- وظيفة خطبة الجمعة وأسباب تراجع دورها
- واجبات الخطيب ومقومات الخطاب

- مواصفات الخطبة الناجحة

عثمان عثمان
علي عمر بادحدح
عثمان عثمان
: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته، أحييكم وأرحب بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة وذلك من العاصمة القطرية الدوحة. خطبة الجمعة تلك الفريضة التي أضحت عبئا على بعض المصلين فيأتونها متهاونين أو متأخرين حين يقارب الخطيب على الانتهاء من خطبته ليريحوا أنفسهم من سياط كلامه أو من السآمة التي تصيبهم جراء الاستماع إلى موضوعاته المكررة والمجردة التي لا تمس حياتهم إذ يجمع عليهم هما إلى همومهم، وآخرون يسارعون إلى أقصر خطبة تخفف عنهم العبء ويسقطون بها عن كاهلهم الواجب المفروض ليريحوا ضمائرهم، وبعض ثالث حول الخطبة إلى منبر يدير من خلاله صراعاته مع الآخرين. فلماذا شُرعت خطبة الجمعة؟ وما وجه القول بوجوبها؟ وهل تؤدي الغاية منها؟ ولماذا يضيع كثير من الخطباء هذه الفرصة الذهبية التي يتجمع فيها الناس كل أسبوع ليصغوا إليهم؟ وكيف ننهض بواقع خطبة الجمعة اليوم؟ خطبة الجمعة وكيف ننهض بها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور علي عمر بادحدح أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وهو كذلك خطيب وله مؤلف في الخطابة، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

علي عمر بادحدح: حياكم الله أهلا وسهلا.



وظيفة خطبة الجمعة وأسباب تراجع دورها

عثمان عثمان: بداية ما وظيفة خطبة الجمعة وما الدور المنوط بمشروعية هذه الخطبة؟

خطبة الجمعة مشروعيتها الوجوب بلا خلاف بين أهل العلم وهي ذات حكمة جليلة لأن الله سبحانه وتعالى شرعها لتكون الفرصة لتوصيل رسالة أسبوعية إلى كل مسلم
علي عمر بادحدح: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أولا مقدمتك غلّبت الجانب السوداوي ونحن نريد دائما أن نستصحب التفاؤل ونركز على الجوانب الإيجابية. خطبة الجمعة مشروعيتها الوجوب بلا خلاف بين أهل العلم وهي ذات حكمة جليلة لأن الله سبحانه وتعالى عندما شرعها هيأ الفرصة لتوصيل رسالة أسبوعية تصل إلى كل مسلم على وجه الأرض وبالتالي نستطيع أن نقول إن الدور لهذه الخطبة مهم سواء في التوجيه والإرشاد أو في التقويم والتعديل أو في الربط بالواقع والنظر إلى أحداثه وكيف تُفهم، ولها في الحقيقة من حيث تكرارها ودوامها ثقل كبير لو أنه استُثمر كما أشير في المقدمة فرصة ذهبية أسبوعية لها مزايا في الحقيقة أن الناس يأتون إليها من واقع التشريع والوجوب الشرعي يأتون إليها من المفترض مبكرين مغتسلين متهيئين، يأتون إليها وعليهم السكينة والوقار، والتشريع يلزمهم بأن يصغوا وأن ينصتوا "ومن مس الحصى فقد لغا"، فهناك عوامل كثيرة تجعل المتلقي بحكمة التشريع مهيأ تهيئة كاملة لكي ينتفع بهذه الخطبة فالشريعة أحكمت هذه لكي تؤدي دورا مهما ورسالة عظيمة. الإشكالية التي ربما أشير إليها أن الأداء عندما لم يكن على المستوى المطلوب ولا يؤدي الغاية المنشودة انعكس أيضا على المستمعين أو على جمهور الخطبة..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هذه التفاصيل سنخوض فيها إن شاء الله في مرحلة لاحقة. البعض يتحدث عن الأثر العميق لخطبة الجمعة في تشكيل السلوك والفكر وفي صياغة الرأي العام في مقابل الإعلام، هل ترون فعلا أن لخطبة الجمعة هذا الأثر الكبير في هذا السياق؟

علي عمر بادحدح: لا شك أن خطبة الجمعة باعتبار دوريتها وتكرارها باعتبار عظمتها ومنزلتها لها الدور الإعلامي القوي المؤثر إذا أدّيت على الوجه المطلوب وكان القائم بها مؤهلا يحسن استثمار العلم الذي عنده والخبرة التي يكتسبها والربط بحياة الناس ومعاشهم فلا شك، وهناك مزية مهمة في الحقيقة أن المسلمين بطبيعتهم لهم تقدير وحرمة وتعظيم للشعائر وللمسجد وللجمعة وإمامها وخطيبها وعندما يكون على المستوى المناسب لهذه المهمة فإن قوله في كثير من الأحيان يُقدم على قول وسائل الإعلام. كنت أقول كثيرا إن المنبر في حقيقته أنزه قصدا فهو مجرد عن الأهواء الأصل وإنه أصدق قولا لأنه يتحرى ولا يكون مجرد ناقل لأي إشاعة وإنه أيضا أخلص مقصدا لأنه يريد وجه الله سبحانه وتعالى وهو كذلك إذا صح التعبير أكثر حرية لأنه يقول الحق الذي يدين الله سبحانه وتعالى به. هذه الاعتبارات عندما تتوفر من تجربة خاصة أعتقد أن الناس بالفعل يصغون ينتظرون من هذا المنبر أن يوجههم أن يخبرهم بالرؤى العامة الكليات التي يمكن أن يفهموا في ضوئها الأحداث، أن يقوم أيضا سلوكياتهم وربما يعني لدينا شاهد ربما من الشواهد الحديثة القريبة عندما وجهت الإساءات للنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الرسوم كان دور المسجد في ضبط وفي توجيه وفي منع الناس من الانفعالات الخاطئة كان له دور كبير بغض النظر عن طبعا التفاوت. والمشكلة الأساسية في نظري أن ليس هناك دراسات ولا إحصاءات يعني عملية عن خطبة الجمعة وعن دورها وعن الخطباء وأهليتهم، انطباعات عامة ومعلومات ربما تتفاوت من بلد إلى بلد ومن مدن إلى قرى ومن بيئة تتوفر فيها أجواء من الحرية إلى بيئة يغلب عليها النمطية ونوع من الحدود الكثيرة التي تقيد الخطبة أن تؤدي دورها ورسالتها.

عثمان عثمان: طبعا المستمع لخطبة الجمعة ربما يستمع انطلاقا من عمل تعبدي استماعه تعبدي بينما استماعه إلى وسائل الإعلام الأخرى لا يأتي بهذا السياق. نتحدث فضيلة الدكتور عن الدور الكبير لخطبة الجمعة كما ذكرتم لكننا نلحظ تراجعا كبيرا لهذا الدور لماذا برأيكم؟

علي عمر بادحدح: لا شك أن العوامل كثيرة وكل الناس سيذكرون دائما عاملا يعدونه عاملا رئيسا وأنا أعده كذلك لكن أريد أن ننظر إليه بنظرة متوازنة وهو عامل ضعف تأهيل أو أهلية الخطيب لأن هذا العامل هو أبرز عامل له تأثير لأن القوة العلمية والعملية في الأداء تغطي الكثير من الجوانب الأخرى من النقص. ولكن أيضا لماذا هذه الأهلية ضعيفة؟ هناك طبعا حينئذ أسباب مختلفة، لا نلقي باللائمة على كل إمام وخطيب. من الأسباب في الحقيقة أيضا هو إذا جاز التعبير التدخل الذي يحجم أو يعترض أو يحاول أن يؤطر دور الخطيب بحيث يفقده إذا صح التعبير مصداقيته التي يتلقى به عنه الناس، أيضا تصرفات الخطباء في تصوراتهم التي تكون أحيانا خاطئة فهو يندفع باتجاه مثلا تغليب دائما جانب الأخطاء والانحرافات فلا يكاد الناس يسمعون منه إلا النقد أو لا يكادون يسمعون منه إلا الوعيد بأن الناس قد فسدوا وأنهم قد هلكوا وهذه اللغة التأييسية أو اللغة التي تهاجم الناس لا تبني وبالتالي هذه أيضا عامل من عوامل ضعف وانفصال ما بين الخطيب وما بين جمهوره، لذلك ينبغي أن يكون هناك توازن. من العوامل أيضا في الحقيقة هو الضعف الشامل لأمتنا لأن الأفراد الآن الذين ذكرت أن عندهم عبء ثقيل ويريدون أقصر خطبة هذا ليس.. الخطيب ليس هو الذي يربيهم ويعلمهم هناك وسائل إعلام تؤثر عليهم هناك مناهج تعليم تلقوها هناك شارع هناك انفتاح اقتصادي وعولمة أضعفت الإيمان أضعفت الاهتمام والارتباط بالدين في شتى صوره في المسجد الارتباط بالحكم الشرعي، اليوم بعض المسلمين ينطلق في الحياة دون أن يكون في حسه ولا في مشاعره أنه ينبغي أن يستفتي أو أن يعرف حكم الله سبحانه وتعالى في هذه الممارسات.

عثمان عثمان: ذكرتم فضيلة الدكتور يعني عددا من الأسباب التي كانت وراء تراجع الدور دور خطبة الجمعة في توجيه الناس وإرشادهم وذكرتم يعني الأمر الأساس هو الخطيب وضعف الخطيب وعدم تأهيل الخطيب، من الذي يتحمل المسؤولية في هذا الإطار يعني؟ ما مسؤولية وزارات الأوقاف دوائر الأوقاف ما مسؤولية الجامعات الإسلامية والمعاهد الشرعية ما مسؤولية الخطيب نفسه؟

وزارات الأوقاف في بلداننا العربية لا تعطي لخطبة الجمعة مكانتها المادية والمعنوية، وأغلب الذين يتولون الخطابة يتولونها إما تطوعا أو كوظيفة إضافية

علي عمر بادحدح: أنت ذكرت دوائر المسؤولية كلها وفي الحقيقة يعني أبرز دور يعني أستطيع أن أقول هو جوهري ومحوري هو كيف هي النظرة إلى الخطيب، لو نظرنا هذه المهمة على أنها مهمة ذات أثر فعال وذات ثقل ووزن في المجتمع الإسلامي لتهيأت الجامعات الإسلامية أن تعد برامج لا أقول حتى على مستوى الدراسات الجامعية بل حتى والدراسات العليا لأن فنون الخطابة وعلمها وتفريعاتها للأسف لا نكاد نجد في المعاهد الشرعية إلا برامج محدودة وقليلة وبعضها يعنى في الجانب العلمي فقط بمعنى جانب الأحكام الفقهية وبعض القضايا المتعلقة في الخطبة وفقهها ولا يوسع مدارك الخطيب في الجوانب الحياتية والمعاشية الأخرى. وزارات الأوقاف يعني للأسف أستطيع أن أقول إنه يغلب عند جمهور الناس أنها ذات سمعة ليست إيجابية تجاه هذه الرسالة في الخطبة وإن كنت أنا لا أحب التعميم ولا أحب النقد بدون أن ننظر إلى جوانب الإشراقات ولكن لا أعلم في كثير من هذه الوزارات أنها تتبنى ابتداء تأهيلا خاصا لا يرقى المنبر إلا من يمر عبره وأيضا للأسف لا يعطون هذه الوظيفة مكانتها بمعنى لا تعطى مكانتها المادية ولا المعنوية وأغلب الذين يتولون الخطابة يتولونها إما تطوعا أو كوظيفة إضافية إضافة إلى وظائفهم الأخرى أو الأساسية، فوزارات الأوقاف لو أنها عُنيت بالإعداد والتأهيل لسد ثغرة كبيرة، صحيح أن الخطيب بذاته وبجهده يمكن أن يكون له دور وهنا يتميز الخطباء بعضهم عن بعض لكن لا من الناحية المعنوية ولا من الناحية المادية ولا من الناحية النظامية لا أشعر أن المكانة لخطبة الجمعة ولخطيبها مناسبة من خلال وزارات الأوقاف والمنظومات الحكومية في بلادنا العربية والإسلامية، من هذه الجوانب في الحقيقة يصبح الضعف لأن الجهد الفردي يظل محدودا وحتى الجهد الذي يمكن أن يكون مؤسسيا لبعض المؤسسات الخيرية لا تستطيع أن تقوم لأنه عندما نتحدث عن عالم إسلامي اليوم مليار ونصف المليار أو نحو ذلك، كم نتصور مسجدا؟ كم جمعة تقام؟ ولذلك دائما أقول لو أن عندنا فعلا الإعلام أو وسائل الاتصال اليوم متاحة، لو أن عندنا قدرة توصيل فكرة ومفهوم جيد لكل مثلا قُطر أو كذا يمكن أن نوصل رسالة قوية، لكن لا الوسائل متاحة ولا الإمكانات متاحة ولا حتى الوضع الاجتماعي بالمناسبة يعني في بعض البلاد الخطيب هو إنسان من أضعف الناس أو أفقرهم أو مكانته الاجتماعية..

عثمان عثمان (مقاطعا): الجانب المادي التغطية المادية لنشاط هذا الخطيب والداعية.

علي عمر بادحدح: وحتى النظرة الاجتماعية يعني للأسف يعني..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور ولكن يعني أنتم ذكرتم في سياق حديثكم عن أن الناس ربما لا يدركون أهمية أو بعض الناس أو الكثير من الناس لا يدركون أهمية خطبة الجمعة لا يتعاطون مع خطيب الجمعة بالمستوى المطلوب بموقعه، ولكن البعض يسأل يعني هذا المسلم الذي يأتي إلى خطبة الجمعة لا يسمع إلا كلاما نمطيا لا يسمع إلا تكرارا لخطب الجمعة وللأفكار لا يسمع إلا حديثا عن عذاب القبر حديثا عن الموت، هذه الخطب بعيدة بشكل كبير ربما عن واقعه وحياته، ما رأيكم؟

علي عمر بادحدح: أيضا هذا كلام صحيح لكن كما قلت التعميم لا يصلح وليست للأسف لدينا أي دراسات ولا يعني استبيانات ولا معلومات حقيقية عن هذا ولكن نستطيع أن نتحدث عن النمط، النمط الموضوعي لخطبة الجمعة في تصوري يحتاج إلى أن يكون ضمن أطر أساسية منها كليات الإسلام ومحاسنه ومقاصده العظمى هذا محور مهم جدا من المحاور التي ينبغي العناية بها. القضية الأخرى روح وحكم العبادات والفرائض والشرائع. اليوم عندما نتحدث عن الحجاب مثلا على سبيل المثال قد يتحدث الخطيب بأن الحجاب مفروض وأنه مشروع وأن التي لا تتحجب كذا وكذا لكن أيضا كان من المهم جدا وخاصة في عصرنا هذا أن يتحدث عن الحكمة عن المنافع عن أن التشريع عندما يُطبق يحقق المصالح ويدفع المفاسد ويربط بالواقع ويثبت للناس من خلال الواقع أن الأخذ بهذا التشريع يحقق لهم خيرا كثيرا ويدفع عنهم مفاسد وشرورا وجدت في مجتمعات أخرى. غير الحكم والمقاصد أيضا يمكن أن يتحدث كما بلورت عن جانب مهم جدا وهو جانب الأخلاقيات والسلوكيات والميزة عندنا في الأخلاق ليس فيها اختلافات ليس عندنا أخلاق على مذهب الشافعي وأخلاق على مذهب أبي حنيفة السلوك مهم الدين المعاملة قضية ينبغي أن يحسن الخطيب طرقها، الربط بالتاريخ الإسلامي لكن لا ربط لأن نعيش في التاريخ فقط وإنما لنستمد منه الرؤى والعبر والدروس وهذه قضية واسعة جدا سواء تناول بعض الشخصيات أو تناول بعض الأحداث، أيضا الأنظمة الإسلامية عندما تتحدث عن أن الإسلام نظام اقتصادي عام بشكل مبسط وبأطر عامة وأن له نظاما اجتماعيا في الأسرة هذه المعاني عندما يركز عليها الخطيب في الحقيقة يستطيع أن يربط الناس. وأضيف أيضا أمرا هو من الموضوعات وفي نفس الوقت من المنهجية، من الموضوعات أن يكون محور الموضوع هو آية أو مجموعة من الآيات ينطلق منها ليربط الناس بالقرآن وبآدابه أو حديث أو بعض الأحاديث التي فيها بالذات كما نقول يعني "سبعة يظلهم الله" فيتحدث عنها بتفصيل. ولكن أنا أيضا أرى أن من الأسباب التي يعزف لها الناس أن الخطبة هي نمط من القول يختلف ليس هو محاضرة وليس هو الموعظة التي تكون خاصة فقط بترقيق القلوب ولها مواصفات، هي نمط يركز على كليات ويبث النصوص الشرعية وبالذات الآيات والأحاديث ويقدم روحا من الحيوية والغيرة والتفاعل ويشعر الناس بحاجتهم إلى ما يقوله الخطيب، دائما أحب أن..

عثمان عثمان (مقاطعا): إضافة إلى ما ذكرتم فضيلة الدكتور طبعا نريد أن يكون هناك بعض المشاركة بيننا وبينكم إضافة إلى ما ذكرتم من الواجب على الخطيب أن يتناوله في الجانب العبادي والسلوكي والأخلاقي، البعض يريد من خطيب الجمعة أيضا أن يتحدث في الاقتصاد..

علي عمر بادحدح: عن السياسة.

عثمان عثمان: أن يتحدث في السياسة، هل يجب على خطيب الجمعة فعلا أن يتناول هذه الموضوعات؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

واجبات الخطيب ومقومات الخطاب

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن خطبة الجمعة وكيف ننهض بها مع الدكتور علي بادحدح أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة. فضيلة الدكتور هل من الواجب على الخطيب أن يتحدث في الشؤون العامة في الشؤون السياسية في الشؤون الاقتصادية وغيرها؟

علي عمر بادحدح: لا شك طبعا أن هنا تجاذبان أحب أن أشير إليهما، بعض الذين يعني قد يبالغون وأحيانا يتهمهم الناس بفصل الدين عن الدولة يقولون ما للمنبر وللسياسة والاقتصاد، وطرف آخر فحوى كلامه أنه يريد أن يكون المنبر في المسجد كأنه قبة برلمان أو كأننا في البورصة.

عثمان عثمان: ما المطلوب بين الرأيين؟

علي عمر بادحدح: أي نعم. نحن نقول الإسلام اقتصاد وسياسة واجتماع ولا شك في هذا ولن يتغير هذا وهذه هي طبيعة هذا الدين وفاعليته في الحياة، ولكن خطبة الجمعة كما أشرت في حديثي السابق تتناول الكليات فعندما نتحدث عن السياسة لن ندخل في تفاصيل أحداث سياسية ونفصل برنامجا سياسيا ونتحدث عن أحداث بعينها بتفاصيلها وإلا صارت هذه نشرة أخبار من الجزيرة أو من غيرها لا أدري، فالتشقيق والتفريع سواء في الاقتصاد أو في السياسة أو في هذه الجوانب العامة لا يحسن ولكن تناولها مهم وتناولها ينبغي أن يكون أولا عن علم وخبرة ودراية لأن بعض من يتعاطى الشأن العام وهو لا يدرك قد يأتي بأمور في الحقيقة يدرك المتخصصون وبعضهم من جمهور الخطبة أنه أبعدَ النجعة وأنه لم يدرك ولم يفهم حقيقة الأمر، أقول يتناولهم حيث الكليات المقاصد الأساسية مثلا قلنا انتخابات على سبيل المثال إذا كانت هناك اتجاهات يعني لا إسلامية نهائيا شيوعية وكذا فيقول إن الانتخاب أمانة وإن الإنسان ينبغي أن يختار من يعني يمثل هوية هذه الأمة ومن يمثل دينها ومن يحقق مصالحها ولكنه لا يخرج إلى تفصيل ويعين وكذا...

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن هذه الجزئية بالذات موضوع الانتخابات، سأترك لك المجال، هناك بعض المحاذير والمخاطر هذا الخطيب خطيب الجمعة ربما ينتمي إلى تيار سياسي معين له آراء فكرية أو سياسية معينة ألا يُخشى أن يوظف هذا المنبر الذي له منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسويق هذه الأفكار الخاصة؟

علي عمر بادحدح: نعم لذلك قلت أنا إن المنبر أنزه وأخلص وأصدق فمن لم يجد في نفسه قدرة على أن يمثل الحيادية التي تمثل المصلحة العامة وروح الإسلام وكلياته فينبغي له في الحقيقة أن يتنحى لأنه لا يصح.. فعلا أنا أؤيد الذين يقولون إنه لا ينبغي أن يُستغل المنبر لاتجاه معين سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو غير ذلك، لكن خدمة الإسلام هي حقيقة دور هذا المنبر، ولذلك أقول نتناول الشأن السياسي ولا بد لأن الانعزال عنه كأن الخطيب وكأن الجمعة وكأن الإسلام لا يرتبط بالحياة، نتناوله ولكن كما قلت تناول كلي التناول الذي يعني يبين القول في ما هو معارض تماما وخارج عن دائرة الإسلام ويتناول في الحقيقة أيضا برؤية مهادئة، الانفعال كثيرا ما يغلب في القضايا الواقعية والانفعال في نظري ليس حسنا وأيضا ليس، أنا ممن أرى أنه لا يُذكر في المنبر أي اسم ولا أي رسم ولا أي جهة مطلقا لو كانت أسوأ الجهات لأن المنبر كما قلت هو منبر الرسول عليه الصلاة والسلام وليس لتصفية أية حسابات حتى مع الأعداء، نحن لا نتكلم عن الصفة نتكلم عن الحقيقة والرسول كان يقول "ما بال أقوام" يرتقي المنبر يقول ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا وهو يعلمهم والمنافقون كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وكان يتكلم بمعالجة قضاياهم دون أن يعين لا أسماءهم ولا يعين الصفة أحيانا التي بها يصبح الأمر واضحا، حتى الاقتصاد لماذا لا يتحدث الخطيب عن الغلاء؟ لماذا لا يتحدث عن الغش وارتفاع الأسعار؟ لماذا لا يتحدث والرسول عليه الصلاة والسلام مارس ذلك ووجه الناس إليه؟ لكنه قطعا لن يكون محللا اقتصاديا. أنا خطبت عن الأسهم عندنا في السعودية عندما انهارت وصعدت لم أدخل في الأسهم وسعرها دخلت عن الروح كيف تعلق الناس بالمادة كيف ألهتهم وصرفتهم كيف لم ينظروا إلى بعض الجوانب الشرعية كيف انهارت آمالهم عندما.. يعني أمور أخرى نستنبط منها روح هذه القضايا وجوهرها. هذا يعني أتوقع أنه الاتجاه المناسب للخوض في هذه الجوانب المختلفة.

عثمان عثمان: يعني هذا في الجانب السياسي في الجانب العام، ماذا بشأن الجانب الفقهي؟ يعني بعض الناس يتبنون آراء فقهية معينة يعني يصعدون المنبر يتحزبون لهذه الآراء الفقهية يطردون خارجا أي رأي يخالف رأيهم.

علي عمر بادحدح: قبل سأعلق على هذا وأجيب عنه، المنبر هو يجمع والمسجد يأتيك فيه من كل لون يعني يختلف أنا في الجامعة أدرس أمام الطلاب لهم صفة معينة، في أي مكان في جمعية محددة المسجد جمهوره مسلمون هذه الصفة لذلك إذا اتخذ الخطيب وجهة معينة فسوف يكون معه بعض الناس وسوف يقاطعه آخرون بغض النظر عن الموضوع، أتكلم ليس فقهيا وإنما كما أشرت بينما عندما يمثل روح الإسلام وربط الناس به وتحقيق المصالح حينئذ يكون يعني له مسار صحيح، مثلا القضايا الفقهية ليست أيضا الجمعة مكانا للتفصيل الفقهي الكامل ولكن من المهم تنبيه الناس على ذلك، أنا أقول دائما نرتبط بالحكم ونركز على أثر هذه الأحكام والفقه والعبادة لأن الأحكام دائما أقول مثلا على سبيل المثال الطلاق سورة الطلاق هذه سورة فيها أحكام الطلاق كثيرة لكن كلها مليئة بآيات التقوى وكل آيات التقوى التي يحفظها الناس {.. ومن يتق الله يجعل له مخرجا}[الطلاق:2] موجودة في سورة الطلاق، لماذا؟ لأن الإسلام..

عثمان عثمان(مقاطعا): إذاً عدم تناول الأحكام الجزئية الفقهية..

علي عمر بادحدح: إلا إذا عنّ للناس شيء فيبين لهم وليس بالضرورة أن يكون هو مرجحا وإذا رجح..

عثمان عثمان(مقاطعا): لنسمع فضيلة الدكتور لنسمع بعض الآراء، معنا الدكتور محمد حبش خطيب جمعة في دمشق مرحبا بكم دكتور.

محمد حبش: أهلا وعليكم السلام ورحمة الله.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، دكتور، خطبة الجمعة كيف يمكن أن نعيد لها دورها وأن ننهض بها من جديد؟ باختصار دكتور.

محمد حبش: لا توجد أمة من الأمم تمتلك ما تمتلكه الأمة الإسلامية على منبر الجمعة، منبر الجمعة حتى الآن لا يزال أكبر محرك للرأي في كل البلاد الإسلامية من أندونيسيا إلى جاكرتا من أندونيسيا إلى موريتانيا وحتى في العواصم الأوروبية التي يتجمع فيها المسلمون، أنا أريد أن يدرك الخطيب خطورة الرسالة التي أوكلها الله إليه، الخطيب عندما يقوم على المنبر فهو مؤتمن على علم الناس وثقافة الناس ومعرفة الناس والخطيب الذي لا يحضر جيدا هو خطيب لا يحترم جمهوره ولا يحترم الناس ولا يحترم نفسه ولا يحترم الأمانة التي أوكلها الله عز وجل إليه وأشفقت منها السموات والأرض والجبال. أمر آخر يجب أن يعلم الخطيب الآن أن الناس لم تعد جاهلة يعني ليس يالضرورة أن القائم على المنبر هو أكثر علما من الجالسين على الأرض ليس بالضرورة أن القائم على المنبر هو أكثر معرفة من الناس، قد يكون في سواد الناس الذين يجلسون من هو أفقه منه في سائر المعارف حتى في علوم الشريعة، لذلك الخطيب مدعو أن يحترم علمه ويحترم الناس عندما يصعد على المنبر حق على من يصعد المنبر أن يترك الفحشاء والمنكر ويحسن القول الذي قاله ويحسن السر الذي أضمر. أنا استمعت يعني لموقف الشيخ جزاه الله خيرا في تنزيه المنبر عن أسماء الناس وعن المواقف الشخصية للناس وأنا أؤيده في هذا وأعتقد أن المنابر لا يجوز أن تنحدر إلى المصالح الضيقة ولو كانت ترتبط في كثير من الأحيان بأحداث عامة ذات شأن ولكن لنحفظ حرمة المنبر وكرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم..

عثمان عثمان(مقاطعا):{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا}[الجن:18].

محمد حبش: نعم في الواقع هذا استئناس في مكانه لأن هيبة المنبر وهيبة خطبة الجمعة ينبغي أن تقترن في نفوس الناس بالمصداقية والشفافية، عندما يفقد المنبر مصداقيته تسقط آخر قلعة من قلاع القيم التي يعرفها الناس والتي يعيشها المجتمع، علينا..

عثمان عثمان(مقاطعا): الدكتور محمد حبش خطيب مسجد في العاصمة السورية دمشق، نأخذ أيضا فضيلة الشيخ عبد السلام البسيوني خطيب مسجد أيضا في العاصمة القطرية الدوحة، السلام عليكم دكتور.

عبد السلام البسيوني: وعليكم السلام ورحمة الله، الله يمسيكم بالخير وللسادة المشاهدين أجمعين والدكتور علي.

عثمان عثمان: يا مرحبا بك دكتور، طبعا السؤال يتكرر كيف ننهض بخطبة الجمعة من جديد لتأخذ دورها الريادي؟

عبد السلام البسيوني: والله دعوني أغرد خارج السرب سيدي وأقول..

عثمان عثمان(مقاطعا): لا تبتعد كثيرا فضيلة الشيخ..

عبد السلام البسيوني: إن شاء الله، رويدكم يعني جلدكم للخطباء. يؤسفني أن أقول إننا لا نعد خطباء محترفين مؤهلين وإن العالم الإسلامي يستخرج خطباء من حملة الإعدادية والثانوية في كثير من الأحيان في أنهم يبعدون عن المنبر علماء أجلاء لا يجدون فرصتهم لصعود المنبر، هناك أبعاد سياسية في هذه القضية سيدي تجعلنا لا ننهض بالخطبة، الخطيب ينبغي أن يعد كما يعد الطبيب وكما يعد المهندس وكما يعد الضابط ينبغي أن يعد الخطيب أن يؤهل وخطبة الجمعة خطبة ينبغي أن تكون ميدانية بعيدة عن التجريبيات والتحليق التهويني المثالي، وأنا أقول دائما تعلم أيها الخطيب كيف تحك ظهر من أمامك، ما هي أولوياته؟ ما هي قضاياه التي تشغله؟ حدثه عن أهله حدثه عن أولاده حدثه عن أمواله حدثه عن صحته حدثه عن آخرته حدثته عما يهمه، ولا تحلق كثيرا فإنه سينام منك. والخطيب الذي ينجج هو الذي يستطيع أن يُجلس من أمامه مبحلقين منصتين مركزين معه مهما طال به الأمر وإلا فإن هناك خطباء ينام منهم الناس بعد خمس دقائق لأنهم يتكلمون فيما لا يشغل الناس في كثير من الأحيان. أقول ينبغي أن تكون هناك هيئات تخرج الخطباء بشكل أكاديمي، أنا عرفت الكثير من المؤسسات في العالم الإسلامي التي تصطفي خطباء من الجهلاء في كثير من الأحيان، أنا أعلم أساتذة في كلية الشريعة وكلية الدعوة لاحق لهم أن يخطبوا الجمعة لأنهم لا يملكون ترخيصا في حين أن أناسا آخرين أشباه متعلمين يملكون كبار المنابر في بعض الأحيان ويتكلمون ويتجاوزون ويسفّون ونقول إن هناك إسفافا في واقع خطبة الجمعة، أقول ينبغي أن يؤهل والآن انتقلنا أيضا إلى بعد أرحو أن ينتبه له أن كثيرا من خطب الجمعة تنقل على التلفزيونات الآن يعني انتقلنا من الدعوة الفردية ثم الجماعية إلى دعوة عالمية، الخطبة قد يستمع لها ملايين كثيرة في بعض البلاد يعني إذا فضيلة الشيخ فلان إذا خطب في بعض البلاد استمع الناس جميعا له فصارت الخطبة الآن ذات بعد عالمي أيضا.

عثمان عثمان(مقاطعا): فضيلة الشيخ اسمح لي، أنا ممن حضر عندك خطبة وأسمع أنك تتحدث في خطبة الجمعة باللغة العامية حتى باللهجة المصرية حتى أنك تدخل بعض العبارات اللاتينية أو الانجليزية أو غيرها، هل هذا ينسجم مع روحية الخطبة وسياقها؟

عبد السلام البسيوني: يعني الجمهور هو الحكم سيدي وجمهور المستعمين يحضرون والجامع يمتلئ ويملتئ ويمتلئ بطابقيه وبالشارع حوله لأن الناس كما قلت لكم يحتاجون من يكلمهم بلسانهم. أنا أولا من عشاق الفصحى وأنا شاعر وأنا من رابطة الأدب الإسلامي منذ إنشائها فعندي عصبية للعربية طبيعية جدا فعندي دواوين مطبوعة ومسرحيات فأنا من المولعين بالعربية لكن لكل مقام مقال أخي الكريم، فهناك إذا خاطبنا الأطفال استخدمنا لهم لغة وإذا خاطبنا الناس استخدمنا لهم لغة وإذا خطابنا الأكاديميين والنخب استخدمنا لهم لغة وقد أتنزل في الخطاب للجمهور المنوع كنوع من الشد والترغيب وهذا يؤتي أكله وقد رأينا العلامة الشيخ الشعراوي ويترجم كلام الإمام الرازي وأئمة التفسير إلى لغة عامية سهلة جدا وتذوقها الناس في العالم الإسلامي كله..

عثمان عثمان(مقاطعا): فضيلة الشيخ عبد السلام البسيوني خطيب جمعة في الدوحة شكرا جزيلا لك. فضيلة الشيخ يعني طرح عدة قضايا كذلك الدكتور محمد حبش ربما تحتاج هذه النقاط إلى حلقات وحلقات ولكن ذكر مسألة أساسية الشيخ عبد السلام البسيوني تتعلق بموضوع نقل خطبة الجمعة عبر شاشات التلفزة إلى كل أنحاء العالم، أي دور على خطيب الجمعة عندما تصبح خطبته عالمية التوجه؟

تنقل الخطب عبر مواقع الإنترنت يضاعف من مسؤولية الخطيب ويضاعف عليه التفكير بموضوعاته ولغة خطابه
علي عمر بادحدح: هذا طبعا في بعض المساجد مثل الحرمين وبعض المساجد الكبيرة ولكن أقول الآن أيضا تنقل الخطب عبر مواقع الإنترنت وفي كل المساجد هذا في الحقيقة يضاعف مسؤولية الخطيب ويضاعف عليه التفكير بموضوعاته ولغة خطابه لأنه هو يحدث الجمهور الذي أمامه لكنه يستشعر ويستحضر أن الذين يسمعونه هم جمهور أوسع من هذا الجمهور الذي أمامه ومن هنا ربما ما ذكرته في الحديث السابق ينسجم مع هذا وإذا تكلم هو عن الكليات العامة والمقاصد العظمى والحكم في التشريع وروح هذا الدين ويهمني كثيرا هو الربط وتقوية الإنتماء بالدين والأمة بغض النظر عن التوجهات السلوكية المحددة حينئذ يمكن أن تكون لغته قابلة لأن يسمعها المسلم الذي يقطن في المشرق فيسمعها في المغرب لأنه لم يتناول القضايا بتفاصيلها الدقيقة وإنما بنظراتها الكلية لذلك أنا أقول من الموضوعات التي تشد الناس من الناحية الإجتماعية، وكما قلت خلقيا وتعامل الناس في تعاملاتهم المادية والحياتية والاجتماعية والأسرية واليوم أصبح موضوع الأسرة وداخل الأسرة يعني كالوتر الحساس كالعرق الذي يعني إذا أصبته استدعيت انتباها لأن هناك مشكلات.

مواصفات الخطبة الناجحة

عثمان عثمان: نعم بهذا الإطار تحدث الدكتور أو الشيخ عبد السلام البسيوني حول مقال لك مقام مقال إلى أي مدى يمكن للخطيب أن يتحدث بلغة من يستمعه أو يجلس في مسجده؟

علي عمر بادحدح: هو طبعا لا شك أنا أريد أن يقدر المستمعون العبء والجهد الذي عند الخطيب، المستمع يأتي ويجلس ويستمع بينما الخطيب كل أسبوع ينبغي أن يفكر في موضوع وأن يعيش معه وأن يجمع مادته وأن ينظر في شواهده فهذا العبء ينبغي أن يقدر وكما ذكر الشيخ عبد السلام أن لا نبالغ في الجلد والنقد، لكن فعلا "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟" هذا قول علي رضي الله عند البخاري، وأيضا قول ابن مسعود عند مسلم "ما أنت بمحدث قوم حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، فينبغي مراعاة مقتضى الحال مراعاة المخاطبين والنبي عليه الصلاة والسلام نوع خطابه بحسب من يسأل وبحسب الناس، ولكن هناك صعوبة في الحقيقة صعوبة في تنوع الجمهور وهناك الأمر الذي أشرت إليه..

عثمان عثمان(مقاطعا): هناك إشكالية بسيطة، تتحدثون عن صعوبة التحضير للخطبة واختيار الموضوع وكذا ونحن نعلم أن هناك بعض الخطباء كما ذكر فضيلة الشيخ البسيوني منذ قليل لا يملكون المؤهلات الكافية لصعود هذا المنبر وللتحدث إلى الناس، لماذا لا يتركون هذا المجال؟ نحن نعلم في بعض البلدان العربية والإسلامية هناك من يعمل واسطات ربما يدفع رشى ليصل إلى هذا المنبر وإلى هذه الوظيفة؟

علي عمر بادحدح: ولكن أيضا في المقابل هناك من وضع في هذا المكان وهو لا أقول لا يريده وإنما هي وظيفة موجودة بمعنى أنه ليس بالضرورة أن الخطيب هو الملام ولكن أيضا من يعينه كما الشيخ ذكر الدكتور عبد السلام ذكر بأنه هناك من يحملون الشهادات العليا يتخصصون في الشريعة في الدعوة ولكنهم يمنعون من المنابر وهذه المفارقة هي التي تسبب لنا الإشكال فعلا أنا أعرف أن معظم من يرتقي المنبر ليس هناك برنامج معد له يلزمه بأن يتدرب ويتعلم وعلى بعض الجوانب، أكثر ما يمكن أن يكون هو مؤهلا بشهادة شرعية في مجال من المجالات ولكن أيضا أحيانا يفتقرون أيضا إلى هذا التأهيل، فلذلك يعني ماذا ننتظر إذا دفع هذا الخطيب في هذا المكان وحتى لو هو كان حريصا عليه وأخذ الواسطات، طيب ثم ماذا؟ لماذا نمكّن نحن من ليس مؤهلا؟ وهذا التمكين طبعا هناك معروف في كل العالم الإسلامي وفي البلاد العربية هناك مساجد تابعة للأوقاف أو تعتبر حكومية وهناك مساجد أهلية، بعض المساجد ونظام أن هناك فرصة لأصحاب المسجد وأصحاب الحي أن يختاروا خطيبا وهذا أوفق ومناسب جدا لأن الناس أيضا لهم نظرة، وبالتالي إذا جاءهم الخطيب المناسب يعني يكرمونه ويتعاونون معه ويسرون إليه بالموضوعات ويتفاعلون معه..

عثمان عثمان(مقاطعا): الخطبة تبقى هي محور الحلقة ومحور العملية بالشكل الكامل لو أردنا أن نتحدث عن الخطبة الناجحة التي تؤدي دروها ما هي مواصفاتها؟

علي عمر بادحدح: في تصوري أولا حسن الاستهلال مهم جدا الكثير من الخطباء لا يعتني إلا بتحضير الموضوع لكنه لا يحضر المقدمة أو الاستهلال، الأمر الثاني كما يقول أهل العرض والإلقاء والمهارات وهي صحيحة أن يبدأ بما يشد الناس إليه إما بسؤال إما بحادثة غريبة حتى يجعل الناس يفكرون ما هو هذا الموضوع، وهذا من تجربتي الخاصة بالفعل له أثر لشد الناس، القضية الثانية أن يكون لديه موضوع واحد أساسي يعني هناك وحدة موضوعية الوحدة الموضوعية هذه لا بد أن تتسلسل في فقرات مترابطة بعضها مع بعض وبشكل سلس وتلقائي لا أميل إلى الخطبة أن نقول أولا وثانيا وألف من باء، هذه ليست كذلك لكن تسلسل الموضوع، ثم برأيي الخاص بأن الخطبة ينبغي أن يشبعها الخطيب قدر المستطاع بالآيات والأحاديث، لا يصلح أن تكون الخطبة كالخطيب السياسي أو الاقتصادي أو المفكر الذي ينظر لأن الخطبة نداوتها في النصوص الشرعية..

عثمان عثمان(مقاطعا): ربما بعض الخطباء لا تسمع آية في كل الخطبة.

علي عمر بادحدح: وقد يكون هذا طرح فكري عميق جيد لكنه ليس هو الخطبة أنا أقول الخطبة لا بد أن.. لأن المتلقي عندما تأتيه بالفكرة ثم تأتيه بالآية وتكون يعني قد اجتهدت في حسن الاستدلال تنزل الآية عليه بردا وسلاما ويسلم لك بالفكرة ويتفاعل معها وأحيانا أنا أشعر برد الناس كأنهم بعض الآيات سبحان الله كأنها يعني تخاطبهم بأكثر مما كانوا يشعرون عندما يقرؤونها ثم أيضا دائما لدي سؤال مهم جدا يطرحه الخطيب على نفسه ماذا أريد من الخطبة؟ هل هي..

عثمان عثمان(مقاطعا): هذا يقودنا إلى موضوع اختيار موضوع الخطبة.

علي عمر بادحدح: لا أنا أقول يعني هل هو همّ يريد أن يزيحه؟ هل هي مشاعر يريد أن يبثها وحماس يريد..؟ لا، لا بد أن يكون هدفي إما أن أوصل فكرة أو أن أقوم سلوكا أو أن أقيم مشروعا، الخطبة تقيم مشاريع داخل المسجد وداخل الحي، تتبنى أفكارا لذلك الموضوع الذي لا أجد أنني سأستطيع أن أجيب عنه يعني قد أتراجع عنه أو قد أذكره بطريقة وأقول للناس قلت هذا الموضوع لأنه من الهموم وكذا ولكن أقول لكم لا بد أن نفكر كيف نصنع سويا حتى يعني أعترف أنني لم أقدم لهم اقتراحا لكن الموضوعات المجردة النظرية البحتة التي لا تقدم للناس شيئا يخرج من الخطبة ليعملها أو ليتذكرها..

عثمان عثمان(مقاطعا): كيف يختار الخطيب هذا الموضوع الجيد والنافع والمفيد للناس والذي يجذب انتباههم؟

علي عمر بادحدح: طبعا هذه دائرة واسعة أنا تحدثت عنها في هذه الموسوعة عن الخطباء من واقع تجربة يعني هناك عدد كبير من المجالات كما قلت يمكن مجال آية وآيات ويجعلها موضوع الخطبة حديث أو أحاديث ويجعلها موضوع الخطبة شخصيات إسلامية أحداث إسلامية أنظمة إسلامية أخلاق إسلامية القضايا الإيمانية المتعلقة بالورع والتقوى وخوف الله ومراقبته وأيضا الدار الآخرة والموت والعقاب، هذا كله لا بد أن يكون أيضا حاضرا ثم أيضا نضيف إلى هذا كما قلنا الربط بالواقع، أنا كانت لي تجارب بسيطة لما يكون أسبوع المرور هذه أذكر خطبة بالنسبة لي كانت أصعب خطبة حضرتها لأنني بحثت هل هناك إشارات دلالات في نصوص شرعية يمكن أن تدل وعندما وجدت ذلك حتى كان لهذا أثر عند الناس أن المنبر بشارك الناس يشاركهم في يوم البيئة يشاركهم ما يسمى بهذه الأيام يربط الواقع وهذا يشد الناس في الحقيقة لأنه عندما يأتي حدث الإعلام يتكلم والصحف تتكلم والمدارس تتكلم والمنبر ساكت، لا ينبغي أن يكون كذلك. وليس هناك ابتداع، بعضهم يقول لك لماذا نتحدث عن هذا في يوم معين؟ الابتداع هو عندما يكون هناك عمل مقصود به القرب والتعبد على وجه معين وإذا انتفى ذلك فليس هناك إشكال في هذا. لذلك أقول إن هذه المجالات في الاختيار وكذلك هناك بعض التجارب للناس، بعض الأئمة يضعون أحيانا صندوقا في المسجد ليلقي أو ليطرح الناس بعض مقترحاته بمعنى إذا صح التعبير يمكن أن يقول ما يطلبه الجمهور في بعض الأحيان والخطيب المتصل بالناس يأتون إليه، أنا يتصل بي رجال فيشكون من قضايا أو يقولون إن عندهم قضايا إن أبنائهم.. أو نساء يتصلن ليذكرن قضايا يردن أن.. يتحدث بعض التجار بعض الناس بحسب ما يرون بأن هناك قضايا تطرح.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لم يتبق معي إلا أربع دقائق ذكرتم أنتم في سياق كلامكم أن بعض الخطباء يذكرون القصص التاريخية وربما يذكرون قصصا لا صحة لها وهي أقرب للوهم وتراثية أكثر من الحقيقة والواقع، وقد يذكرون قصصا لعباقرة أو لقادة إسلاميين كبار، ولكن يخرج هذا المصلي من المسجد متحفزا يخرج متوثبا لكن لا يستطيع أن يربط ما بين هذه القصة التاريخية وهذه الشخصية التاريخية وبين واقعه، هناك حلقة مفقودة، كيف أوجد هذه الحلقة؟

علي عمر بادحدح: أولا طبعا تنبيهك جيد، الخطيب ينبغي أن لا يقول خاصة في النصوص الشرعية إلا ما يبحث عن صحته لأن الناس يتلقون ما يقوله على أنه صحيح ومسلم فيحصل به خلل، والقصص التي أصلا فيها مبالغات وخيالات هي أصلا ليست من منهج الإسلام في التربية ولا في التوجيه لذلك ينبغي أن نحذر منها. القضية الأخرى التاريخ نريده لكن كيف نربطه بالواقع وأذكر مثال قصة مصعب بن عمير كنموذج للشباب خطبت فيها أربع خطب بعنوان "شاب أبكى الرجال" جعلت فيها صورة قابلة للتطبيق ليس كما كانت في صورة مصعب بن عمير وإنما كما قلت روحها وجوهرها الاهتمام الذي تعلق به القدرة الإيمانية التي جعلته يواجه الصعاب الدعوة التي انتدب لها واستطاع أن يؤديها، الفدائية التي أوصلته إلى رتبة الشهادة، تأثير هذا الشاب الصغير في الصحابة الذين كانوا يبكون بعد وفاته واستشهاده بسنوات عندما يتذكرون موقفه. هذه ومضات، ولكن أنا أريد وقد قلت لي الدقائق تنتهي كيف ننهض؟ كما قلت أنا أقول الوزارات إن لم تؤد دورها فلا بد أن يعتني كل قادر وكل مؤسسة على دورات تأهيلية للخطباء ذات مستويات.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، ربما تطرقنا إلى هذه المواضيع أثناء الخطبة ولا يسعنا الوقت أن نتطرق إليها كثيرا ولكن أريد في دقيقة واحدة أو أقل من دقيقة، هناك بعض الخطباء يطيلون ساعة أو ربما أكثر من ساعة وبعض الخطباء يقصرون عشر دقائق أو ربع ساعة، هل هناك من وقت محدد مثالي لخطبة الجمعة؟

علي عمر بادحدح: خير الأمور الوسط، ويعني الحديث وارد أن قصر الخطبة وطول الصلاة يعني هي الأمر المشار إليه في حديث النبي عليه الصلاة والسلام وهنا النسبية أنا أعتقد أن نصف ساعة أو 35 دقيقة وقت كافي لأن الخطبة إن طالت عن ذلك حتى من ناحية الانتباه ولفت النظر وحتى مما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام ربما تكون أكثر مما ينبغي أو يحتمله الناس وقد يكون سببا من أسباب عدم تفاعلهم.

عثمان عثمان: نرجو فضيلة الدكتور أن نكون في هذه الحلقة قد أضأنا على كثير من مفاتيح خطبة الجمعة. أشكركم فضلة الدكتور علي عمر بادحدح أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز بجدة على حضوركم معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامح معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق عمل الشريعة والحياة وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.