- معنى التسامح وملامحه في الإسلام
- مجالات التسامح وحدوده

- التعامل مع المجتمعات الغربية والمتعصبين

عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي
عثمان عثمان
: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم على الهواء مباشرة إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ..}[الجاثية:14]. هناك حالة من الانقسام تمر بها الأمة اليوم فالتنافر قد استحكم بين بعض فئاتها وبعض. تنافر منه الديني ومنه الطائفي ومنه السياسي، حتى ليصدق على هذه الحالة الوصف القرآني {..بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ..}[الحشر:14]. ويبدو في هذه الحالة أننا بحاجة إلى أن نتفكر مليا كيف نبني ثقافة التسامح من جديد لنتعلم كيف نختلف دون أن يفسد اختلافنا ودنا، كيف يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، إننا بحاجة أن نتفكر لماذا تلين ألسنتنا وقلوبنا مع أعدائنا ثم تنقلب الألسنة والقلوب ذاتها إلى أسنة ورماح مع أخوتنا وأهلنا؟ فكيف نبني التسامح وكيف نواجه مشاعر الكراهية؟ ومع من يكون التسامح؟ وما مجالاته؟ التسامح ثقافة وممارسة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: كما يسرنا مشاهدينا الكرام أن نتلقى مشاركاتكم على بريد البرنامج الإلكتروني والذي يظهر أمامكم على الشاشة sharia@aljazeera.net

معنى التسامح وملامحه في الإسلام

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور، كلمة التسامح البعض يرى أنها تحمل معنى سلبيا وكأن فيها منة على الآخر، ما قولكم؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد، فكلمة التسامح كلمة مشتقة من مادة سمح يسمح وهي في اللغة العربية تعني أمرين السماحة بمعنى السخاء والجود، يعني مشهورة سماحة حاتم الطائي:

"إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس"

هذا السماحة يقول ويعني:

"يغطى بالسماحة كل عيب

وكم عيب يغطيه السخاء"

إذا كان سمحا بمعنى جواد كريم هذا يغطي عيوبه الأخرى. والمعنى الآخر معنى السهولة والتيسير كما جاء في الحديث "رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا.."، سمح في معاملاته ونحن نقول الرسول بعث بالحنيفية السمحة يعني السهلة الميسَرة الميسِرة على الناس. ومن هذا المعنى الثاني اشتق التسامح الذي اشتهر يعني، كلمة التسامح قلما عرفت بهذا المعنى عند الأقدمين فهي من المصطلحات المحدثة التي شاعت في ظلال الثقافة العربية الحديثة تعني التساهل مع المخالف الرفق مع المخالف عدم التشدد مع من يخالفه. لا يحمل هذا المعنى أي معنى أنك بتمن على الآخر، لا، هذه في معاني بطبيعتها لما تقول البر، ما تبر بالآخرين يعني معناها تمد يد المعونة وكذا، هذا ليس معناه أنك تمنن عليه، هذا المن يفسد البر كما قال تعالى {..لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى..}[البقرة:264]، الإحسان يعني هذا المعنى، الرفق، كل دي معاني بطبيعتها أنها تمتد مع الآخرين ولكنها لا تحمل إلا إذا كان الشخص نفسه هي التي تحتاج إلى تثقيف وتهذيب من جديد.

عثمان عثمان: نعم، بعض الغلاة فضيلة الدكتور، يصور الإسلام على أنه دين التشدد ودين التطرف ودين التعصب. من أين جاء هذا الانطباع برأيكم؟

"
الإسلام هو دين الاعتدال والوسطية والتوازن لا يحب الغلو ولا التفريط، لذلك كان السلف يقولون ديننا هذا بين الغالي فيه والجافي عنه
"
يوسف القرضاوي: هذا يعني أبعد ما يكون عن الإسلام لأن الإسلام كما شرحنا دائما هو دين الاعتدال والوسطية والتوازن لا يحب الغلو ولا التفريط، يعني ولذلك كان السلف يقولون ديننا هذا بين الغالي فيه والجافي عنه. الغلو ممنوع والجفاء ممنوع، والنبي عليه الصلاة والسلام قال "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"، "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" النبي عليه الصلاة والسلام كررها ثلاثا وكان يكرر اللفظة ثلاثا لأهميتها ولخطرها وليغرسها في العقول والنفوس، المتنطعون المتشددون المتعمقون في الدين بغير حق، بل يريد السهولة دائما ويريد التيسير وفي منهجه يقول "يسروا ولا تعسروا" روى عنه أنس بن مالك "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"، تيسير في الفتوى وتبشير في الدعوة، وحينما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن أوصاهما بهذه الوصية الجامعة قال "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا"، وحينما دخل أحد الأعراب وأراد أن يبول في المسجد، أعرابي جاي من البادية لم يتهذب بآداب الإسلام الجديدة والمسجد لم يكن مفروشا بالحصير ولا بالسجاد، بالحصباء، فبدأ يبول هاج عليه الصحابة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم "لا تزرموه" لا تقطعوا عليه بولته "وصبوه عليه ذنوبا من ما فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". فاتهام الإسلام بأنه دين التشدد أو دين التطرف هذا لا أصل له في تعاليم الإسلام في نصوص الإسلام في قواعد الإسلام، إنما وجد من بعض المسلمين للأسف في سائر العصور وخصوصا في عصرنا هذا وجد من المسلمين من يتسم بالتشدد ومن يتسم بالتطرف وبالغلو، وهذا يقاومه دائما أهل العلم..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما سبب ذلك؟

يوسف القرضاوي: (متابعا): أهل العلم دائما.. جاء في الحديث اللي رواه البيهقي وقواه ابن القيم وغيره "يحمل هذا العلم -يعني علم النبوة- من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، اعتبر الغالين ينتحلون دينا جديدا كأنهم يصنعون دينا من عندهم، الغلو هذا كأنه دين غير دين الإسلام الذي يقوم.. {.. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..}[البقرة:185]، {..ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ..}[المائدة:6]، {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا..}[النساء:28]، ولذلك شرع الرخص وشرع قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وشرع قاعدة الاستثناء التخفيف من صرامة القواعد، ما من عام إلا وخصص به البعض وهكذا. فالفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية والقواعد الإسلامية تسع الحياة وتجعل الحياة ميسرة لا معسرة.

عثمان عثمان: انطلاقا من ذلك فضيلة الدكتور، هل ترون أننا اليوم بحاجة إلى إشاعة ثقافة التسامح بين الناس؟

يوسف القرضاوي: نعم، نحن أحوج ما نكون إلى إشاعة هذه الثقافة. نريد أن تتسع الصدور لمن يخالفنا، لا نريد أن نضيق ذرعا بمن يخالفنا، نفتح له صدورنا، نرطب له ألسنتنا، نحاوره بالتي هي أحسن، ندعوه بالحكمة والموعظة الحسنة، ندعوه بالحب لا.. ثقافة الحب لا الكراهية، ثقافة الحوار لا الصدام، ثقافة التقارب لا التباعد، كل هذا يحث عليه الإسلام وفيه نصوص وفيرة من القرآن ومن السنة وفي من تراث السلف الكثير والكثير يعني.

عثمان عثمان: لعل القرآن الكريم كما ذكرتم فضيلة الدكتور أبرز مصادر ثقافة هذا التسامح. ما هي أبرز الملامح ملامح التسامح، كيف تتجلى في القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: ملامح كثيرة جدا أبرزها الدعوة إلى الحوار، القرآن كله كتاب حوار، حوار بين الأنبياء وأقوامهم، حوار بين الله وعباده، حتى ربنا حاور الملائكة {..إني جاعل في الأرض خليفة ..}[البقرة:30]، حتى حاور إبليس يعني إبليس {..ما منعك أن تسجد..}[ص:75] لآدم، {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخرج منها فإنك رجيم}[ص:76-77]، {..قال أنظرني إلى يوم يبعثون..}[الأعراف:14]. يعني شر خلق الله حاور الله عز وجل، فالكتاب القرآن حوار ويعلمنا أدب الحوار، {..قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون..}[سبأ:25]، كان مقتضى المقابلة يقول ولا نسأل عما تجرمون، فالحوار والحوار بالتي هي أحسن {..وجادلهم بالتي هي أحسن ..}[النحل:125]، كل من تجادل وخصوصا أهل الكتاب {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ..}[العنكبوت:46]، وركزوا على النقاط المشتركة، في نقاط تمايز ونقاط اختلاف، لا تركز على المختلف فيه، ركز على المتفق عليه بقدر الإمكان، أبرز هذه الأشياء ووسعها وعمقها نقاط الاتفاق ولذلك القرآن يقول {..وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلون..}[العنكبوت:46]، نجيب الأشياء التي نتفق فيها معا. إقرار التعددية أن الواحد هو الله وما عدا الله متعدد، الخلق كله في تعدد، التعدد الديني والتعدد اللغوي والتعدد الثقافي والتعدد الحزبي والتعدد العرقي والتعدد.. كل هذا {..ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين..}[الروم:22]، العالمين بسنن الكون وسنن المجتمعات وهو التعدد الديني بالذات وده إحنا ناقشناه في حلقات سابقة وقلنا إن التعدد الديني واقع بمشيئة الله فمن يريد إلغاء التعدد الديني أو الاختلاف الديني كأنما يضاد مشيئة الله عز وجل التي أرادت للناس أن يكونوا مختلفين {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ..}[هود:118-119]، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين..}[يونس:99]، فهذا التعدد الديني واقع بمشيئة، ولذلك ربنا وكل هذا الاختلاف والتعدد لم يحاسب الناس عليه في الدنيا يحاسب الناس عليه في الآخرة يعني {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون}[الحج:68-69]. النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول للمخالفين له في الدين {.. الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}[الشورى:15]، الحساب يوم الحساب فهذا كله يخفف من عملية التشدد ويزرع في القلوب بذور التسامح الحقيقي.

عثمان عثمان: ذكرتم أن الاختلاف هو بمشيئة الله عز وجل وأنه نظريا الخلاف رحمة. هل يعني التسامح الإبقاء على الخلاف دون معالجته؟

يوسف القرضاوي: لا، لا مانع أن نعالج الخلاف ولكن المهم نقر بأن الخلاف لا بد واقع، نحن عالجنا هذا في حلقة سابقة وقلنا الاختلاف واقع، هو الاختلاف رحمة، الاختلاف ضرورة ورحمة وسعة، الاختلاف ضرورة، ضرورة دينية وضرورة لغوية وضرورة بشرية وضرورة كونية لأن ربنا خلق الكون {..مختلفا ألوانه..}[النحل:13] كما قال القرآن، ومعنى اختلاف الألوان ما نعبر عنه بظاهرة التنوع، أشياء متنوعة، ربنا ما خلقكش.. اختلاف الألوان. فلا بد أن نقر هذا الأمر ولا نضيق به وإذا أحسنا الانتفاع به ممكن هذا يثري الحياة ويثري به المجتمع.

عثمان عثمان: بالعودة إلى القرآن الكريم وأنه من أهم مصادر ثقافة التسامح في الإسلام، هناك بعض الآيات يفهم منها بعض المعادين للإسلام أنها تحض على العنف. هل في القرآن ما يحمل على العنف فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي: لا يوجد في القرآن أي آية تحمل على العنف، الذين يقولون ذلك لم يفهموا القرآن، بعضهم قال حتى أسماء الله في القرآن تحمل العنف وقالوا المسلمين عندهم اسم الجبار اسم القهار. طيب اسم الجبار ورد في القرآن في آية واحدة واسم القهار ورد في ستة مواضع ومع {..الواحد القهار}[يوسف:39] يعني الذي يخضع الكون لقهره ولسننه وهو قهار على الظلمة والجبارين، إنما اسم الرحمن الرحيم التي تكررت في كل سور القرآن ما عدا سورة التوبة وأرحم الراحمين ومن رحمته وسعت كل شيء، وهو الودود الغفور الودود العفو التواب، كل هذه.. ففين الآيات.. بعضهم يقول في آية اسمها آية السيف زعموا أن دي آية السيف دي يعني نسخت 140 آية أو 200 آية أو كلام من ده، وحتى هذه الآية للأسف لم يحددوا أي آية هي، قولوا لنا آية السيف إيه؟ اختلفوا فيها ومعظم الآيات، أربع آيات ذكروها لما تيجي تحللها لا تجد أنها آية سيف، أشهر الآيات هذه التي جاءت في الآية الخامسة من سورة التوبة {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ..}[التوبة:5]، المشركون دول اللي هم أهل مكة الذي تعدوا الحدود ونقضوا العهود وفعلوا الأفاعيل بالمسلمين ثلاثة عشر عاما في مكة، ساموهم سوء العذاب وأخرجوهم من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا.. وثمانية سنين، تسعة سنين في المدينة صدام مسلح دامي حرب مستمرة، وغزوا المسلمين في عقر دارهم مرتين أرادوا أن يستأصلوهم في غزوة أحد وغزوة الخندق، فهؤلاء الآية دي نزلت.. ربنا مع هذا أعطاهم مهلة أربعة أشهر قال {فإذا انسلخ الأشهر الحرم..} الأربعة الأشهر دي خلاص ما عادش لهم خيار {..خذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد..}، ومع هذا قبل هذه الآية، الآية تقول {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}[التوبة:4] أتموا، وبعد الآية دي {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ..}[التوبة:6] وصله إلى مكان الأمان الذي يأمن فيه. فأي آية يسمونها آية السيف؟ وهناك آيات تحرم البدء بالقتال إذا وجدنا الآخرين قد كفوا أيديهم، القرآن يقول بصريح العبارة {..فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا}[النساء:90]، أمّال بنقاتل مين؟ {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين..}[البقرة:190]، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ..}[البقرة:193] حتى لا يفتن أحد عن دينه، لأنه هم كانوا يصادرون من يدخل في الإسلام ويعذبونه العذاب الشديد ويصبون عليه سياط الأذى والتعذيب، فيقول لا، لازم يترك الناس أحرارا {.. حتى لا تكون فتنة..} وقال {..والفتنة أشد من القتل ..}[البقرة:191]، {..والفتنة أكبر من القتل..}[البقرة:217]، هي من ناحية الكم أكبر ومن ناحية الكيف أشد، لماذا؟ لأن القتل اعتداء على جسد الإنسان والفتنة والاضطهاد اعتداء على روح الإنسان وعلى ضميره ويجب أن يقاوم هذا ويترك للناس الحرية. أول آية نزلت في الإذن بالقتال {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ..}[الحج:39-40] يعني معابد اليهود ومعابد النصارى، يعني أذن الإسلام بالقتال دفاعا عن كل هذه الأشياء، كان يدافع عن المساجد تماما.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، يعني أنتم ذكرتم قتال الذين كفروا والمشركين، ألا يعتبر هذا عنفا بحدوده وضمن ضوابطه؟

يوسف القرضاوي: طبعا، هو إذا اعتبرت القتال عنف، هو القتال لون من العنف ولكن عنف منضبط، عنف له شروطه، عنف له مجاله ليس سائبا، هناك دستور أخلاقي للحرب في الإسلام، دستور لا يقاتَل إلا من يقاتِل، لما وجد النبي امرأة مقتولة في.. غضب وأنكر ونهى عن قتل النساء والصبيان قال "لا تقتلوا امرأة ولا وليدا" طفل، لما تقارن بين هذا وبين ما جاء في التوراة، لا تستبقوا نسمة حية، تعاليم التوراة. بيقول لك "لا تقتلوا امرأة ولا وليد" ولا تقتلوا الرهبان في الصوامع ولا تقتلوا الحراث في أرضهم ولا تقتلوا التجار في متاجرهم، وبعدين نهى عن المُثلة لا يجوز أنه يُمَثل بالشخص بعد أن يموت يشوهه، حرم الإسلام هذا، حينما جاء لأبي بكر برأس واحد من قادة الفرس غضب فتح منديل كده وجد رأس، قال ما هذا؟ قالوا يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون بنا ذلك، قال آستنان بفارس والروم؟! لا يحمل إلي رأس بعد اليوم، لا تحملوا هذه الجيف إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكفي الكتاب والخبر، قولوا لنا القائد الفلاني الذي فعل ما فعل بالمسلمين ربنا أخذه خلاص كفاية يكفي الكتاب والخبر.

عثمان عثمان: ربما هذا يقودنا إلى سؤال فضيلة الدكتور، يعني التسامح مع من يكون، بين من ومن؟ وحول ماذا يكون هذا التسامح؟

"
التسامح يكون بين المتخالفين في العقيدة بين المسلمين والنصارى، وفي المذهب بين السنة والشيعة، وفي الأيديولوجيات بين القوميين والإسلاميين، وفي العرقيات بين العرب والبربر
"
يوسف القرضاوي: التسامح يكون بين المتخالفين، أحيانا يكونوا متخالفين في العقيدة بين المسلمين والنصارى، في المذهب بين السنة والشيعة، في الأيديولوجيات بين القوميين والإسلاميين، في العرقيات بين العرب والبربر، عرب والأمازيغ والأكراد، في السياسات المختلفة، في الفقهيات حتى التسامح الفقهي يعني قد بعض الناس يريد أن يلغي كل من يخالفه لا يقبل رأيا مخالفا، هذا ليس من التسامح في شيء، لا بد تسمع للآخرين كما ورد عن الإمام الشافعي أنه قال "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" فاحتمال هذا الاحتمال في الجانبين احتمال الخطأ في رأيه واحتمال الصواب في رأي غيره يقرب المسافة. البعض بيقول لا هذا فيه نوع من التشدد، المفروض أن الآراء الاجتهادية والبشرية كلها نسبتها إلى الصواب والخطأ سواء، وبعض الناس بيسموهم في الأصول علم الأصول المصوبة الذين يصوبون كل رأي يقول لك كل رأي يصل إليه المجتهد فهو صواب، المطلوب منه أن يعمل عقله وفق الأصول الشرعية والضوابط المرعية وبعدين يصل إليه وما وصل إليه هو الصواب وإن كان خطأ عند غيره. ولكن رأي الجمهور أنه لا، في صواب وفي خطأ، ومن وصل إلى الصواب له أجران ومن وصل إلى الخطأ له أجر واحد، وأجره ليس على الخطأ ولكن أجره على التحري، على إعمال العقل على بذل الجهد واستفراغ الوسع فهو مأجور على هذه الناحية.

عثمان عثمان: ما هي المجالات التي يتجلى فيها التسامح ممارسة؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود معكم لمتابعة هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

مجالات التسامح وحدوده

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان التسامح ثقافة وممارسة مع فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور، التسامح، ما هي المجالات التي يتجلى فيها ممارسة؟ ولكن قبل أن أسمع الإجابة يعني أريد أن أسأل سؤالا وردني على النت الآن، أحد الأخوة المشاهدين يقول أريد أن أسأل فضيلة الدكتور كيف نرفق مع من يخالفونا ويشتدون علينا، أليس ذلك قبول الذل؟ السائل من العراق من جامعة السليمانية.

يوسف القرضاوي: لا، بالعكس هذا ليس ذلا، هذا هو عزة الإنسان بما يمثله من حق أنك تكون يعني واسع الصدر كما النبي صلى الله عليه وسلم وكما كان الصحابة وكما علمنا القرآن أن تتسامح في كل المجالات مجالات العلمية مع من يخالفك. ولماذا تعتقد أنك أنت على الحق وغيرك على الباطل؟ قد يكون الأمر بالعكس، إنها أمور اجتهادية، كم من آراء كان في وقت من الأوقات كان الناس يعتبرونها آراء شاذة آراء مخالفة للإجماع مثل آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق وهذه الأشياء بعض الأوقات دخل من أجلها السجن وعملوا له امتحانات وعملوا له كذا، وبعدين بعد ذلك أصبحت الأمة بتلجأ إلى هذه الأقوال تجد.. أقوال تجد فيها تيسيرا وتجد فيها حفاظا على الأسرة المسلمة من الانهيار، فلازم ففي مجال العلم في مجال للتسامح، مجال العمل والسلوك المعايشة مع الناس الجوار والزمالة، قد تجاور إنسان جارك قد يكون مسيحيا وقد يكون حتى يهوديا كان النبي صلى الله عليه وسلم جاره بعض الناس اليهود وكان يتعامل معهم بكل سماحة، فلا بد أن تتسامح مع هؤلاء.. أنا أصدرت فتوى أنه يجوز أن تهنئ أهل الكتاب بالأعياد يعني بأعيادهم..

عثمان عثمان (مقاطعا): وهذه كانت في حلقة الشريعة والحياة "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي".

يوسف القرضاوي: (متابعا): نعم إحنا تكلمنا في هذا. هذا نوع من التسامح، يقترب الناس بعضهم من بعض وليس معنى هذا أنني أهنئه بعيده أنني رضيت بدينه لي منهجا، لا، هذا من حسن المعاملة أن يحسن الناس التعامل بعضهم مع بعضهم وهو مطلوب في كل.. في سيدنا عبد الله بن عمرو في عيد من أعياد الأضحى قال لغلامه يا غلام إذا ذبحت فلا تنس جارنا اليهودي، أنت عارف المسلمين بيضحوا بالبقر والغنم والإبل في عيد الأضحى فقال له إذا ذبحت الشاة وذبحت.. لا تنس جارنا وبعدين كل ما دخل وخرج يقول له لا تنس جارنا اليهودي، فقال له ما هذا التكرار؟! فقال له إن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يوصينا بالجار حتى ظننا أنه سيورّثه، من كثرة ما وصى بالجار ظن أن الجار سيرث الجار، فهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم.

عثمان عثمان: لعلكم بهذا فضيلة الدكتور أجبتم عن المجالات التي يتجلى فيها التسامح ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أليس هناك من حدود للتسامح؟

"
التسامح ليس معناه التنازل عن الدين أو التنازل عن الحق، أنت تتمسك بحقك ومع هذا تتسامح مع غيرك
"
يوسف القرضاوي: التسامح ليس معناه التنازل عن الدين أو التنازل عن حقك، أنت تتمسك بحقك ومع هذا تتسامح مع غيرك، الناس يعني أحيانا يفهمون هذه الكلمات بأن التسامح معناه إذابة الحواجز بينك وبين غيرك أنه ليس هناك بين الإسلام وغيره، لا، ليس هذا معنى التسامح، كل واحد متمسك بدينه بعقيدته، أنا لا أطالبك أن تترك دينك من أجلي، صحيح أنا أدعو إلى ديني لكن أدعو بالحكمة وأدعو بالبرهان وأدعو بالبينة ولكن مع هذا إذا بقيت على دينك أعاملك بالحسنى وأحاورك بالحسنى، هذا هو معنى التسامح وليس معناه أنه أنا أتنازل عن ديني أو أجبرك على الارتداد عن.. لا، ليس هذا من التسامح في شيء.

عثمان عثمان: يعني هناك من يتعصب لدينه الذي يعتنق طوعا، هناك من يتعصب لأفكاره وقيمه التي يتبناها ويعتبرها أنها قيمة حقة وهي موافقة للشريعة. هل هذا التعصب يتعارض مع مبدأ التسامح؟

يوسف القرضاوي: لا شوف، ما معنى التعصب؟ التعصب ضد الآخرين هذا ممنوع، الاعتزاز بدينك هذا مطلوب. يعني حأذكر لك سورة في القرآن تحمل نهاية الاعتزاز بالدين ونهاية التسامح مع المخالفين وهي سورة يحفظها أطفال المسلمين، {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون}[الكافرون:1-2] حينما كان المشركون يساومون النبي صلى الله عليه وسلم أن هو يعبد آلهتهم أشهرا أو سنة أو كذا وهم يعبدون إلهه أشهرا أو سنة، مفاوضات، القرآن جاء قطع هذه المفاوضات حسم الأمر قال دعوكم من هذا {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد}[الكافرون:1-5] يعني لا في الحاضر ولا في المستقبل ولا في الماضي حأعبد.. هذا منتهى الإيه؟ الاعتزاز والتمسك، وبعدين في الآخر قال إيه؟ {لكم دينكم ولي ديني}[الكافرون:6]، هذا هو التسامح. ولكن المشكلة أن المشركين قالوا له لا لدينا ديننا وليس لك دينك، كما جاء في آية آخرى {..وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون..}[يونس:41] فهم يقولون له لنا ديننا وليس لك دينك ولنا عملنا وليس لك عملك لا حق لك. فالمسلم هو موقفه هكذا لا أعبد ما تعبدون ولكم دينكم ولي ديني.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، ذكرتم يعني أن التاريخ الإسلامي هو مصدر لثقافة التسامح، ولكن البعض يرى أن هذا التاريخ هو مصدر للصراعات الدينية والتعصب بمعنى أنه تاريخ حافل بالسلبي والإيجابي، ما ردكم؟

يوسف القرضاوي: طيب إحنا نأخذ بإيجابيات التاريخ ونستفيد منها ونحاول أن نأخذ منها نماذج والسلبيات نحاول أن ننقدها ونتفاداها. أنا لي كتاب اسمه "تاريخنا المفترى عليه" وذكرت أنه من خصائص التاريخ الإسلامي أنه حافل بنماذج التسامح مع المخالفين، العناصر غير الإسلامية ساهمت مساهمة إيجابية فعالة في إقامة الحضارة الإسلامية عناصر من اليهود وعناصر من النصارى ومذكور هذا في التاريخ ومذكور هذا في.. الأطباء والفلكيون والفلاسفة الذين ساهموا من غير المسلمين، وذكرت في هذا نماذج كثيرة ونقلت من كتاب شيخنا رحمه الله الدكتور مصطفى السباعي كتابه "من روائع حضارتنا" قد نقل فيه روائع فعلا من تسامح المسلمين وهذا شهد به الغربيون أنفسهم، شهد به هؤلاء كثيرون غوستاف لوبون وغيره وغيره شهدوا بالتسامح الإسلامي.

عثمان عثمان: نعم، فضيلة الدكتور هناك يعني بعض الأشخاص يحرصون على نجاة الآخرين على هدايتهم فيتعاطون معهم بقسوة وبشدة، هل يتعارض هذا مع التسامح؟ كيف يكون التعاطي الأمثل مع الذين يرتكبون المنكرات؟

يوسف القرضاوي: الدعوة لا تعني التعصب ولا تعني التشدد مع المدعوين، بالعكس، المفروض لكي ترقق قلوب الناس لكي تقربهم منك لا بد أن تتعامل معهم بأسلوب حسن بأسلوب رفيق، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إن الله يحب الرفق في الأمر كله ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه"، "من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من الخير"، ولذلك وصف الله رسوله بقوله {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..}[آل عمران:159]. الدعوة لا تعني الغلظة بل تعني.. ومنهج الدعوة قاله {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..}[النحل:125]، لا ضرورة إطلاقا في دعوة الناس أنك تتشدد عليه، المنكر ده له درجات يعني في تغيير باليد وتغيير باللسان وتغيير بالقلب، وتغيير باللسان كما جاء عن بعض السلف من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف. دخل رجل على الخليفة المأمون العباسي وقال له يا ظالم يا فاجر يا كذا والمأمون كان رجلا عالما وحكيما فقال له يا هذا، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق، فقال من؟ قال الله بعث موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني فقال لهما {..فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى..}[طه:44]. فهذا هو المنهج القرآني والمنهج النبوي ومن رأى كيف كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ويحسن مخاطبتهم ويأخذهم بالرفق، يحاول أن يستميل.. الإنسان يعني إذا وجد أسلوبا حسنا يصغي إليه ويستمع إليه وقد ينتهي في النهاية إلى أن يتبع من دعاه.



التعامل مع المجتمعات الغربية والمتعصبين

عثمان عثمان: يظن البعض أن التكريم هو للإنسان المؤمن فقط، وقد عالجنا هذه المسألة في حلقة سابقة وقلنا إن الإنسان هو مكرم لإنسانيته ولكن كيف يكون تطبيق هذا الواقع حين نتعامل مع غير المسلمين في المجتمعات الغربية أو في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

يوسف القرضاوي: نكرم الإنسان من حيث هو إنسان، وإحنا ذكرنا في الحلقة السابقة أو اللي قبل السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على جنازة، جنازة ميت فقام لها واقفا احتراما للميت فقال له الصحابة يا رسول الله إنها جنازة يهودي! أنت بتحسبها دي جنازة مسلم، دي جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم "أوليست نفسا؟!" هبوا أنها جنازة يهودي مش نفس إنسانية، فيعني انظر إلى روعة الموقف وروعة التعليل والتفسير، إنها ليست نفسا، كل نفس إنسانية لها احترامها ومكانتها، فنحن نحترم الناس ونتعامل بالعدل مع الجميع {..ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى..}[المائدة:8] هذا ما أمرنا به الإسلام. لماذا نهى الإسلام أنه إحنا نمثّل بالميت في الحرب بالمقتول نشوه وجهه كما كان يفعل المشركون وكما فعلوا في غزوة أحد؟ لأن ده يعني لا يليق بكرامة الإنسان {..لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم..}[التين:4]، ربنا خلقه في أحسن تقويم فلا يجوز لك أن تشوهه على غير ما يحب الله عز وجل.

عثمان عثمان: ولكن في المقابل هناك من يرى أن هذه الدعوة إلى التعامل بالحسنى إلى التسامح مع غير المسلمين تقابلها عمليا هجمات على الإسلام والمسلمين تشويه لصورة هذا الإسلام، إساءة للنبي عليه الصلاة والسلام وللقرآن الكريم من الغربيين مثلا ومن المعادين للإسلام.

يوسف القرضاوي: والله أنا أقول لك هذا واقع يعني الحقيقة وهو بصراحة أمر مؤسف يعني للغاية وقد تمادى يعني الغربيون في هذا الجانب وهو هذه الأشياء مما يسيء إلى العلاقة بين الغرب والشرق، ولكن يعني لكي نكون منصفين الغرب ليس كله شيئا واحدا، هناك يعني في هولندا الحكومة الهولندية نددت بالنائب الذي صنع الفيلم الذي يعني يشوه القرآن ويسخر من القرآن ويتهم القرآن بالتحريض على العنف والتحريض على الكراهية والتحريض على التعصب، يعني كان موقف الحكومة موقفا جيدا وموقفها من الجالية الإسلامية موقفا.. على حين الدنمارك رأيناها تعيد نشر هذه الصور التي هيجت العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه تعيدها في 17 صحيفة، ورأينا بعض البلاد الأوروبية تؤيد هذا للأسف، ورأينا حتى من البابا إساءة إلى الإسلام وذكرت في الأسبوع الماضي يعني ما لا ينبغي أن يحدث من مثل البابا في مقامه ويعني إنه منظور إليه نظرة عالمية. هذا واقع للأسف ولا يمكن إذا استمر هذا الأمر أن يثمر علاقة حسنة بين الشرق والغرب، نحن أنكرنا على الأديب الغربي الذي قال قديما الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، قلنا لا، نقول الشرق شرق والغرب غرب ويمكن أن يلتقيا، كلاهما جزء من مملكة الله {..رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا..}[المزمل:9]، {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ..}[البقرة:115]. نحن ندعو إلى التسامح بين الشرق والغرب إلى التسامح بين اليهود والنصارى والتسامح بين المسلمين وغير المسلمين حتى مع اليهود لولا أن اليهود ظلمونا ظلما بينا، والقرآن الكريم يقول {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ..}[العنكبوت:46]، الذين ظلموا وليس هناك ظلم مثل ظلم اليهود للمسلمين وللعرب وإخراجهم من ديارهم وتشتيتهم في الآفاق وضربهم بالصواريخ والقنابل والطائرات واعتقال الآلاف منه من سنين طويلة إلى اليوم وإحراق المزارع وإلى.. ما فعل أحد من الظلم مثله، ولذلك لا نحاورهم حتى يزول هذا الظلم إلا من كان ينكر.. هناك يهود قابلتهم في لندن ينكرون على إسرائيل ما فعلته ويرون أن إسرائيل ستكون ويلا ومصيبة على اليهود في أنحاء العالم.

عثمان عثمان: البعض يرى أنه يجب مواجهة هذا التعصب الغربي بتعصب إسلامي.

يوسف القرضاوي: لا، إحنا لا نقابل الغير بمثل ما يعاملنا به، إذا كان واحد يقابلنا بسوء الأخلاق لا نعامله بسوء الأخلاق نعامله بحسن الأخلاق، ولكن أيضا كما قلنا إنه أحيانا نتسامح ولكن أيضا {لا أعبد ما تعبدون..}[الكافرون:2]، لا نتنازل عن ديننا، أحيانا نغضب إذا زاد الأمر عن حده انقلب إلى ضده، وأنا ذكرت يعني في بعض الأحيان قول الشاعر العربي

ولي فرس للحلم بالحلم ملجم

ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن رام تقويمي فإني مقوم

ومن رام تعويجي فإني معوج

وما كنت أرضى الجهل خدنا وصاحبا

ولكنني أرضى به حين أحرج

حينما نظلم وحينما يعتدى علينا أذن لنا أن ندافع عن أنفسنا {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير..}[الحج:39].

عثمان عثمان: ضمن الرأي والرأي الآخر أحد الأشخاص اسمه أحمد الهادي أستاذ جامعي يقول الانطباع من برامجكم السابقة كان يطغى عليه غلوكم في الدين، ألا يبدو لكم أن حصتكم اليوم حول التسامح تمثل تراجعا عما كان ينادي به البعض ولعلكم من بينهم من تكفير للآخر حين يختلف معكم ولو جزئيا؟ لا أدري من أين جاء بهذا الانطباع فأنتم يعني دائما تدعون إلى الاعتدال..

يوسف القرضاوي: (مقاطعا): هذا والله الانطباع ما سمعنا به. كل من يشاهد هذا البرنامج في كل مكان في بلاد العرب وحتى خارج بلاد العرب هناك من يسمعنا في ماليزيا وفي أندونيسيا وفي الهند وفي باكستان وفي أميركا وفي أوروبا ممن.. كل من يشاهد هذا البرنامج وهم عشرات الملايين بحمد الله يصفون هذا البرنامج بأنه من برامج الاعتدال والوسطية والتيسير، بالعكس أنا متهم من بعض الفئات أني رجل متساهل أكثر من اللازم وميسر أكثر من اللازم. لا يستطيع أحد أن يتهم هذا البرنامج بأنه يعني برنامج متشدد، بالعكس إحنا ندعو إلى التيسير، منهاجنا هو التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، أما كلام هذا الأخ، إيش قال في النهاية كلمته الأخيرة في..

عثمان عثمان: موضوع التكفير أنكم أيضا تكفرون يعني.

يوسف القرضاوي: بالعكس أنا ضد التكفير على خط مستقيم، أنا من قديم عملت رسالة اسمها "ظاهرة الغلو في التكفير" حينما ظهرت جماعة التكفير والهجرة في مصر وكان لهم يعني رواج لهذه الفكرة وكان لهم من يدعو إليهم وكان وكان فأنا وبعدين خطفوا الشيخ الذهبي وقتله من قتله، عملت رسالة نشرها الشباب الإسلامي شباب الجامعات والجماعات الإسلامية بعشرات الآلاف اسمها ظاهرة الغلو في التكفير. أنا ضد.. طبعا التكفير لا بد منه، في ناس بتكفر وترتد عن دينها، لازم نقول للكافر كافر إنما الخطر هو الغلو في التكفير أن تكفر من لا يستحق التكفير أن تكفر كل من.. هناك ناس بيكفروني أنا، يعني فنحن ضد هذا الاتجاه. والأصل في الناس أن يبقى المسلم على إسلامه حتى لو أخطأ، التكفير خطيئة دينية وخطيئة علمية وخطيئة اجتماعية وخطيئة سياسية لأنها تفرق الأمة، نحن ضد التكفير ولا يمكن أن يتهم مثلي بأنه من دعاة التكفير، بالعكس أنا من خصوم التكفير وأريد أن نبقي على الأمة ولا نخرج الشخص من دائرة الإسلام إلا إذا كان هناك قاطع من القواطع التي تجعلنا نقول هذا الشخص خرج من الملة خروجا نهائيا، ما دام هناك بصيص أي أدنى خيط يربطه بهذا الدين نبقيه على الإسلام، حتى لو قال بعض علمائنا لو واحد قال قولا وفيه 99 وجه يحتمل الكفر ووجه واحد يحتمل الإسلام نحمله على الإسلام، شوف المبالغة نحمله على الإسلام، شوف المبالغة نحمله علشان وجه واحد، ربما كان هذا نوع من المبالغة ولكنها مبالغة في إثبات الإنسان على أصله حملا لحال المسلم على الصلاح وتحسينا للظن به {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن..}[الحجرات:12]، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الخير، حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس، وخصلتان أخريان ليس فوقهما شيء من الشر سوء الظن بالله وسوء الظن بالناس.

عثمان عثمان: لا يتبقى في نهاية هذه الحلقة إلا أن نشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وأخص بالشكر الأخوة الذي تواصلوا معنا عبر بريد البرنامج. لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور طلافيح ومن سائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.