- علاقة المسلم بالحديث النبوي الشريف

- قواعد نقد متون الحديث

- اختلاف الصحابة في الاعتراف ببعض الأحاديث

- ما يخالف القرآن من الأحاديث


عثمان عثمان
محمد عوامه

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..}[الأنفال:24]. إن أحد ألوان الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته هو اتباع سنته العملية والقولية ومنها تلك الأحاديث النبوية جاءتنا بسند صحيح، لكن كيف نعرف صحة الحديث؟ وهل هناك قواعد عامة ندرك بها الصحيح من غيره من الأحاديث؟ وكيف يتصرف المسلم اليوم إزاء أحاديث صححها العلماء تبدو مخالفة للقرآن أو للعلم الحديث أو للعقل؟ كيف يتعامل المسلم المعاصر مع الحديث النبوي الشريف موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ المحدث محمد عوامه، مرحبا بكم فضيلة الشيخ.

محمد عوامه: حياكم الله، اللهم صلي على سيدنا محمد..

علاقة المسلم بالحديث النبوي الشريف

عثمان عثمان: قبل الدخول فضيلة الشيخ في تفاصيل هذه الحلقة دعنا نرسم أو نحدد الإطار الذي يحكم علاقة المسلم بالحديث النبوي الشريف هل هو الاستجابة؟ وأين تقع الآية {..لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ..}[الحجرات:1]؟

الله عز وجل وجه نداء يحتم على كل مسلم أن يستجيب قلبه وعقله له
محمد عوامه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، يقول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..} هذا النداء الإلهي يحتم على كل مسلم أن يستجيب قلبه وعقله وهديه إلى أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم متى صح عنه، وهذه الاستجابة لها ألوان أمرنا الله عز وجل بها أن نستجيب لأمره وكذلك قوله تعالى {.. لما يحييكم ..} أيضا هذه الحياة لها ألوان منها ما يتناسب مع موضوع حلقتنا اليوم أن هذه الحياة أن ينقلنا الله عز وجل من الوقف أمام الماديات إلى أمام الغيبيات والمعنويات، ألا يقف المسلم بعقله أمام هذه الماديات محصورا بها، أراد الله عز وجل أن يحيينا حياة أخرى وراء هذه الماديات بهذه الغيبيات التي يحدثنا عنها سبحانه وتعالى. وهذه الآية ترتبط بقول الله عز وجل ارتباطا وثيقا جدا هو قول الله تعالى {..يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم}[الحجرات:1]، هذه الآية الكريمة نزلت كما هو معلوم في أول سورة الحجرات نزلت مع آيات أخرى في عام الوفود وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة، يأمرنا ربنا أن نجعل أقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا وعاداتنا وأعرافنا وكل ما يحكمنا أراد ربنا أن نجعله وراء قول الله ورسوله تابعا لقول الله ورسوله {.. لا تقدموا بين يدي الله ..} هذا كان في عام الوفود في السنة التاسعة وظهر موقف الصحابة رضي الله عنهم مطبقا تمام التطبيق لهذه الآية الكريمة بحذافيرها وبأسمى معانيها، متى؟ بعد عام واحد يوم حجة الوداع يوم وقف النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التاسع من ذي الحجة في عرفات يعني في محيط مكة المكرمة وسأل أصحابه ذاك الجمع الحاشد الكبير الذي يقول فيه الإمام أبو زرعة النووي، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع 120 ألف صحابي، في هذا الموقف الحاشد الكبير يسألهم يقول لهم "أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟" وفي كل سؤال يقول الصحابي راوي الحديث معبرا عن الجميع، فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، هل يجهل أحد من هذا الجمع أن هذا الموقف عرفات في يوم التاسع من ذي الحجة في مكة المكرمة أنه بلد حرام ويوم حرام وشهر حرام؟ لا أحد يجهل هذا.

عثمان عثمان: ما المقصود إذاً؟

محمد عوامه: إذاً المقصود أن يقفوا وراء قول النبي صلى الله عليه وسلم، تخلوا عن بديهيات عقولهم ومعلوماتهم، أي طفل صغير يجهل أن هذا بلد حرام ويوم حرام وشهر حرام؟ لا أحد يجهل.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور.. فضيلة الشيخ لكن يعني نقاشنا في هذه الحلقة لا يدور حول رد كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما النقاش حول صحة نسبة هذا الكلام وثبوت هذه النسبة للنبي صلى الله عليه وسلم هل قاله أم لا.

محمد عوامه: صحيح أنا أريد أن أؤصل القاعدة أولا، استجابة الصحابة رضي الله عنهم وهم معلمونا في هذا الدين المطبقون أو طبقة طبقت هذا الدين الصحابة هكذا كان موقفهم أن تخلوا عن معلوماتهم الأولية البدهية امتثالا لقوله {.. لا تقدموا ..}. ثم هناك الشريعة نصوص الكتاب والسنة جاءت بأخبار وأمور معقولة واضحة وجاءت بأمور جديدة كل الجدة علينا وما جاءت بما يناقض العقل، إنما الإشكال في هذا الذي هو جديد علينا أحيانا نرى أنه مخالف أو مناقض، لا، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم {ذلك الكتاب لا ريب..}[البقرة:2]، في أول سورة البقرة {الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه ..}[البقرة:1-2] وقال تعالى {هو الذي أنزل ..}[آل عمران:7] الله عز وجل هو الذي أنزل هذا الكتاب الكريم ومع ذلك يقول {..منه آيات محكمات ..}[آل عمران:7] {..وأخر متشابهات..}[آل عمران:7] وعلمنا كيف يكون موقفنا من هذه المتشابهات أن نردها إلى المحكمات لأنه سمى المحكمات {..أم الكتاب..}[آل عمران:7] والتعبير بأم له مدلوله كما أن الأم الصغير أول ما يفزع يفزع إلى أمه يرجع إليها وكذلك هذه الآيات المتشابهات يجب علينا أن نردها إلى المحكمات وحينئذ تنتهي الأمور.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ تحدثتم عن أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف في حجة الوداع وألقى تلك الخطبة الطويلة والتي أرسى فيها قواعد الدين والصحابة كانوا معه، إذاً يعني تحدثتم عن زمن كان النبي عليه الصلاة والسلام حاضرا بين المسلمين، الآن النبي عليه الصلاة والسلام ليس حاضرا أو غير موجود، كيف يكون التعامل؟

محمد عوامه: تمام، أمر هام جدا هذا وعلماء الأصول نبهوا إليه، أنا لما أكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم ويكلفني بأمر أو نهي أو فعل لا مجال فيه أما لما أسمع بواسطة هذا الأمر والنهي ذاك الأمر الأول كما يقول علماء الأصول قطعي أما لما يكون بواسطة أو واسطتين فأكثر صار ظنيا، أرجع إلى أمور أخرى ونصوص أخرى ومفاهيم وأقوال في دراسة، أما لما أكون في موقف القطع فلا مجال للتوقف أما لما يكون في وساطة ففي مجال للسؤال.

عثمان عثمان: بهذا الإطار فضيلة الشيخ البعض يرى أن معظم الاختلافات والمشكلات إنما تأتي من السنة النبوية، كيف تفسرون ذلك؟

محمد عوامه: يعني قد يكون هذا الكلام صحيحا إلى حد ولكن اللي هو مجال الإشكالات أكثر فهم نصوص القرآن الكريم، لا أقول القرآن الكريم أقول فهم نصوصه، ولذلك سيدنا عمر رضي الله عنه قال لنا "خذوا أهل البدع والأهواء بالسنن فإن القرآن ذو وجوه". القرآن النص القرآني ذو وجوه أما السنة فواضحة أكثر. نعم أنا لا أنكر أن هناك في السنة بعض وقفات لكن ينبغي أن نرجع إليها على ضوء {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}[النجم:3-4] هذه الآية عظيمة الوقع جدا لكن بشرط أن نفهم مناسبتها في السورة. هذه الآية جاءت في أول سورة النجم وسورة النجم تحدثت عن معجزة المعراج والإسراء كما هو معلوم كما يمكن أن نعبر في شيء من المجاز والمبالغة شوية أنه قامت قيامة قريش بقصة الإسراء فقط من مكة إلى بيت المقدس فكيف بالمعراج إلى السماوات وعوالمها والعرش وسدرة المنتهى.. تلك العوالم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم فيها الجنة والنار وبعض أهلهما وجاء يحدثنا بهذه الأعاجيب، الله عز وجل قدم هذه المقدمة لهذه الأخبار فقال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، مهما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بعجائب وغرائب فما هو إلا وحي يوحى عليكم بالتصديق..

عثمان عثمان (مقاطعا): هذا الوحي، فضيلة الشيخ، هذا الوحي نُقل إلينا، هناك من يشكك في صحة بعض ما نُقل.

محمد عوامه: الوسائط نعم. فهنا ينبغي أن نتأنى وأهم مهمات العلم التأني والتروي في مشكلاته وأنا أكرر كلمة أقولها لبعض إخواني، العلم يحتاج إلى نفسية القاضي لا إلى نفسية السلطان، هذه الكلمة قلتها لشخص كان من طلبة العلم وفُتن بالإمام ابن حزم رحمه الله فُتن به وسألني عنه أورد بعض الإشكالات فقلت له هذه الكلمات العلم يحتاج إلى نفسية القاضي صاحب البال الطويل الذي يأخذ الخصمين ويسأل ويستفسر ويردهما ويأتي بالشهود والمزكين وإلى آخره ثم بعد سنين قد تطول القضية سنين بعد ذلك يقول كلمة واحدة لك أو عليك، أما السلطان فبغضبة من غضباته يثير حربا.

عثمان عثمان: كيف أنزل هذا على موضوع الحديث؟

محمد عوامه: أما هنا الحديث النبوي الشريف فيحتاج إلى التمكن في عدة علوم ثم أدخل على هذه المشكلات ثم أدرسها بنفسية القاضي المتأني.



قواعد نقد متون الحديث

عثمان عثمان: يعني وهنا البعض يرى فضيلة الشيخ أن هناك قواعد لنقد متون الحديث هذه القواعد لم تُفعّل، هل ترون فعلا المشكلة في عدم تفعيل هذه القواعد؟

طالب العلم لو نظر في فتح الباري وشرح الإمام ابن حجر على صحيح البخاري لرأى فيه العجب العجاب من النفس الطويل المتأني في البحث والأخذ والرد
محمد عوامه: لا أبدا هذا كلام غير صحيح، هذا الكلام جاء به المستشرقون، أما علماؤنا درسوا هذه الأمور وقعدوها ونزلوا القواعد عليها وأعطونا الزبد والنتائج، ولكن نحن إما أننا لا ندرس أو ندرس دراسة سريعة غير متأنية، لو نظر طالب العلم أو هذا الباحث المستشكل لو نظر في فتح الباري مثلا شرح الإمام ابن حجر على صحيح البخاري لرأى فيه العجب العجاب من النفس الطويل المتأني في البحث الأخذ والرد كل قائل ودليله ووجهته ونقض دليله ثم يرجع إلى القول الثاني وإلى القول الثالث وهكذا وهكذا. فطريقة علمائنا وشراح كتب السنة أو المفسرين لكتاب الله تعالى كل هذه الأمور واضحة عندهم ولكن نحن نأخذ الأمور بسرعة ولا نتأنى ولا نتفقه طريقة علمائنا.

عثمان عثمان: لكن لا بأس أن نأخذ يعني بعضا من تلك القواعد لنشرحها ولنؤصلها ربما، يعني من تلك القواعد ما يقوله ابن الجوزي كل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع، وقد ذكر العلماء كالخطيب البغدادي وابن القيم وغيرهما أن من علامات رد الحديث أن يخالف القرآن أو يخالف السنة المتواترة أو يخالف العقل الصريح أو يخالف الواقع. لماذا يعني يتم إهمال هذه القواعد؟

محمد عوامه: هذا كلام صحيح ولكن يحتاج إلى تطبيق صحيح.

عثمان عثمان: كيف يكون التطبيق الصحيح؟

محمد عوامه: ابن الجوزي رحمه الله يقول إذا خالف العقل، أي عقل؟ مما أنا أكرر القول فيه لأخواني طلاب العلم النصوص الشرعية من كتاب أو سنة أشبهها بنبع ماء صافي، نبعت عين هنا وخرج منها ماء زلال لكن هذا الماء الزلال يمر بتربة حمراء فيحمر ويمر بتربة سوداء فيسود ويمر بتربة حلوة فيبقى حلو ويمر بتربة مالحة فيملح، إذاً هذا النص الشرعي الكتاب والسنة لما يمر على قلب يمر بقلب صاف وعقل سليم يبقى النص سليما أما لما يأتي عقل ملوث فالكدر من العقل لا من النص، النص لا شيء فيه.

عثمان عثمان: ربما هذا يتوافق مع ما أرسله لنا الشيخ أبو عبد اللطيف الزيلعي من اليمن يقول "في الحقيقة ليس في السنة الصحيحة ما يعارض العقل الصحيح أو صريح المعقول وحيثما توهمنا التعارض في الظاهر فنعلم دون تردد أن الحق ما جاءت فيه السنة الصحيحة وأن العقل لا محالة سيدرك ذلك عاجلا أو آجلا".

محمد عوامه: كلامه صحيح جيد جدا جزاه الله خيرا، تفضل.

عثمان عثمان: بناء على هذا الكلام فضيلة الشيخ يعني هل كل ما في الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم هو صحيح وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام؟

محمد عوامه:هذا كلام لا شك فيه، كل ما في الصحيحين صحيح والعلماء السابقون كما يعبر بعض أهل العلم في تقرير المسائل العلماء السابقون قتلوا هذه المشكلات بحثا وتدقيقا وإزالة مشكلات وشبهات. أنا لا أنكر أن بعض العلماء السابقين له وقفات من بعض الأحاديث ولكن الفرق بين الناقد المتقدم والناقد المعاصر كبير، الناقد المتقدم يدرس بنفس مسلمة مؤمنة مطمئنة ويورد الإشكال، أما الناقد المعاصر فمنهم من ينقد بهذه النفسية الطيبة وهو سائل وباحث يريد أن يزداد إيمانا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم وهم الأكثرون في زماننا يتكلمون وينقدون ويوردون الإشكالات يوردونها إيراد مشكك في السنة لا باحث عن الحق، الذي يبحث عن الحق يجد الحق واضحا في كتب علمائنا أما المريض القلب فهذا ليس حديثنا معه.

عثمان عثمان: سنعود فضيلة الشيخ لمتابعة هذا المحور ولكن دعنا نأخذ مداخلة من الدكتور محمود ميرة أستاذ علوم الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود سابقا، مرحبا بكم فضيلة الدكتور، دكتور هل تسمعني؟

محمود الميرة/ أستاذ علوم الحديث - الرياض: نعم نعم.

عثمان عثمان: كنا سألنا الشيخ عن بعض القواعد التي هي مخصصة لنقد متون الحديث وقد أهملت هذه القواعد كما يقول البعض، ما رأيكم بذلك؟ تفضل دكتور.

محمود الميرة: أشكر لكم برنامجكم هذا الجيد المفيد، وأشكر لأخي الشيخ فضيلة الشيخ محمد عوامه هذا البيان الناصع حول الموضوع.

عثمان عثمان: أتمنى فضيلة الدكتور لو تخفضون صوت التلفاز بجانبكم قليلا، تفضل.

محمود الميرة: الآن أحب أن أضيف إلى ما قاله أخي الكريم فضيلة الشيخ محمد عوامه..

عثمان عثمان: تفضل، ما زال الصوت عندك مرتفعا دكتور.

محمود الميرة: هناك في القرآن آيات يستشكلها كثير من الناس وكذلك يستشكلون بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو رواية كبار الصحابة وثقة الرواة عنهم واستشكال النص لا يعني بطلان النص ووجود هذه النصوص التي يستشكل ظاهرها لم تقع عفوا وإنما هو أمر مقصود شرعا ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور وييسر للعلماء العاملين أبوابا من الجهاد يرفعهم الله به درجات، وحجة هؤلاء الذين يستشكلون أو يرفضون بعض النصوص الثابتة في السنة يزعمون أنها تصادم العقل وينطلقون من مبادئ، الأول يدعون أنهم يريدون الحفاظ على ثقة الناشئة بالسنة النبوية، الثاني أنهم يحملون هذه الحملة الشعواء على السنة لاستبعادها من الاعتماد عليها وليسهل عليهم بذلك تسلل الأنظمة الأرضية إلى عقائدنا وشريعتنا ومجتمعاتنا.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور يعني دعني أطرح فقط عليك حديثين ربما البعض يثير إشكاليات حولهما، الحديث الأول كما جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر" والبعض يتساءل كيف يصح هذا الحديث؟

محمود الميرة: هو في الحقيقة هذا الحديث يقوم على مبدأ أن حواء وسوست بعد أن وسوس لها الشيطان لم يتمكن في الأول من الوسوسة إليهما لآدم وحواء يدل على هذا قول الرب جل جلاله {فأزلهما الشيطان عنها..}[البقرة:36]، {فوسوس لهما الشيطان ..}[الأعراف:20]، {فوسوس إليه الشيطان..}[طه:120] فقد أغراهما الشيطان بنيل الخلد في الجنة وأن يكونا كسائر الملائكة، نعني أن الشيطان لم يتمكن منهما مجتمعين فتسلل عن طريق حواء فزينت لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك وخيانتها ليس المراد به أنها خانته في عرضها وإنما خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم.

عثمان عثمان: لماذا ترمى القضية عند حواء فقط إذاً؟

محمود الميرة: نعم. الحقيقة هذا الحديث يحسن قبل أن ندخل في التوفيق بين ظاهره وبين حقيقته يحسن أن نشير إلى أمر وهو هذا الحديث فيه إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن حواء وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندرة، وينبغي للنساء أيضا ألا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن..

عثمان عثمان (مقاطعا): لكن فضيلة الشيخ يعني القرآن الكريم ربما جعل المسؤولية تقع على عاتق آدم وزوجه عندما جاءت الآية {..ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}[الأعراف:23]. أشكركم فضيلة الدكتور محمود ميرة أستاذ علوم الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود سابقا وأعتذر لعدم المتابعة في الحديث الآخر لضيق الوقت. فضيلة الدكتور هل من تعليق سريع؟

محمد عوامه: على هذا الحديث؟

عثمان عثمان: نعم، على ما قاله الدكتور.

محمد عوامه: بنيات الطريق والجزئيات في البحث كثيرة وإن حضرني جواب عن حديث وحديثين وعشرة فلا يحضرني جواب عن العشرين والثلاثين وأنا لا أحب أن..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن باختصار يعني على مثل هذه الأحاديث.

محمد عوامه (متابعا): أنا لا أحب أن أتدخل في الجواب عن المشكلة في قرآن أو حديث بعد الرجوع إلى كلام العلماء إنما الظاهر والله أعلم وأقول الله أعلم إن هذا الحديث يندرج تحت حديث آخر "من سن سنة حسنة.. ومن سن سنة سيئة" ويندرج تحت حديث "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" فهذا الخير والشر يتبعه وكون أمنا حواء عليها السلام رضي الله عنها فعلت هذا الفعل وحمّلها النبي صلى الله عليه وسلم هذه التبعة في هذه الجزئية فقط لا يجوز لنا أن نعمم هذا الحديث وفهمه في أي خيانة كانت أو أي مشكلة تقع فيها المرأة نحملها للسيدة حواء، لا، إنما هذه الجزئية فقط.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني هناك من الصحابة من رد بعض الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام وجاء البخاري ومسلم وصححا هذه الأحاديث، كيف حصل ذلك؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

اختلاف الصحابة في الاعتراف ببعض الأحاديث

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها حول سؤال عريض واسع، كيف نتعامل مع الحديث النبوي الشريف؟ مع فضيلة الشيخ المحدث محمد عوامه. فضيلة الشيخ يعني كما قلنا قبل الفاصل هناك أحاديث ردها بعض الصحابة جاء البخاري ومسلم وصححا هذه الأحاديث لنأخذ مثلا حديث عائشة "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب" قالت شبهتمونا بالكلاب، ورد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس وقال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لامرأة لا ندري حفظت أم نسيت. كيف يصحح البخاري ومسلم أحاديث ردها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

محمد عوامه: الأمر سهل إن شاء الله الأمر سهل، ولكن حينما نرجع إلى أصل النص ونلاحظ ظروفه وملابساته يهون الأمر إن شاء الله. حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها ذُكر لها قول النبي صلى الله عليه وسلم "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب" فقالت شبهتمونا بالكلاب، والله لقد كنت أضطجع معترضة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو إلى القبلة. تعني في صلاة الليل والمكان كما هو معلوم من حجرات النبي صلى الله عليه وسلم كان ضيقا فكان إذا أراد الصلاة في الليل تكون السيدة عائشة مضطجعة ورجلاها أمام النبي صلى الله عليه وسلم وهو متجه إلى القبلة، إذاً كيف تستجيب السيدة عائشة إلى هذا الذي نُقل إليها أن الصلاة يقطعها المرأة، وهي موجودة هي نفسها هي صاحبة القصة والحديث هي معترضة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وهو يصلي فكيف تقبل رواية من يروي لها أن المرأة تقطع الصلاة؟

عثمان عثمان: السؤال لماذا صحح الإمامان هذا الحديث؟

علماء الأصول نبهوا إلى أن الذي يسمع الكلمة مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم فلا خيار له في الأمر، أما إذا سمع ذلك بوساطتين فله الخيار على ألا يخرج عن دائرة ما يُروى
محمد عوامه: نحن نقول بالنسبة للسيدة عائشة هي في الظاهر أنها تعارض النص، لا ما تعارض النص، هي أمام أمرين إما أن تقبل كلام غيرها وإما أن تقبل كلامها ومشهدها. أما بالنسبة للإمام البخاري ومسلم وجميع علماء السنة جلهم رووا هذا الحديث ولا إشكال لأن السيدة عائشة هي في هذا الموقف هكذا كانت روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قلت قبل قليل إن علماء الأصول نبهوا إلى أن الذي يسمع الكلمة مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم فلا خيار له في الأمر أما إذا سمع ذلك بوساطتين فله الخيار على ألا يخرج عن دائرة ما يُروى، وهكذا أمر السيدة عائشة هنا لما رأت ما يناقض ما شهدته أشكل عليها الأمر وأظهرت هذا الاعتراض، أما العلماء كيف رووا هذا؟ طبعا لأن علماء السلف من الصحابة والتابعين اختلفوا في الأمر أن هذا المرأة تقطع الصلاة فعلا أم أن هذا أمر منسوخ بحديث السيدة عائشة اعتراضها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، منهم من ذهب هذا ومنهم من ذهب مذهبا آخر.

عثمان عثمان: يعني قد يكون الحديث منسوخا؟

محمد عوامه: قد يكون. والإمام مسلم على سبيل المثال روى أحاديث القيام للجنازة إذا مرت بنا جنازة هل نقوم لها، روى أحاديث القيام للجنازة ثم أتبعها بأحاديث عدم القيام للجنازة فلا يمكن أن نجزم بأن كل حديث صحيح ينبغي أن نعمل به، الفتوى والفقه للحديث شيء والصحة شيء آخر فهذا منسوخ، صحيح ولكنه منسوخ، وهذا صحيح ولكنه ناسخ، فالإمام مسلم حسب عرضه لأحاديث الباب اعتمد الناسخ عدم القيام.

عثمان عثمان: ماذا أراد مسلم أن يقلد السيدة عائشة، عمر رضي الله عنهما، ابن عباس رضي الله عنهما في رد هذه الأحاديث التي ردوها، هل يمكن له ذلك؟

محمد عوامه: هذا أمر خطير هذا أمر لا يستطيعه إلا كبار الأئمة، دراسة أحاديث الباب كما يسميها الإمام الترمذي أحاديث الباب هذا أمر ليس بالسهل، لا نستطيع أن نقول إن هذا يمكن لمسلم معاصر. نحن نحاول أن نقرب الأمور للمسلم المعاصر وهذا قد يسعفنا الحال عليه في وقت ولا يسعفنا الحال عليه في وقت آخر، يسعفنا الحال عليه في وقت نقرب له وندرسه ونفهمه ونرفعه عن أن يبقى على مستوى بعيد عن العلم الشرعي ولكن لما تأتي المهمات لا، هذا لا يكون إلا لمتأهل، يعني مثلا السيدة عائشة أوردت هذا الاعتراض، سيدنا عمر أورد الاعتراض على حديث فاطمة بن قيس، سيدنا ابن عباس أورد الحديث على أبي هريرة في حديث "توضأ مما مست النار". من منا مثل عمر وعائشة وابن عباس؟

عثمان عثمان: لا، هو تقليدهم فيما ذهبوا إليه؟

محمد عوامه:لا تقليدهم يعني هذا قياس مع الفارق، أنا أعترض ولكن عندي الأهلية التي عند عمر؟ لا.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ ذكرتم أن كل ما في الصحيحين صحيح ولكن الصحيح هل يلزم العمل بكل ما هو في الصحيحين؟

محمد عوامه: هذا أمر آخر يرتبط الأمر فقهيا، الصحة شيء والعمل شيء آخر وإلا لقلنا كل ما في الصحيحين صحيح يجب العمل به، أقول أنا معنى ذلك إن على المسلمين جميعا أن يكونوا كلهم بخاريين وقشيريين منسوبين إلى مذهب الإمام البخاري ومنسوبين إلى مذهب الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، بخاريين وقشيريين، هذا لا يكون لا. الصحيحان وغيرهما من كتب السنة الصحيحة على الرأس والعين ولكن للاجتهاد مجال ونظر.



ما يخالف القرآن من الأحاديث

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ لو جئنا إلى ميدان التطبيق سنجد أن هناك من الأحاديث ما يخالف القرآن مثل خلق التربة يوم السبت يتعارض مع قول الله عز وجل {..في ستة أيام..}[الأعراف:54]، كيف يمكن الجمع بين الآية والحديث هنا؟

محمد عوامه: هذا سؤال وجيه جدا وأريد أن أجيب عن الحديث وأريد أن أنبه إلى أمر علمي آخر، دائما أنا أحب أن أؤصل الأمور الفروع والجزئيات أمرها طويل ولكن الكليات والتأصيل هذا هو المهم.

عثمان عثمان: وحسبنا التأصيل في مثل هذه الحلقة.

محمد عوامه: إن شاء الله. أولا التأصيل في هذا، علماء الحديث على مذهبين في هذا الحديث، الإمام علي بن المديني الإمام الجبل العظيم وتلميذه الجبل العظيم أيضا الإمام البخاري والإمام الثالث الدارقطني والبيهقي وغيرهم، كلهم وهّموا الراوي في هذا الحديث قالوا إن الراوي روى هذا الحديث عن أبي هريرة عن كعب الأحبار أنه قال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق يوم الأحد الجبال وخلق يوم الاثنين الشجر وخلق يوم الثلاثاء المكروه وخلق النور يوم الأربعاء وخلق الأشجار يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر".

عثمان عثمان: سبعة أيام.

محمد عوامه: سبعة. كعب الأحبار روى هذا الكلام لسيدنا أبي هريرة وأبو هريرة نقله إلى من بعده، فهذا الراوي وهم على أبي هريرة أراد أن يقول عن أبي هريرة عن كعب الأحبار فوهم وقال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الأئمة العظام ذهبوا هذا المذهب، في حين أن الإمام مسلم روى هذا الحديث في صحيحه وأيضا رواه النَسائي من أصحاب الكتب الستة ورواه أيضا الإمام أحمد في مسنده وهؤلاء أئمة كبار عظام لا يعقل أن يرووا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف القرآن. إذاً هنا مهمة الفهم والتروي والتأني والذي أسميه أنا التحذير من التوارد. كثير من العلماء المتأخرين رأوا أئمة كبار ابن المديني، البخاري، الدارقطني، البيهقي، فتواردوا معهم ومشوا على هذا القول إن هذا وهم من الراوي، لكن لو تأنينا وتفهمنا الأمور، ننظر إلى هذا الحديث هل فيه ذكر للسماوات؟ إذاً ليس هو.. هذا الحديث ليس يتحدث عن الخلق المذكور في القرآن الكريم هذا خلق بعد خلق، خلق إجمالي ذكرته الآيات وخلق تفصيلي ذكره هذا الحديث.

عثمان عثمان: وماذا عن الحديث الذي يقول أيضا "إن الميت.." تريد أن تكمل في الحديث الأول؟ تفضل.

محمد عوامه: فمما يقوله المحدثون أيضا في كتب علوم الحديث من فوائد الحديث المسلسل أنه يدل على مزيد ضبط وتأكد يعني لما حضرتك تقول أنا رأيت العالم الفلاني في المكان الفلاني وسألته عن كذا فأجابني، لما تضبط هذه الجزئيات تدل على أنك ضبطت وتأكدت من روايتك، هذا يقرره علماء الحديث بلا استثناء. هذا الحديث برواياته الثلاث عند مسلم والنسائي وأحمد يقول سيدنا أبو هريرة في أوله أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحركة أو هذا الكلام هذا الانتباه لهذه الدقيقة تدل على أن أبا هريرة متأكد وليس واهما فهذا ادعاء غريب ولكن قلت لحضرتكم إن هنا في توارد وأنا دائما أحذر من التوارد، ينبغي أن نتأنى ونتفهم.

عثمان عثمان: ماذا عن الحديث الذي يقول أيضا..

محمد عوامه (مقاطعا): ثم لو سمحتم لي كلمة أخيرة، آدم عليه الصلاة والسلام خُلق يوم الجمعة وخلقه ليس مذكورا في الأيام الستة التي في القرآن الكريم هذا أمر زائد، لو فرضنا هذا أمر زائد، لكن الحديث لا يتحدث عن الخلق ذاك الحديث يتحدث عن خلق تفصيلي بدليل أنه لم يذكر السماوات، هذا خلق آخر.

عثمان عثمان: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" ردته السيدة عائشة رضي الله عنها بقول الله عز وجل {..ولا تزر وازرة وزر أخرى ..}[الأنعام:164].

محمد عوامه: نعم، وليس بهذا فقط ردته بهذه الآية وبأن الراوي ما سمع الكلام من أوله فهي ترد رواية برواية، ما ردت الحديث أبدا، أنها سمعت.. هذا الرجل دخل فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذه الكلمة ولكن في الحقيقة السيدة عائشة تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن اليهود يزعمون أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فهي ترد رواية برواية حديث بحديث لا بعقل.

عثمان عثمان: ومما يتعارض أيضا مع السنة المشهورة حديثان في صحيح مسلم فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سب ولعن بعض الناس وهو يتعارض مع قوله تعالى {..وإنك لعلى خلق عظيم..}[القلم:4] ومع حديث "ليس المؤمن باللعان ولا الطعان" وحديث "كان خلقه القرآن".

محمد عوامه: جميل جدا. في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سب ولعن ولكن لو رجعنا إلى الروايات في أصلها في صحيح مسلم نرى أن الإمام مسلم كان دقيقا جدا في عرض الروايات لأحاديث الباب، أولا سب ولعن ثم جاء بقصة تفصيلية تقول إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى جارية صغيرة بنت صغيرة يتيمة لأم سليم رضي الله عنها فقال لها " أنت هي هي؟" أنت هذه هي اللي أنا بأعرفك؟ لا كبرت لا كبر سنك. فهذه البنية المسلمة التي تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي لما دعا عليها ألا تكبر خافت ورجعت إلى بيتها إلى بيت أم سليم تبكي وتقول أنا ما عدت أكبر خلاص دعا علي النبي صلى الله عليه وسلم ألا أكبر، فخرجت السيدة أم سليم بسرعة ورأت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها "ما لك؟" قالت إنه كذا كذا قلت للجارية، قال لها "أما علمتي أني اشترطت على ربي ألا أدعو على إنسان إلا جعلته يا رب رحمة وزكاة وقربة"، فدعاؤه وسبه هو رحمة ولذلك الإمام مسلم أعقب الروايات هذه الأخيرة بحديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس "اذهب فادع لي.."...

عثمان عثمان (مقاطعا): هذه لم أفهمها بعد، كيف يكون السب واللعن رحمة؟

محمد عوامه: هكذا طلب من ربه أنا إذا دعيت يا ربي على أحد فاجعلها رحمة له. فقال لابن عباس وابن عباس طبعا كان صغيرا يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم ناهز الاحتلام قال له "ادع لي معاوية" فذهب فرآه يأكل فرجع وقال هو يأكل بعد قال له "اذهب فادع لي معاوية" مرتين والمرة الثالثة جاءه ابن عباس وهو يقول يأكل فقال النبي عليه الصلاة والسلام "لا أشبع الله بطنه"، ربما بعض الناس يفهم أن هذا الحديث دعاء على معاوية رضي الله عنه وانتقاص له، لا، الإمام مسلم أورد هذا الحديث في هذا السياق أن يكون له رحمة أيضا وزكاة وقربة.

عثمان عثمان: في سياق التعارض أيضا فضيلة الشيخ يعني..

محمد عوامه (مقاطعا): باقي ملاحظة أخيرة ذكرتم الآية الكريمة {وإنك لعلى خلق عظيم..}، هذا أمر مهم أيضا. كثير من الناس يستشهدون بهذه الآية الكريمة على سماحة النبي صلى الله عليه وسلم وسعة صدره وحلمه وصفحه وإلى آخره وهذا صحيح، لكن الخلق العظيم يتضمن الخلق الكريم وزيادة وأختصر في الجواب، أبو عزة الجمحي هذه القصة مذكورة في كتب السيرة يوم بدر وأحد، أبو عزة الجمحي رجل من قريش كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم كان شاعرا فلما كان يوم بدر أسِر وجِيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بضرب عنقه فشكا إليه الفقر والعيال وكثرة البنات فعفا عنه واشترط عليه ألا يعود إلى هجائه فوافق ورجع إلى مكة ورجع إلى هجائه وإيذائه للنبي صلى الله عليه وسلم وفي يوم أحد أسر وجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بضرب عنقه فشكا إليه الفقر والعيال والبنات فقال له لا، لا أدعك تمشي في بطاح مكة وتمسح عارضيك وتقول خدعت محمدا مرتين وأمر بضرب عنقه، ففي المرة الأولى عفا عنه بالخلق الكريم أما في المرة الثانية عاقبه بالخلق العظيم، فالخلق العظيم وضع الشيء في موضعه

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضر كوضع السيف في موضع الندى

عثمان عثمان: الخلق العظيم إذاً. من التعارض أيضا حديث ابن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام "الوائدة والموؤودة في النار" متعارض مع قوله تعالى {وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت}[التكوير:8-9].

محمد عوامه: أيضا أقول ما قلته قبل قليل، الجزئيات أنا قد يحضرني جواب عن بعضها وقد لا يحضرني وهذا مما لا يحضرني جواب عنه ولكن ليس معنى ذلك أن هذا الحديث غير صحيح، ينبغي أن نرجع دائما إلى كلام علمائنا وكثير من الشبهات تأتي بسبب عدم التثبت. وقد سألني سائل عن حديث وقصة تذكر في كتب السيرة في أول السيرة تذكر مثلا يذكر مجيء الوحي إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحديث المعروف بحديث بدء الوحي والحديث طويل رواه البخاري في مواضع منها هو أول حديث في صحيحه ثم رواه في كتاب التعبير، في آخره يقول الإمام البخاري قال ابن شهاب بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصعد إلى شاهق ويريد أن يرمي بنفسه ويتردى من أعلى الجبل فيتبدى له سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام فيرجع وتطمئن نفسه ويهدأ قلبه فيتراجع. استشكل بعض الناس أن هذا الإلقاء بالنفس من أعلى شاهق إلقاء للنفس بالتهلكة كالانتحار وهذا لا يجوز في كل الشرائع، فإذاً ما هو الجواب؟ قلت له أنا سأتثبت وأراجع، فراجعت الحديث في البخاري وإذ فيه هذه العبارة بعد أن روى البخاري الحديث كما رواه في أول الصحيح تماما قال قال ابن شهاب بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصعد إلى شاهق، بلغنا، والعلماء رضي الله عنهم المحدثون يقولون مراسيل ابن شهاب الزهري ضعيفة، فهذه الجزئية ضعيفة وإن كانت هي ضمن صحيح البخاري لكن حكمها حكم معلقات صحيح البخاري وفيها وفيها.. كما هو معروف من تفصيل في كتب علوم الحديث.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني لم يتبق أمامي إلا ما يقرب من ثلاث دقائق وأريد الإجابة عن سؤالين لا بد من الإجابة عليهما، السؤال الأول إذا صح سند الحديث هل يعتبر الحديث صحيحا؟

محمد عوامه: هذا أمر مدروس في كتب المصطلح يعرفون الحديث الصحيح بقولهم ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه وسلم من شذوذ وعلة قادحة. فقد يصح ظاهر السند ولكن يكون فيه شذوذ في سنده شذوذ أو في متنه وأيضا قد تكون العلة في المتن وقد تكون العلة في السند، فقد يكون الحديث ظاهره الصحة ولكن فيه علة فلا نستطيع أن نقول كل صحيح سندا صحيح متنا وبالعكس يقول العلماء ليس كل صحيح متنا يلزم أن يكون صحيح سندا، قد يكون السند ضعيفا والمتن صحيحا لتلقي العلماء له بالقبول.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني اسمح لي أن أنقل رد أحد السادة المشاهدين بعد أن يلقي التحية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقول، لا نقول إذا عملنا في البخاري ومسلم نكون بخاريين وما إلى ذلك ولكن نقول إننا مسلمون نعمل بما نستطيع من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ونحن نقر بتهاوننا في الذي لم نستطع أن نأتي به والله أعلم. ثم يدعو دعاء للمسلمين باتباع الكتاب والسنة وسلف الأمة، كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.

محمد عوامه: هذا أمر مكرور جدا علينا، ينبغي أن نركز على نقطة النص شيء وفهمنا له شيء آخر، فالأخ الكريم جزاه الله خيرا يناقش في هذه النقطة كأن كل حديث صح عند المحدثين حسب فهمه ينبغي أن نعمل فيه حسب فهمه ومن يخالفه في فهمه يخالف الحديث، لا أبدا، الآية الكريمة ليس الحديث القرآن العظيم، هذه الآية الكريمة قطعية الثبوت يفهمها هذا الإمام على وجه ويفهمها الإمام الآخر على وجه آخر فهذا ليس تعطيلا للنص ولا ردا له، لا، نحن نخطئ جدا في هذه النقطة هي النص شيء وفهمنا للنص شيء آخر، وبعض الأخوان يجعلون فهمنا للنص كالنص وهذا لا ينبغي ونسأل الله كما كان عبد الله بن عمر يدعو بهذا الدعاء في سجوده يقول "اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي اللهم ارزقني علما ينفعني وعملا يرفعني".

عثمان عثمان: آمين. أشكركم فضيلة الشيخ المحدث محمد عوامه على حضوركم معنا في هذه الحلقة وعلى هذه الإضاءات والتأصيلات، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة ولكن قبل ذلك أريد أن أعتذر من السادة المشاهدين الذين أرسلوا بعض الأسئلة عبر بريد البرنامج إلا أن هذه الأسئلة قد جاءت متأخرة لذا لم نستطع الإجابة عليها. لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور الطلافيح وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.