- بعض أشكال العصبية الجاهلية المعاصرة
- مفهوم مصطلح الجاهلية وأنواع العصبية

- أسباب ومظاهر النزعات العصبية وسبل معالجتها

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة" خطاب وجهه النبي عليه الصلاة والسلام أثناء خصومة وقعت بين أنصاري ومهاجر، فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجر يا للمهاجرين، فهل ما حصل بين مصر والجزائر مؤخرا بسبب مباراة كرة قدم يدخل في هذا المعنى؟ ولماذا لم تختف نزعات التفاخر والتعالي؟ وكيف اتسعت العصبية للعرق والقبيلة لتشمل عصبيات جديدة قطرية وجنسية ومناطقية وغيرها؟ دعوى الجاهلية اليوم وأشكالها موضوع حلقتنا من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

بعض أشكال العصبية الجاهلية المعاصرة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور قبل الدخول إلى محاور الحلقة نتابع هذا التقرير الذي يعني يبين بعض أشكال العصبية الجاهلية.

[تقرير مسجل]

عامرالكبيسي: في كل من العالم العربي وجوه كثيرة تنصهر ضمن مدينة أو حتى دول، وإذ هي كذلك تحرك الحياة من حولها يدخل على ذلك الخط نفس خفي يدب بين صفوفها فيقسمها إلى أجزائها الأولى فتدور الحياة في بيئات أصغر، وقد تجلى موضوع العصبية تلك في كثير من مناحي الحياة في العالم العربي ابتداء من اللبنة الأولى في المجتمع وهي العائلة وبداياتها إلى أعلى الهرم في المنظومات الحاكمة للدول. يضع الإسلام في قضية الزواج وتكوين الأسرة الرضى بدين الخاطب وخلقه معيارا للقبول، لكن الملاحظ في كثير من الأوساط أن الرفض يأتي من العائلة لأسباب عشائرية ومناطقية فلا تقبل عائلة بنت المدينة زوجا من الريف على سبيل المثال، وأبعد من العائلة تتجلى صور أخرى من العصبيات التي تؤثر في غالب أمرها على العمل والجودة فيه فيلاحظ المراقب أن ثمة ميولا لدى أرباب العمل في العالم العربي لتوظيف نسخ ثانية من شخصياتهم تنطبق عليهم صفات القربى منهم بلدا ببلد ومذهبا بمذهب وربما لقبا بلقب بعيدا عن معيار "إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه". ولقد فتحت على سبيل المثال تبعات مباراة لكرة القدم ملفا معقدا في خط شروع الشعوب وآليات التحكم في عقولها انطلاقا من العصبية وكيف أن حادثة عابرة يمكن أن تستعار فيها تجليات العصبية وتداعياتها وتنتقل فيها علاقة الإسلام في الرياضة من القوة ووصية الرماية والسباحة وركوب الخيل إلى بيئة تصنع فيها الفتنة صناعة وتشربها الشعوب شربا، وهي تذكر في شكلها الحالي من بعيد بصراعات الجاهلية الأولى صراع قبيلتي عبس وذبيان التي استمرت المعارك فيهما أربعين سنة بسبب سباق بين الخيول يوم غلبة ذبيان قبيلة عبس. ولقد جعلت أحداث المباراة علماء الأمة يتسارعون للتدخل كأمثال الشيخ يوسف القرضاوي وعباسي مدني وغيرهما، بينما تبدي النخبة المثقفة استغرابها مما يجري، فكيف لشعوب تطحن بالظلم والفقر وتأخذ أنظمتها أعلى درجات تصنيفات الفساد بين الدول وهي كذلك في مستوى التعليم والرعاية الصحية ثم هي تتلهى تحت مطاحن الكرة! عامر الكبيسي، الجزيرة.

[نهاية التقرير المسجل]

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ما جرى مؤخرا بين مصر والجزائر بسبب كرة القدم هل يدخل هذا الموضوع تحت مسمى أو مصطلح دعوى الجاهلية؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد، فإنه مما يؤسفنا أشد الأسف أن نقول إن ما جرى بين مصر والجزائر مؤخرا بعد المباراة المعروفة من صراعات ومن تعصبات لا يشك إنسان في أنه من صنع الجاهلية ومن عصبية الجاهلية ولولا هذه العصبية ما حدث ما حدث. حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" بدعوى الجاهلية أن يكون كل واحد مع قومه بالحق وبالباطل، هكذا كان أهل الجاهلية ليسوا مع مبدأ وليسوا مع فكرة وليسوا مع عقيدة إنما كل جماعة، العرب مع العرب والعجم مع العجم والعرب في عرب الشمال وعرب الجنوب، عرب قحطانيين وعرب عدنانيين وعرب من بني يعرب وعرب من بني عدنان، وبنو عدنان فيهم أنساب وقبائل، قريش فيها بنو عبد مناف وبنو مخزوم، وبنو عبد مناف حتى داخلهم في بني أمية وبني هاشم، يعني الجاهلية كانت مقسمة والإنسان عصبيته لقومه يعني..

عثمان عثمان: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.

يوسف القرضاوي: ظالما على ظاهرها كما كانت في الجاهلية، لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا، كما قيل على أحد الزعماء هذا الرجل إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب، فهكذا كان الإنسان مع.. جاء الإسلام يقول انصر أخاك ظالما أو مظلوما ففزع الصحابة بعد أن هذبهم الإسلام وعلمهم القيم الجديدة فقالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ فقال تأخذون على يديه تمنعونه من الظلم، تمنع من الظلم لأن نصرته على هواه وعلى شيطانه، فصحح مفاهيم ووضع مثلا رفيعة وقيما عليا جديدة وأصبح المسلم يتعصب لإسلامه قبل كل شيء. يقول أحدهم

أبي الإسلام لا أب لي سواه

إذا افتخروا بقيس أو تميم

هكذا يعني وأنا لي قصيدة اسمها مسلمون مسلمون مسلمون حيث كان الحق والعدل نكون، وفيها،

يا أخي في الهند أو في المغرب

أنا منك أنت مني أنت بي

لا تسأل عن عنصري عن نسبي

إنه الإسلام أمي وأبي

إخوة نحن بهم مؤتلفون

فالإسلام جاء وجمع بيننا ما عاد هناك عصبية بعد أن ربط بيننا الإسلام هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين {..هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ..}[الأنفال: 62، 63] وحينما ربط الإسلام ما بين الأوس والخزرج وقد كان بينهما في الجاهلية حروب دائمة بين الأوس وبين الخزرج فجاء الإسلام وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، مرّ عليهم أحد اليهود يوما وهم في غاية من التحاب والتواد والتقارب فغاظه ذلك فصمم على أن يفسد الأمر بينهم وبعث إليهم من يندس في وسطهم ويذكرهم بأيام الجاهلية وحروب الجاهلية وماذا قال الأوس وماذا قال الخزرج حتى غضب كل واحد لقومه وقال الأوسيون يا للأوس وقال الخزرجيون يا للخزرج حتى سمع النبي بهم وجاء إليهم وقال لهم "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها -دعوا العصبية- فإنها منتنة" فعرفوا أنها نزغة شيطان وتباكى القوم وذرفت أعينهم الدموع وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج. قال محمد بن إسحق في مغازيه وفي هذا نزل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}[آل عمران:100] وأسباب النزول التي ذكرناها معناه يعني يردونكم بعد وحدتكم متفرقين وبعد أخوتكم متعادين، أدي معنى بعد إيمانكم، وكيف تكفرون؟ يعني.. {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[آل عمران:101]، بعدين جاءت الآيات الأخرى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً..}[آل عمران:103] وبعدين قال {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..}[آل عمران:104] يعني اشغلوا أنفسكم بهذه الأشياء، اشغلوا أنفسكم بهدف كبير مثل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام في العالم. من أسباب هذه الفتنة أن الأمة ليس عندها مشروع كبير ليس عندها أهداف عظيمة ليست مشغولة برسالة كبرى ففي فراغ هذا الفراغ أدى إلى ما نراه، هناك مشاكل كبرى في كلا البلدين ليت الأمة تنشغل بها، أنها تشغل العاطلين بدل البطالة بالملايين، لترفع مستوى المعيشة، تنشغل بالأهداف الكبرى، أنا تحدثت عن هذا الموضوع في بيان أصدرت بيانا وكل قصدي من هذا البيان هو تهدئة الأجواء، إطفاء النار، لأن المشكلة الذين يصعدون هذا الأمر أجهزة الإعلام التي جعلت هوايتها في تأجيج النار في الإشعال إشعال الفتنة وتوسيع النطاق، هذا ليس في مصلحة أحد، أنا أردت ببياني أن أهدئ فللأسف بعثت لبعض الصحف الجزائرية وطالما نشرت لي، لم تنشر هذا، لماذا؟ لأنه ضد الاتجاه، اتجاه التصعيد، اتجاه إشعال النار والنار هذه لا تأكل إلا نحن، لن تأكل عدوا لنا، هي تأكل الأخضر واليابس وتأكل البشر وتأكل الحجر، ليس من مصلحة أحد إطلاقا في هذا التصعيد وهذا التأجيج والعجيب أن يدخل في هذا الحكام والشعوب، كنا زمان نقول الأنظمة الحاكمة إذا تفرقت الشعوب متآخية والشعوب متحدة، أدخلوا فيها الشعوب ودخل فيها الجماهير ودخل الخواص مع العوام، المفروض إذا العوام والجماهير اتبعت العواطف ولم تتبع العقول أهل الرأي وأهل الحكمة لا يدخلون في هذا ولكن للأسف الكل يحاول أن يسترضي الجمهور، القرآن حينما قال {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا..}[سبأ:46] لماذا مثنى وفرادى؟ بعيدة عن العقل الجمعي، يعني أنت مع صاحبك تتفكرون مع بعض وتطرح الأمر أو أنت لوحدك أخل لنفسك، إنما هذا العقل الجمعي يجعل الإنسان يفكر بغير إرادته ويعمل ما يعمله الناس، فللأسف الخواص تبعوا العوام، المثقفون تبعوا الجماهير ودخل الكل في أتون هذه المعركة والعجيب لو أن مصر أو الجزائر كانت المباراة مع كوريا ولا الصين ولا الهند أو مع فرنسا أو بريطانيا وإيطاليا أو إسبانيا البلاد التي احتلتنا من قبل وأذلتنا وتحكمت في مصائرنا ما حدث شيء من هذا، فقط لما أنت وأخوك تتباريان يكون بينكما هذه العصبية! وما الذي يحدث إذا انتصر واحد وغلب واحد؟ هي دي لعبة الكرة، وبعدين من انتصر اليوم..

عثمان عثمان: سيمثل العرب.

يوسف القرضاوي: يعني ينهزم غدا ومن ينهزم اليوم ينتصر غدا وكما قال الله تعالى {..وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..}[آل عمران:140] فالآن أنا أرجو من الإخوة العقلاء والحكماء في كلا البلدين اللي حدث حدث ولكن لا ينبغي أن نستسلم له، لا بد أن هناك أناسا أصحاب عقول وأصحاب رأي وأهل حكمة لا يمكن أن يسمحوا أن يتفاقم الأمر أكثر مما هذا، لا بد أن يقول العقلاء كلمتهم، بلدان شقيقان أخوان كانا معا في الملمات وفي الأزمات وفي الحروب وفي المعارك، شاركت مصر مع الجزائر في حرب تحريرها وشاركت الجزائر مع مصر في معاركها مع إسرائيل وبين البلدين من الوشائج والمقربات ما يمنع أي صراع أو أي نزاع، لا يجوز أن يستمر هذا أبدا وأنا أنادي العقلاء من كلا البلدين وأنا في بياني دعوت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى أن يقول كلمة ويتدخل في هذا الأمر وأن يطفئ نار الفتنة، بعض الناس قالوا لي لماذا دعوت الرئيس بوتفليقة ولم تدع الرئيس حسني مبارك؟ قلت لأن بيني وبين الرئيس بوتفليقة مودة وأعرفه ويعرفني وحين أصابني ما أصابني في الجزائر من سنتين ومرضت هناك الرجل أمر أن أنقل إلى المشفى العسكري وأمر فريقه الطبي أن يعالجني وجاء زارني في المستشفى وحينما انتهيت من العلاج أمر أن تنقلني طائرة جزائرية خاصة إلى القاهرة فلذلك أدعوه وأنا أعرف أنه رجل مبادرات، هو الرجل الذي دعا إلى الوئام الوطني والذي دعا إلى المصالحة الوطنية جدير أن يدعو إلى مصالحة عربية وألا يدع هذا الأمر يتفاقم وقد سرني تصريح قاله ممثله الشخصي صديقنا الأستاذ عبد العزيز بالخادم أنه قال ينبغي أن نسد باب الفتنة هذه وأن نطفئ النار وهذا ما يجب أن يقوله كل عاقل، أما أن يتهمني البعض بأنني منحاز إلى مصر ضد.. أنا أحمد الله عز وجل أنني في حياتي كلها ما عرفت العصبية، لا عرفت العصبية لمذهب فقهي أنا حنفي الأصل ولما بيسألوني الآن بأقول لهم الآن حنفشعي يعني غير متعصب، في العقيدة درست الأشعرية في الأزهر ولكنني لست أشعريا،أنا أشعري على سلفي ولست سلفيا قحا ولا أشعريا قحا، في التصوف البعض كان يحسبني ضد التصوف وفي ملتقى الحياة الروحية في الجزائر ألقيت محاضرة طويلة فعلق بعض الإخوة من الصوفيين قالوا لقد تبين لنا أن القرضاوي صوفي مقنع، يعني.. وأنا الآن أحاول أن أصوف السلفية وأسلف الصوفية وأنا منهجي هو الوسط فلا يمكن أن أتعصب لشعب ضد شعب، أنا أرى أن كل هذه الشعوب كلها شعوب عربية مسلمة لا يجوز لها أبدا أن يتعصب بعضها ضد بعض، للأسف إسرائيل قالت ننصح الفريقين بضبط النفس والالتزام بالحكمة، يعني إسرائيل بتنصحنا، يعني لما وقفت.. ولما وقفت موقف الهزل كانت بتضحك علينا وبتسخر منا وبتقول هؤلاء هم العرب الموحدون، العرب اللي بدل أن يشغلوا العاطلين ويطعموا الجائعين يرسلون طائرات إلى الملاعب. هذه دعوتي إلى قومي من الجزائريين والمصريين أن يتقوا الله في أنفسهم وفي شعوبهم وحرام علينا والله، والله حرام أي حرام أن نستجيب لهذا الأمر، أنا علي بلغت رسالتي في البيان الذي أصدرته وفي خطبة الجمعة واليوم أكمل هذا لأني أرى أن هذا واجبي، أنا لست لا أهلاويا ولا زملكاويا ولا مصراويا ولا جزراويا أنا مسلم وأكون مع الحق حيث كان وأرى أن الحق أن يعمل كل إنسان عنده ذرة من عقل أو إيمان أن يعمل على رأب الصدع وعلى رتق الفتق وعلى إطفاء الحريق والجمع بين الطرفين على كلمة سواء، أسأل الله أن يهدي قومنا سواء السبيل.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور على صفحة الـ facebook لبرنامج الشريعة والحياة الأخ أنس  الزعبي يقول "مشهد التنازع بين شعبين عظيمين من جراء لعبة القدم مشهد كئيب ويرينا هذا المشهد أن النصر ما زال بعيدا". نتابع في موضوع دعوى الجاهلية إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى بعد الفاصل.



[فاصل إعلاني]

مفهوم مصطلح الجاهلية وأنواع العصبية

عثمان عثمان: نتابع معكم مشاهدينا الكرام هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان دعوى الجاهلية اليوم وأشكالها مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور تعبير دعوى الجاهلية جاء في مواضع عدة في القرآن الكريم وفي سياقات مختلفة يعني كقوله تعالى {..وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ..}[آل عمران:154] وقوله أيضا {..وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى..}[الأحزاب:33] كيف يمكن فهم مصطلح دعوى الجاهلية من خلال..

يوسف القرضاوي: الجاهلية، كلمة الجاهلية.

عثمان عثمان: الجاهلية من خلال هذه السياقات؟

يوسف القرضاوي: القرآن تحدث عن الجاهلية في أربعة مواضع، جاهلية العقيدة في قوله تعالى {..يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ..}آل [عمران:154] فهذه جاهلية العقيدة التي تسيء الظن بالله ولا تعرف لله حقه ولا تقدره حق قدره، وهناك جاهلية السياسة والحكم في قوله تعالى في سورة المائدة {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة:50] حكم الجاهلية حكم التمييز بين الناس بسبب أنسابهم أو أموالهم أو سلطانهم أو غير ذلك، والإسلام حكمه هو العدل، العدل المطلق مع من تحب ومع من تكره، مع من تحب القرآن يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ..}[النساء:135] ومع من تكره في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..}[المائدة:8] لا يجرمنكم يعني لا يحملنكم، شنآن قوم، الشنآن شدة البغض، سواء شدة بغضهم لكم أو بغضكم لهم أيا كان هذا البغض لا ينبغي أن.. بغض الإنسان عواطفه، عواطف الكره تمنعه من أن يقول الحق وأن يحكم بالعدل فالإسلام أراد العدل المطلق لا يتأثر بعواطف الحب ولا بعواطف الكره، حتى الأعداء {..اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..} وإلا كان هذا حكم الجاهلية، إذا كان الحسن البصري واحد جاءه يقول له أنا أريد أن أفضل بين أولادي يعني أعطي واحدا أكثر من الآخر، يقرأ عليه هذه الآية {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ..} لأن الإسلام هو المساواة فالتفضيل لغير سبب هذا يرفضه الإسلام يعتبره من حكم الجاهلية فهذه جاهلية السياسة، هناك جاهلية السلوك وذلك في الأسرة بالذات قال {..وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى..} تبرج الجاهلية المرأة تفتح صدرها لتري كذا، تكشف شعرها، تعمل.. الآن الجاهلية الحديثة أشد من الجاهلية الأولى لأنه أصبح عريا مقننا، طبعا هناك حتى عري مطلق، هناك نوادي العراة والعاريات إنما نحن نتكلم عن الكاسيات العاريات هذا هو تبرج الجاهلية الثانية، وهناك جاهلية المجتمع التي ذكرها القرآن في سورة الفتح {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ..}[الفتح:26] اللي هي العصبية الجاهلية لأن المجتمع الجاهلي كان يقوم على أساس العصبيات كما أشرنا من قبل وجاء الإسلام فأزاح هذا وجعل العقيدة هي الأساس والأخوة الإسلامية هي الأساس لم يعد هناك يا عرب ولا يا عجم وإنما هناك نداء للجميع يا أيها الذين آمنوا، هذا نداء قرع سمع الجزيرة العربية وقرع سمع العالم كله، لأول مرة لم يعد الناس ينادون بحسب أجناسهم أو ألوانهم أو أقاليمهم إنما ينادون بيا أيها الذين آمنوا أو يا أيها الناس أو يا بني آدم، أزال الإسلام العصبية وأصبح المسلم يفضل أخاه في الدين على أخيه في النسب، يعني في غزوة بدر كان سيدنا مصعب بن عمير مع رسول الله وأخوه أبو عزيز بن عمير مع أبو جهل وأسر أبو عزيز بن عمير أسره واحد أنصاري اسمه أبو اليسر ومر مصعب بأخيه وهو مع أبي اليسر فقال لأبي اليسر يا أبا اليسر أشدد يديك عليه فإن أمه ذات مال وفير، قال له تشدد بالفدية وأمه مستعدة تدفع الآلاف، فقال له أبو عزيز يا مصعب أهذه وصاتك بأخيك؟ فقال إنه اليوم أخي دونك، هو أصبح أقرب إلي..

عثمان عثمان (مقاطعا): هل يمكن الحديث هنا فضيلة الدكتور عن عصبية إيمانية أو عصبية دينية أو عصبية إسلامية؟

يوسف القرضاوي: هذه ليست عصبية، هذه أن تتعصب للحق، هذا هو المطلوب، المطلوب للإنسان أن يتعصب للمبدأ وللرسالة ولا يتعصب لأشخاص ولا لقبليات ولا لقوميات ولا لشيء من هذا، هذا أن يكون مع الحق يدور مع الحق حيث دار، قل الحق ولا تخف في الله لومة لائم، المفروض هذا شأن الإنسان المؤمن، أنا أقول لك يعني أضرب مثلا لإخواننا المصريين والجزائريين، الإسلام أمر المسلم أن يعتز بإيمانه {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..}[المنافقون:8] ولكنه مدح الذل في موضعين، ذل الإنسان لأبويه كما قالت تعالى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}[الإسراء:24] وذل الإنسان لإخوانه المؤمنين كما قال تعالى {..أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..}[المائدة:54] أن يذل الإنسان لأخيه المؤمن كما كان يقول الواحد للثاني يا منافق يا مرائي يا كذا، يرد عليه ويقول له إن كنت صادقا فغفر الله لي، إذا كنت أنا منافقا أو مرائيا ربنا يغفر لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، هذا هو الذل، ذل المؤمن على أخيه المؤمن.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أبا ذر ربما عيّر أحد الصحابة بأمه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية" السؤال هل يمكن أن تجتمع جاهلية مع إسلام أو كيف يمكن أن تجتمع هذه الجاهلية مع إسلام المؤمن؟

يوسف القرضاوي: هناك جاهلية جزئية، يعني لأن أبا ذر لما قال له "يا ابن السوداء" وكلمة يا ابن السوداء دي غير إسلامية، دي كلمة جاهلية أنك تعير الإنسان بلون أمه أو بكذا هذا ليس من الإسلام، النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث له "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس لآدم وآدم من تراب" فالفخر بالآباء والتعاظم بالآباء أنهاه الإسلام فلذلك حينما قال أبو ذر لأحد الناس يا ابن السوداء فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له "يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية" فيك بقايا الجاهلية أنك لا زلت تعتبر الناس بالألوان والأنساب وهذه، والإسلام جاء هذا يقول {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ}[المؤمنون:101] ما فيش نسب، الميزان هو اللي بيحكم {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}[المؤمنون:102، 103] "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، "يا بني هاشم ليأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالأنساب"، "يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا" فلذلك قال لأبي ذر "تقول له يا ابن السوداء، إنك امرؤ فيك جاهلية" معناه أنه ممكن يجتمع في الإنسان بعض الجاهلية وبعض الإيمان حتى يغلب أحدهما، وهذا جعل أبا ذر يذهب إلى الرجل الذي قال له هذا ويضع رأسه على الأرض ويقول ضع قدمك على خدي علشان يؤدب نفسه، مسلم قال له لا، لا أريد، يقسم عليه أن يضع قدمه على خده ليشعر بالذل على أخيه المؤمن، فهذا ما جاء به الإسلام.

عثمان عثمان: مفهوم الجاهلية فضيلة الدكتور أيضا كان من المفاهيم المركزية في فكر سيد قطب رحمه الله..

يوسف القرضاوي: دعنا من هذا.

عثمان عثمان: لا تريد الحديث في هذه القضية.

يوسف القرضاوي: لا، لا أريد أن أدخل فيها.

عثمان عثمان: أيضا فضيلة الدكتور ربما نتحدث عندما نتحدث عن اجتماع.. يعني كما ذكرتم هناك اجتماع ربما لجاهلية والتزام في نفس الوقت، يعني هناك إثم لمن يكون في هذه الجاهلية أيضا.

يوسف القرضاوي: هناك إيه؟

عثمان عثمان: إثم، يعني من يفعل أمرا من أمور الجاهلية وهو ملتزم عليه إثم بقدر ما يرتكب من هذه الأفعال.

يوسف القرضاوي: نعم، بقدر هذا أيضا يعني فيه أمر داخل في أعماق الجاهلية وفيه أمر سطحي من شؤون الجاهلية فبقدر دخوله في الجاهلية زي ما إحنا ذكرنا فيه ظن الجاهلية وفي تبرج الجاهلية فاللي يدخل في عقيدة الجاهلية أسوأ ممن يدخل في تبرج الجاهلية وحتى تبرج الجاهلية مراتب، فالمفروض من المؤمن أن يبرأ من الجاهلية كلها من عقائدها من أفكارها من قيمها من سلوكياتها، فهذا شأن الإنسان المؤمن ويلتزم بالإسلام كله عقيدة وفكرا وشعورا وسلوكا وخلقا.



أسباب ومظاهر النزعات العصبية وسبل معالجتها

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور طبعا يعني من مظاهر الجاهلية التي قد تكون موجودة حساسية ابن المدينة تجاه ابن القرية، الجاهلية أو العصبية الطبقة العصبية المناطقية العصبية لزعيم أو لحزب أو لتيار أو لمذهب، يعني كيف نفسر تنامي مثل هذه النزعات العصبية في المجتمع الإسلامي؟

يوسف القرضاوي: لا بد من ترتبية إسلامية حقيقية، الإسلام لا يقدر الناس إلا بإيمانهم وعلمهم وأعمالهم، ليس بأنسابهم ولا بأموالهم ولا بمناصبهم ولا بمقدار نفوذهم في قومهم، لا يقدر الناس بهذا. ابن مسعود صعد على شجرة فبانت ساقاه نحيفتين نحيلتين فضحك بعض الصحابة فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم أتضحكون من حموشة ساقيه أو من دقة ساقيه أنها نحيفة نحيلة، والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد. المسألة مش.. ربنا قال عن المنافقين {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ..}[المنافقون:4]، النبي عليه الصلاة والسلام مرّ عليه رجل من أغنياء القوم فقال لبعض الصحابة الحاضرين "ما قولكم في هذا؟ قالوا هذا رجل من علية القوم جدير إذا خطب أن يزوج وإذا قال أن يستمع وإذا شفع أن يشفع وإذا استأذن أن يؤذن له، وبعد شوية مر واحد فقير مسكين، قال وما رأيكم في هذا؟ قالوا هذا رجل من فقراء الناس جدير إذا قال ألا يستمع وإذا خطب ألا يزوج وإذا استأذن ألا يؤذن له، فقال لهم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. فالقيم، الناس يجب أن تتغير والمعايير يجب أن تتغير، الناس يقومون بما عندهم من علم بما عندهم.. كما قال تعالى {..هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..}[الزمر:9] أو ما عندهم من عمل أو أخلاق {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ}[غافر:58] فلا بد أن يعرف الناس الموازين الحقيقية للأشخاص وفي هذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". بعض القبائل لا تزوج إلا أولادها لبناتها، في مصر في صعيد مصر جماعة اسمهم.. قبائل عربية فلا يزوجون بناتهم إلا للقبيلة، المصريون الثانيون دول يسمونهم فلاحين هو يمكن أستاذ جامعة ولا وكيل وزارة إنما يقول لك لا، يأكلها تمساح ولا يأخذها فلاح، الفلاح غير ابن القبيلة هذا، فهذا ولا يزال هناك بعض الناس يأنفون من أن يزوج ابنته شابا أسمر ويمكن البنت يعني متعلقة به لعلها عرفته في العمل في الجامعة في الكذا فيعني مرفوض هذا تماما ولا يراجع الناس فيه أنفسهم، لا بد من أن نراجع هذه العادات والتقاليد وفقق المعايير الإسلامية الحقيقية.

عثمان عثمان: يعني الجاهلية ربما أحد الأمراض المستشرية في المجتمعات، فضيلة الدكتور، الإسلام كيف تعامل مع هذه العصبية، كيف عالج هذا الداء؟

يوسف القرضاوي: إذا الجاهلية لها أمراض كثيرة فهو عالج كل مرض منها بما يناسبه، فمثلا كان الجاهلية فيها أمراض اقتصادية مثل الربا، ربا الجاهلية معروف وكان أضعافا مضاعفة فعالج هذا بتحريم الربا وتحريم الاحتكار وإيجاد الزكاة وفرض التكافل الاجتماعي وعمل مجموعة من القوانين التي تؤدي إلى اقتصاد توازني تكافلي تعاوني هو الاقتصاد الإسلامي وحاول أن يرفع من مستوى الفقراء ويحد من طغيان الأغنياء فبهذا يقرب المسافة إذا حد من طغيان الأغنياء لم يفتح لهم الباب للإثراء بغير سبب أو بغير قيم والفقراء حاول أن يرفع مستواهم بأساليب شتى بهذا يقرب المسافة بين الطبقات، الجاهلية كانت طبقية والطبقية كانت في العالم كله حتى مش في العرب بس، الهنود عندهم طبقات متوارثة يعني ما فيش طبقة تترك يعني طبقتها بأي سبب، طبقة البراهمة وطبقة التجار، طبقة العمال والزراعين، المنبوذين، كل طبقة تتوارث طبقتها إلى يوم القيامة وكان هذا في بلاد الفرس وفي بلاد الروم عندهم من النبلاء والفرسان وهكذا، وعند اليونانيين وعند غيرهم. الإسلام كيف فعل؟ أقر المساواة بين الناس ومش بس أقرها كمبدأ نظري ولكن هذا المبدأ النظري تخدمه العبادات، الناس في الصلاة يعني الكل في المسجد ما فيش الصف الأول للقبيلة الفلانية أو للوزراء والصف الثاني لوكلاء الوزارة والصف الثالث لمديري العموم لا ما فيش كلام من ده، ونيجي في الحج أكثر وأكثر، في الصوم الكل عليه يصوم، الزكاة على الجميع مفروضة. اليهود عندهم بعض يعني بني إسرائيل معفون من الزكاة والصدقات، يعني ما فيش في الإسلام كده فالفرائض تحتم المساواة، العقوبات الكل فيها سواء، لما سرقت امرأة من بني مخزوم وجاءت قريش وسطت سيدنا أسامة بن زيد ليشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا تقطع يد هذه المرأة المخزومية القرشية الشريفة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ إنما هلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" فهكذا عالج كل شيء بما يناسبه وعالج العصبية بإقرار الأخوة الإسلامية، هي أساس العلاقات بين الناس جميعا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الحديث يقول أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب من هذه الأربع، هل معنى ذلك أن هذه النعرات الجاهلية مستمرة باستمرار الحياة؟

يوسف القرضاوي: يعني  يظل بعض الناس يعني ولكن كلما قوي الإسلام كلما ضاقت دائرة هذه الأشياء الموروثة من الجاهلية، فبقدر قوة الإيمان ما عاد الناس يفخرون بأحسابهم ولا بأنسابهم إنما يفخرون بما قدموا من أعمال صالحة، بما نفعوا به الأمة، بما يقدم أحدهم من إنجاز، أما يفخر بأن أبي كان كذا وأبي كان كذا لا،

ليس الفتى من يقول كان أبي

إن الفتى من يقول ها أنا ذا

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني من مظاهر أيضا العصبية هذه أن ربما المدير في العمل يوظف أقرباءه يوظف أصحابه يوظف بني جنسه وقد تأخذ يعني هذه العصبية مسمى شرعيا أو فقهيا تحت مسمى الكفاءة، تحت مسمى أنزلوا الناس منازلهم أو ما شابه ذلك، هل يقبل ذلك؟

يوسف القرضاوي: لا، هذه الأشياء غير أن الإنسان يحابي إنسانا فيعطيه ما لا يستحق يعني لأنه قريبه أو نسيبه أو لأنه بلدياته أو هذا، هذا جور، وهو سبب الظلم وهو سبب وقوع المصائب بالناس، المفروض يعني كل ذي حق حقه، الكفاءة ما معنى الكفاءة؟ الكفاءة يعني كما قال القرآن {..إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ..}[القصص:26] القوي الكفء القادر على تحمل المسؤولية كما قال سيدنا يوسف لملك مصر {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}[يوسف:55] حفيظ يعني أحفظ الأمانة وأصونها ولا أخشى في الله لومة لائم، وعليم خبير في موضوعي فهذا معنى {..إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ..} فالكفاءة مطلوبة ولكن ليس معنى الكفاءة أنك تعطي أقاربك المنصب وتحرم منه الآخرين، هذا ليس من الكفاءة. أيضا أنزلوا الناس منازلهم، هذا جاء كما جاء في الحديث "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا ولم يعرف لعالمنا حقا" إعطاء الناس منازلهم أنك كما يجب عليك أن ترحم الصغير وتوقر الكبير سواء الكبير في سنه، أن خيركم من طال عمره وحسن عمله، يعني ما يكونش كبير قليل الدين، يعني كبير ولكن مضيع الصلاة كبير ويشرب الخمر، لا هذا لا يستحق، كما قال من حفظ شرف كبيرنا، كن صاحب شرف، صاحب مقام، فليس منا من لم يوقر كبيرنا سواء كبير في السنة كبير في المنزلة، "فإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" ويعرف لعالمنا حقا، العلماء ينبغي أن يقدروا، الأمة التي لا تكرم علماءها معناها أن العلم ضائع عندهم فهذا ما يحتج به بعض الناس يضعون الأشياء في غير موضعها.

عثمان عثمان: أيضا فضيلة الدكتور هناك مظهر من المظاهر البعض ربما يراها عصبية جاهلية، هناك عبر التاريخ من ينتسب ربما إلى مذهب من ينتسب إلى مكان ما إلى زمان ما..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): من إيه؟

عثمان عثمان: من ينتسب إلى منطقة أو مكان أو بلد ما، هل مجرد الانتساب إلى المذهب أو المنطقة أو البلد يعتبر عصبية؟

يوسف القرضاوي: لا، لا، مجرد الانتساب لا يعتبر عصبية، ممكن يكون الإنسان منتسبا إلى مذهب فقهي ولكن إذا بان له الحق في مذهب آخر مثل القاضي أبي بكر ابن العربي كان رأس المالكية في عصره ولكنه وهو يفسر القرآن جاء عند قوله تعالى في سورة الأنعام {..وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ..}[الأنعام:141] حينما تحدث القرآن {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ..}[الأنعام:141] قال إن أبا حنيفة بعد أن ذكر المذاهب المالكي والشافعي والحنبلي وضعفها جميعا ثم قال وأما أبو حنيفة فجعل هذه الآية مرآته فأبصر الحق. فرغم أنه مالكي نصر في هذه القضية مذهب أبي حنيفة. لا مانع أن تنتسب إلى مذهب، ولا مانع أن تنتسب إلى طريقة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية يمكن يتبع القادرية والشاذلية ولا كذا ولا كذا، لا مانع أن ينسب إلى مذهب حنفي شافعي مالكي، لا مانع أن ينتسب إلى بلد مصري شامي عراقي يمني لا هذا ليس ممنوعا وإنما المهم هو ألا تتعصب لهذا الذي تنتسب إليه بحيث ترفض الحق وتقبل الباطل، هذا هو، هذه العصبية اللي إحنا يعني تكلمنا عنها في قضية الكرة، لا مانع أن الإنسان ينصر قومه أنه أنا عايز فريق بلدي هو اللي ينتصر هذا من حقه ولا يلام على هذا ولكن المبالغة في هذا الشيء الذي أخرج الموضوع عن نطاقه وأصبح فتنة للناس وهو ما نحذر منه قومنا ونقول يعني قول الشاعر

أرى خلا الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون لها ضرام

لئن لم يطفها عقلاء قوم

يكون وقودها نثث وهام

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب أولها الكلام

وهذه الحرب فيها الحقيقة الكلام فيها والإعلام فيها هو المسؤول أولا عن تصعيدها إلى ما وصلت إليه، أسأل الله عز وجل أن يجمع كلمتنا على الهدى وكلمة أمتنا على الهدى وقلوبها على التقى ونفوسها على المحبة ويهديها سواء الصراط، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك غفور رحيم.

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.