- موقع الإصلاح وأهميته ومرجعيته
- الإطار العام للصلح في القرآن الكريم
- إطار الصلح في المنازعات بين الدول والطوائف
- إطار الصلح بين الأفراد والأزواج

 عثمان عثمان
 طه العلواني
عثمان عثمان: السلام علكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم مشاهدينا الكرام على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {..فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..}[النساء:59]، ويقول عز من قائل: {..وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..}[الحجرات:9]، ويقول سبحانه: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ..}[النساء:35]، ويقول عز وجل: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير..}[النساء:128]، فكيف يكون الإصلاح بين الدول والطوائف والأفراد؟ ما مرجعيته وآلياته؟ الصلح وفض المنازعات في الشريعة الإسلامية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور طه العلواني عضو المجامع الفقهية والمدير السابق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعية عبر القاهرة، مرحبا بكم دكتور؟

طه العلواني: مرحبا بكم أخي عثمان، أهلا وسهلا.

موقع الإصلاح وأهميته ومرجعيته

عثمان عثمان: إصلاح ذات البين والإصلاح بين الناس، ما موقع هذا الإصلاح من المنظومة الإسلامية؟

طه العلواني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين ثم، أما بعد، فإن الصلح من المفاهيم القرآنية الأساسية التي لم ينظر لها بعناية كافية في تراثنا الإسلامي مع خطورتها وأهميتها، لقد لخص بعض الأنبياء والرسل مهامهم كلها بالإصلاح {..إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..}[هود:88]، فهناك فساد يقابله صلاح وإفساد يقابله إصلاح والاختلاف سنة كونية تعمل على توليد الإمكانات الكامنة للتوافق مع اختلافات المواقف الشخصية ذات الطابع النظري السلوكي لأصحاب الأفكار والرؤى المختلفة وكل من الإصلاح والفساد من الظواهر المتضادة لأن الاختلاف ينقسم عندنا إلى اختلاف تضاد وإلى اختلاف مفارقة وإلى اختلاف تنوع، والصلح والإصلاح والفساد والإفساد من الظواهر المتضادة التي لا تخلو الحياة منهما وغاية التشريع الصحيح والمنظومات التربوية والتعليمية تقليل فرص النزاع قبل حدوثه وإنهاؤه بعد وقوعه وقد وضع القرآن المجيد أقوم المناهج  لتحقيق ذلك لأنه يهدي للتي هي أقوم في كل شيء، وقد أكد القرآن المجيد على حماية الحقوق الخاصة والحقوق العامة وإحاطتها بالضمانات الكافية لإغلاق الباب أمام المنازعات وفتح باب التوافق والتآلف والتعاون وفتح باب الصلح إذا ما وقع اختلاف، والصلح..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور يعني هناك الصلح وهناك التخاصم، متى يكون السعي إلى الصلح مقدما على السعي إلى التخاصم؟

طه العلواني: على الدوام، الصلح مقدم على التخاصم، فالصلح هو الأصل والتخاصم هو الطارئ وهو الفرع، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل البشر أسرة واحدة ممتدة {..خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء..}[النساء:1] فالأصل واحد والبشرية أسرة ممتدة والأرض بيت للإنسان ينبغي أن يكون آمنا مطمئنا، وقد وضع الإسلام في تشريعاته كلها ما يدعم التوافق والتعاون والتآلف ونعى على أولئك الذين يفرقون الكلمة ويحاولون أن يشيعوا الفرقة ويتخذوا من الدين أحيانا وسيلة تفريق، {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء..}[الأنعام:159] فالأصل إذاً هو الصلح والتصالح والائتلاف والطارئ هو التخاصم والاختلاف إذا خرج عن دائرة التنوع إلى دائرة التضاد والمفارقة.

عثمان عثمان: إذاً التخاصم إلى القضاء، إلى المسؤول لا يكون إلا بعد استنفاد كل وسائل الإصلاح والصلح، ولكن فضيلة الدكتور الآن لو أتينا إلى واقعنا، إلى محاكمنا في بلداننا العربية والإسلامية لوجدنا ملفات كثيرة مكدسة أمام القضاء، على ماذا يؤشر ذلك برأيك؟

الناس فقدوا ثقافة التسامح والتآلف واستولى عليهم شح الأنفس واستولت عليهم نزعات الأنانية والفردية
طه العلواني:
هذا مؤشر خطر يدل على أن الناس قد فقدوا ثقافة التسامح وثقافة التآلف واستولى عليهم شح الأنفس واستولت عليهم نزعات الأنانية والفردية، فيفترض أن يكون الناس كما يقول أحد الحكماء، لو أنصف الناس لاستراح القاضي، يعني لو أن كلا منا أنصف الآخرين من نفسه لما احتجنا إلى اللجوء إلى القضاء ولما احتجنا إلى اللجوء إلى الإفتاء ولأعطى كل ذي حق الحق لمن له حق عليه، وكل من عليه ذمة أو عليه دين أو عليه شيء يعطي لأخيه عن طيب خاطر ما عليه، وبالتالي فلا يحتاج الناس إلى التخاصم وإلى المحاكم.

عثمان عثمان: يعني لو عاد الناس إلى الأصول، إلى الكتاب والسنة كما يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..}[النساء:59]يعني لو رد الناس أمورهم إلى الكتاب والسنة ربما لما وجدنا مثل هكذا خلافات وهكذا مشادات ونقاشات؟

طه العلواني: إذا كان القرآن الكريم قد جاء فيه قول الله تبارك وتعالى: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون..}[النمل:76] فهو يحكم حتى بين الأمم الأخرى ويستطيع أن يفض منازعاتها فما بالك بالمؤمنين به وحملته، لو أنهم لجؤوا إليه لوجدوا فيه أنه يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين وأنه لا يأتي الناس أو الحكام أو المحاكم أو أية مؤسسات أخرى بشيء إلا جاءهم القرآن بالحق وأحسن تفسيرا. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رسم في سنته منهجا لتأويل وتفعيل آيات القرآن في الصلح وغيرها حتى أصبح ذلك المنهج معلما يقود حياة المسلمين إلى التي هي أقوم، فلو أن المسلمين كانوا على صلة بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركوا هذا لما احتجنا إلى كثير من المحاكم والتقاضي وإضاعة نفائس الأوقات في المقاضاة والمحاكمات ووكيل النيابة وما إلى ذلك مما يشق على الناس ويعرف الجميع معاناتهم معه وفيه.

عثمان عثمان: الرد إلى الله وإلى الرسول يعني فيما يعني الرد إلى الكتاب والسنة كما أسلفتم لكن البعض يرى أن هذا الرد يحتمل تأويلات مختلفة وعدة، هل هذا الفهم يخل بالمرجعية؟

طه العلواني: أما قضية التأويلات والتصور الخاطئ الذي يزعم أن القرآن قد يفتح تأويلات، القرآن حدد القيم، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى..}[النحل:90]، {..وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..}[النساء:58] والقرآن الكريم لم يترك شيئا مما يمكن أن يختلف فيه الناس إلا وتعرض له تفصيلا والذي أجمله بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم فيه منهجا لا يمكن أن يختلف الناس عليه، فالقرآن جامع ولذلك قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..}[آل عمران:103] فالفرقة هي نتيجة مجانبة الكتاب، مجانبة منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تأويل وتفعيل آيات القرآن الكريم في الواقع.



الإطار العام للصلح في القرآن الكريم

عثمان عثمان: طبعا القرآن الكريم، فضيلة الدكتور، رسم إطارا عاما للصلح، ما هي أبرز ملامح هذا الإطار الذي رسمه القرآن الكريم؟

طه العلواني: القرآن الكريم كما قلت في بادئ الأمر إنه حاول أن يجفف منابع التنازع، فأولا اعتبر الناس جميعا لآدم وآدم من تراب فلا تفاضل ولا تفاخر في عرق ولا لغة ولا لون ولا إقليم ولا سواها، {..إن أكرمكم عند الله أتقاكم..}[الحجرات:13] الأمر الثاني اعتبر الخلاف كله في الإطار المقبول ينبغي أن يكون اختلاف تنوع يستهدف التعارف ثم التآلف ثم التعاون لتحقيق مهام الخلافة والعمران، الثالث أنه أكد وحدة البشرية وأنها أسرة ممتدة، الرابع أكد وحدة الأرض سكنا للإنسان، الخامس وحد المرجعية، المرجعية حصرها في الكتاب الكريم وفي منهج النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم في تفعيل آياته وتنزيلها في الواقع الذي يعيشه الناس، والسادس إيكال أمر هذه المرجعية إلى يوم الدين والحاكمية إلى الكتاب الكريم. فلا مرجع إلا من يلتزم بالكتاب الكريم ولا مرجع إلا من يلتزم بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن خرج عن ذلك قيد أنملة سواء أكان من أهل العلم والفكر أو كان من أهل السلطان فإنه لا يصلح أن يكون مرجعا وقد جانب شيئا من الكتاب أو شيئا من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قال سبحانه وتعالى في قوم سبقونا، {..فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة..}[المائدة:14] فالذين ينسون الكتاب وينسون منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تفعيله وتأويله فإن أمرهم إلى بوار وإلى فرقة وإلى صراع ولن تنفعهم تلك المرجعيات المصطنعة التي يصطنعونها سواء أكانت إقليمية أو دولية لبست ثياب الدين أو لبست ثياب القومية أو العنصرية أو سواها. الأمر الآخر..

عثمان عثمان (مقاطعا): المرجعيات التي، فضيلة الدكتور، المرجعيات التي ذكرت التي تلبس لبُسات عدة هل هناك الآن قانون دولي؟ هناك محاكم جنائية وعدلية دولية في حال لم ينفع الصلح هل يمكن لهذه المحاكم والمراجع القانونية والقضائية أن تشكل مرجعا للتحكيم أو أن تكون مرجعية للتحكيم؟

طه العلواني: الحقيقة من العار أن نجد بعض أبنائنا العرب والمسلمين يلجؤون إلى الخارج وإلى هذه المؤسسات طلبا للنصفة من أناس أو حكام ظلموهم، فعار على أولئك الحكام أن يضغطوا على بعض أبناء شعوبهم إلى الدرجة التي تلجئهم إلى أن يشتكوا إلى الأمم المتحدة أو إلى سواها، وعار على أولئك الذين يريدون التخلص من هذا أن يلجؤوا إلى الخارج للانتصار على حكامهم أو على أبناء جلدتهم، فمن لم يكفهم كتاب الله..

عثمان عثمان (مقاطعا): ماذا يفعلون فضيلة الدكتور، ماذا يفعلون في حال لم ينصفوا في بلادهم؟

طه العلواني: لا بد أن نتعلم ثقافة فض المنازعات وثقافة فض الاختلافات، يجب أن تغرس، يجب أن يكون لدينا في جامعاتنا أقسام دراسية لكيفية احتواء الاختلافات على مستوياتها المختلفة بين الحاكم والمحكوم، بين الأزواج والزوجات، بين الأحزاب، بين الفئات، بين أصحاب الآراء، بين أصحاب المقالات، بين الطوائف، لا خير فينا إذا كان لدينا كل هذا التراث من قرآن وسنة وسيرة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ترك لنا وصيته في أمرين اثنين لو رجعنا إليهما لاستغنينا عن كل هذه المؤسسات، ميثاق المدينة المنورة وهو ميثاق عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ثلاث فئات مختلفة، والأمر الثاني خطبته عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وهي خطبة جامعة، هي أقدم وأهم وأعمق من كل ما صدر عن الأمم المتحدة أو في حقوق الإنسان، فلو أن المسلمين أو هؤلاء الذين يتصدون لأن يكونوا مراجع لهم رجعوا إلى هاتين الوثيقتين لوجدوا فيهما مع كتاب الله تعالى ما يمكن أن يشكل مخرجا من كل الاختلافات الداخلية التي نعاني منها ولما اضطررنا لأن نلجأ إلى الأجنبي أو الخارجي ونستدرجه للتدخل في بلادنا وإذلال شعوبنا ونهب خيراتنا وتفريق كلمتنا كما هو..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور يعني هناك الآن نزاعات حدودية، نزاعات سياسية بين العديد من الدول العربية والإسلامية، هل يقدم الإسلام إطارا جامعا وعادلا لحل هذه النزاعات؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله تعالى بعد فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.



[فاصل إعلاني]

إطار الصلح في المنازعات بين الدول والطوائف

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الصلح وفض المنازعات مع فضيلة الدكتور طه العلواني. فضيلة الدكتور أعود إليك لأكرر السؤال، ما هو الإطار الذي ترسمه الشريعة الإسلامية لفض المنازعات والنزاعات الحدودية والسياسية وغيرها بين الدول الإسلامية؟

طه العلواني: بالنسبة لهذا الأمر، أمر ما يسمى بالحدود، هذه أمور ابتدعت بعد أن احتلت ديار الإسلام فخطط سايكس وبيكو، وزير خارجية بريطانيا ووزير خارجية فرنسا اللذين استعمرا معظم..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن حصل الذي حصل والتقسيمات وقعت والحدود موجودة، نتعامل مع الواقع فضيلة الدكتور.

حينما كانت الأمة واحدة ما كان يمكن لأحد أن يجرؤ على أن يحتل إقليما من أقاليمها ويسلبه لأنه يعرف أن هناك أمة وهناك أما لهذا الإقليم
طه العلواني:
نعم هذا واقع ولكنه واقع فاسد، واقع غير سليم، واقع ينافي وحدة الأمة وينافي كون هذه الأمة أمة واحدة، حينما كانت الأمة واحدة ما كان يمكن لأحد أن يجرؤ أن يحتل إقليما من أقاليمها ويسلبه لأنه يعرف أن هناك أمة وهناك أم لهذا الإقليم. فأنا أود أن أؤكد من خلال هذا المنبر أن التمسك بقضايا الحدود والتمسك بأن هذه الجزيرة لي أو لك، هذا الشاطئ لي أو لك سوف يضيع كافة بلاد المسلمين ويسقطها بلدا بلدا، وخاصة المنطقة العربية، إنه لا حل بين أيدينا إلا أن تتحد كلمتنا وأن نوحد ديارنا وأن نكون يدا واحدة وأن نستلهم تاريخنا وتراثنا وكتاب ربنا وسنة نبينا لإعادة بناء أمتنا ووحدتنا فهي حياتنا من جديد، إن لم يتحد السودان مع مصر سيضيع السودان وستتعب مصر، ولو أن العراق كان قد اتحد مع سوريا ومع بلدان الخليج لما تجرؤوا عليه، فالوحدة حياتنا والتنازل عن مثل هذه المشاحنات، وهذه مقدسات سايكس بيكو أمر لا بد منه فإنها أمور قد فرضت علينا ولا بد لنا من التخلص منها والخروج عليها وإعادة وحدة أراضينا ووحدة أمتنا من جديد فالأرض كلها في كتاب ربنا بيت للإنسان ودار الإسلام هي دار للمسلمين كافة، مواردها وخيراتها وشعوبها تنتمي إلى أمة واحدة، {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون..}[الأنبياء:92].

عثمان عثمان: من التنازع والتخاصم فضيلة الدكتور نعود إلى الصلح، الله تعالى يعني حض على إصلاح ذات البين، ما المقصود بها وماذا تكون؟

طه العلواني: إصلاح ذات البين الذي حثنا الله تبارك وتعالى عليه ورسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهجه لنا أننا لا نترك متخاصمين يعني يزدادان في الخصومة أو يكرسانها، نسارع إلى كل تخاصم، لا بد أن تكون لدينا آليات ولا بد أن تكون لدينا ثقافة للمسارعة إلى كل اختلاف، إلى كل تخاصم، بين حكوماتنا، بين حكوماتنا وشعوبنا، بين أحزابنا، بين فئاتنا، بين طوائفنا، لا بد أن نشكل ثقافة وآليات ووسائل وأدوات مستمدة من تاريخنا وتراثنا. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارع، لا يتأخر، إذا شعر بأن هناك خلاف قد حدث بين أحد وآخر أو بين أوس وخزرج أو بين مهاجرين وأنصار كان يقضي عليه مباشرة وينهيه ويعيد الصفاء، فالأمة في حاجة إلى ثقافة، جامعاتها في حاجة إلى أن تؤسس أقساما لفض المنازعات. الآن استطاع الغرب من أن يجعل مما يسميه Conflict Regulation يعني فض المنازعات علما كاملا يدرس ويعلم ويربى عليه الناس، كيف نحل المنازعات بين الجيران، بين الزوج وزوجته، بين الأحزاب، بين الفئات، بين الطوائف، بين المساجد المختلفة، الكنائس المختلفة، كل هذه بحاجة إلى بناء ثقافة وهذه الثقافة تبنيها جامعاتنا وأقسامنا الدراسية ووسائل إعلامنا وتتضافر جهودنا عليها بحيث نستطيع أن نحتوي أي اختلاف..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور يعني فتحت لنا أبوابا عدة على مواضيع عدة، هناك الصلح بين الطوائف، هناك الصلح بين الدول، هناك الصلح بين الأفراد والأشخاص، دعنا بداية نتحدث عن الصلح بين الطوائف، كيف يرسم الإسلام إطار هذا الصلح، كيف يكون؟

طه العلواني: نعم، أنا أدرك كإنسان أنتمي إلى هذه المنطقة ما تعانيه من احتقان وأن هذا الاحتقان بمثابة خراج كامن في أجسامنا، الاختلاف بين الطوائف شيعة وسنة وإباضية وزيدية وشافعية وما إلى ذلك، هذه الاختلافات في حاجة ماسة إلى أن نبدأ بداية جادة نتجاوز فيها المشاعر إلى تأسيس أقسام دراسية تقوم بدراسة الماضي واستخلاص العبر والدروس منه ثم التركيز على الحاضر والمستقبل، فحاضرنا ومستقبلنا هو المهم وماضينا نأخذ منه العبرة، ليس من المعقول أن نستمر نستدعي ماضينا لتدمير حاضرنا ومستقبلنا كلما أثار أعداؤنا هذا، نحتاج إلى الدراسات والبحوث وأن نؤسس في كل كلية أو جامعة إسلامية قسما لتنفيس الاحتقانات المختلفة الطائفية والمذهبية والعرقية وفض المنازعات وإيجاد الحلول للمشكلات بدلا من أن تستمر ولا يجد الناس أمامهم إلا السلاح يحمله بعضهم في وجه البعض الآخر، فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فلا مجال لحمل السلاح..

عثمان عثمان (مقاطعا):  فضيلة الدكتور نحن نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن الحسن رضي الله عنه بأن الله تعالى يصلح به بين الطائفتين أو بين طائفتين عظيمتين، كيف يمكن استلهام هذا النموذج اليوم في ظل الاحتقان الطائفي والمذهبي القائم؟

طه العلواني: الإمام الحسن رضي الله عنه وأرضاه فيما روته كتب التاريخ أنه أراد أن يجمع كلمة المسلمين وأن ينهي الصراع الذي دار بين أنصار والده رضي الله عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبين معاوية غفر الله له، فأراد بهذا، تقدم لمعاوية بعرض بأنه أتنازل لك طيلة حياتك عن الخلافة على أن تعيد الأمر إلى الأمة فيما بعد وكان يفترض أن معاوية يعيد الأمر إلى الأمة بعد وفاته ولكن وجدناه حينما بدأت عليه علامات الشيخوخة وظن بقرب الموت أنه يسلم الراية إلى ولده يزيد ويحولها إلى هرقلية أو كسروية منافية للإسلام. الإسلام لم يفتح هذا المجال ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن بهذا ولكن وجدناه يستقطب الشعراء وكذا، فإذا استلهمنا العبرة وأردنا أن نوحد كلمة المسلمين فهناك صيغ كثيرة ولكنها تحتاج إلى تضحيات وتحتاج إلى تنازلات، نحن لا نريد أن نكون كما كان ملوك الطوائف في الأندلس كل منهم ألقاب ومملكة في غير موضعها، كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، الهر يستطيع..

عثمان عثمان (مقاطعا): بالانتقال فضيلة الدكتور، بالانتقال من الطوائف إلى الدول كيف يكون الصلح مع الدول؟ كيف يكون الصلح مع إسرائيل؟ هل هو جائز؟ ما هي شروطه إن كان جائزا؟

طه العلواني: يا سيدي ما يتعلق بموضوع إسرائيل، منذ عام 1948 صدرت فيه في حدود علمي سبعون فتوى عن المجامع الفقهية ودور الفتوى والمفتين وكثير من الفقهاء الذين دخلوا في هذا الأمر، خمسون فتوى تمنع الصلح حتى تسلم أو تعيد إسرائيل الأرض إلى المسلمين، إلى الأمة المسلمة، وعشرون منها أباحت الصلح بطريقة مختلفة ولكن هذه القضية هي قضية أمة لا تعالج بفتوى على الهواء وعلى الماء وإنما تعالج باستفتاء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعددها مليار وسبعمائة مليون، لا بد أن يتم استفتاؤهم لأنه ليس هناك مسلم إلا وله في الأرض المقدسة حق، وفي الأرض المباركة كلمة لا بد أن يقولها، فإذاً الحل ليس بفتوى ولا بكلمة تقال وإنما الحل بأن تؤخذ كلمة أمة محمد كلها، كلمة أولئك الذين ورثوا عمر بن الخطاب وعهد عمر وأبا عبيدة وصحابة رسول الله الذين غذوا هذه الأرض بدمائهم وخلاصة الأمر أن هناك بلفور وزير خارجية بريطانيا الذي لا يملك أعطى لمن لا يستحق، فأعطى من لا يملك لمن لا يستحق.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بالعودة إلى موضوع النزاعات الحدودية معي على الإيميل أحد السادة المشاهدين يسأل كيف يرسم الإسلام إطارا، أو ما هي وسائل فض النزاعات الحدودية بين الدول؟

طه العلواني: بين الدول إسلامية أو غير إسلامية؟

عثمان عثمان: العربية والإسلامية؟

طه العلواني: لا بد أن نستفصل، إذا كان يقصد بين الدول الإسلامية فقد أجبنا بأن أرض الإسلام واحدة وأن الأمة المسلمة أمة واحدة وبالتالي كما يقول عن العراق والشام بدوي الجبل

ليس بين العراق والشام حد

هدم الله ما بنوا من حدود

وليس بين أي بلد، لا بين السودان ومصر ولا بين مصر وليبيا ولا بين السعودية واليمن، هذه كلها أرض واحدة تم تقسيمها في غفلة وفي غياب للأمة وأثناء فترة استثنائية من تاريخها..

عثمان عثمان (مقاطعا): بين الدول، فضيلة الدكتور، الصلح بين الدول و..

طه العلواني (متابعا): وإذا كانت الخلافات مع دول أخرى غير مسلمة فهناك الأمم المتحدة وهناك القوانين الدولية وهناك الفقه الدستوري والفقه الدولي وما إلى ذلك، حدد موضوع المياه والتراب والحدود وما إلى ذلك ويمكن لهذه الدول غير المسلمة أن تفض منازعاتها بالتفاوض وما إليه، ورأينا يعني كثيرا من الأحداث والتسويات التي تمت.



إطار الصلح بين الأفراد والأزواج

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور يعني طبعا لو أردنا أن نتطرق ونغوص في هذا الموضوع ربما أخذ معنا وقتا طويلا كيف هذه المنظمات الدولية حكمت في كثير من الخلافات الحدودية بطريقة ربما أشعلت مزيدا من الفتن ومن الصراعات. بالعودة فضيلة الدكتور من الصلح بين الدول من الصلح بين الطوائف، إلى الصلح بين الأفراد، نحن نعرف فضيلة الدكتور أن حقوق العباد قائمة ومبنية على المشاحة، هل يعني هذا السعي إلى المشاحة أم يعني السعي إلى الفضل؟

طه العلواني: ربنا تبارك وتعالى قال: {..ولا تنسوا الفضل بينكم..}[البقرة:237] وفي مواطن كثيرة حث القرآن على العفو وعلى التنازل حتى عن الحق ومن تنازل لأخيه عوضه الله في الدنيا والآخرة، فلدينا آثار كثيرة يمكن أن نذكرها وآيات كثيرة في هذا الموضوع يمكن أن نستدعيها ولكن المطلوب في هذه الحالة أن نتعلم ثقافة المصالحة، ثقافة عدم النزاع، ثقافة عدم اللجوء إلى المحاكم، هذه الثقافة لا بد أن تدخل التعليم ولا بد أن تدخل الإعلام ولا بد أن تتحول إلى جزء لا يتجزأ من تكويننا العقلي والنفسي، وأستغرب أنه لا يوجد في جامعاتنا الإسلامية أقسام دراسية لتدريب الطلاب على الصلح وعلى الوساطة وعلى التحكيم تدريبا عمليا يستفيد من النظرية الفقهية وتفعيلها في إطار الأدوات المتاحة في عصرنا هذا، نحن نحتاج إلى تحويلها إلى ثقافة..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هناك الصلح بين الأفراد، هناك أيضا الصلح، فضيلة الدكتور، بين الأزواج، الإسلام ضيق نطاق أو ضيق مساحة الذهاب إلى الطلاق في مقابل توسيع نقاط الصلح بين الزوجين. الصلح بين الزوجين فضيلة الدكتور؟

طه العلواني: الزوجان أقيمت علاقتهما على قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون..}[الروم:21] فالحكم في قضية الزوجية، المودة والرحمة وعدم تناسي الفضل ولذلك الله تبارك وتعالى يشير إلى عقد النكاح{..وأخذن منكم ميثاقا غليظا}[النساء:21] هذا الميثاق الغليظ مطلوب احترامه ومطلوب النظر فيه بعناية. جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول له إني أريد أن أفارق زوجتي، فسأله لماذا؟ قال: إني لا أحبها، قال ويحك، وهل بنيت البيوت على الحب أم على الأحساب؟! هي على الأحساب. ولكن أيضا ثقافتنا ناقصة في هذا المجال واليوم جاء الإعلام المفتوح والفضائيات الكثيرة ولم يعد رجل يستطيع أن يقتنع بجمال زوجته أو شكلها أو أسلوب تعاملها فهو دائما ينظر إلى كذا، وقرأنا إحصائيات عن بعض البلدان أن ألفي حالة طلاق تمت بين أزواج فقط لأن الزوجة لا تعرف أن تتغنج كما تتغنج إحدى الفنانات المشهورات في أغانيها، فمثل هذه الأخلاق مثل هذه الثقافة لا بد لنا من معالجتها ولا بد لنا من النظر إلى أعماق الأمور لكي نعيد بناء اللحمة ونعيد بناء الأسرة بناء متينا قويا على دعائم، {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ..}[الروم:21].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور من وسائل الصلح، القضاء، الفتوى، المصالحة، التحكيم، لكن متى يلجأ إلى القضاء خاصة وأن البعض اليوم يشكك في نزاهة القضاء، يشكك في نزاهة القضاة، متى يلجأ إلى القضاء وهل يكره اللجوء إلى القضاء؟

طه العلواني: أنا أذكر أن الشيخ السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله كبير علماء الهند وكذلك المودودي رحمه الله حينما كان المسلمون في الهند قبل أن تؤسس باكستان، كانوا يرفضون أن يلجأ المسلمون إلى المحاكم وكانوا يحاولون أن يشكلوا هيئات ولجان في المساجد، مساجد الأحياء لتكون بمثابة بيت خبرة اجتماعي يحاول أن يعالج المشكلات. أنا أعتقد أننا نستطيع أن نفعل دور المساجد ونشكل لجانا من الخيرين، رجالا ونساء، ليقوموا على مستوى المحلة والحارة لمعالجة المشكلات الاجتماعية التي تحدث، الاختلافات بين الزوجين، الاختلافات بين الآباء والأبناء وما إلى ذلك، فذلك أجدى من أن نكثر من المحاكم ونهدم الأسر التي أمرنا الله ببنائها وجعلها وحدة صغرى في كيان المجتمع.

عثمان عثمان: هل يزيل الصلح الإثم ويبرئ الذمة فضيلة الدكتور؟

طه العلواني: الصلح إذا كان الحق تترتب عليه أمور دنيوية وأخروية فيبرئ في الدنيا ولكن لا يبرئ في الآخرة ولذلك فالمتصالحان عليهما أن يدركا بأن الصلح لا يحل حراما ولا يحرم حلالا إنما عليهم أن يتقوا الله. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنكم لتختصمون إلي وقد يكون أحدكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له بقضاء، فليأخذ أو ليدع، فإنما أقضي -يعني حينما يقضي على خلاف الواقع- أقطع له قطعة من نار فليأخذ أو ليدع"، فإذا كان مع قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا فما بالك بالمصالحة؟! فالمصالحة عقد يتم بين متراضيين تراضيا ليس هناك ضغط من أحدهما على الآخر وليس فيه إضاعة لحق من الحقوق من قبل أحدهما إلى الآخر فإن أضاع شيئا فهناك آخرة والناس إلى الله مرجعهم فيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

عثمان عثمان: هل يملك أحد المتصالحين الرجوع عن الصلح؟

طه العلواني: بعد إبرام الصلح لا يملك أي منهما الرجوع عنه أو فسخه لأنه عقد لازم وجمهور العلماء لا يبيحون لأي من المتصالحين بعد أن يوقعا عقد الصلح ويبرماه أن يرجعا فيه وإلا فإن ذلك سوف يؤدي إلى فوضى وإلى تنازع وإلى اضطراب ما شرع الصلح إلا للقضاء عليه.

عثمان عثمان: ولكن في بعض الحالات فضيلة الدكتور يحصل صلح وتحت الضغط يتنازل أحد المتخاصمين عن حقوقه، في حال زوال هذه الضغط ألا يحق له أن يعود من جديد ليطالب بحقوقه؟

طه العلواني: لا، هذا لا يعتبر، إذا كان هناك ضغط لا يعتبر صلحا، الصلح يشترط فيه التراضي بين طرفين متكافئين لا يستطيع أحدهما أن يضغط على آخر ولذلك قالوا بلزوم هذا العقد وعدم جواز فسخه فإذا حصل أي إكراه فذلك ينفي عنه صفة الصلح.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم..}[المائدة:39] كيف يكون إصلاح الظالم التائب؟

طه العلواني: الظالم إذا تلبس بالظلم ومرد عليه فترة من الزمن واندرج تحت اسم الظالم فهنا نستدعي قول الله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين..}[البقرة:124] فالظالم لا ينال عهد الله، والأصوليون، علماء أصول الفقه لهم كلام جيد في هذا النوع من الصفات حينما تتلبس بالإنسان فيقولون ما منه الاشتقاق يستمر مصاحبا لذلك حتى يحدث توبة نصوح والتوبة النصوح تتوقف على رد المظالم إلى أهلها فإن مات أصحاب المظلمة الأولون فعليه، على الظالم أن يبحث عن ورثتهم وأن يحاول الحصول على رضاهم...

عثمان عثمان (مقاطعا): وأن يرد الحقوق إلى أصحابها. أعتذر منك فضيلة الدكتور طه العلواني على ضيق الوقت وانتهائه، أشكرك على حضورك معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحياة معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج فدى جوني وسائر فريق العمل، أترككم برعاية الله وحفظه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.