- معنى العقيدة ووظيفتها
- دور العقيدة في العلاقة مع الآخر

- الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية

- حدود العقيدة ومسائلها

- الاختلافات التفصيلية في الأمور العقدية

عثمان عثمان
عبد الحميد مدكور
عثمان عثمان
: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرحب بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا}[النساء:136]، يقال إن الحضارات لا تتصادم لكن يمكن للعقائد أن تتصادم إذا أصبحت هي المحرك والموجه الوحيد للجماعات خاصة مع وجود تعددية دينية ناشطة وفاعلة. فما مجال العقيدة وحدودها؟ وما العلاقة بينها وبين الشريعة؟ وهل من وظيفة العقيدة الفرز بين المؤمن والكافر؟ وهل تتغير القيم والسلوكيات بحسب المعتقد؟ العقيدة الإسلامية مجالها ودورها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور عبد الحميد مدكور رئيس قسم الفلسفة في كلية دار العلوم بالقاهرة سابقا، مرحبا بكم دكتور.

عبد الحميد مدكور: أهلا وسهلا ومرحبا يا أخي الكريم.

معنى العقيدة ووظيفتها

عثمان عثمان: بداية، الإسلام ينقسم إلى عقيدة وشريعة وأخلاق، ما حقيقة هذه التقسيمات ومن أين جاءت؟

عبد الحميد مدكور: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد، فأبدأ بشكركم على استضافتي في هذا البرنامج.

عثمان عثمان: مرحبا بكم دكتور.

عبد الحميد مدكور: وأسأل الله عز وجل أن يجعل جلستنا هذه جلسة مباركة وطيبة وفيها الخير إن شاء الله تعالى. من المسائل المعروفة لدى المسلمين أن الإسلام دين فيه العقيدة وفيه الشريعة وفيه الأخلاق وفيه المعاملات وفيه أصول النظم التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية والإنسانية، فليس محصورا في العقيدة وحدها ولا في الشريعة وحدها ولا في الأخلاق وحدها ولا في هذه النظم التي وضعت أصولها في الإسلام ولكنه يشمل هذا كله وينضم وينضوي تحته هذا كله ولا يصح مطلقا أن يعني ينظر في هذه المسألة إلى تقسيمات موجودة لأن الإسلام يضم كل هذا وإذا نظرنا إلى علاقة العقيدة بما سواها من مقومات الإسلام ومكونات الإسلام فإننا يمكن أن نشبه العقيدة بأنها مثل الدم الذي يسري في الجسد، الدم الذي يسري في الجسد ليس مركزا على جزء دون جزء ولا على مكان دون مكان ولا على عضو دون عضو ولكنه ينبث في الجسد كله بحيث يمنح كل جزء فيه الحياة والحركة والنمو والقيام بالوظائف التي لا بد من القيام بها إذا وجد هذا الدم في الجسم، وهكذا تكون العقيدة.

عثمان عثمان: دكتور يعني ليس مهما كثيرا أن نقف عند الألفاظ والمصطلحات، ولكن بإيجاز شديد ماذا نعني بالعقيدة؟

عبد الحميد مدكور: العقيدة، طبعا إذا أردنا أن نتعرف على كلمة فنرجع إلى القاموس أولا، القاموس يعطينا الدلالات متطورة الدلالات الحسية ثم الدلالات المعنوية. كلمة العقيدة من عَقَد، عقد يعني لما نقول عندنا حبل نجمع أطرافه فنكوّن عقدة فهذا هو الأصل، الاستعمال الحسي أن نجمع أطراف الحبل بعضها إلى بعض فتتكون من هذا عقدة، هذا هو الاستعمال الأصلي، ثم انتقل الاستعمال من الحبل ونحوه من الأشياء الحسية إلى العقود، العقود يعني عقد البيع عقد الشراء عقد النكاح إلى آخر هذا الكلام، ثم انتقل من العقود إلى ما يستكن في القلب والضمير من أصول الإيمان وذلك لأن العقيدة نوع من العقود بل هي أسمى العقود وأول العقود وأصل العقود ومن ثم فإنها تكون هي التي نعبر بها عما يستقر في القلب والوجدان والعقل من الأصول التي يقوم عليها بناء الدين وهي ليست من أفعال الجوارح ولكنها من أفعال القلوب والعقول وهي بمثابة الأساس لكل شيء في الإسلام كأساس بناء البيت أو الجذر بالنسبة للشجرة، فهذا هو الذي يُقصد بالعقيدة أصول الإيمان التي تستقر وينعقد القلب عليها وكأنها تدخل في هذا القلب ثم يُغلق القلب عليها فتكون أصلا وأساسا وموجها لكل شيء بعد ذلك..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هذا ليس محصورا فقط في العقيدة الإسلامية، هناك عقيدة إلحادية هناك عقيدة رأسمالية إلى ما هنالك، هل صحيح..؟

عبد الحميد مدكور: نعم طبعا هذا كلام صحيح، يعني إذا ارتقى فكر ما أو مبدأ ما أو مذهب ما أو منهج ما أو شيء ما حتى ولو كان خرافة إذا ارتقى عند صاحبه إلى أن يكون هو الأصل والأساس والموجه، الموجه للفكر والموجه للسلوك والموجه للحركة فإن ذلك يكون عقيدة، ونحن نرى في الإسلام أن الإسلام يتحدث عن دين الكافرين {لكم دينكم ولي دين}[الكافرون:6] والذين يؤمنون بالباطل ويصدون عن سبيل الله أولئك هم الكافرون، يؤمنون بالباطل، وتحدث عن الذين يؤمنون بالجبب والطاغوت {..ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}[النساء:51]، فكلمة العقيدة في عمومها يعني تشمل كل شيء ولكننا عندما نتحدث يعني في مثل هذا الأمر في جانب الأديان..

عثمان عثمان: الاصطلاح الشرعي.

عبد الحميد مدكور: آه نعم. نقول في عقيدة يهودية عقيدة موسوية جاء بها موسى عليه السلام، عقيدة جاء بها عيسى عليه السلام، عقيدة جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، نجد أن القرآن الكريم تحدث بإسهاب عن العقيدة في آيات كثيرة، كيف رسم القرآن الكريم الوظيفة العقيدية أو وظيفة العقيدة؟

90% من آيات القرآن الكريم تتحدث عن العقيدة إما عرضا للعقيدة وإما استدلالا عليها وإما ردا على الذين يخالفونها، وهذا موجود في جميع سور القرآن وخصوصا في السور المكية التي اهتمت أساسا ببناء أصول الإيمان والعقيدة الإسلامية
عبد الحميد مدكور: بالنسبة للقرآن الكريم إذا نظرنا فيه وفي آياته فسنجد أن ما يقرب من 90% من آيات القرآن الكريم تتحدث عن العقيدة إما عرضا للعقيدة وإما استدلالا على العقيدة وإما ردا على الذين يخالفون هذه العقيدة وهذا موجود في جميع سور القرآن وخصوصا في السور المكية التي اهتمت اهتماما بالغا وأساسيا ببناء أصول الإيمان والعقيدة الإسلامية سواء أكان الكلام مباشرا أم جاء عن طريق القصص القرآني، طبعا الهدف هو بناء الفرد على القيم والأخلاق والمعتقد الصحيح والعلاقة الطيبة بالله عز وجل وما يترتب على هذه العلاقة من سلوكيات وتصرف في الحياة العامة ثم بناء المجتمع ثم بناء الأمة على الوحدة والتضامن وعلى طلب العلم وعلى القيام بالنهضة وعلى تأسيس الأخلاق التي هي مفصل مهم جدا من المفاصل التي يتكون منها هذا الإسلام ويدعو إليها هذا الإسلام.

عثمان عثمان: ولكن هناك من يرى، فضيلة الدكتور، أن العقيدة هي عنصر استعلاء وتمايز باعتبار أن المؤمن يستعلي على غيره بعقيدته، ما رأيكم بذلك؟

عبد الحميد مدكور: والله أنا أقول بصفة عامة إجابة ثم أبني عليها، المفروض أن الإنسان لا يختار عقيدته إلا بعد تفكير طويل وبعد تأمل عميق وبعد مقارنة وبعد مناظرة لما سواها من العقائد وهذا موجود في العقائد السياسية وفي العقائد الاجتماعية وفي المذاهب الفكرية إلى آخره، فالإنسان ينظر أولا ثم يختار ثانيا وهذا الأمر نفسه ينطبق على ما يتعلق بالعقائد الإسلامية. ونحن اسمح لي أن أقول عبارة يعني أخرى يمكن أن توضع بجوار هذا المصطلح أو تكون حتى سابقة عليه قليلا إنني أقول إنها لا تؤدي إلى الاستعلاء لأن الاستعلاء فيه شيء من التكبر على الآخرين ولكن أقول فيها شيء من الاعتزاز، الاعتزاز بالانتماء إلى الله وإلى هذا الدين الذي هو الدين الخاتَم وهو الذي لا يُنسَخ وهو الذي جاء مهيمنا على الكتاب كله وهو الذي جاء وارثا للوحي كله وهو الذي جاء مصدقا لما سبق ومبينا لما صح وما لم يصح مما سبقت إليه الأمم السابقة فهذا يجعل المسلم يعتز بهذا الإسلام ولا أقول يستعلي وإنما فيه هذا الأمر مع إعطاء الآخرين حقهم في أن يعتقدوا ما يشاؤون فليس الأمر هنا أمر يعني هذا الاستعلاء ولكن أقول يعني اسمح لي أن أستخدم هذا التعبير الاعتزاز بالإسلام والانتماء إلى هذا الإسلام.



دور العقيدة في العلاقة مع الآخر

عثمان عثمان: البعض يقول يعني هذه الثقافة ثقافة الاستعلاء ربما سادت في أواخر القرن الماضي مع خطاب أبو الأعلى المودودي وسيد قطب في ظل المواجهة مع الغرب، إلامَ تعزون ذلك؟ يعني هل ترون أن تلك المرحلة قد انقضت وفاتت وانتهت أيضا؟

عبد الحميد مدكور: يعني إذا أردنا أن ننظر إلى هذه الآراء فينبغي أن نضعها في الإطار التاريخي الذي جاءت فيه. في الحقيقة أبو الأعلى المودودي كان موجودا في الهند وطبعا باكستان استقلت ولكنه كان في الجزء الهندي وكان يريد للجماعة الإسلامية الموجودة في الهند أن تحافظ على شخصيتها وهويتها وكيانها الذي يمكن أن يذوب في داخل هذا المحيط الهندي الذي يمكن أن يبتلع هذه الأقلية التي بقيت في الهند فهو كان يريد الحفاظ على الهوية والخصوصية والذاتية والانتماء إلى الإسلام في ظل هذا المحيط الهندي الذي يحيط به، وطبعا جاء كلام المودودي وكلام سيد قطب من بعده بعد سقوط الدولة العثمانية بعد بروز الدعوة إلى العلمانية بعد بروز الدعوة إلى إقصاء الإسلام عن الحياة وعن القوانين وعن التشريع وعن أن يكون هو الذي يهيمن على حركة الحياة في المجتمع المسلم ومن ثم فإن هؤلاء وجدوا برد الفعل أنهم لا يمكن أن يستسلموا لمثل هذه الآراء والأفكار..

عثمان عثمان (مقاطعا): هل ترون أن تلك المرحلة قد انتهت ومضت أم أننا اليوم في ظل مواجهة أيضا بين الثقافات ثقافة الإسلام وثقافة الغرب بحاجة من جديد إلى مثل هكذا ثقافة؟

عبد الحميد مدكور: دائما الأمور ينطبق عليها القانون أن كل فعل له رد فعل، العالم الإسلامي توجه إليه يعني غزوات حضارية من جميع النواحي يعني سياسية واقتصادية وعسكرية ومن ثم فإن هذا يؤدي إلى أن يتمسك الناس بخصائص عقائدهم وبالانتماء إليه حتى لا يذوبوا في محيط العالم، ونحن الآن في مرحلة العولمة الكاسحة المتوحشة التي تريد أن تعطي للحضارة كلها لونا واحدا ونمطا واحدا هذا بالطبيعة سيؤدي إلى وجود استمساك من أصحاب العقائد بعقائدهم فالبوذيون سيتمسكون بعقائدهم والإسلاميون سيتمسكون بعقائدهم والمنتمون إلى المسيحية سيتمسكون بعقائدهم لا يريدون أن يذوبوا فالمسألة هي فعل ورد فعل. طبعا إذا كان يعني الأمر كان فيه عقلانية وفيه سماحة الإنسانية وفيه تعاون على أن يعيش البشر ولهم الحقوق المتساوية في أن يعبروا عن أنفسهم وعن عقائدهم فإن الأمر يخف لكن إذا كان هنالك ضغط كاسح يريد أن يمحو وأن يذيب وأن يميع كل العقائد وكل الحضارات وكل الثقافات وكل النظم الاجتماعية فهذا يؤدي إلى رد فعل مضاد وربما يعمل على أن تستمر أمثال هذه المواجهات بين العقائد أو بين التوجهات السائدة في العالم.

عثمان عثمان: نتحدث عن الدور المنوط بالعقيدة، دكتور، يعني هل هي الحكم في علاقة المسلم بمحيطه والعالم؟

عبد الحميد مدكور: قلت منذ قليل إن العقيدة أشبه بالدم الساري في جسد الإنسان وهي الدم الساري في الإسلام كله، وإذا نزعنا العقيدة من الإسلام فإن هذا يؤدي إلى يعني ذوبان لهذا الإسلام وانتهاء لهذا الإسلام ومن ثم فإن العقيدة هي التي ينبثق عنها التصورات الفكرية والأخلاق والتوجهات التي يمر بها الإنسان وهذا دورها كدور المحرك أيضا في السيارة، إذا نزعنا المحرك في السيارة رغم أنها جميعا مكتملة فإنها لا تتحرك حركة واحدة إلى الأمام ومن هنا فإن العقيدة بالفعل تعطي يعني الإنسان وجودا وقواما، ربما عندما يكون الإنسان داخل مجتمعه المسلم لا يتجلى هذا الأمر بوضوح ولكن انظر إلى هذا المسلم عندما يتغرب في أي مكان في العالم فإن جذوره الدينية ومعتقداته الأصلية تفيق مرة أخرى من غفوتها وتتجلى في خصائص وفي مقومات وفي سلوك وأفكار هذا الإنسان وربما لم يكن يشعر بهذا وهو في داخل محيطه الإسلامي الذي يشعر فيه بالأمن ولكن عندما يكون بعيدا غريبا فإنه يعود مرة أخرى إلى هذه الجذور حتى يثبتها ويقويها لأنها هي أول ما يحصنه من أي غزو يملك عليه نفسه أو يغير سلوكه ومشاعره.

عثمان عثمان: في موضوع العلاقة مع الآخر دكتور، في موضوع العلاقة مع الآخر ما دور العقيدة هنا؟

عبد الحميد مدكور: العقيدة إذا نظرنا إلى العقيدة الإسلامية فهي ليست عقيدة الاستئصال وليست عقيدة الإقصاء ولكن الإسلام عندما جاء علم الله عز وجل في كتابه وأعلمنا في كتابه أنه لن يكون الإسلام هو الدين الوحيد في العالم بعد أن يأتي ولذلك نجد في الإسلام تشريعات لغير المسلمين، تشريعات لأهل الكتاب الموجودين يصل الأمر في يعني في ذروتها إلى أن يكون للمسلم حق أن يتزوج من هؤلاء وأن يأكل من طعام هؤلاء وأن يعامل هؤلاء بالحسنى وأن يبعد عنهم الأذى وألا يستعلي عليهم أبدا بدينه ولكنه يدعوهم إليه برفق وبرحمة وبتسامح، فليس الإسلام دين الإقصاء ولا الإبعاد ولا الإفناء، وقد وقفت حضارات من الإسلام نفسه في بعض مواطن كانت للإسلام من قبل عندما يعني تغيرت الدورة التاريخية يعني بعض الحضارات الأخرى عاملت الإسلام بالإفناء والإقصاء والإبعاد ولكن الإسلام لم يفعل هذا وهو لا يتخذ هذا منهجا له وإنما يعترف بالآخر ويدعو إلى الحوار معه ويدعو إلى الإحسان إليه وعدم الإيذاء له إلى آخر هذا الذي يحتاج إلى كلام مفصل في هذه القضية.

عثمان عثمان: بعض الخطاب الإسلامي الآن يركز كثيرا على موضوع العقيدة يبني تصوراته علاقاته مع الآخرين مواقفه وبالتالي ربما يلجأ إلى تصنيف الناس إلى مسلم إلى كافر إلى منافق، هل من وظيفة العقيدة أيضا تصنيف الناس؟

عبد الحميد مدكور: والله يا أخي الكريم إذا نظرنا إلى القرآن الكريم نفسه فإننا نجد أن لدينا حديثا عن مؤمنين طائعين ولدينا حديثا عن مؤمنين عصاة ولدينا حديثا عن أهل الكتاب ولدينا حديثا عن المنافقين، هذا موجود والإسلام يعرف المسلم بهذا لا لكي يكون عدوانيا ولا لكي يكون ظالما أو متهجما على الآخرين ولكن لكي يحتفظ لنفسه بمقوماتها وخصائصها التي تستمدها من هذا الإسلام، فليس الأمر هنا يعني عدوانيا تجاه الآخرين ولكنه يقوم أصلا على الحفاظ على الكيان وعلى الشخصية والخصوصية والذاتية والهوية ومن ثم فإن الأمر يعني موجود في القرآن، يعني إذا نظرنا في أول سورة البقرة سنجد حديثا عن المتقين ثم حديثا عن..

عثمان عثمان: الكافرين.

عبد الحميد مدكور: الكافرين ثم حديثا عن المنافقين وهو حديث يطول، وحديث أيضا عن الآخرين الذين كانوا يعايشون المسلمين ويجادلون المسلمين، فهذا يعني موجود في صميم الإسلام ولكن المسألة في كيفية إدارة مثل هذا الأمر، يعني في معرفة؟ نعم لا بد من المعرفة، لكن إدارة هذا الأمر كيف تكون، هل بالظلم هل بالعدوان هل بالاعتداء على الحقوق؟ لا ليس هذا هو منهج الإسلام فهو يعرف من أجل أن يقدم المثل الأعلى والسلوك الأفضل الذي ينبغي أن يكون موجودا في ذهن المسلم وفي ذهن المجتمع المسلم وفي ذهن كل من ينتمي إلى هذا الإسلام.

عثمان عثمان: أين هو موقع عقيدة الولاء والبراء في كل ما ذكرتم دكتور؟

عبد الحميد مدكور: المفروض يعني بالنسبة إلى الآيات القرآنية أن المؤمن يبدأ بموالاة المؤمنين والله تعالى يقول {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}[المائدة:55-56]، و المؤمنون كالجسد الواحد كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول، فالمؤمن ينتمي إلى جماعة المؤمنين.

عثمان عثمان: في مقابل هذا هل هناك معاداة ومنابذة مع الكافرين بناء على عقيدة الولاء والبراء؟

إذا رجعنا لأسباب نزول الآيات القرآنية وسياق حديثها فإنها تتحدث عن الولاء مع غير المؤمن على المؤمن والعدوان بهذا الولاء على المؤمنين
عبد الحميد مدكور: لا طبعا، ليس لدينا في الإسلام إذا فقهناه فقها صحيحا وعلمناه علما صحيحا وجمعنا فيه الآيات والأحاديث والمواقف المؤيدة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبفعل صحابته لن يكون هذا الأمر، وما وجدناه من الآيات القرآنية إذا رجعنا إلى أسباب نزولها وإلى سياق حديثها فإنها تتحدث عن الولاء مع غير المؤمن على المؤمن والعدوان بهذا على المؤمنين، فالمفروض أن الولاء يعني أصحاب كل عقيدة ينتمون بعضهم إلى بعض يعني حتى في المذاهب السياسية والمواقف السياسية والاجتماعية نجد أن الإنسان يبدأ بالموالاة بالدائرة المحيطة به التي يشترك هو وإياها في منهجها ومذهبها وغاياتها وأهدافها، ولكن الكلام {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ..}[المائدة:51] نرجع إلى أسباب النزول. بعض الناس يقتحم القرآن اقتحاما من غير أن يكون مسلحا بأدوات فهمه وفقهه ولا يرجع إلى سياق الآيات ولا إلى أسباب النزول مع أنها عامل مهم جدا في تفسير الآيات سنجد أن الحديث فيها يدور عن الموالاة لغير المؤمنين على المؤمنين يعني يتحدون كما وقع في الأندلس على سبيل المثال يعني المسلمون تحولوا إلى فرق وطوائف يعني كانوا يوالون غير المؤمنين على حساب المؤمنين هذا الذي هو يُنهى عنه وهذا هو الذي يُحذر منه وهذا هو الذي لا يصح أن يقع فيه المؤمن، لكن الولاء يبدأ بالمؤمنين الذين هم متجهون إلى نفس القبلة ومؤمنون بنفس القرآن ويتبعون نبيا واحدا هو محمد صلى الله عليه وسلم فالولاء يبدأ مع هؤلاء دون عدوان على الآخرين لأن الإسلام لا يعترف بالعدوان الذي يبدأ هكذا بلا سبب.

عثمان عثمان: اسمح لي فضيلة الدكتور أن نأخذ سؤالا من الأخ وصفي عاشور من القاهرة يقول هل للعقيدة مقاصد أم أن التعبير الأدق أن للعقيدة آثارا؟ وإذا كانت المقاصد تضبط الأحكام وتساعد في تقريب وجهات النظر وتقليل الخلاف فأي خلاف في العقائد وأي ضبط للعقائد يكون بالمقاصد؟ يتابع، "إذا أسميناه مقاصد العقيدة فإن العقيدة تكون قد وُضعت من أجل تحقيق مقاصدها فالمقاصد هي الأصل وإذا أسميناها آثارا فإن تطبيق العقيدة يُنتج هذه الآثار ويُثمر هذه النتائج ومن ثم فأحكام العقيدة هي الأصل". فماذا ترون؟

عبد الحميد مدكور: يا أخي، الله تعالى يعني عندما أنزل القرآن بين أنه هدى بين أنه بيان وبين أنه رحمة وبين أنه تفصيل لكل شيء وبين الله تعالى في الكتاب الكريم أنه أنزل الوحي على الرسل من أجل إقامة العدل من أجل إقامة القسط من أجل الدفاع عن الدين والعقائد والحقوق والكرامة إلى آخره، فيعني نحن في هذا السياق ربما لا يكون الأفضل أن ندخل في بعض الجدل حول بعض المصطلحات، المهم {..وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ..}[الحديد:25]، {..ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}[النحل:89]، فهذه مقاصد الشريعة وإذا نظرنا إليها وحققنا مقوماتها ستتحقق الآثار أيضا فهذه.. يعني نحن لا نريد أن ندخل في جدل لفظي والمهم أن يكتمل بناء الإسلام في نفس المؤمن وأن تترتب على هذه العقائد آثارها في الوجود وأثرها في الفكر وأثرها في الأخلاق وأثرها في القيم إلى آخره وعندئذ ستكون الآثار والمقاصد متكاملة في تعبيرها عن الإسلام وفي يعني تحقيقها لمقاصد هذا الدين.

عثمان عثمان: البعض دكتور يتحدث عن وظيفة عَقَدية للدولة الإسلامية، هل ترون للدولة وظيفة عقدية؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.



[فاصل إعلاني]

الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن العقيدة الإسلامية عن مجالها ودورها مع الدكتور عبد الحميد مدكور. فضيلة الدكتور، السؤال هل للدولة الإسلامية وظيفة عقدية؟

عبد الحميد مدكور: بعض الناس يتخوف من هذا الأمر ويعني يظن أنه يمكن أن تؤدي إلى دولة مقدسة لا يمكن لأحد أن يعترض عليها أو أن يفكر يعني تفكيرا حرا بأنه ما دام الدولة يعني بهذا الشكل فسيكون فيها رأي واحد وفكر واحد، ولكننا في الحقيقة ينبغي أن ننظر إلى النصوص القرآنية لكي نستخلص منها الإجابة على هذا السؤال، الله تعالى يقول {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون..}[آل عمران:104] ويقول {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ..}[الحج:41] ونحن نعلم أن الدولة في الإسلام لا ينظر إليها على أنها الدولة التي تكتفي فقط بمجرد حماية الأرض وحماية الأفراد والدفاع عن المجتمع ضد الغزو الخارجي والقيام ببعض النظم الأمن الداخلي والأمن الخارجي والتعليم وما أشبه ذلك، لكن ينبغي أن يضاف إلى ذلك المعنى الديني الذي تمثله الفكرة الإسلامية والدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي بصفة عامة. وإذا نظرنا إلى ما قاله القدامى حول هذا الموضوع فسنجد مثلا أن عالما جليلا مثل الماوردي يعرف الخلافة ووظيفة الخلافة بأنها "حراسة الدين وسياسة الدنيا به" وهذا هو الكلام الذي قاله ابن خلدون مرددا إياه من كلام الماوردي، فهذه المسألة يعني مسألة ينبغي أن تكون، ونحن نرى أن بعض الدول الإسلامية ذات التوجه المذهبي الخاص ترى أن من وظيفة الدولة فيها الدعوة لهذا المذهب ونشر هذا والتعليم بهذا المذهب والدفاع عن هذا المذهب بتأليف الكتب وعقد المؤتمرات وإرسال البعثات والدعوات إلى آخر هذا الكلام فنحن ينبغي أن لا نخاف من مثل هذا القول، الذين يخافون منه هم الذين يريدون أن يجعلوا العالم الإسلامي على الطريقة العلمانية الخالصة دولة مدنية بكل الأمور ونحن نقول دولة مدنية ولكن لها مقاصد إسلامية ولها أهداف ينبغي أن تكون عليها حتى يتحقق مثل هذا الأمر الذي يميزها عن غيرها من النظم الموجودة في العالم.

عثمان عثمان: ولكن ألا ترون أن العقيدة تحول دون تحقيق المواطنة الكاملة؟

عبد الحميد مدكور: لا، العقيدة لا تحول دون تحقيق المواطنة الكاملة هذا يتم في بعض الأحيان إذا كان هناك تعصب شديد وتزمت وانغلاق في الفكر، ولكن الإسلام يعترف بمجموعة من الولاءات التي تتصاعد حتى تصل إلى العقيدة مثلا يعني عندما يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما يعني العصبية وذم العبية وذم أصحابها وذم الولاء للقبيلة وحدها على أن يكون ذلك على حساب الإسلام ولكن عندما سئل صلى الله عليه وسلم هل من العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال لا ولكن العصبية أن يعينهم على الظلم. فالمسألة أنا أنتمي يعني للحي الذي أنا فيه والعائلة التي أنتمي إليها والوطن الذي أنتمي إليه والجماعة التي أكون فيها ولكن ينبغي أن لا تكون هذه الولاءات على حساب الإسلام أو مقدمة على الإسلام الولاء لله أولا في المجتمع المسلم والاتباع لله ولرسوله أولا هذا هو الأصل والأساس. وإذا نظرنا إلى أمة إسلامية فإنها تتكامل وينبغي أن تكون أمة واحدة كالجسد الواحد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أن نخشى مثل هذا القول ولكن نضعه في الإطار الصحيح، الولاءات تتصاعد، أعلاها هذا الولاء الذي لله عز وجل ولرسوله ولكن يبدأ الولاء يحب أهله وأبويه وأخوته وقبيلته وحيه وبلده ووطنه كل شيء من هذا. والرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة يعني كان ينظر إليها بأسى وبحسرة ويقول "والله إنك لأحب أرض الله إلى الله وأحب أرض الله إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت" فهذا ولاء للموطن والموضع الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمنع هذا، وعندما كان في المدينة كان يعني بعض الناس يذكرون له هذا الكلام فكان يقول لهم لا تهيجوا أحزاننا ولا تهيجوا مشاعرنا بالكلام عن الموطن الأصلي الذي كان فيه صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: يعني جاءني الآن سؤال من الأخ أحمد أحمد يقول كيف نوفق بين احترام عقيدة الآخرين ونشر أو الدعوة للعقيدة الإسلامية؟

عبد الحميد مدكور: الإسلام كما قلت منذ لحظات يعترف بأنه لن يكون الدين الوحيد في هذا العالم وإنما سيكون هناك أديان أخرى كثيرة وسيعترف بأن هناك الديانة التي تؤمن بموسى عليه السلام والديانة التي تنتمي إلى عيسى عليه السلام هذا كلام يعني يعرفه الخاصة والعامة ممن يتثقفون بالثقافة الإسلامية، والإسلام جرى في علاقته بهم على إنه لا إكراه في الدين ولا يصح للمسلمين ولم يقع في تاريخ المسلمين أبدا ولم يثبت أحد حتى من المتعصبين على الإسلام أن المسلمين أكرهوا أحدا على أن يدخل الإسلام وإنما الأمر فيه دعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن وتقديم النموذج الطيب الكامل الذي يكون بذاته داعيا للآخرين إلى أن ينتموا إلى هذا الدين، فليس هناك تعارض من حقهم أن.. لهم ما لنا وعليهم ما علينا، والرسول صلى الله عليه وسلم أعطاهم هذا الحق في وثيقة المدينة المعروفة ولكن هذا لا يمنعنا من أن نحسن تقديم إسلامنا إلى الآخرين حتى نجمع الناس على هذا الإسلام دون أن يكون في هذا إجبار ولا إكراه ولا ضغط ولا محو ولا أي شيء من هذا الذي يخشى منه الناس، فالدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة وبالحكمة وبالجدال بالتي هي أحسن هذا هو الأمر في هذا.



حدود العقيدة ومسائلها

عثمان عثمان: دكتور هناك من وسع في أمر العقيدة حتى شملت الملبس وشملت المأكل وتقليد الغرب وغير ذلك، لماذا برأيكم؟

عبد الحميد مدكور: العقيدة في أصلها والشريعة أيضا لأنه لا يصح أبدا أن نفصل فعلا العقيدة عن الشريعة، نحن قلنا العقيدة تسري في كل شيء فما أراده الإسلام أن يكون المسلم متميزا في شكله وفي هيئته لا يكون يعني صورة طبق الأصل من الآخرين بحيث لا يعرفه أحد ولا يمكن أن ينظر إليه على أنه من المسلمين، ولكن كما نقول هذا أمر فيه مسائل الزمان ومسائل المكان ومسائل الظروف الاقتصادية ومسائل العلاقات الإنسانية والتداخل بين المجتمعات الإنسانية فلا يصح أن يكون عندنا هذا التصلب في هذا الأمر الخوف من التزمت والخوف من التصلب، لكن إذا كانت المسألة فيها الرفق والتسامح وفيها سعة الأفق وسعة الصدر من غير عدوان على الهوية والذاتية والإسلام والعقائد وما حرمه الله تعالى، يعني أنا مثلا على سبيل المثال حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الذهب على الرجال وحرم الحرير على الرجال فهذا يعني أمر يتعلق بالملبس ويتعلق بالزينة ولكن في الزينة العامة {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ..}[الأعراف:32] فينبغي أن يدور الأمر على النصوص الصحيحة وليس بفهم قبلي أو نحو ذلك من هذه الأمور أو وضع اجتماعي سائد في مكان يفرض على الدنيا كلها ويفرض على الناس جميعا، يعني المسلم إذا كان في الصين سيكون له ملبس خاص به وإذا كان في أميركا سيكون له مليس خاص به وإذا كان في الشرق في مواطنه المختلفة سيكون له ملابس تتعلق بالزمان والمكان والأشخاص والعادات الاجتماعية، فلا يصح أن نضيق الأمر على أنفسنا وعلى الناس وأن ندخلهم في متاهات بالتركيز على مثلا هذه الفروع التي تضر بالفهم العام للإسلام.

عثمان عثمان: طبعا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان ممن وسعوا في موضوع العقيدة وصنف كتابا بذلك سماه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" هل العلاقات بين الشعوب هي مسألة ثقافية أم مسألة عقدية؟

عبد الحميد مدكور: أولا نفسر كلام ابن تيمية في الحقيقة، ابن تيمية كان يعيش في عصر انكسار مثل العصر الذي نحن نعيش فيه الآن بالنسبة للمسلمين، وعندنا غزو من التتار وعندنا غزو من الصليبيين وعندنا اكتساح قائم وقادم على العالم الإسلامي، إذاً لا بد من أن يكون هناك هذا التميز حتى يعرف المسلم من غير المسلم، التميز هنا ليس بمعنى الاستعلاء ولكن أن يعرف الناس أن هذا مسلم وهذا غير مسلم فالرجل نظر إلى هذه المسألة من هذه الزاوية وعندما تكلم تكلم عن النصوص الشرعية الحاكمة لمثل هذا الأمر، فنحن يعني في الظروف التي تؤدي إلى مثل هذه النتائج ستتحقق هذه النتائج أما أن يكون الناس في سلم وفي أمان وفي طمأنينة فهذا أمر لا ينبغي أن يرهب أحدا لأنه عندئذ ستتجلى كل حضارة بمواصفاتها وبخصائصها وموضوعاتها التي اتفق الناس عليها.

عثمان عثمان: دكتور اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، معنا الآخ أحمد داد أحمد من الإمارات، مرحبا بك أخ أحمد تفضل.

أحمد داد أحمد/ الإمارات: مرحبا.

عثمان عثمان: أهلا.

أحمد داد أحمد: أحببت أن أزيد على ما قاله الدكتور أن الإسلام جاء بعقيدة واضحة المعالم واضحة الأهداف جاء برسالة علنية وليست قابلة للتأويل في بعض جوانبها خصوصا الجانب العقائدي فيها وليست مستحية من نفسها فهي تعبر عن نفسها بما تراه ولا يملي عليها الآخرون ولا تتنازل، ولكنها في نفس الوقت ليست عقيدة ضد الآخرين بمعنى أنها ضد وجودهم ولكنها ضد أن يؤثروا فيها..

عثمان عثمان: ضد إيه أخ أحمد؟

أحمد داد أحمد: ضد أن يؤثروا في العقيدة ضد أن يؤثروا فيها، بمعنى أن تعاملنا مع الآخرين بما تمليه علينا العقيدة يفرض علينا أن نبرز عقيدتنا وأن لا نتنازل عنها ولكن هذا أيضا ليس معنى هذا أننا لا نؤمن بالطرف الآخر من حيث الوجود.

عثمان عثمان: هل لديك سؤال أخ أحمد؟

أحمد داد أحمد: لا فقط أحببت أن تسمح لي دقيقة واحدة أحببت أن أعطي بعض النقاط الجوهرية في الموضوع.

عثمان عثمان: بإيجاز شديد لو سمحت.

أحمد داد أحمد: نعم أولا نحن عندما نتكلم عن هذا لا نتكلم من فراغ، الإسلام العقيدة الإسلامية جاءت وحكم الإسلام في كثير من أصقاع الدنيا عبر قرون طويلة وشهد له أعداؤه وخصومه بأنه أعطى حرية العقيدة ولذلك نحن لكي.. فعندهم مثلا من المستشرقين الغربيين الذين شهدوا بهذا وهم كثر عندك مثلا غوستاف لوبون يقول في كتابه عن الحضارة العربية يقول "ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب"..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ أحمد يعني لا نريد أن ندخل في التفاصيل لدنيا اتصالات أخرى، الأخ حسن الحربي من السعودية تفضل أخ حسن.

حسن الحربي/ السعودية: السلام عليكم ورحمة الله.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله.

حسن الحربي: يا أخي أنا أسأل الدكتور أطال الله بعمره وبعمرك، هل يعجبه حال المسلمين الآن؟ وهل أنه في عندما يقول إن الإسلام لا يريد العدوان طبعا نحن ما نريد الاعتداء على أي دولة في العالم. ونحن المستضعفون الحين في الأرض نحن المستضعفون أصبحنا في الأرض وليس هم اليهود والنصارى، اعتدوا على العراق اعتدوا على فلسطين اعتدوا على كل شيء، يعني أبو بكر والرسول صلى الله عليه وسلم وعمر وعلى بن أبي طالب هل كانوا في الفتوحات الإسلامية كانوا مخطئين وأنت يا دكتور واللي معك الشلة الثانية أنتم اللي على صح يعني؟..

عثمان عثمان (مقاطعا): عفوا أخ حسن يعني نرجو أن نتكلم باحترام مع الضيوف، مرحبا بك. عندنا الأخ أحمد حسين من صربيا.

أحمد حسين/ صربيا: السلام عليكم.

عثمان عثمان: تفضل، وعليكم السلام.

أحمد حسين: أردت أن أشارك في البرنامج وشكرا على المشاركة الصحيحة وعندنا موجودين ودرسنا الشريعة في الدول العربية هنا، وهلق عندنا مشكلة مع الطلاب الذين درسوا في السعودية ويقولون لنا إننا العقيدة غير الصحيحة علما بأننا نتابع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ومنعرف وأين المشكلة؟

عثمان عثمان: طيب أخ أحمد وصل السؤال شكرا جزيلا لك، دكتور التعليق بشكل عام تفضل.

عبد الحميد مدكور: أولا الأستاذ أحمد داد يتحدث بما كنا نتحدث به قبل أن يتصل بنا ولعله كان مشغولا بالاتصال عن أن يسمع الكلام الذي قيل، الإسلام طبعا رسالة عالمية للخلق أجمعين..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا دكتور أنت تحدثت في هذه المسألة بشكل مفصل وطويل..

عبد الحميد مدكور: (مقاطعا): فنحن فقط نريد التوازن بين اعتزاز المسلمين بالإسلام وانتماء المسلمين إلى الإسلام ودعوتهم إلى الآخرين دون أن يؤدي هذا إلى عدوان على أحد هذا فقط، وهذا يجرنا للإجابة على سؤال الأخ حسن الحربي ويعني عافانا وعافاه الله تعالى ونحن لا الدكتور لا الذين معه يقولون كلاما يخالف ولا يمكن لنا أن ننطق بكلمة في كل وقت وخصوصا في هذا البرنامج أن تكون ضد الإسلام أو تكون تهوينا من قيمة الإسلام، نحن نقول الإسلام ليس فيه عدوان نعم هذا حق وهل هذا يضير الإسلام أن نقول الإسلام ليس فيه عدوان؟ إذا اعتدى أحد على المسلمين فإنهم يدافعون عن أنفسهم الذين يقاتلون في سبيل الله هؤلاء يقاتلون أذن لهم في القتال لأنهم ظلموا {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ..}[الحج:39] {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا..}[البقرة:190] فنحن الآن فيما تحدثنا فيه لم ندع إلى استسلام أحد ولم ندع إلى الخضوع لأحد ولكننا نقول الاعتزاز بالإسلام والانتماء إلى الإسلام فينبغي أن يكون الكلام على هذا النحو في الحديث إن شاء الله وتعالى.



الاختلافات التفصيلية في الأمور العقدية

عثمان عثمان: الأخ أحمد حسين من صربيا يعني فتح لنا حديثا عن سؤال، هناك الآن فرق إسلامية متعددة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تباينت أفكارها تباينت ربما غاياتها هناك بعض الاختلافات التفصيلية في أمور عقدية، كيف للمسلم أن يتعاطى مع هذا الواقع؟

عبد الحميد مدكور: طبعا الفرق الإسلامية كثيرة ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ستفترق أمتي، يعني الأمم كلها افترقت قبلنا على 71 وعلى 72 وستفترق هذه الأمة على أكثر من ذلك على 73، والفرق موجودة من قديم ونشأت لأسباب عديدة بعضها سياسية وبعضها لأمر يتعلق بالفهم للعقيدة أو للتأويل في بعض العقيدة ظهر هذا قديما وسيظهر هذا حديثا، المسألة هل ندع هذا الاختلاف كي يؤدي إلى تمزيق الأمة وإلى تشتيت شملها وإلى إطلاق الأحكام على من يتحدثون فيها كمثل هذا الحكم الذي استمعنا إليه منذ قليل؟ هل يكون الأمر على هذا النحو؟ لا، لأن المسلمين المفروض أنهم يجتمعون حول المصدر الأصلي حول القرآن والسنة حول المنبع حول المرجع حول الميزان الذي توزن به الآراء والأفكار وعليهم أن يقتربوا الاقتراب الكامل من هذا الفعل الصحيح ومن التطبيق الأمثل الذي تم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد صحابته الأكرمين وعلى منهج من اتبع هذا الطريق المستقيم الموصل إلى الله عز وجل وإلى اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، لكن ما علينا في حقيقة الأمر أن يكون عندنا أيضا من سعة الصدر بعضنا لبعض ما يجعل الأمر محصورا في هذا الاختلاف الذي لا يتحول إلى خلاف، الله تعالى يقول {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون..}[الأنعام:159] فعلينا أن نبتعد عن التكفير وعن التضليل والتفسيق لسبب ولغير سبب لا بد أن يكون الأمر فيه مهابة للإيمان في قلوب المؤمنين.

عثمان عثمان: الأمر ربما تعدى فضيلة الدكتور إلى مسألة التكفير نتيجة الاختلافات العقدية، هل من ضوابط لهذا التكفير وهل هو من وظيفة الإنسان أصلا؟

عبد الحميد مدكور: لا يعني بالنسبة للأمر في هذه المسألة إذا وجد فعل فيه مخالفة صريحة لنصوص قطعية فيها أوامر واضحة من الله عز وجل فإن من الممكن أن يطلق اللفظ، ولكن كما قال أهل السنة على غير المعين وعلى غير المؤول لأن المؤول إذا كان قصده التنزيه لله عز وجل فإن ذلك لا ينبغي أن يواجه منا بهذا الصك بمسألة الكفر، وهذا الكلام لا أقوله أنا حتى يسمعني الأخوة الذين يقرؤون المصادر الإسلامية هذا كلام يقوله أمثال ابن تيمية يقول، واسمح لي أن أقرأ النص لأن بعض الناس لا يقرون إلا إذا استمعوا إلى مثل هذا الكلام يقول "وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم، ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم لم تدخل أمته الجنة فإنهم أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة بل يدخلونها وتكون منازلهم متفاضلة فيها بحسب إيمانهم ومعرفتهم" وهذا موجود في مجموع الفتاوى 5254\ 5255، فالمسألة ليست تقاذفا بالكفر. الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الكفر وحذر منه وقال "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" وقال "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" وحذر من هذا حتى من تكفير الذي ادعى أو الذي نطق بكلمة الإيمان في القتال..

عثمان عثمان(مقاطعا): وماذا لو ظهر منه كفر بواح؟

عبد الحميد مدكور: إذا ظهر كفر بواح فهذا الكفر يقال عنه كما نقول ولكن إذا استطعنا أن لا نجعل المسألة في تكفير معين ينهى عن تكفير معين شرعا إلا إذا كان الأمر كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان، يعني ما حدش يقدر يقول إن أبو جهل مسلم مثلا أو أن من يرفض نصا قطعيا أو أمرا قطعيا يكون مؤمنا، الذي يقول الصلاة ليست واجبة أو الذي يقول إن الزنا حلال أو الذي يقول إن الربا حلال أو نحو ذلك لا نستطيع أن نقول مثل هذا الأمر، فإذا كان الخلاف لنص قطعي واضح الدلالة قطعي الثبوت والدلالة فإننا عندئذ يمكن أن نتساهل وهذا خروج من الحكم الأصلي لأنه لا ينبغي أن نكفر المعين لكن في في هذه الحالة يمكن تكفير المعين..

عثمان عثمان (مقاطعا): هل مسائل العقيدة هي مسائل قطعية لا تحتمل الاختلاف؟ فيها نصوص قطعية لا تحتمل الاختلاف؟

عبد الحميد مدكور: حدث الاختلاف في فهم بعض الأشياء ولكن بعد الصدر الأول، يعني الذين حدثونا عن الصحابة كلمونا عن أنهم اتفقوا على أصول العقائد لكن وقع بينهم بعض الاختلاف في بعض المسائل وأنا أذكر نماذج على سبيل المثال، مثلا اختلفوا هل رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج ولا لا، وهذه مسألة تتعلق بالعقائد يعني رؤية الله تعالى هذه عقيدة ولكنهم اختلفوا الصحابة أنفسهم اختلفوا في أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج ولا لا، اختلفوا في التفاضل بين الملائكة والبشر يعني بعض الناس يقول الملائكة وبعض الناس يقول البشر وخصوصا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقع خلاف في هذا الأمر، وقع خلاف في هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه أو لا، وهذه مسائل من فرعيات العقائد..

عثمان عثمان (مقاطعا): هناك أصول وفرعيات في العقائد؟

عبد الحميد مدكور: نعم الأصول هي الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والإيمان بالقدر وهي التي جاءت في هذه الآية التي بدأنا بها الحلقة وجاءت في أمثالها من الآيات القرآنية وجاءت في حديث جبريل عليه السلام اللي هو الحديث الذي سأل فيه عن الإسلام والإيمان والإحسان وقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، فهذه أصول العقائد لا ينبغي أن يكون فيها اختلاف في إثباتها وفي تقريرها ولكن ربما وقع الفهم في تقريرها للناس أو في تعليمها للناس أو في بناء الأدلة التي تبنى بها هذه العقائد وربما يقع فيها الاختلاف، علينا في كل الأحوال أن نجمع لا أن نفرق وأن نوحد لا أن ندمر المسلمين بأمثال هذه الخلافات المفتعلة بين الناس.

عثمان عثمان: دكتور هل يترتب على التمييز بين المسلم وغير المسلم تمييز في الحقوق والواجبات أيضا؟

عبد الحميد مدكور: لا، الرسول صلى الله عليه وسلم قال في معاهدة المدينة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وأنهم يتناصرون في حماية المدينة والدفاع عنها وفي دفع الديات لمن يقتل يعني غدرا أو عدوانا دون أن يعرف قاتله إلى آخر هذا الأمر. والإسلام أصلا لا يعترف بالظلم ولا يعترف بالعدوان والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ظلم الحيوان حتى الحيوان فما بالك بالناس، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان جالسا ورأى جنازة قام واقفا لها قالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال أوليست نفسا؟ فهي نفس مكرمة خلقها الله عز وجل، أما أن يؤمن ويكفر فهذا مرجعه إلى الله عز وجل مرجعنا إلى الله يوم الحساب هو الذي سيفصل بيننا يوم القيامة إن شاء الله.

عثمان عثمان: البعض يتساءل فضيلة الدكتور، وقد يكون السؤال الأخير في دقيقة واحدة، عن موضوع الغيبة وحرمة الغيبة هل هي متعلقة بالمسلم فقط أم متعلقة بغير المسلم أيضا؟

عبد الحميد مدكور: قلت منذ لحظة الإسلام لا يعترف بالعدوان أبدا، الغيبة أن يغتاب الناس أن يذكرهم بما ليس فيهم أن يذكرهم بما يكرهون أن ينقل أخبارهم على غير معرفة وعلى غير علم وعلى غير حقيقة، الله تعالى يقول فيما هو أشد من ذلك {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ..}[الأنعام:108] لا يصح العدوان حتى على الكافرين وهذا يسمعه الناس وعليهم أن يتأملوا هذا الأمر، ليس الإسلام دين عدوان ولا دين مظالم ولكن دين خلق رفيع دين قيم ثابتة دين كرامة للخلق أجمعين دين دعوة بالحسنى والموعظة الحسنة وهذا مما ينبغي أن يكون معروفا لنا في سلوكنا حتى نكون أوفياء لله ولدينه ولرسوله ولكتابه.

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة الدكتور عبد الحميد مدكور رئيس قسم الفلسفة في كلية دار العلوم سابقا على حضوركم معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على جسن المتابعة. أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج فداء إبراهيم وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.