكن أن يكون منه للأهل ومنه ما يدخل في الحقيقة لكن الأصل أن توصل الأرحام في هذا اليوم المبارك وأن يطعم الفقراء فالحكمة أصلا من مشروعية الأضحية أن يفرج عن الفقراء في مثل هذا اليوم بالإضافة إلى حكم أخرى كثيرة فهذا يوم فقراء وهذا يوم إطعام والأصل أن نسعى فيه لإطعام الفقراء والمساكين.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم فضيلة الدكتور عبد الجبار سعيد أستاذ علم الحديث في جامعة قطر والأمين العام لهيئة علماء فلسطين في الخارج.

عبد الجبار سعيد: جزاكم الله خيرا.

عثمان عثمان: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب، دمتم بأمان الله وإلى لقاء قادم بإذن الله، كل عام وأنتم بخير.