- العلاقة بين التعليم والتنمية ومشاكل التعليم العربي
- ارتباط العلم بالقيم وأثر استقدام الخبرات الأجنبية
- أهمية الكفاءة ودور المناهج في التعليم والتنمية
- دور المؤتمرات وسبل تطوير العملية التعليمية

 عثمان عثمان
 
سعيد حارب
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذه الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ..} [الأنعام:165] إن التعليم هو مفتاح الاستخلاف والإعمار والتسخير حتى كانت القراءة أول فعل طلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم القيام به وكذلك أمته من بعده، فالقراءة في عالم الكلمات والأفكار مفتاح العلم والمعرفة والقراءة في عالم الكون سبيل الإعمار والتسخير والقراءتان سبيل التنمية والنمو والارتقاء بالإنسان وصفاته وأدواته. إن غياب التعليم يؤدي إلى انطفاء الفاعلية في الأمة وإذا لم يرتبط التعليم بأهداف وغايات وبمرجعية خلقية فإنه يكون كلا على صاحبه لا يوجهه إلى خير، إن إشكالية التنمية في العالم الإسلامي تكمن أساسا في نظام التعليم ومنهجيته وطرق أدائه وإنها لإحدى المشكلات الكبرى التي نواجهها اليوم وتقتضي منا الكثير من النقاش والتفكير، وحسبنا في هذه الحلقة مشاهدينا الكرام أن نفتح النقاش فيها دون أن نغلقه، موضوعنا اليوم هو التعليم وإشكالية التنمية مع الدكتور سعيد حارب أستاذ جامعي ونائب مدير جامعة الإمارات سابقا، مرحبا بكم دكتور.

سعيد حارب: يا أهلا وسهل.

العلاقة بين التعليم والتنمية ومشاكل التعليم العربي

عثمان عثمان: بداية ما علاقة التعليم بالتنمية وتطور الأمم والشعوب؟

سعيد حارب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، عندما نتحدث عن التعليم وعن التنمية نجد أن هناك تلازما واضحا بين الأمرين، فالتنمية هي رسالة الإنسان في هذه الأرض يقول تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..}[هود:61] استعمركم بمعنى جعلكم عمارا لها كما يقول ابن كثير في تفسيره، ومهمة تنمية الأرض أو إعمارها من الواجبات التي فرضت على المسلم من فروض الكفاية أي أنه على المسلمين أن يعمروا هذه الأرض بما يتناسب مع دورهم في هذه الحياة، والله سبحانه وتعالى امتن على قريش {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف..}[قريش:4]. علماء التنمية يحدثوننا اليوم على أن أسس التنمية هما ركيزتان، الأمن والموارد، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ونجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يزرعها فليزرعها" أو فليفعل كما جاء في حديث النبي صلى الله عليم وسلم، إذاً التنمية هي غاية الإنسان في هذا الوجود بعد عبادة الله سبحانه وتعالى، الطريق إلى التنمية بلا شك هو التعليم، فالتعليم هو البوابة التي من خلالها يلج الإنسان إلى التنمية إذ أن من خلال التعليم تتكون مهارات الإنسان مثلما تتكون أفكاره وآراءه ونظرته للحياة. واليوم نحن نلحظ أنه في الدول المتقدمة يتم التركيز بشكل كبير على تكوين مهارات الإنسان ونحن في ديننا الإسلامي وفي منهجنا التعليمي نركز على جانبين، جانب المهارات أو المهن التي يتولاها الإنسان ونقرنها بالجانب الإيماني أو الجانب الأخلاقي لأننا لا نستطيع أن ننتج إنسان كالآلة مجرد فقط أن ينتج مثلما تنتج الآلات دون أن يكون هناك لديه قيم أخلاقية تضبطه في هذا الإنتاج..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً أنتم تتحدثون عن علاقة وثيقة تربط ما بين التعليم وما بين التنمية لكن السؤال لماذا لا ينتج التعليم تنمية في الموارد البشرية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

إشكاليات التعليم هي عدم وضوح فلسفة التعليم في البلدان العربية والإسلامية التي أخذ بعضها بنماذج غربية أو شرقية وحاول تطبيقها على مجتمعاتها دون النظر إلى حاجة هذا المجتمع أو مكوناته
سعيد حارب:
نحن إذا أردنا أن نتحدث عن التعليم في واقعنا في بلداننا العربية والإسلامية بشكل عام نجد أن هناك إشكالية كما تفضلتم في المقدمة وهناك إشكالية كبيرة في هذا التعليم، لعل من إشكاليات هذا التعليم هو عدم وضوح فلسفة التعليم في البلدان الإسلامية، ماذا نريد من التعليم؟ هناك بعض الدول أخذت بنماذج غربية أونماذج شرقية وحاولت أن تطبقها على مجتمعاتها دون النظر إلى حاجة هذا المجتمع أو دون النظر إلى مكونات هذا المجتمع الذي من خلاله تصاغ فلسفات التربية في كل مجتمع، الأمر الآخر هناك قلة على الإنفاق في معظم بلدان العالم الإسلامي، نصيب الفرد في العالم الإسلامي نصيب متدني يصل في بعض البلدان إلى 200 دولار، أو 250 دولار أو حتى 800 دولار في حين نجد أن نصيب الفرد في العالم المتقدم يصل ما بين 7 آلاف إلى 25 ألف دولار وبالتالي أصبح الإنفاق على التعليم إنفاقا متدنيا، الأمر الآخر هو نقل القوالب الجامدة من التعليم الآخر وبالذات من التعليم الغربي، بلا شك أن  التعليم الغربي تعليم متقدم تعليم يحقق متطلبات تلك المجتمعات لكنه ليس بالضرورة أن يطبق كما هو في تلك البلدان أن يطبق في بلدان العالم الإسلامي، هناك الحاجيات تختلف، هناك مجتمعات صناعية هنا المجتمعات معظمها زراعية، هناك الفرد يؤمن بقيم معينة، في العالم الإسلام يؤمن بقيم أخرى فمن المهم جدا أن تصاغ فلسفة التعليم أو منهج التعليم في البلدان الإسلامية وفقا للقيم التي يؤمن بها المجتمع ووفقا لاحتياجات هذا المجتمع في رؤيته التعليم.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور أنتم تتحدثون عن مشكلة في موضوع الإنفاق المتدني على التعليم في عالمنا العربي والإسلامي ولكن نجد بعض الدول الغنية على سبيل المثال الدول النفطية لديها إنفاقات كثيرة على موضوع التعليم وبالرغم من ذلك لا نجد ذلك الأثر المطلوب في تنمية الموارد البشرية؟

سعيد حارب: يعني هذه أيضا إحدى مخرجات الإشكالية التي تحدثنا عنها، التعليم في دول الخليج بلا شك هناك وفرة مالية يمكن أن تحقق لهذه الدول تعليما متميزا وتعليما جيدا، واستطاعت هذه الدول إلى حد ما أن تخرج متعلمين بكفاءات ومهارات لا بأس بها ولكن المشكلة أنه لم يربط التعليم بفلسفة المجتمع الذي يقوم فيه وليس بالسوق، يعني نسمع كثيرا من يتحدث عن أنه والله متطلبات السوق..

عثمان عثمان (مقاطعا): تتحدث عن المناخ؟

سعيد حارب: أتحدث عن المناخ وعن فلسفة التعليم، أنا أعطي مثالا على ذلك، في بلدان الخليج وأيضا في بعض البلدان العربية نقل نظام التعليم الأميركي وهو نظام جيد بلا شك في مجتمعه وربما لو تم تعديل هذا النظام لأصبح نظاما جيدا في بلدان أخرى ولكن أن ينقل هذا النظام بمجمله دون النظر إلى فلسفة المجتمعات هنا وقعت المشكلة، كيف وقعت المشكلة؟ النظام الغربي أو النظام الأميركي بالذات نظام التعليم الأميركي يقول للإنسان تعلم ما تشاء ثم نحن في اقتصاد حر فعليك أن تبحث عن الوظائف أو الوظيفة المناسبة لك بطريقتك الخاصة الدولة غير مسؤولة عن إيجاد فرص العمل بالنسبة لك، في مجتمعات الخليج خاصة الدولة بشكل عام متكفلة بإيجاد فرص عمل للخريجين لكن عندما يلتحقون بالتعليم لا يوجهون وفق متطبات التنمية وإنما يتركون أن يختاروا ما يشاؤون ومن هنا نجد أن في كثير من دول الخليج هناك خريجون ليس لهم عمل، في حين أن هذه الدول تستقطب آلاف بل ملايين البشر الذين يأتون إلى العمل فيها، لماذا؟ لأن الذي دخل إلى الجامعة أو دخل إلى المعهد العالي لم يوجّه وجهة محددة ليتخرج وفقا لمتطلبات التنمية في مجتمعه، لذلك خرج والدولة تورطت به أنها هي ملزمة بتوظيفه ولكن لا تجد له وظيفة مناسبة. لهذا أنا أرجع وأقول إن احتياجات المجتمع، برامج التنمية التي تغيب حقيقة في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي لا توجد برامج تنمية أو خطط تنمية لنقل محددة نستطيع أن نقول إننا في سنة 2010 سيكون لدينا حاجة من هذه الوظائف في هذه الطريقة، في 2020 سيكون لدينا مجتمع صناعي، في 2025 سيكون لدينا هكذا، لا توجد مثل هذه الرؤى وهذه الإستراتيجيات التي يتم من خلالها وضع هذه الخطط، علما بأننا في منهجنا وفي شريعتنا وفي ديننا مطالبون بأن نخطط إلى آخر العمر، لهذا نجد هذا الاحتقان الحاصل بين مخرجات التعليم وبين برامج التنمية في مجتمعاتنا.

عثمان عثمان: يعني في ظل غياب الخطط الإستراتيجية والتنموية للدول ماذا على الأفراد، على الشباب الذين يريدون أن يدخلوا تخصصا جامعيا معينا، كيف يختارون هذا التخصص حتى لا يقعوا في هذه المطبات التي تذكرتها فضيلة الدكتور حارب؟

سعيد حارب: يعني هو الآن هناك محاولات في دول المنطقة وبالذات في دول الخليج إلى إعادة تنظيم الأمور من خلال برامج التوعية، برامج الإرشاد للخريجين من خلال إيجاد مؤسسات تقوم على توظيف هؤلاء الخريجين وإيجاد فرص عمل بالنسبة لهم، طبعا على الأفراد أولا أن يختاروا أو أن ينظروا حاجة البلد أو حاجة الدولة التي يعيشون فيها، من متطلبات التنمية، من برامجها، من الخطط المستقبلية من التوسعات التي قد تحدث في نظامهم الاقتصادي، من التحولات الدولية الحادثة في العالم وباعتقادي أن هذه هي الأشياء التي يمكن من خلالها أن يقرر، لكن لنكن واقعيين، الشاب الذي عمره 17 سنة أو 18 سنة ولم يدرب حقيقة طول حياته على هذه الرؤية الشمولية للمستقبل من الصعب أن يحدد اختياره لذلك لا بد من وجود مؤسسات مساندة له سواء كان من الجامعات أو من المدارس أو غيرها توجهه وفق المتطلبات، لكن تبقى المشكلة ليست في الطالب نفسه وإنما في وجود إستراتيجية أو خطة، نقول له إنه عليك أن تدخل هذا التخصص لأنه في تخرجك سوف تجد الوظيفة.

عثمان عثمان: يعني هل تعتقدون أنه في ظل الواقع الذي صورتموه الآن ورسمتوه أننا نعاني من تخلف وإذا كان هناك من تخلف هل ترون هذا التخلف نوعيا أو كميا؟

يوجد تخلف كمي وتخلف نوعي في العالمين العربي والإسلامي لأن معدلات الأمية في العالمين عالية جدا
سعيد حارب:
يعني كلمة التخلف كلمة عامة في الحقيقة ولكن ربما بالأرقام نستطيع أن نحدد معنى التخلف، نحن لدينا في العالم العربي وهذه ليست محاولة للتقليل من واقعنا ولكن هذا هو الواقع الذي نعيشه، هناك لدينا تخلف كمي وتخلف نوعي، التخلف الكمي لعل الأرقام تشير إليه، يعني معدلات الأمية في العالم العربي والعالم الإسلامي عالية جدا، متوسط الأمية في العالم حوالي 28,3%، متوسط الأمية في الدول الغربية 1,3%، الدول النامية تقريبا حوالي أيضا 28% الدول الأقل نموا حوالي 50%، الدول العربية 31% هم أميون، والأمية هنا هي أمية قراءة وكتابة، من الأرقام التي لدي أن هناك في بعض الدول العربية تصل نسبة الأمية بين النساء إلى 76% يعني 24% فقط من يستطعن أن يقرأن ويكتبن.

عثمان عثمان: إذاً هناك حالة تخلف كبيرة جدا.

سعيد حارب: كأرقام تشير إلى هذا نحن لدينا الآن في العالم العربي والإسلامي ما يقرب من 70 مليون أمي منهم 42 مليون فتاة، 42 مليون فتاة لم تلتحق بصف دراسي، هذا طبعا إذا تحدثنا عن الأمية الأبجدية، لكن عندما نتحدث عن الأمية الصحية أو الأمية التكنولوجية أو الأمية الثقافية فبلا شك أن الأرقام ستزداد بنسبة عالية.

عثمان عثمان: طبعا نحن نتحدث فضيلة الدكتور عن التعليم والتنمية، كيف يمكننا أن نربط ما بين عملة التعليم وعملية التنمية؟

سعيد حارب: من المهم جدا الحقيقة أن يكون لدينا تصور واضح، ماذا نريد، يعني أن أضع برنامج تعليمي في غيبة إستراتيجيات أو في غيبة خطط تنموية شاملة للمجتمع وذات أبعاد يعني متواصلة لا يمكن أن يكون لدينا تعليم جيد، وهذا للأسف الذي يحدث الآن في كثير من من بلدان العالم العربي والعالم الإسلامي، أنننا نقرر من التعليم ما نحتاجه اليوم وباعتقادي هذه الرؤية تخرج لنا تعليما متخلفا وقد نستغرب أن يكون التعليم متخلفا لأن ما يتعلمه الطالب اليوم في المدارس سيتغير ربما بعد أربع أو خمس سنوات، عندما يتخرج الطالب من الجامعة فإنه يكون قد تعلم علما يصلح لخمس سنوات ماضية وليس لهذا اليوم، وبالتالي فنحن للأسف في كثير من حالاتنا نعلم التخلف، نحن نحتاج إلى أن نعلم الطالب ما يحتاجه للمستقبل وهنا نرجع مرة أخرى إلى إعادة صياغة التعليم نفسه. الإمام الزرنوجي له رسالة لطيفة اسمها "تعليم المتعلم طرائف التعلم" وهو وإن كان يتحدث فيها عن التعلم الحديث لكنه كان يعمم فيها بحيث أنه يقول الهدف من التعليم ليس أن نعطي الطالب مادة علمية وإنما أن نعلمه طرائق التعلم وهو ما يسمى اليوم بالتعلم الذاتي، أن يستمر بعد ذلك. لكن أرجع إلى سؤالك أخي العزيز، أن وجود برامج واضحة يعني بالتالي وجود تعليم محدد الأهداف، غيبة هذه البرامج يعني تعليم آني لا ينتج إلا التخلف.

عثمان عثمان: من المسؤول عن وضع هذه المناهج والبرامج؟

سعيد حارب: بلا شك أنه الدول، القائمون على أنظمة التعليم هم المسؤولون عن هذا، يعني أن تأتي في مجتمعاتنا، مع احترامي للكل، كلما يأتي وزير يلغي الخطة التعليمية التي ربما لم يمض عليها سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات في أكثر الأحوال ليبدأ من الصفر، أعتقد أن هذا خلل كبير، العملية التعليمية هي عملية تراكمية يعني كل إنسان يأتي ليكمل ما بدأه الآخرون ونظام التعليم الحقيقة ومخرجاته لا يتم من خلال سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، النظام التعليمي على الأقل في المرحلة التأسيسية 12 سنة فإذا أدخلنا طالبا أو طالبة اليوم إلى المدرسة الابتدائية فلم ننظر إلى النتائج بعد سنتين أو ثلاثة، بعد 12 سنة نحصي هذه النتائج، عدم الاستقرار في وجود الخطط التعليمية أو البرامج التعليمية أو المناهج التعليمية وأحيانا ربما الإنسان من الطرائف أن يجد أنه في المدرسة الواحدة أو الجامعة الواحدة هناك ثلاث أو أربع خطط دراسية، دفعة سنة كذا يدرسون على خطة والدفعة التي تلتهم على خطة والدفعة التي تليهم  على خطة وننظر ما السبب في ذلك؟ يقولون لك الدفعة هذه كانت دفعة الوزير الفلاني والدفعة الثانية كانت دفعة الوزير كذا فكل واحد وضع خطة دون أن ترتبط هذه الخطة بالتي سبقتها. الأمر الآخر هو عملية التخطيط للتعليم ما زالت في مجتمعاتنا هي عملية فردية مرتبطة بشخص واحد، مع التقدير لوزير التربية أو المسؤول عن التعليم، وأنا أعتقد أن التعليم هو مسؤولية مجتمعية وبالتالي يجب أن يخطط له أيضا تخطيطا مجتمعيا، أن يكون هناك مجلس للتعليم، أن تكون هناك هيئة تخطط للتعليم تبقي على استقراره سواء تغير المسؤول الأول أو بقي المسؤول الأول لكن يبقى التعليم مستمرا.

ارتباط العلم بالقيم وأثر استقدام الخبرات الأجنبية

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هل ترى أن العلم اليوم في جامعاتنا منضبط بمرجعية قيمية وبأهداف إنسانية واضحة؟

سعيد حارب: جامعاتنا بلا شك فيها الخير الكثير حتى أيضا لا نقلل من شأنها ولكن القول بأنها منضبطة بقيم أخلاقية ليس على إطلاقه، لسبب بسيط أن هذه الجامعات تمت صياغة نظامها التعليمي أو برامجها التعليمية وفق معايير ومخرجات لا تتناسب مع القيم والمعايير المحلية، لأكن واضحا، في المجتمعات الغربية هناك قيم مجتمعية تنعكس على المجتمع، وأنا أضرب مثالا هنا، في سنة من السنوات التقينا بمسؤول في الولايات المتحدة الأميركية مسؤول عن التعليم الدكتور ليبولد منعم وفي البداية سألنا لماذا جئتم؟ قلنا جئنا يعني لنتعلم من برامجكم التعليمية فسأل ألا يوجد عندكم شيء تقدمونه؟ قلنا والله عندنا ولكن نحن جئنا لنأخذ من عندكم، فتحدث عن التطور في المجتمع الغربي وما وصل إليه من مستوى تعليمي وهو صادق في هذا ونحن نقر بهذا، ثم فجأة سألنا هل لديكم نسبة تعاطي للمخدرات كبيرة؟ قلنا له لا، قال يعني أليست، وضرب أمثلة ببعض المدن الأميركية، قلنا لا، قال هل لديكم تفتت أسري؟ هل لديكم نسبة طلاق عالية؟ هل لديكم مادية مغرقة؟..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هو يتحدث قياسا مع الغرب؟

سعيد حارب: نعم، ثم في الآخر سألنا قال لماذا عندما تحدثت معكم هل عندكم شيء تقدموه قلتم ليس لدينا شيء، قال نحن صنعا كل شيء للإنسان ونسينا الإنسان نفسه. لهذا أقول إن المرجعية الأخلاقية، علماء الغرب علماء التربية في الغرب يعلمون هذه المسألة ويقاتلون من أجل تطبيقها وهي أنه  لا بد أن يلتقي العلم والأخلاق لأنه بغير ذلك يخرج لنا محامي مزور أو قاضي يرتشي أو مقاول يغش أو محاسب يسرق لأن هذه الضوابط الأخلاقية هي التي تحمي الفرد المتعلم من الوقوع في هذا الزلل، لذلك أرجع مرة أخرى وأقول جامعاتنا العربية والإسلامية فيها بعض الضوابط ولا أقول كل الضوابط ولكنها ليست تلك الضوابط التي تخرّج ذلك الفرد الذي نقول إنه منضبط بالقيم الأخلاقية المطلوبة.

عثمان عثمان: ولكنكم تؤكدون على ضرورة أن تكون العملية التعلمية التعليمية منسجمة مع القيم المجتمعية في المجتمعات العربية ولا يجوز أن نأتي بمنهاج معين من الغرب لننزله على واقعنا كما هو؟

سعيد حارب: هذه مسألة أساسية، يعني تصور لو أن التعليم في بلجيكا وضع وفقا لمتطلبات المجتمع الكوري، كيف سيكون التعليم؟ لذلك نحن نقول في مجتمعاتنا في الشرق، في العالم العربي والعالم الإسلامي يجب أن تكون القيم هي الضامن لهذه المناهج التعليمية ولهذه البرامج التعليمية، نحن نستفيد من الغرب كأدوات إنتاج، لكننا لا نستفيد منه كمحتوى، أعني بذلك أننا بإمكاننا أن نأخذ من العالم الغربي في العلوم وفي الرياضيات وفي الفيزياء وفي الكيماء وفي غيرها المواد العلمية الأساسية التي لا خلاف عليها، لكن عندما نتحدث عن المواد التي تكون القيم وتكون الشخصية الإنسانية كالفلسفة، كالأخلاق، كالدين وحتى اللغة والأدب وغيرها أعتقد أننا بحاجة أن تكون هذه من أصالتنا ولا يعيبنا ذلك بالعكس يمكننا أن نقدم هذا أيضا كإنتاج مما لدينا حتى نقدمه للآخر.

عثمان عثمان: ربما هذا الواقع يطرح سؤالا آخر يعني عن أثر استقدام الخبرات الأجنبية على هوية التعليم في بلادنا العربية والإسلامية؟

سعيد حارب: يعني الخبرات الأجنبية يعني اليوم أصبحت كأنها موضة العصر، أنت لا تستطيع أن تنقل كرسيا من مكان إلى مكان إلا باستشارة خبير أجنبي، بعض هؤلاء الخبراء متميزون وأساتذة وخدموا في مؤسسات تربوية ويقدمون خبرات ولكن أن تصبح المسألة كلها بيد الخبراء الأجانب أنا أعتقد أن فيه خطورة كثيرة على مجتمعاتنا، يعني إذا كنا لا نستطيع أن نزرع نخلة في السويد فكذلك لا نستطيع أن نأتي بخبير من السويد ليضع لنا خططنا وبرامجنا ومناهجنا التعليمية والتربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ العربي والأخلاق، أنا أعتقد أن الخبراء الغربيين، بالذات الغربيين يعني لنكن واقعيين لأن معظم الخبراء هم يأتون من الغرب، أو لنقل الخبراء الأجانب، بإمكانهم أن يسهموا في تطوير التعليم في العالم الإسلامي من خلال تقديم خبراتهم في المجالات التقنية، المجالات التكنولوجية، المجالات العلمية أما أن يكون الأمر على إطلاقه بحيث يتولى هؤلاء الخبراء معظم أو مجمل العملية التعليمية من ألفها إلى يائها فأعتقد أننا سنواجه في المستقبل مشكلة وهي أن خريجينا لا يصلحون إلى مجتمعاتنا ولا يصلحون إلى المجتمعات الأخرى.

عثمان عثمان: هذه المشكلة فضيلة الدكتور التي تنتج وتظهر على أجيالنا القادمة نتيجة استقدام من هم من خارج مجتمعاتنا لوضع الخطط والإستراتيجيات، يعني هؤلاء الأشخاص الوافدين هل تخشون أنتم يعني من عدم معرفتهم بواقعنا أم من خلفيات معينة ربما تغريب مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

سعيد حارب: كلا الأمرين أنا أعتقد أنه كلا الأمرين، ما يحدث هو بعضه ناشئ عن جهل لهؤلاء بالمنطقة، فأبسط الأمور أنك عندما تذهب إلى أي مدينة وتنزل في فندق تحتاج إلى يوم أو يومين حتى تتعرف على الشوارع المحيطة بالفندق واحتياجاتك الأساسية من هذه المدينة، لذلك من الصعب أن يأتي إنسان إلى دولة ما وأن يتعرف على واقع هذه الدولة ليس الواقع المادي بالشوارع والطرق والجسور وإنما واقعها الثقافي وواقعها التعليمي وواقعها الاجتماعي، هناك مسائل غير منظورة هناك قضايا غير مرئية في العملية التعليمية، هناك تواصل بين أجيال المجتمع وبالتالي الذي يأتي من الخارج وخاصة إذا لم تكن هناك قواسم مشتركة معه من اللغة أو من الدين أو من العادات أو من التقاليد فإنه إما أن ينتج أمرا منقولا من مجتمعه الذي يتناسب مع ذلك المجتمع أو أنه سيتخبط فيما ينتج وهذا الذي يحدث، كثير من هؤلاء الغربيين يحاول أن يؤقلم ما تعلمه هناك بواقع المجتمعات المحلية وينتج لنا مزيجا أو خليطا من التعليم لا يصلح لمجتمعه الذي جاء منه، ولا يصلح لمجتمعاتنا التي نعلم فيها أبناءنا، يحدث هنا نوع من الإرباك فهؤلاء الطلاب أو الطالبات يتخرجون وهم لا يحملون من جانب في كثير من الأحيان حتى لا أعمم، لا يحملون قيما تعليمية تتناسب مع المجتمع ولا يعرفون مجتمعهم الذي يتعلمون فيه. أنا أضرب مثالا على ذلك أنه خريج إحدى الجامعات هنا في دول الخليج يعني عندما كان جالسا في جلسة يتحدث مع زملائه فاستغرب أسماء بعض المدن في دولته، لأنه لم يكن معنيا بأن يتعرف على مجتمعه الذي يعيش فيه، حتى على مساحة الجغرافيا، أن يتعرف على أن هذه الدولة التي يعيش فيها فيها مدينة كذا ومدن رئيسية وليست من المدن الصغيرة، فإذا كان غير قادر على أن يتعرف على مدينة في بلده فكيف سيتعرف على قيم مجتمعه؟ كيف سيتعرف على تراث أجداده؟ هذا لا يمكن أيضا أن نقول والله يأتي الخبراء، أرجع مرة أخرى وأقول بإمكانهم القيام بالدور التقني، نحن في مجتمعاتنا نحتاج وسنبقى نحتاج إلى العون الذي يأتينا من الشرق أو من الغرب من خلال التقنية، نحن متخلفون في التقنية وعلينا أن نعترف بذلك لكن في جانب القيم وفي الجوانب الأخلاقية لسنا متخلفين إن شاء الله في هذه المسألة.

عثمان عثمان: يعني في مكان مواز لموضوع استقدام الخبرات الأجنبية عن بلادنا، في مؤسساتنا التعليمية، في مؤسساتنا بشكل عام يعني هناك القائمون عليها ينحازون كثيرا، تحيزات مختلفة يعني فئوية عقائدية أيديولوجية حزبية، حتى في ما يخص الأقارب والأصدقاء والأصحاب، ألا ترون أن ذلك يؤثر بشكل كبير على موضوع التنمية؟

سعيد حارب: أنا أعتقد ان التعليم يجب أن يكون مستقلا استقلالا كاملا عن أي ضغط، حتى ولا سيطرة الحكومة، حتى الحكومة يجب أن لا تكون هي المسيطرة على التعليم لأن هذا شأن مجتمعي، أنا وأنت والثاني والثالث أبناؤنا في المدارس ومن حقنا أن يتعلم هؤلاء الأبناء أفضل تعليم وأحسن تعليم وبالتالي يجب أن نكون شركاء في هذا التعليم. الآن يجتمع ثلاثة أربعة من الخبراء سواء كانوا من الأجانب أو من أهل البلد ويضعون خطة دراسية ويضعون منهجا تعليميا ويقال للجميع عليكم أن تنصاعوا لهذا المنهاج أو لهذه الخطة، لماذا لا يكون للآباء دور؟ المجتمعات الغربية التي دائما نحن ننبهر بها، أولياء الأمور والمجتمع يشارك في وضع السياسة التعليمية، يشارك حتى في وضع بعض فقرات المنهاج التعليمي لهذا التعليم، يجب أن يكون مستقلا وإذا كان يجب أن يكون مستقلا من سيطرة الحكومة بشكل مباشر فيجب كذلك أن يكون مستقلا عن أي سيطرة سواء كانت هذه السيطرة حزبية أو سياسية أو طائفية أو أيديولوجية أو غيرها من هذه الوسائل التي تسيطر، يجب أن يكون التعليم حقا للجميع ومن حق الجميع أن يشارك فيه ومن حق الجميع أن لا يكون ممثلا هذا التعليم لطائفة أو لقبيلة أو لجماعة أو لحزب أو لغير ذلك.

عثمان عثمان: في التنمية هل الكفاءة مقدمة على الثقة؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.



[فاصل إعلاني]

أهمية الكفاءة ودور المناهج في التعليم والتنمية

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام في حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن التعليم وإشكالية التنمية مع الدكتور سعيد حارب أستاذ جامعي ونائب سابق لمدير جامعة الإمارات. دكتور السؤال يتكرر، هل في التنمية الثقة مقدمة أم الكفاءة هي المقدمة.

سعيد حارب: إذا كنا نتحدث عن الأصل فالأصل هي الكفاءة، أن تكون الكفاءة هي المقدمة أو هي التي يعتمد عليها في اختيار العنصر المباشر للتنمية، ونجد أنه في بعض البلدان الحقيقة يتم إلى حد ما الاعتماد على الكفاءة لكن في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يعتد بالكفاءة وإنما يعتد بالولاء أو يعتد بالتبعية أو يعتد بالعناصر الموالية، وهذا ليس شرطا بالضرورة أن تكون قادرة على تحقيق برامج تنمية وليست بالضرورة قادرة كذلك على أن تعطي رأيا مستقلا في برامج التنمية، برامج التنمية تحتاج إلى كفاءة أولا تحتاج إلى رأي واضح وصريح تحتاج إلى رؤية استشرافية يستطيع من خلالها المرء أن يتطلع إلى واقع هذه التنمية بعد سنوات محددة، خمسة أو عشرة أو خمسة وعشرين سنة أيا كانت هذه السنوات، في ظل الكفاءة تستطيع أن تحقق هذه المعايير أما إذا غابت الكفاءة فإنك ستعمل على ترضية صاحب البرنامج أو صاحب القرار أو تقلل من بعض الجوانب أو تزيد في بعض الجوانب وفقا لما يحتاجه هو أو وفقا لما يريد هو..

عثمان عثمان (مقاطعا): حتى في مسألة التوظيف ذاتها أيضا.

سعيد حارب: وكذلك مسألة التوظيف والمسؤوليات وخاصة مسؤوليات اتخاذ القرار، يعني حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة"، وليس فقط قيام الساعة اللي هي قيام القيامة ولكن حتى قد تكون ساعة المجتمع في واقعه بحيث أن هذه البرامج تكون وبالا على المجتمع وتكون كارثة على المجتمع وقد وجدنا ذلك في كثير من بلداننا العربية والإسلامية ارتدت هذه، برامج التنمية، على المجتمعات فكانت هناك اضطرابات كانت هناك مشكلات كان هناك خلل حتى في واقعها، لذلك أنا أعتقد أن الكفاءة هي الأساس في هذا الأمر.

عثمان عثمان: اسمح لنا دكتور أن نأخذ مداخلة من الدكتور فتحي ملكاوي المدير التنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي والمتخصص أيضا في شؤون التربية، مرحبا بك دكتور.

فتحي ملكاوي/ المدير التنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي: أهلا يا أخي عثمان، شكرا جزيلا.

عثمان عثمان: طبعا دكتور إحدى مشكلات التعليم ترتبط بالمناهج وبمسألة تكون منهجية التفكير لدى المتعلمين، ماذا تقولون بهذا المجال؟

فتحي ملكاوي: شكرا يا أخ عثمان وشكرا أنا سمعت طرفا مما ذكره الأستاذ الدكتور سعيد وأنا أتابع كتاباته على أية حال، المناهج التربوية قضية كبيرة في العملية التعليمية، عملية التعليم والتعلم، أركان العملية التربوية ثلاثة وهناك أركان أخرى لكن الأركان الأساسية معلم، متعلم ، وعلم، أو المادة التعلمية اللي هي المناهج، أي إصلاح تربوي أو تعليمي بؤرته تكون هي المناهج. مصطلح المناهج عندما يطلق على هذا الركن الأساس من العملية التربوية يكون تعبيرا عن التأكيد على أن المادة اللي هي موضوع التعليم مادة ممنهجة أي تم تحديدها وتنظيمها وصياغتها وتقديمها حسب منهج يتصف بالوعي والانتظام والاتساق، هذا المعنى أيضا، معنى المناهج، كتعبير عن المحتوى وعن المادة الدراسية ينعكس أيضا على التعريف الفني للمناهج، من ناحية فنية المناهج هي خبرات تقدمها المؤسسة التعليمية للمتعلم في مستوى معين بصورة تتناسب مع حاجة هذا المتعلم وقدراته وحاجة المجتمع ومرحلته التنموية. يظهر أيضا للوعي والانتظام والاتساق في مصطلح المناهج عند النظر إلى مكونات المنهاج الأربعة المعروفة لدى الجميع التي تأتي عادة بصورة نظامية متسلسة ومتسقة، المكون الأول الأهداف، جواب على سؤال لماذا نعلم؟ المكون الثاني هو المحتوى، جواب على سؤال ماذا نعلم؟ المكون الثالث هو الطرق والأساليب، جواب على سؤال كيف نعلم؟ المكون الرابع هو التقويم، جواب على سؤال إلى أي مدى تحققت الأهداف من خلال عرض هذه المادة بهذه الأساليب والطرق؟ هذا الوعي والاتساق يطرح أسئلة مهمة حول موقع المناهج ودروها في النظم التعليمية في بلادنا، السؤال الأول ربما يتعلق بالعنصر الأول من المناهج  وهو الأهداف، أهداف المنهاج هي سؤال عن نوعية الإنسان الذي نريد أن نوفر الظروف المناسبة لبروزه وظهوره بعد أن يتعلم هذا المنهاج، هل نريده إنسانا عاديا مثل سائر الناس الموجودين لدينا؟ هل نريده إنسانا مختلفا؟ إنسانا جديدا في طريقة تفكيره في منهج تفكيره في ولائه لوطنه وأمته؟ إنسانا فاعلا منتجا مؤثرا؟ إنسان لا يكتفي بأن يأخذ بما يتاح له وإنما ينتج ويعطي؟ الأهداف إذاً اللي هي العنصر الأول في المناهج تحدد مواصفات الإنسان الذي نريد ومن ثم المجتمع الذي نريد، هل لدينا اتفاق وطني أو قومي أو ديني على مواصفات هذا الإنسان؟ هل بقية عناصر المناهج وبقية أركان التعليم تيسر تحقيق هذه المواصفات أم أنها تتناقض فيها بينها ومن ثم يكون الإنسان الذي يتخرج من مؤسساتنا التعليمية إنسانا غير منتج، غير منتمي، غير مبدع، إلى آخره؟ هذا سؤال واحد ولكن هناك أسئلة كثيرة. العنصر الثاني مثلا من المناهج هو المحتوى، يطرح سؤال مادة العلم والمعرفة المراد تنظيمها وتقديمها في منهاج تربوي، ما مصدرها؟ أسئلة كثيرة لكن أولها مصدر هذه المعرفة والعلم..

عثمان عثمان (مقاطعا): باختصار شديد لو سمحت دكتور.

فتحي ملكاوي: نعم، نحن نعرف تماما أن مصدر مناهجنا في جميع مستويات التعليم العام والتعليم الجامعي إلى حد كبير هو ما أنتجه الآخرون وما ينتجونه، نحن في واقعنا المعاصر منذ قرنين شعوب مستوردة ومستهلكة للعلم والمعرفة لا ننتج فيها ولا نبدع.

عثمان عثمان: شكرا لك الدكتور فتحي ملكاوي المدير التنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي والمتخصص في التربية على هذه الإضافات الجيدة. هل تريدون التعليق دكتور؟

سعيد حارب: والله ما تفضل به الدكتور فتحي وهو متخصص في هذا المجال بلا شك أنه يعني هو في الآخر أشار ربما إلى ما أشرت أيضا وهو أنه منذ ما يقرب من قرنين والعالم الإسلامي يستورد مناهجه مثلما يستورد أية بضاعة أو أية سلعة وأعتقد أن هذا جزء أساسي من عدم نهضة هذه الأمة لأنها تتعلم ما يصلح لغيرها لا ما ينهض بها ويقوم بها، فلهذا أنا أعتقد من المهم جدا أن تكون نهضة هذه الأمة من خلال تعليمها.

عثمان عثمان: يعني عندما نتحدث عن الإنسان الذي نريد تنميته يطرح سؤال يعني أصبح في العصر الحالي بفضل الرأسمالية إنسان اللذة والاستهلاك هو النموذج، لماذا برأيكم؟

سعيد حارب: لأن فلسفة التعليم هناك أوجدت هذا الإنسان، مناهج التعليم رسخت فيه وليس مناهج التعليم وحدها ولكن مناهج التوجيه في المجتمع من التعليم ووسائل الإعلام ووسائل التأثير على الرأي العام كونت لديه هذه العقلية لذلك نجد أن مساحة اللذة أو مساحة يعني المتعة في حياته أخذت شوطا كبيرا في ذلك المجتمع، وأرجع لأقول إن هذا يتناسب مع حاجة المجتمع لأن هناك قد انتهى من حل مشكلاته الأساسية وخاصة مشاكل التنمية، نحن في مجتمعاتنا نقلنا هذا القالب وأصبحت مساحة المتعة أو اللذة تأخذ من حياتنا مساحة واسعة في يومنا، انظر كم واحد منا يشاهد في اليوم التلفزيون أو كم من وقته يقضيه في التسلية في المراكز التجارية، وهذا يعني ليس شيئا ممنوعا ولكن كم يأخذ من مساحته من الاهتمام الآخر؟ نحن نواجه مشكلات في التنمية ولا يمكن أن نقول إنه لأنهم انتهوا من مشكلاتهم وأن تحولوا إلى مجتمع يعني تسود فيه هذه الظاهرة أن مجتمعنا نفسه يجب أن يكون في هذه الظاهرة لأننا ما زلنا نواجه هذه المشكلة التي لا تتناسب مع مجتمع اللذة ومجتمع يعني السعادة أو الانفتاح الذي هم يعيشون فيه.

عثمان عثمان: إذاً يمكننا أن نتحدث عن غياب الإنسان النافع الوارد في حديث النبي عليه الصلاة والسلام يعني"مثل أمتي كالمطر". فضيلة الدكتور يعني كيف يقاس التقدم والنمو الذي نتحدث عنه، ما هي معاييره؟

سعيد حارب: يعني التقدم والنمو هو كما قلت في البدء هو لإسعاد هذا الإنسان وإسعاده يأتي من خلال تعميره الأرض التي أمر الله سبحانه بها، ومن خلال التزامه بمنهج الله سبحانه وتعالى فلا يمكن أن يتحقق تعمير للأرض في غيبة عن تبعية الإنسان لمنهج الله سبحانه وتعالى وطاعته لله سبحانه وتعالى، وهذه هي رؤيتنا للتعمير في هذه الحياة، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون..}[الذاريات:56] فالرسالة الأولى من وجود الإنسان على هذا الكون هو عبادة الله سبحانه وتعالى ثم يأتي بعد ذلك التعمير وهما أمران مقترنان مع بعضهما البعض، لهذا فإن الإنسان المنتج الإنسان الذي كالغيث هو بلا شك موجود في هذه الأمة لا نستطيع أن نقول إنه غائب أو غير موجود في حياتنا فالأمة ما زال فيها الخير الكثير ولكن نقول إننا بحاجة إلى إبراز هذه العناصر، عناصر التميز عناصر الإبداع عناصر الإنتاج الإنساني عناص العطاء الإنساني في الإنسان المسلم حتى يكون موافقا للمنهج وللرسالة التي يحملها وهي رسالة تعمير الأرض.



دور المؤتمرات وسبل تطوير العملية التعليمية

عثمان عثمان: كيف يمكننا إعادة الاعتبار لإنسان العلم والخبرة والمعرفة والفطرة والخلق أيضا؟

سعيد حارب: من خلال {ولقد كرمنا بني آدم ..}[الإسراء:70] ليس هناك في الوجود شيء بعد العبودية لله من تكريم بني آدم وتكريم الإنسان وهي مسألة أساسية في مسألة الإبداع والعطاء والإنتاج، واسمح لي هنا أضرب مثلا بسيطا، مسألة الكرامة المرتبطة بالحرية، كلنا يعرف عنترة بن شداد ونقرأ في سيرة عنترة بن شداد، عنترة عندما جاءه والده ويعني هناك قبائل تغزو قبيلته قال له كر، يعني اذهب قاتل مع قومك، وهو ما زال في العبودية، فقال له إنما أنا عبد لا أعرف الكر وإنما أعرف الحلب والصر، يعرف ويحلب النوق، قال له كر وأنت حر، كلمتين فقط غيرت من عنترة وأصبح عنترة الذي نعرفه اليوم ونقرؤه في التاريخ..

عثمان عثمان: الفارس الشجاع الذي يضرب به المثل.

سعيد حارب (متابعا): أبدا، فالحرية عندما أعطيت لهذا الإنسان الذي كان مستعبدا وكان يقوم بالأعمال الوضيعة أو الأعمال الدونية أصبح عنترة الذي يشهد له التاريخ، فكرامة الإنسان هي المدخل لإنتاجية الإنسان في ظل غيبة حرية الإنسان وحقه في التعبير وحقه في العطاء وحقه في المشاركة وحقه في الإنتاج وحقه أن يحترم رأيه دون أن يكون في ذلك تجاوز لنظام معين أو لقانون معين أو لفضيلة معينة أو لقيمة أجتماعية معينة، إذا وجد الإنسان نفسه في هذا المكان فلا شك أنه سينتج وسيبدع، في عالمنا الإسلامي نحتاج إلى هذه المعايير، معايير الحرية، معايير الإبداع، معايير الإنتاج، ولكن جزء أساسي من هذا هو تكريم الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.

عثمان عثمان: عندما تتحدثون عن لجان، عن مؤتمرات، عن خطط إستراتيجية لدراسة واقعنا التعليمي في العالم العربي والإسلامي نتحدث أيضا عن مؤتمرات تعقد هنا وهناك، يأتي المؤتمرون وكأن هنا مقاولو مؤتمرات أصبحوا، يأتون يأكلون يشربون يتنزهون، ونتحدث عن سياحة المؤتمرات، هل تجدون في هذه المؤتمرات أي جدوى في معالجة واقعنا التعليمي؟

سعيد حارب: يعني هي كما تفضلتم وجزء كبير منها هي سياحة مؤتمرات مثل السياحة الطبية والسياحة الاجتماعية وغيرها، لكن أيضا ليست المسألة على إطلاقها هناك مؤتمرات فيها الخير الكثير إن شاء الله ولعل الجزء الأساس في هذا هو أن الناس تلتقي وتتحاور مع بعضها البعض. بلا شك أن هذه المؤتمرات يقدم في كثير منها خطط وبرامج ودراسات وأبحاث جيدة ولكنها للأسف لا تجد طريقها إلى النور وإنما تجد طريقها إلى الرفوف، معظمها تضمها ملفات المؤتمر أو الكتاب السنوي للمؤتمر أو لغير ذلك وتوضع على الرف، وهنا أيضا يعني نحن ننقل مرة أخرى نموذجا متبعا عند الآخرين، في الغرب عندما تذهب إلى مجتمع قبلها بثلاثة أشهر أو ستة أشهر أحيانا تأتيك البحوث وتقرأها وتعقب عليها ويعني تبدي ملاحظاتك وتذهب إلى المؤتمر من أجل المناقشة لا من أجل عرض الورقة الأساسية، في بعض المؤتمرات العربية تصل إلى المؤتمر وليس بيدك ورقة وليس بيدك بحث وإنما يخرج صاحب الورقة على المنصة ليلخص أربعين صفحة في عشر دقائق وبالتالي يصبح كأنها ندوة تثقيفية ويطلب من الجميع أن يشارك وأن يبدي رأيه وأن يطلق تصريحات وأن يعني توصيات وغير ذلك. لهذا أنا أعتقد أننا نحتاج إلى هذه المؤتمرات وبالذات المؤتمرات التربوية..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني إذاً أنتم في هذه المؤتمرات التي تتحدثون عنها توافقون من يقول بأنها مؤتمرات لتنمية التخلف أو مؤتمرات حالة التخلف؟

سعيد حارب: هي تنمية التخلف قد تكون يعني صعبة قليلا ولكنها حالة التخلف هي بالفعل في كثير منها، ولا أقول الجميع، في كثير منها هي صورة من حالة التخلف التي تعيشها الأمة وبالتالي كل الأموال التي تصرف والجهود والأوقات لا تثمر ثمرة جيدة في مثل هذه المؤتمرات وأعتقد أنه آن الأوان أن نتوقف عن عقد المؤتمرات وإذا جاز لنا أن نعقد مؤتمرات هو فقط لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في كل مؤتمر مضى، يعني هناك مؤتمرات الآن تعقد في المرة العاشرة والمرة الخامسة عشرة والمرة العشرين ولكن لا نجد لها حضورا في الساحة ومن هنا نحتاج إلى مؤتمر لنقول ماذا نفذ مما نتج من هذه المؤتمرات السابقة.

عثمان عثمان: هناك مئات التوصيات ومئات الخلاصات التي خرجت بها المؤتمرات فعلا بحاجة إلى وقفة..

سعيد حارب (مقاطعا):  هو طبعا بلا شك فيها الفائدة العلمية، يعني أيضا حتى لا نظلم، فيها الفائدة العلمية، الأوراق التي تقدم في بعضها في كثير منها أوراق علمية يمكن..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكنها بحاجة إلى إنزالها على أرض الواقع. فضيلة الدكتور تحدثت ربما في سياق الحلقة عن الخريجين من الجامعات الذين لا يجدون أعمالا تناسب مستواهم العلمي أو شهاداتهم أو تخرجهم، هل يمكننا الحديث هنا عن طاقات بشرية معطلة في عالمنا العربي والإسلامي؟

سعيد حارب: هي طاقات بشرية معطلة، بل لا أبالغ إذا قلت إنها قنابل موقوتة في مجتمعاتنا، كنا في مؤتمر من المؤتمرات وقدم أحد الزملاء عن بلده ورقة عن أزمة الخريجيين وكان هذا البلد هو بلد خليجي، عن أزمة الخريجيين وكان من الحضور من الناطقين بالعربية ومن الناطقين بغير العربية، وكانت هناك ترجمة، في الاستراحة خرج أحد المتحدثين بالإنجليزية وقال لو سمحتم أنا أريد أن أسألكم يبدو أن هناك خللا في الترجمة لأنني لم أستطع أن أستوعب الورقة التي قدمت قبل قليل، قلنا ولم؟ قال لأنه كان يتحدث عن البطالة في بلده ويبدو أن المترجم يخلط بين البطالة وبين عدم البطالة، فقلنا لا هو كان صادقا عندما كان يتحدث عن البطالة فاستغرب صاحبنا وقال أنا لا أفهم هذه المعادلة أن يكون لديكم بطالة من المواطنين وفي نفس الوقت هذا البلد يستورد آلاف العمال ليعملوا فيه! تكون البطالة عندما يكون هناك فائض في الخريجين، هذه المشكلة مرتبطة أولا بإعادة هيكلة التعليم، لا بد من إعادة هيكلة التعليم في هذه البلدان حتى يواكب احتياجات هذه البلدان أو ما يسمى بمتطلبات سوق العمل. الأمر الآخر مراجعة برامج التنمية لاستيعاب هؤلاء الخريجين، يعني في بلد عربي إسلامي خرجت مظاهرة لحملة الدكتوراه، مجموعة من حملة الدكتوراه لا يجدون وظائف وهذه المسألة ليست بالمسألة البسيطة، يعني إذا كان عندك هذه الكفاءات ولا تستطيع أن توفر لهم فرص عمل إلى أين يذهب هؤلاء؟! قد يعني ينحرفون قد يتاجرون لا سمح الله بالمخدرات قد تستهويهم أعمال العنف والتطرف وغيرها ولذلك أقول هذه إحدى مشكلات التنمية في مجتمعاتنا أننا لا نستطيع أن نستوعب هذه البطالة الهائلة والأكبر منها أن هناك بطالة مقنعة من خلال أيضا موظفين في بعض المؤسسات وفي بعض الشركات وغيرها ولكن لا أدوار حقيقية بالنسبة لهم.

عثمان عثمان: ربما هنا يطرح سؤال أيضا أننا لو وجدنا فرص عمل لهؤلاء الخريجين ولهذه الكفاءات ربما تغيب عملية التطوير، تطوير التخصص، برأيك هل هذه العمليات أيضا متاحة في عالمنا العربي والإسلامي؟

سعيد حارب: يعني المتاح قليل منها اللي هو إعادة التطوير الذاتي أو تطوير العاملين في المؤسسات، إحدى الشركات اليابانية استغنت عن 17 ألف عامل لديها في التسعينات في فترة الكساد فقامت شركة أخرى وأعادت صياغتهم أو إعادة هيكلتهم فدربتهم تدريبا جديدا وأدخلتهم إلى وظائف جديدة، ففرص التدريب أثناء العمل ما زالت محدودة في كثير من بلداننا العربية والإسلامية ولذلك تبقى الكفاءات جامدة وغير متطورة ولا تنتج.

عثمان عثمان: ما الحل دكتور؟

سعيد حارب: الحل هو في إعادة صياغة التعليم من جديد وفق متطلبات التنمية وفي، نبقى كما يقول الإمام الزرنوجي أن نتعلم طريقة التعلم لا أن نتعلم المادة العلمية فقط.

عثمان عثمان: كيف تنظرون إلى المستقبل وفق ما تقولون؟

سعيد حارب: أنا متفائل على الرغم من كل هذ الصورة التي قد لا تبدو ناصعة ولكنني متفائل، هناك حراك في العالم العربي والإسلامي، هناك وعي بأهمية أن يكون لدينا تنمية جيدة وأن يكون لدينا تعليم يخدم هذه التنمية، لعل الأمل في الأجيال القادمة إن شاء الله أن تحقق هذه المعادلة بين تنمية جيدة مع تعليم جيد إن شاء الله.

عثمان عثمان: حسبنا فضيلة الدكتور أننا فتحنا في هذه الحلقة مجالا للنقاش لم نغلقه أيضا لأن الحديث بحاجة إلى كثير نقاش ودراسات لنخرج من واقعنا. أشكركم الدكتور سعيد حارب أستاذ جامعي ونائب مدير جامعة الإمارات على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور طلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.