- جدوى سلاح المنع في عصر العولمة

- ثقافة المناعة والرقابة الذاتية

- موقف الإسلام من الرقابة على الفكر

- الآثار السلبية لسياسة المنع


عثمان عثمان
سلمان العودة
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..كل امرئ بما كسب رهين}[الطور:21] ويقول عز من قائل {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..}[آل عمران:104]  لقد جاء الخطاب القرآني موجها إلى الأفراد وإرادتهم الفردية والشخصية محاولا تربية النفس والضمير الديني الممتثل لأوامر الله طوعا وقناعة، صحيح أن ثمة ما يسمى بالمحرمات في الشريعة الإسلامية لكن التساؤل هنا حول هل هذه المحرمات يخاطب بها الأفراد أنفسهم أم الأفراد والحكومات؟ وهل سياسة المنع السلطوي تجدي في فضاءات العولمة اليوم؟ وكيف نبني ثقافة المناعة الذاتية دون الحاجة إلى إكراهات السلطة؟ سياسة المنع أم ثقافة المناعة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الداعية الإسلامي الدكتور سلمان العودة المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

سلمان العودة: مرحبا أهلا وسهلا.

جدوى سلاح المنع في عصر العولمة

عثمان عثمان: بداية البعض يرى أن سلاح المنع انتهى مفعوله في زمن العولمة والفضاء المفتوح، ما رأيكم؟

سلمان العودة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. لا شك أن العنوان الذي اخترته لهذا الحديث ثقافة المنع أو المناعة هو عنوان جميل في الواقع وإن كان الأمر لا يستدعي بالضرورة أن تكون المناعة أو المنع ضدان، ضدين لا يجتمعان وإنما يمكن أن يكون هناك نوع من التزاوج بينهما، هذا موضوع جميل وضروري في عصر العولمة كما أشرت في مقدمة حديثك، أيضا يمكن أن نشير قبل الدخول في جزئيات الموضوع وتفاصيله التي قد تكون يعني سوف نبحر فيها إلى ما يشبه أن يكون أسسا عامة أو مقدمات عامة لابد أن نصطحبها خلال التجوال في هذا الموضوع، على سبيل المثال موضوع ما  يتحدث عنه الأصوليون دائما بل يكادون أن يجمعوا عليه في ما يسمى بالضروريات الخمس أن الإسلام جاء بحفظ الضروريات الخمس وهي الدين والعقل والنفس والنسل والمال، و أضيف مع أنه نقل الإجماع على هذه الأشياء لكن في الواقع أنه لا إجماع لأن هناك، هذه مسألة اجتهادية وجدت عند الأصوليين في مرحلة متقدمة إنما هناك ما يمكن إضافته بل ما يجب إضافته وهو الاجتماع فأنا أرى أن يضاف إلى الضروريات الخمس ضرورية سادسة وهي حفظ الاجتماع، حفظ الاجتماع هنا يعني حفظ علاقة الفرد بالمجتمع، حفظ نظام الأسرة، حفظ نظام الدولة حفظ نظام الأمة فهذا من المقاصد العامة التي لا يستقيم حفظ الدين والنسل والعرض والمال والعقل إلا بها أيضا، إذاً هذا مبدأ وهو حفظ الضروريات خلينا نقول الضروريات الست، هذا مبدأ مهم. المبدأ الثاني أو النقطة الثانية هل المنع مطلوب للمقاصد الشرعية أو للمقاصد الأخلاقية أو هو مطلوب لشيء آخر؟ وفي تقديري أن المنع أحيانا هو مطلوب لاعتبارات أخلاقية ومطلوب لاعتبارات أخرى يعني قد يكون المنع أحيانا لاعتبار اقتصادي من أجل حماية المنتج المحلي من سطوة أو منافسة منتج أجنبي أحيانا أو يكون المنع لغرض عسكري كما تجد تحفظ كثير من الدول على أخبار أو معلومات أو حتى ترويج أخبار أو معلومات غير صحيحة من باب إرباك العدو، قد يكون الغرض منع نفسي حماية لنفسيات الأفراد وقد يكون المنع لغرض أخلاقي وديني وشرعي كما إذا كان المجتمع مجتمعا إسلاميا يتواضع على مبادئ معينة ويحترمها فهذا أيضا ينبغي أن يكون في دائرة الاعتبار.

عثمان عثمان: نعم طبعا نعود إلى السؤال فضيلة الدكتور اليوم هناك الإنترنت، هناك الفضائيات، هناك السياحة والسفر، أمام كل هذه المعطيات ماذا تجدي سياسة المنع؟

سلمان العودة: نعم، يعني العولمة بدون شك أنها أثرت على جانب آخر وهو ما يمكن أن نعبر عنه بجانب القدرة يعني حتى مع كون المنع مطلبا، أنا أذكر هنا كلمة للشافعي رضي الله عنه يقول صحبت الصوفية فترة طويلة واستفدت منهم كلمتين، الكلمة الأولى الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الكلمة الثانية من العصمة أن لا تقدر. من العصمة أن لا تقدر يعني ما تكون قادرا على بعض الأشياء وإلا قد يندفع الإنسان إما رغبة في حب الاستطلاع أو لأي غرض آخر في شيء معين ثم يجد نفسه وقد وقع فيه..

عثمان عثمان (مقاطعا): هناك فضاءات مفتوحة، هناك أموال موجودة بأيدي الناس..

العولمة كسرت الحواجز، أزالت الحدود والسدود وأصبح العالم كله قرية واحدة على صعيد الإعلام على صعيد الإنترنت لكنهاأضعفت من قدرة الناس على الاستطاعة
سلمان العودة(متابعا): لكن الآن وجد ما عبرت عنه بالعولمة، العولمة كسرت الحواجز، أزالت الحدود والسدود أصبح العالم كله قرية واحدة كما يقال، على صعيد الإعلام على صعيد الإنترنت، على صعيد السفر في أصعدة كثيرة جدا، يعني الكثير من الأطفال الصغار فضلا عن الكبار تجد أنهم مرتبطون بعالم آخر، الآن هناك ما يسمى بالعالم الافتراضي، أطفالنا الصغار يقول أمي الإلكترونية تأمرني بكذا وصديقي الإلكتروني ينهاني عن كذا ووالدي الإنترنتي يقترح علي كذا وهناك ما يسمى بالـ second live الحياة الأخرى عند كثير من الشباب، يعني لا شك أن هذه المتغيرات ليست مؤثرة على أصل المطلب ولكنها مؤثرة على جانب آخر وهو القدرة والإمكان وأعتقد أنه نعم الشريعة جعلت كل الأشياء المكلف بها مرهونة بالقدرة، مرهونة بالاستطاعة، فهذه أضعفت من قدرة الناس على الاستطاعة، يعني حتى الدول أخي عثمان، يعني في وقت من الأوقات كانت بعض الدول تفرض منعا على الأخبار، تشويشا على الإذاعات التي تبث أخبارا قد لا تروق لها، فضلا عن البث التلفازي، فضلا عن منع الكتب، هذا كان يوما من الأيام، لكن الآن أصبحت كل دول العالم تدرك أن هذا خيار بعيد وأن اكتساح القنوات الفضائية والإنترنت وغيرها من الوسائل أصبح أقوى من سطوة الدول وقدرتها..

عثمان عثمان (مقاطعا): رغم هذه المعلومة فضيلة الدكتور..

سلمان العودة: (متابعا): فلا شك أنه هنا مقرون الأمر بالاستطاعة.

عثمان عثمان: نعم، رغم هذه المقولة هناك بعض الدول الآن تمارس منعا لبعض الكتب، كيف ترون الأمر؟

سلمان العودة: يعني هذه الكتب التي تمنع طبعا هي أنواع، يعني أولا نحن نقول من حيث المبدأ فكرة المنع هي فكرة مقبولة في كل بلاد العالم، يعني ليست فكرة خاصة، في الغرب مثلا هناك منع لمسلسلات أو لأفلام معينة هناك منع لمنتج معين على مستوى، يعني تجد حتى مثلا في كل بلاد العالم في أفلام ممنوع أن يشاهدها الأطفال دون سن الثامنة عشرة على سبيل المثال، هناك برامج ممنوعة، أنا كنت في لندن قبل بضعة أسابيع وقال لي ابني إن هناك شريطا اشترى جهازا يسمونه إكس بوكس وقال إن هناك شريط موجود وأريد أن تصحبني من أجل شرائه، قلت لماذا لا تشتريه أنت؟ قال لا يبيعونه لي لأنني دون الثامنة عشرة، وذهبت معه فوجدت أن هذا الشريط يتحدث عن الحرب الباردة ولكن فيه حرب وفيه دماء وفيه مشاهد معينة قد يصعب استيعابها بالنسبة لمن هم دون هذا السن، بينما هذا الشريط نفسه يباع في أسواق الخليج العربي للصغار والكبار على حد سواء، إذاً فكرة المنع بحد ذاتها لا أعتقد أنها مشكلة، المشكلة في تطبيقات فكرة المنع مثل أن يكون المنع مصطبغا بصبغة سياسية بشكل مستديم وأي نقد سياسي يكون في دائرة المنع أو أن يكون المنع متعلقا باختلاف الرأي حتى لو كان رأيا فقهيا أو رأيا تاريخيا أو رؤية عادية، يعني توسيع دائرة المنع لا شك أن هذه مشكلة.

ثقافة المناعة والرقابة الذاتية

عثمان عثمان: طبعا هناك مشاكل شرعية في بعض الكتب، تمنع بعض الكتب من أجل هذه المشاكل أيضا. فضيلة الدكتور طبعا سياسة المنع تعني فيما تعني أن المجتمع والناس تحت الوصاية، من يملك اليوم حق الوصاية على المجتمع؟ هل هم الحكام، هل هم العلماء والدعاة أم من؟

سلمان العودة: هو دعنا نؤكد فكرة المناعة وأنها هي الأصل، يعني نحن وإن كنا نقول إن المنع وارد لكن من الخطأ أن يكون هذا الكلام معناه أننا ننحاز لدائرة المنع وإنما نحن ننحاز لدائرة المنع على الأقل باعتبار أن هذا غير ممكن الآن يعني حتى وإن كنا نريد أن نمنع هذا لم يعد ممكنا، أسوأ الكتب يمكن أن تحصله وتنزله في لحظة واحدة وبالمجان أحيانا مثلا أو بتبعة مالية زهيدة وكذلك ما يتعلق بكل المنتجات التي يتم التحفظ عليها، إذاً المنع وإن كان له زاوية أو له خانة إلا أنه ليس هو الأصل ولا يجب أن يكون هو الأصل، يجب أن يكون الأصل في التربية والسياسة والأسرة والمجتمع، أن يكون الأصل وجود المناعة الذاتية وجود القناعة عند الشخص التي تجعله يترك الشيء حتى لو كان متاحا له لأنه غير مقتنع به وأعتقد أن كثيرا من أمم الأرض تسعى في هذا بشكل قوي، بينما في عالمنا العربي والإسلامي نغلب جانب الوصاية كما تفضلت، الآباء مثلا تجد أن الأب يشعر بالوصاية على أبنائه وبناته ولذلك لا يكلف نفسه حتى محاولة إقناعهم لأن هذا يضرك أو هذا دعه إلى مرحلة متقدمة أو إن هذا عواقبه كذا، يعني لما ترى ابنك أمام التلفاز لساعات طويلة، تجد أن الأب بمجرد ما يدخل يصرخ في الأولاد قوموا ويغلق الجهاز أحيانا بعصيبة، هو مشكور ومحمود على دوافعه ولكن هذا سيجعل الأطفال يكرهون الأب ويتمنون أن لايأتي إلى البيت أصلا بينما لو أقنعهم أن التلفاز له وقت معين، أن هناك أشعة كهرومغناطيسية تنطلق من الجهاز إلى أدمغتكم إلى عيونكم تؤثر عليكم هذا يؤثر على إمكانياتك على صحتك إلى آخره سيكون الطفل هنا في وارد أن تخاطب قناعاته بهذه الأمور أن يوجد القناعة والمناعة عنده بدل من الرفض الذي يكبر هذا الطفل ويصبح رجلا يتمرد على سلطة الأبوين أو يتمرد المجموع على سلطة الدولة.

عثمان عثمان: هناك سلطة الأبوين، هناك سلطة الدولة، هناك سلطة العلماء، هذا ما تريدون قوله فضيلة الدكتور؟

سلمان العودة: نعم ولكني أقول كل هذه السلطات يجب أن تتذرع بالإقناع وأن تراعي حقوق الآخرين أيضا لأنه أنت ذكرت في مقدمتك قضية المسؤولية الفردية وأن الشخص نفسه مكلف، لا الدولة ولا العلماء ولا الأبوان يصادران مسؤولية الفرد نفسه عن اختياراته وعن توجهاته.

عثمان عثمان: يعني هل ترون أن الرقابة على الأخلاق الإسلامية هي رقابة ذاتية وليست رقابة سلطوية أو فوقية؟

سلمان العودة: هي رقابة ذاتية على الشخص، مسؤولية ذاتية ولكن هناك الحفاظ على البيئة العامة، هناك يعني على سبيل المثال التدخين الآن في كثير من دول العالم التدخين ممنوع داخل الدوائر الحكومية فمن أراد أن يدخن يخرج ليدخن في الشارع في الهواء الطلق لئلا يلوث البيئة على الناس وقد رأينا الناس في كل بلاد العالم طبعا خلا البلاد العربية إذا أراد الواحد منهم أن يدخن فإنه يخرج ويدخن ثم يعود إلى محله..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن بصراحة هناك بعض الدول العربية تلتزم بهذا القانون.

سلمان العودة: تحاول، تحاول، في محاولات جيدة ولكنني أقول لك إنه في إحدى العواصم الأوروبية هناك شارع عربي مشهور، إيتشوال رود، رأيت العرب في هذا الشارع يدخنون ليس فقط السيجار وإنما يعني الشيشة والأولاد والبنات يعني بشكل غريب وقال لي أحد الخبراء إن أصحاب هذا الشارع حاولوا أن يوجدوا استثناء من القانون وقالوا نحن متواضعون على هذا الأمر ومعتادون عليه ومتقبلوه فدعونا ندخن داخل المطاعم وغيره لكن تم رفض هذا الطلب، فأقول إن التدخين هذا مثال، يعني هنا أنه المحافظة على البيئة، الإنسان لما يريد أن يستقيم ولد أو بنت، افرض أن بنتا مثلا في عالم متبرج، هذه البنت خيارها وقناعتها الشخصية أنها تريد أن تلتزم بلباس معين، حتى لو لم يكن لباسا إسلاميا، حتى لو لم تكن هذه البنت مسلمة، قد تكون يهودية، اليهود عندهم نوع من الاحتشام أحيانا كما تعرف يعني أو بعض المجموعات مثلا المورميون في أميركا فهم نصارى ولكن عندهم قيم والتزام معين، فإذا أرادت البنت أو أراد الولد أن يلتزم بقيم واعتبارات المجتمع هنا لا يساعده عليها سيكون هنا يصبح ضد التيار ومن هنا فإنني أقول إن القضية لا تتعلق بعسف الأفراد وإنما تتعلق بالحفاظ على البيئة العامة، المناخ العام.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور يعني رب العالمين يقول {..كل امرئ بما كسب رهين} وفي الفقه الإسلامي هناك الإنسان البالغ العاقل يسمى المكلف المسؤول عن اختياره المسؤول عن تصرفاته وأفعاله، كيف ينسجم هذا مع سياسة المنع التي تمارس من قبل البشر؟

سلمان العودة: هذا الجانب، {..كل امرئ بما كسب رهين} هذه المسؤولية الفردية، محاسبة الفرد يعني وجود دينونته بترك المعاصي كما يتدين بفعل الطاعات أيضا لأن هناك الوجه الآخر أيضا وهو وجه الواجبات، فعل الفرائض الشرعية فهذا جانب لكن في الجانب الآخر وهو يعني {والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا..}[العصر:1- 3] هنا تلاحظ أنك أمام مجموعة {..وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}[العصر:3] فهنا سيكون الناس أقاموا مجتمعا على أساس أخلاقي، على أساس قيمي على أساس إيماني، فهذا المجتمع يُفترض أن يكون له ميزة أو له خصوصية وهنا أقول هناك ما يمكن أن نعبر  عنه بالتمانع ما بين العولمة، العولمة تحاول انتهاك الخصوصية تحاول أن تجعل المجتمع الأميركي أو الصيني أو العربي أو الياباني يعني نسخة متقاربة بينما تجد أن مجتمعات العالم كله تحاول أن تحافظ على قدر من خصوصياتها، قدر من المحلية حتى لو كانت أي ثقافة من أجل أن تتميز عن غيرها من المجتمعات، أن تربي أبناءها على القيم، فلذلك أقول هناك الخطاب الفردي وهو الأساس إقناع الأفراد بأن يعملوا أو يتركوا لأنهم يؤمنون بهذا الشيء، وفي حالة أنهم لا يقتنعون أو لا يؤمنون أن يمارسوا هذا يعني بوضعهم الخاص بعيدا عن التأثير على البيئة العامة هذا أمر إلى الله سبحانه وتعالى..

عثمان عثمان (مقاطعا): حتى ولو كان مخالفا للشرع للقيم للمبادئ والأخلاق؟

سلمان العودة: إذا لم يظهر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله، يعني واحد مثلا في بيته تعرف قصة عمر رضي الله عنه لما جاء إلى قوم يشربون ودخل عليهم وأنكر عليهم فقال له أحدهم يا أمير المؤمنين نحن فعلنا وأنت..

عثمان عثمان (مقاطعا): أنت فعلت ثلاثة أخطاء.

سلمان العودة: أتيت البيوت من غير أبوابها ودخلت بدون استئذان ولم تسلم، فعمر رضي الله عنه استرجع في مثل هذا الأمر، فلذلك أقول إن كون الإنسان عمل الخطأ بنفسه أو بمفرده أو أغلق عليه بابه هنا لن يكون هناك ملاحقة لهذا الشخص، إنما لما يتم إعلان مثل هذه الأشياء كما يقع في كثير من البلاد الإسلامية الآن، يعني خلينا نعطي مثالا الآن مثلا القنوات الفضائية يعني الكثير من الأغاني، الصور، الأنماط، النماذج، الأعمال التي تسمى فنية أحيانا هي أشياء يعني تفسد الذوق العام، تطبع العري، تطبع التكشف، تطبع ألوانا من الممارسات التي لا تساعد الأولاد والبنات على بناء حياتهم بشكل جيد، على الالتزام القيمي والأخلاقي، لا شك أن هذا له تأثير كبير وسلبي على المجتمع.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني ذكرتم القنوات الفضائية وما تبثه من إباحيات، نرى في المقابل الجهات الدينية وحتى الجهات المحلية والرسمية تبادر وتسرع إلى إلغاء وإلى حظر بعض الروايات الأدبية وهذه القنوات مفتوحة على مصراعيها، طبعا هناك فارق كبير وهناك مشكلة كبيرة. أسمع منكم إن شاء الله التعليق حول هذا الموضوع بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، وقفة قصيرة مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

موقف الإسلام من الرقابة على الفكر

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة. فضيلة الدكتور البعض يتساءل هل رواية أدبية أخطر على الناس من فضائيات الميوعة والانحلال والعري التي نشاهدنا؟

أن الأصل هو صناعة القناعة وليس المنع ولكن ليست المشكلة في المنع ذاته فالمنع سيكون موجودا في معظم بلاد العالم إنما المشكلة في تطبيق هذا البند أي في توسيع دائرة المنع
سلمان العودة: نعم سؤالك ذكرني في إحدى المرات سكنت في فندق في إحدى دول المغرب العربي فوجدت أن القنوات المتاحة في ذلك الفندق تزيد على الألف ووجدت أن عددا غير قليل من هذه القنوات مخصص للإباحية ومن أوروبا باللغة العربية وربما كل شعب عربي خصص له ما يناسبه في لغته وحديثه، بينما تذهب إلى بلاد أوروبا فتجد أنه في كثير من الجهات القنوات المتاحة هي القنوات الرسمية التي تبحث من البلد ذاته، ست، سبع قنوات في بريطانيا مثلا وهي في غالبها قنوات تخاطب الأسرة أو العائلة فلها قدر من الاعتبار. كثير من ما يبث يعني في المسلسلات أو في أعمال درامية هي في الأصل كانت عبارة عن رواية، على سبيل المثال شيفرة دافنشي تم تحويلها إلى عمل درامي، هذه الرواية يعني التي هي تتعلق بتقويض بعض مبادئ الدين المسيحي نفسه وفيها يعني إشكالات كبيرة، هذه الرواية ممنوعة في بلد عربي مثل لبنان، وهذا يؤكد لك أنه هناك فعلا ثقافة عربية غير واعية تجاه ما يجب أن يمنع وما يجب أن يسمح له. المشكلة هناك ليست في نظري في أصل المنع مع أنني أؤكد أن الأصل هو صناعة القناعة وليس المنع ولكن ليست المشكلة في المنع ذاته فالمنع سيكون موجودا في معظم بلاد العالم بل في كل بلاد العالم إنما المشكلة في تطبيق هذا البند يعني في توسيع دائرة المنع، أحيانا قد تمنع رواية لمجرد وجود مقطع فيها عادي ليس فيه ما يدعو إلى المنع أو وجود أشياء يسيرة، يعني في القرآن الكريم الله سبحانه وتعالى حكى أقوال أهل الكتاب، حكى الله سبحانه وتعالى يعني في قصة يوسف {ولقد همت به وهم بها..}[يوسف:24] ذكر الله سبحانه وتعالى يعني كثيرا من المعاني التاريخية والحوار مع المنافقين ومع اليهود ومع المشركين وغيرهم، تجد في بعض.. لقيت مرة من المرات واحد مسؤول عن الرقابة في إحدى وزارات الإعلام في العالم العربي فوجدت أن هذا الإنسان في تفكيره ونظرته هو يعني شديد الضيق بحيث أنه لا يقرأ النص نفسه وإنما يقرأ ما وراء النص ويقرأ ما بين السطور ووجدت أنه قد يأتي أمامي بنص معين ثم يقوم بتفكيكه ويتحدث عن اللوازم التي تكون وراء هذا النص وبناء على ذلك هو يوصي بمنع كتاب معين أو يعني الإذن بكتاب آخر بناء على هذه الرؤية التي تعبر عن رأي شخصي وليست تعبر عن قيم أو أصول متفق عليها يجب الحفاظ عليها.

عثمان عثمان: لكن هنا ما موقف الإسلام من الرقابة على الفكر والأخلاق؟

سلمان العودة: يعني في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان هناك في الدرجة الأولى مجتمع المدينة، مجتمع إسلامي تواضع أفراده على أن يكون الحكم فيه لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام وبناء على ذلك كانت البيئة العامة محفوظة من كل ما يخدشها، وبالمقابل كان هناك المنافقون موجودين في المدينة المنورة ويعقدون مجالسهم ويتحدثون فيما بينهم، وفي سورة التوبة الله سبحانه وتعالى قال ومنهم ومنهم ومنهم كانت سميت هذه السورة المقشقشة وسميت الفاضحة لأنها لم تدع شيء من أمرهم إلا بينته ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم لهم محاكم التفتيش ولم يعني يؤاخذهم على الشيء الخاص لأن هذا الأمر إلى الله سبحانه وتعالى ما دام هذه الأمر في دائرة الخصوصية ولم يتحول إلى إعلان عام يقوض البناء الذي قام عليه المجتمع المسلم، فأعتقد أن ثمة فرقا بين مجموعة أو عمل يؤثر على بنيان المجتمع المسلم وعلى البيئة وبين يعني عمل آخر يعني على الصعيد الفردي أو يتم تداوله على النطاق الخاص.

عثمان عثمان: في موضوع الكتب فضيلة الدكتور البعض يقول إن المنع لم يحصل إلا في العصر الحديث وفي الدول القطرية يعني هل شهد التاريخ الإسلامي سابقا منعا للكتب؟

سلمان العودة: والله هذا سؤال جديد، يعني أنا أذكر فعلا التاريخ الإسلامي حفل مثلا كتاب "الأغاني" لأبي فرج الأصفهاني هذا كتاب متداول ومحفوظ ومخطوطات في أماكن كثيرة والكتاب حقيقة مليء بالغث والسمين فيه، وكذلك كتب مثلا الجاحظ فيها ما هب ودب، أبو العلاء المعري مثلا "رسالة الغفران" و"رسالة الملائكة" التي تشبه ما يسمى بـ"الكوميديا الإلهية" لدانتي وغيرهم من أدباء الغرب والشرق، التاريخ الإسلامي في الواقع كان تاريخيا ثريا وفيه سعة وفيه مرونة وفيه تسامح سمح بأن تبقى مثل هذه الأشياء، بطبيعة الحال لو استجمعنا ما كان واقعا في التاريخ لم يكن هناك مثلا مطابع تقوم بطباعة مثل هذه الكتب بالملايين وتوزيعها في نقاط التوزيع وإيصالها.. يعني كان أصلا تداول المعرفة المكتوبة يبدو أنه يتم في أطر معينة وهذا ما قصدته في جوابي قبل قليل، هذه الأطر يعني ما يتأثر بها الناس ما يتأثر بها يعني الكثير من البسطاء الذين منهم من قد يعتبر أن هذه الأشياء استفزاز فيحدث من جراء ذلك ارتباك في نفسياتهم وغضب وانفعال ومنهم من قد يكون ضعيف القدرة على الفهم وعلى التحليل وهذا أمر واقع يعني ليس البشر كلهم في درجة واحدة من الفهم والإدراك والمحاورة، الكثير من الناس قد تلتبس عليه الأمور يعني.

عثمان عثمان: ولكن البعض يرى أن سياسة المنع ربما تساهم بشكل كبير في نشر الممنوع، يعني اليوم لو أتينا إلى رواية فحظرناها أو إلى كتاب معين يعني كل ممنوع مرغوب.

سلمان العودة: نعم، كما العرب تقول كل ممنوع مرغوب، والواقع أن هذه أيضا هي قضية ينبغي أن نتناولها بيقظة..

عثمان عثمان (مقاطعا): بعض العلماء يرون تجاهل الموضوع كليا.

سلمان العودة: نعم يعني دعنا نعطي مثالا، "آيات شيطانية" كما سماها سلمان رشدي، هذه الرواية طبع منها على حسب معلوماتي أكثر من 20 مليون نسخة وترجمت إلى لغات العالم الحية، الأدباء والنقاد يقولون إن هذه الرواية رواية فجة ورديئة من حيث البناء الفني، إذاً من الذي أعطاها هذا الزخم الهائل؟ هو أولا انتهاك المقدس، العدوان على الصحابة، العدوان على أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وعنهم جميعا وأرضاهم، العدوان على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وبيت النبوة، تصوير مجتمع المدينة وكأنه مجتمع يعني مجتمع منحط أخلاقيا، هذا لا شك أنه جانب، لكن الجانب الآخر الأكثر أهمية هو رد الفعل الذي كان رد فعل قوي وشديد ويعني الغضبة الكبيرة التي ساهمت في نشر هذه الرواية وحولت يعني مؤلف الرواية في كثير من الدوائر الغربية إلى أن يكون كأنه يعني جعلوه بطلا..

عثمان عثمان: نجما.

سلمان العودة (متابعا): أو نجما للحرية الفردية والحرية الشخصية والحرية الثقافية وعلى أمثاله وخطاه سار أناس من أفريقيا إلى بنغلادش إلى باكستان إلى بعض البلاد العربية بحيث أصبح البعض منهم يستدر عطف بعض الدوائر الغربية المنحازة ضد العروبة وضد الإسلام بأن يلامس وينتهك المقدس الإسلامي والتاريخي من أجل أن يحصل على وسام أن يكون هذا الإنسان مثلا بطلا قوميا، هنا تلاحظ أن الغيرة الدينية الإيمانية المحمودة التي وجدت عند بعض المسلمين أو الكثير منهم ساهمت من حيث لا يريدون في إذكاء تلك النار وفي تدعيم ذلك العمل ومن هنا لا بأس أن نستعدي مثل قول الله تعالى سبحانه وتعالى {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه..}[القصص:55] هذا من شر اللغو {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}[القصص:55] ، {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}[الأعراف:199]، {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[الفرقان:63]، في مواضع كثيرة جدا من القرآن الكريم تشير إلى قضية الإعراض، قد يكون بدلا من أن نهدد ونتوعد وبالقتل في مثل هذه الحالات أن نمارس القتل فعلا بقتل هذه الأشياء بالإهمال، القتل يعني ليس بالضرورة أن يكون قتلا بالسيف..

عثمان عثمان (مقاطعا): إهمالها أولى من الاهتمام بها.

سلمان العودة(متابعا): القتل بالإهمال أن نميتها إهمالا وإعراضا عنها وتجاهلا لها وهذا تلاحظه مثلا في فيلم "فتنة" الذي عرض في هولندا وفي عدد من الأعمال الرديئة التي لا تقوم على أي أساس موضوعي ولا فني وإنما أصبحت تستهدف فقط أن تعمل بالريموت نوعا من الاستفزاز للمسلمين، لاحظ أن المسلمين كان عندهم وعي أو بدأ يعني..

عثمان عثمان: يتكون هذا الوعي.

سلمان العودة: يتكون، يعني مثلا في هولندا لوحظ أنه بعد هذا الفيلم أصبح هناك تعاطف مع المسلمين أكبر وأصبح يعني هناك حفاوة بالمسلمين أكبر، لماذا؟ لأن تعاملهم مع الحدث كان ذكيا قاموا بتوزيع الورود في أكثر من مكان واستطاعوا أن يضبطوا حراكهم وأن لا يجاروا هؤلاء السفهاء فيما وقعوا فيه مع أنه علينا أن نغار لله ونغار لرسول الله صلى الله عليهم وسلم ومن لا يكون في قلبه غيرة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه ويفور الدم في قلبه إذا انتهكت حرمات الله فليس بصادق الإيمان، ولكن كيف نعبر عن هذه الغيرة؟ هذا هو السؤال يعني.

الآثار السلبية لسياسة المنع

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الدكتور ثقافة المنع كما هو مشاهد ربما تسبب ازدواجا في الشخصية فترى الإنسان في بلده يتصرف تصرفا ما، إذا ما ذهب إلى بلد آخر فيه مجال للحرية أكبر تصرف بشكل آخر، ما علاج ذلك برأيك؟

سلمان العودة: نعم تجد مثلا كثير من الآباء المنع عندهم ليس متعلقا بالإيمان، ليس متعلقا بالخوف من الله وإنما المنع متعلق بالخوف من المجتمع بالخوف من الناس يعني حتى الأب لما مثلا يلاحظ من ولده ما لا يجمل أو الأم لما تلاحظ من ابنتها، أو الأخ من أخته، تجد أن اللغة الدارجة عندنا أنه ماذا سيقول الناس عنا، سيقولون هذه بنت فلانة أو سيقولون هذا ولد فلان عمل كذا، يعني سيطرة ماذا سيقول الناس عنا، سيطرة الخوف من الناس، جعلتنا نمارس أحيانا نوعا من المنع غير مبرر، قد نمنع شيئا هو ليس فيه حظر شرعي ولكن من أجل أن هذا عيب اجتماعي أو أن الناس لن يتقبلوه فترتب على ذلك أن أجيالا نشأت ليس عندها قناعة بالامتناع من هذا الشيء ولا عندها ولا ربط إيمانها بالله سبحانه وتعالى وإنما ربيت على قضية مراقبة الناس والخوف من الناس وتضخم هذا الأمر. أنا لا أقول أيضا على الإنسان أن يحتقر الناس أو يفاجئ الناس بما لا يعهدون يعني قضية اعتبار العرف واردة في الشريعة لكن أن تتحول هذه إلى أن تكون قضية رمزية وأن تصبح تربية الأطفال الصغار، حتى الصغار، يعني لما يكون مثلا الأسرة تكون في الطائرة أو في القطار أو في الشارع تجد أن الأب والأم يعلنون حالة طوارئ تجاه الأولاد والبنات أن لا يفعلوا كذا ولا يقولوا كذا كل ذلك من أجل أن لا يقول الناس عنهم شيئا، لكن الممارسة داخل المنزل أو الممارسة في أماكن أخرى مسموحة لهم، يعني إذاً هذا يولد، يربي الناس على الازدواجية، وإذا كنا نتحدث عن أن العولمة، الطلاب يذهبون للبعثة يذهبون للسياحة يذهبون للتجارة معنى ذلك أنه سينتقل إلى مجتمع آخر ليس عليه رقيب ولا حسيب إلا الله سبحانه وتعالى فإذا لم يكن ربي في قلبه الخوف من الله سبحانه وتعالى ستجد أن هذا الإنسان يتحول ومع الأسف إلى نمط آخر مختلف ويقدم أسوأ النماذج لمجتمعه الذي ينتمي إليه.

عثمان عثمان: ألا ترون فضيلة الدكتور أيضا أن ثقافة المنع تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية تجاه الأفعال المتطرفة والردود السلبية على سياسة المنع بذاتها أيضا؟

سلمان العودة: نعم لا شك، عين استخدام المنع وكأنه هو مثلما يقولون في المثل إذا كان الإنسان لا يملك إلا مطرقة سوف يتعامل على كل الأشياء التي أمامه على أنها مسامير، لا، الإنسان يفترض أن هناك مطرقة ولكن هو يملك أيضا أدوات أخرى ولذلك يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما وجد أن الحسن أو الحسين أخذ تمرة من تمر الصدقة قال له النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ ارم بها، ثم قال له عليه الصلاة والسلام أما علمت أننا لا نأكل الصدقة، فمارس الإقناع ومارس المخاطبة العقلية والوجدانية لطفل صغير. أيضا حديث أحمد والبيهقي في قصة الشاب الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ادن مني، يقربه بدلا من أن يبعده أو يقول اغرب عني أو يعني لا أرينك أو كيف تخاطبني بهذه اللغة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول ادن مني يعني هنا قضية الحميمية، الاحتواء، ثم يخاطبه في قضية ترضاه لأمك؟ ترضاه لأختك؟ ترضاه لزوجتك؟ كل ذلك يقول لا، فيقول كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لأخواتهم، ثم يضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ويدعو له، لاحظ هنا الأسلوب العملي في تقريب هذا الشخص، لاحظ الأسلوب العقلي في الإقناع وأن المجتمع يقوم على رعاية الحرمات، ومثلك مثل الآخرين لا بد أن تعتبر نفسك في مكان الآخرين، ما لا ترضاه هم لا يرضونه أيضا. ثم الأمر الثالث قضية الدعاء، الدعاء كما هو توسل إلى الله سبحانه وتعالى بهدايته إلا أنه أيضا يحمل معنى لهذا الشخص نفسه يعني فيه إيحاء قوي وفي إيجابية له إلى أن يسلك الطريق المستقيم.

عثمان عثمان: البعض يرى أيضا فضيلة الدكتور أن سياسة المنع أو ثقافة المنع ربما توجد عالما خفيا تنتشر فيه الأمراض تنتشر فيه الموبقات تكثر فيه المشكلات وبالتالي يصعب إدراك وعلاج هذه المشكلات والأمراض، ما هو موقفكم من هذا أيضا؟

سلمان العودة: هذا يعني أيم الله أن هذا هو واقع، يعني حسب معرفتي واطلاعي في معظم البلاد الإسلامية يعني الكثير يشتكي حينما تدرس وضع المجتمعات الإسلامية أن هناك تفاوتا كبيرا بين جانب من الشخصية وآخر يعني تجد إنسانا مثلا مصليا ثم تجده في مكان آخر يمارس عملا لا يتفق أبدا مع حرمة وقيمة هذا التعبد، أو تجد أن هناك قوانين وأنظمة قد يبدو أنها شديدة الصرامة أحيانا ثم تجد انتهاك هذه الأنظمة والقوانين والخروج والعدوان عليها ليس من قبل أفراد قلائل بحيث تقول إن هذا استثناء موجود في كل مكان وإنما يوشك أن يكون هذا هو القانون الحقيقي عند كثير من الناس فترتب على ذلك أن مجتمعات المسلمين تعيش حالة من التهتك حالة من الضياع حالة من فقد البوصلة فقد الهوية، ليس هناك تطابق بين القانون العام سواء كان القانون هذا قانونا أخلاقيا مستمدا من الشريعة أو كان نظاما يحافظ على مصالح الناس في المرور أو في التعليم أو إجراءات الخروج أو الدخول أو غيرها يعني العالم كله اليوم يتحدث عن أنظمة دقيقة وصارمة يعني الإنسان يعرف ما له وما عليه والكل يلتزم بنظام، يعني رأيت أنه مثلا الغرب فيما يتعلق بكل الأعمال حينما يركب الباص أو حينما يريد أن يصرف من الماكينة أو حينما يريد أن يدخل في مكان أو يركب القطار أو يتعامل تجد الناس تعودوا أن يقفوا خلف بعضهم وكل واحد لا يتعدى على غيره ولا يسمح لأحد أن يتعدى عليه حتى أصبحت هذه ثقافة عندهم، بينما عندما تأتي إلى العربي أو المسلم حتى في ظل هذا المجتمع بدلا من أن يقتبس الأشياء الجميلة ويستفيد منها من باب أن الحكمة ضالة المؤمن تجد أنه يحاول أن يتحايل عليها وما يزال حتى تجد أن المجموعات التي تحتك بالمسلمين هناك أصبحت تقتبس منهم وتقتدي بهم فتلغي بعض الأشياء الجميلة التي تحافظ على خصوصيات الأفراد وعلى حقوقهم وتتحول إلى قدر من الفوضى، الفوضى في قيادة السيارة الفوضى في رعاية المرور الفوضى في حفظ حقوق الناس ولا شك أن هذا الوضع موجود في العالم الإسلامي بشكل سافر، السبب الأساسي فيه فيما يبدو لي هو عدم وجود تطابق بين الأنظمة المرعية المعمول بها سواء كانت كما قلت أنظمة أخلاقية شرعية أو كانت أنظمة مصلحية دنيوية وبين الممارسة الواقعية التي كثيرا ما نجد استثناءات تكبر وتكثر حتى تصبح هي الأصل ويصبح الأمر المتفق مع الشريعة أو مع النظام في حالات كثيرة هو الاستثناء.

عثمان عثمان: طبعا يعني عدم المجاهرة هي ثقافة إسلامية أصيلة، والمجاهرة أيضا تجعلنا نكتشف الأمراض والمشكلات ونسعى إلى علاجها، كيف نرسم الحدود بين الموقفين هنا؟

سلمان العودة: صحيح، يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الحديث المتفق عليه، "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملا بالليل ثم يصبح وهو يقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا" يعني كما قال صلى الله عليه وسلم فيصبح الله يستره وهو يكشف ستر الله عليه، إذاً أنت هنا أمام قضية مهمة جدا في موضوع ثقافة المنع أو المناعة وهي قضية عدم المجاهرة، يعني الإنسان حينما يستتر بذنبه فهو معافى إلى أن يجاهر فيعلن، والمجاهرة هنا إما أن يعلن الخطيئة نفسها ويفعلها على الملأ ازدراء بالناس وإطاحة بالقيم التي تواضعوا عليها أو أن يعمل هذه الخطيئة بينه وبين شريكه فيها ولكنه أصبح يعني يتبجح بها ويتكلم بها ويقول عملت البارحة كذا وكذا، الله يستره وهو يكشف ستر الله عليه، هذه المجاهرة النبي صلى الله عليه وسلم عبر بقوله كل أمتي معافى، والمعافاة هنا تعني القابلية للتوبة، قد تعني المغفرة من الله سبحانه وتعالى، تعني أيضا أن الذنب يظل أقل لأنه ذنب فردي وإذا أعلن الذنب فإنه يضر صاحبه ويضر المجتمع من حوله كما في الأحاديث الأخرى أيضا وهي أحاديث صحيحة أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة حتى يعلنوا بالذنب أو يعلنوا بالخطأ فإذا أعلنوا بالخطأ أخذ الله تعالى العامة والخاصة، وفي هذا نصوص وأحاديث كثيرة جدا في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد وغيرها، إذاً ما هو الفاصل أو ما هو الفارق بين عدم المجاهرة وبين القدرة كما تفضلت على معرفة الأخطاء في المجتمع ومعالجتها؟ الذي يظهر لي أن المجاهرة المنهي عنها تتعلق بفعل الذنب أو بإعلانه من قبل صاحبه أو أصحابه لكن موضوع التقويم هذا موضوع مختلف، يعني أن يكون المجتمع مجتمعا حيويا، فهذا المجتمع عنده قدرة على معرفة عيوبه وأخطائه وعلى معالجتها ومناقشتها، مثلا نحن في هذا المجلس أو على هذا المكتب نتحدث مثلا عن ظاهرة من الظواهر في المجتمع الإسلامي، ظاهرة انتشار السرقة، ظاهرة غلاء الأسعار مثلا، ظاهرة الازدواجية كما قلنا بين القول والعمل، ظاهرة التفلت من الأنظمة والخروج عليها، ظاهرة الفوضى التخلف الفقر ظاهرة خاصة عامة فيتم معالجتها يكون هناك إحصائيات، خذ مثلا الأيدز، أن يكون هناك إحصائيات دقيقة عن مرض الأيدز وكم عدد المصابين فيه والحديث عن الأسباب ويترتب على ذلك طبعا نوع من التوعية للناس، التوعية بالوقاية من هذا الفعل بتقوى الله سبحانه وتعالى، بتجنب المحرمات، التوعية بالعلاج، يعني أسباب كثيرة جدا، التوعية بالزواج، إذاً هناك فرق بين إعلان الذنب نفسه وبين الحديث عن وجود ظاهرة سلبية وهنا أريد أن استبق الحديث يعني الآن فيما يتعلق بالإنترنت باعتبار أن الإنترنت منتج معولم ليس عليه رقابة تقريبا لا لحكومة ولا لجهة ولا لفرد في الغالب أن الإنترنت يعبر عن محاكاة الشخص لنفسه، أتألم صراحة كثيرا حينما أجد أن كثيرا من العرب والمسلمين الذين يفترض أن عندهم أخلاقيات وقيم، النهي عن الغيبة، عن النميمة، الأدب، الأخلاق، {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}[ق:18] محاسبة الإنسان على ما يقول على ما يفعل كما تفضلت أنت الآن على قضية المناعة، الرقابة الإلهية، يعني كثيرا من الأحيان تجد الإنترنت تضج بممارسات يعني مرهونة، مثلا صور لفلان أو لفلانة وهذه الصورة في أوضاع كما يقولون أوضاع مخلة وتجد هناك شماتة وهناك تشفي وهناك تعليقات، طيب أولا قد تكون هذه الصورة مدبلجة، هذه الصورة مثلا غير صحيحة، قد تكون هذه الصورة حقيقية ولكنها تتعلق بممارسة مباحة شرعا وإنما التلصص على هؤلاء الناس وفضحهم، هب أن الأمر في أي اتجاه كان قضية إعلان هذا الموضوع والمطاردة حوله والوقيعة في الناس وإقامة المحاكم والإدانات والشهادات على زيد وعبيد وفلان من الناس يعني هذا أمر تحس أنه في غاية الخطورة وهو داخل في عموم قول الله سبحانه وتعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة..}[النور:19] فعلا هذا من إشاعة الفاحشة، هذا ليس معالجة للخطأ، معالجة الخطأ لا تستهدف فضح شخص بعينه أو اتهام شخص بعينه بما هو منه بريء وإنما تعالج المشكلة في عمومها بأسبابها وطرق الحل وما يتعلق بذلك.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني ضمن ثقافة المنع تحريم بعض الأمور وبعض الأشياء التي جاء الشرع بتحريمها، هناك الآن فتاوى انطلقت في الفضاء حول تحريم مشاهدة بعض المسلسلات والأفلام، كيف ترون الأمر؟

سلمان العودة: أنا اليوم أقرأ في بعض الصحف أن أحد الأشخاص عمل وليمة وذبح ذبائح وجمع أقاربه كلهم في استراحة وقدم لهم العشاء، لم؟ قال لأنه والله انتهى، توقف أحد المسلسلات فهذا الرجل يعلن فرحه بانتهاء هذا المسلسل لأنه يقول بانتهائه سوف أعود إلى حياتي فقدت أهلي وأولادي وجيراني وأصدقائي وأبناء عمي خلال أيام طويلة جدا انقطعوا عني لأنهم منهمكون في مشاهدة مسلسل معين، تلاحظ كيف أن الأبناء الصغار أصبحوا يتحدثون أحيانا عن أفراد أو أبطال بعض المسلسلات وكأنهم يتحدثون عن أفراد العائلة بل أكثر.

عثمان عثمان: وهناك بعض الأشخاص غيروا ربما أسماءهم.

سلمان العودة: نعم، في الجرائد أشخاص غيروا أسماءهم، هناك ممارسات غريبة، حقيقة يعني هذا يدعونا إلى أن نتأمل، لماذا يحدث هذا؟ بالتأكيد سيقول الجميع إن هذا ناتج نتيجة فراغ، وهو فعلا نتيجة فراغ، فراغ عاطفي فراغ في الوقت فراغ في الأهداف فراغ في القيم ولكن مع ذلك كله أقول هل مجرد المنع أو مجرد أن أصدر مثلا كلاما باستنكار مثل هذا العمل..

عثمان عثمان (مقاطعا): أو فتوى بتحريمه.

سلمان العودة: أو فتوى هل يعني هذا أن المهمة انتهت وأن ننام قريري العيون نعتقد أنه والله نحن أدينا ما علينا؟ لا، الحقيقة أنا أصبحت أسأل نفسي سؤالا أقول هذا دليل على أن مثل هذه الأعمال الدرامية التي تقدم خاطبت جوانب في النفس الإنسانية، خاطبت جانب مثلا الفراغ العاطفي، الرومانسية، الجفاف في العلاقة بين الأزواج، مشكلات كبيرة جدا ولذلك يعني وقع عند كثير من الناس التعلق بها مع أنها لا تحمل أي قيمة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بأقل من دقيقة، ما الحل؟

سلمان العودة: الحل هنا أنا أؤكد على أهمية طبعا النقد ينبغي أن لا يكون فيه أي تردد يعني هذا شيء طبيعي لكن علينا أن ندرك أنه بمجرد النقد نكون أدينا ما علينا، هنا علينا أن ندرك ضرورة وأهمية صناعة البدائل التي تخاطب الناس، تخاطب عواطفهم وفطرهم ولكن من خلال بناء القيم وبناء الثقافة الحياتية التي تنفع الناس ولا تضرهم.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم على حضوركم معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.