- حول قضية المخطوفين في المغرب
- رؤية الدولة الإسلامية في موضوع الأمن الغذائي

- أسباب الشقاء وفقه الأولويات

- سبل الشريعة وواجب الدولة في توفير الضروريات

- واجبات المسلم ودوره في توفير الأمن الغذائي


 
عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته. أحييكم وأرحب بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}[قريش:3-4]، فالغذاء يشكل جوهر صراع الإنسان من أجل البقاء، وإذا كنا نتحدث بالأمس القريب عن الحقوق السياسية ونوعية الحياة الكريمة التي يجب أن يحياها الفرد فإننا مضطرون الآن إلى التراجع خطوة إلى الوراء للحديث عن الحياة نفسها مما يحفظ النفس من الموت. والأمن الغذائي بحسب منظمة الصحة العالمية يعني كل الظروف والمعايير الضرورية اللازمة خلال عمليات إنتاج وتصنيع وتخزين وتوزيع وإعداد الغذاء لضمان أن يكون الغذاء آمنا وموثوقا به وصحيا وملائما للاستهلاك الآدمي، فأمان الغذاء متعلق بكل المراحل من مرحلة الإنتاج الزراعي وحتى لحظة الاستهلاك من طرف المستهلك الأخير. وبالتأكيد لن نعالج الموضوع اقتصاديا بل سنتناول الجانب الفقهي منه فقط فحفظ الحياة من أهم الضروريات التي جاءت الشرائع لحفظها. فما الواجب على الحكومات والأغنياء لتأمين تلك الضروريات لمحتاجيها؟ وما موقف الشرع من الاستغلال والاحتكار؟ فقه الأمن الغذائي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.



حول قضية المخطوفين في المغرب

عثمان عثمان: قبل الدخول إلى محاور الحلقة فضيلة الدكتور يبدو أن لديكم تعليقا ما حول قضية المخطوفين النمساويين في المغرب العربي.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأزكى صلوات الله وتسليماته على رحمته للعالمين وحجته على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا  وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قبل أن نتحدث عن الأمن الغذائي أحب أن أعرض لقضيتين عامتين كما هو شأننا في هذا البرنامج، القضية الأولى قضية المخطوفين النمساويين في بلاد المغرب العربي الإسلامي وقد اتصل بي بعض المسؤولين في النمسا بواسطة الأخوة الهيئة الدينية الإسلامية في النمسا، اتصل بي المسؤول عن العلاقات النمساوية بالشرق الأوسط ورجاني أن أوجه نداء للخاطفين عسى أن يطلقوا سراح هاتين الرهينتين. وأنا باسم الإسلام وباسم الإسلام وحده وليس عندي غير الإسلام أناشد الأخوة الخاطفين والأبناء الخاطفين أن يفكوا أسر هاتين الرهينتين، وهما لا ذنب لهما، هما من الأبرياء المدنيين الذين يراد بهم عقاب غيرهم أو يراد بهم الضغط على غيرهم، ونحن عندنا في الإسلام أن المسؤولية مسؤولية فردية {كل نفس بما كسبت رهينة..}[المدثر:38]، {..لا تزر وازرة وزر أخرى ..}[الأنعام:164] هذه القاعدة مهمة. الأمر الثاني أن من دخل الإسلام بأمان يجب أن يحترم أمانه حتى الكافر الحربي الذي يحارب المسلمين إذا كان في حالة هدنة بينه وبين المسلمين ودخل بلاد الإسلام بأمان يجب أن يحترم أمانه سواء أمنته الدولة أم أمنه بعض الأفراد، حتى النساء أجار النبي صلى الله عليه وسلم من أجارته أم هانئ بنت أبي طالب وقال "أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، حتى لو كان عبد حتى يعني أجار أحدا فأمانه يعني محترم. وهذا هو الذي ينبغي أن يعرفه شبابنا هؤلاء، أن هؤلاء دخلوا مستأمنين وسياح يعني وهم كما يقول الأخوة في النمسا من محبي بلاد العرب ومحبي الشرق العربي ومن محبي السياحة إلى هذه.. فلا ينبغي أن يؤخذوا بذنب غيرهم. الأمر الآخر أن الإسلام حريص جدا على عصمة الأنفس وحرمة الدماء ولم يجز من إباحة الدماء إلا ما تقتضيه الضرورات حتى في الحرب لا يقتل إلا من يقاتل، هكذا الإسلام، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قتلت في إحدى الغزوات أنكر ذلك وقال "ما كانت هذه لتقاتل!" حتى مع وجودها في المعركة. الأمر الآخر الذي أريد أن أقوله للأخوة وهؤلاء الأبناء الخاطفين أن النمسا لها موقف طيب من الإسلام في أوروبا، هي البلد الذي اعترف رسميا بالإسلام منذ أوائل القرن الماضي 1912 اعترف بالإسلام، وكان موقفهم أيام الرسوم الكاريكاتورية المسيئة كان موقفا مشرفا، حتى رئيس الجمهورية والمستشار النمساوي ومعظم الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني كلها أنكرت هذا الموقف واعتبرت أن عملية حرية الرأي ليس معناها أنك يعني تدوس على مقدسات الآخرين، فيعني يجب أن نقدر هذا الموقف للنمسا. أنا أناشد أبناءنا الخاطفين أناشدهم باسم الله وباسم الإسلام وباسم القرآن وباسم مصلحة الأمة أن يطلقوا سراح هذين المخطوفين من أجل هذا الدين ومن أجل كرامة هذا الدين وأسأل لهم التوفيق في هذا، أن يروا هذا الرأي الذي من ورائه الخير للإسلام ولأمة الإسلام. القضية الثانية هي قضية في الحقيقة ما كنت أريد أن أتحدث فيها لأنه مضى عليها أسبوع وأكثر ولكن كثيرا من الأخوة في الداخل والخارج وفي الخارج أكثر من الداخل اتصلوا بي وهي قضية معروفة، قضية الاتجاه المعاكس والمرأة التي يعني اتهمت الإسلام والمسلمين وسبت الله ورسوله والأمة الإسلامية والعقيدة والشريعة والحضارة ولم تترك أحدا وكانت جريئة على كل شيء لم يحجزها حاجز. أنا أعلم أن زميلنا الأخ الدكتور فيصل القاسم اعتذر في الحلقة الثلاثاء التي تلت هذه الحلقة ولكني في الحقيقة حينما سمعت.. أنا لم أر هذه الحلقة ولكن رأيتها جيء لي بشريط ويعني.. شيء يعني وقفّ له شعر الإنسان واقشعر جلده، شيء لا يحتمل، سباب علني، جرأة على الله على رسول الله على كتاب الله على تاريخ الإسلام على أمة الإسلام على.. لم تترك شيئا، وكله بناء على جهل، لو كان عندها علم، ما عندها علم تبني.. لا تعرف القرآن ولا تعرف السنة، حينما استدلت بحديث استدلت بحديث ضعفه العلماء، الرسول قال "جعل رزقي تحت حد سيفي" هذا حديث ضعيف وما كان الرسول يرتزق من السيف، ونحن نقول لو قرأت القرآن لعلمت أن القرآن يحرم قتل النفوس {..أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا..}[المائدة:32]، لم يقاتل إلا من قاتله {..وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين..}[البقرة:190]، قبل الحرب يدعوا إلى السلم {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة..}[البقرة:208]، وبعد الحرب يقول {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله..}[الأنفال:61]، وإن انتهت الحرب بغير معركة يقول {..وكفى الله المؤمنين القتال..}[الأحزاب:25]، وفي صلح الحديبية حينما اصطلح المسلمون ومشركوا قريش نزل فيه سورة الفتح {إنا فتحنا لك فتحا مبينا..}[الفتح:1]، وقال بعض الصحابة أفتح هو يا رسول؟! فتح من غير ما نحارب؟! قل نعم هو فتح، هذا هو الإسلام {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم..}[الممتحنة:8]، {..فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا}[النساء:90]، كل الغزوات التي غزاها النبي صلى الله عليه وسلم هو كان المجني عليه، فيعني لو كانت هذه تعرف القرآن تعرف السنة تحسن القراءة.. طيب تقرأ التوراة وتقول لنا ماذا تقول التوارة؟ التوراة تقول بالنسبة للبلاد البعيدة اضربوا جميع ذكورها بحد السيف، لم تستثن شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا، أما البلاد القريبة بلاد فلسطين أرض الميعاد كما يسمونها فتقول التوراة حينما تدخلونها أبيدوها عن بكرة أبيها لا تستبقوا فيها نسمة حية، فكرة الإبادة والاستئصال هي فكرة توراتية، ماذا تقول.. هذه هي التوراة التي يؤمن بها بوش جماعة بوش واليمين المسيحي، ماذا تقول هذه التي تدافع عن الغرب وتبيح قتل المسلمين في غزة وفي غير غزة تقول لهم يستاهلوا القتل. أنا لا أريد أن أسترسل في هذا ولكن أرى أن هذه امرأة اجترأت على كل الحرمات، اجترأت على الأمة كل الأمة، اجترأت على تاريخها وعلى حاضرها وعلى مستقبلها واجترأت على رسول الله وعلى كتاب الله وعلى الله حتى تقول الله يثرثر في القرآن، يعني لم تبق حرمة، كيف يسمح لهذه أن تدخل يعني قناة الجزيرة، أنا أعيب على الأخ فيصل القاسم اللي بعد ما قالت الكلام ده يقول لها أشكرك شكرا جزيلا، إيه رأيك يا أخ طلعت، تشكرها على إيه؟! على القباحة، على الجرأة العجيبة هذه تشكرها على الجهل؟! وهذا جهل مركب، لأنه في واحد جاهل يعرف أنه جاهل وفي جاهل لا يعلم أنه جاهل هذا يسمونه الجهل المركب. أنا يعني أعيب على الجزيرة وعلى قناة الجزيرة وعلى إدارة الجزيرة وعلى مجلس إدارة الجزيرة أن يسمحوا لمثل هذه أن تأتي هذه القناة وأن يعني تقول هذا الكلام وكأنه لا يوجد في الدنيا إسلام ولا مسلمون ولا أحد يغار على دينه ويغار على أمته.



رؤية الدولة الإسلامية في موضوع الأمن الغذائي

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كما اعتذر الدكتور فيصل القاسم عما بدر من تلك المشاركة من كلام وصفتموه بالقبيح الكبير، كذلك قناة الجزيرة أصدرت بيانا صحفيا اعتذرت فيه أيضا لمشاهديها الكرام عما بدر في هذه الحلقة. بالعودة إلى موضوعنا فضيلة الدكتور فقه الأمن الغذائي. الغذاء اليوم أصبح سلاحا يستخدم لتركيع الشعوب وتغيير المواقف فالذي يملك رغيف الخبز هو الذي يتحكم بمصير الشعوب، هل للدولة الإسلامية رؤية خاصة بموضوع الأمن الغذائي؟

يوسف القرضاوي: طبعا الغذاء أساس يجب أن يتوافر للإنسان لأن الله خلق الإنسان وجعل حاجته إلى الغذاء حاجة غريزية كما قال تعالى عن الأنبياء {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام..}[الأنبياء:8] يعني الأنبياء ليسوا أجسادا مستغنية زي الملائكة، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى أن يأكل وما دام محتاج إلى أن يأكل يجب أن يؤمّن له هذا الغذاء. الإسلام يحرص على الأمن، الأمن بيعتبره نعمة عظيمة، هو من نعم الجنة من خصائص الجنة أنه ليس فيها خوف {..ادخلوها بسلام آمنين..}[الحجر:46]، فهناك أمن صحي يأمن على نفسه أنه إذا احتاج إلى العلاج يعالج، هناك أمن سياسي على حقوقه وحريته، هناك أمن غذائي يكون عارف أنه إذا احتاج إلى الأكل يأكل. إنما المصيبة أن يحتاج الإنسان إلى الأكل ولا يجد الأكل وتكون المصيبة أكثر حينما لا يجد هو الأكل ويجد آخرين يرمون في القمامات ما لا يمكن أن يوصف، هذه هي المصيبة حينما يكون يعني عدم وجود الأكل من سوء توزيع الثروة، من التظالم الاجتماعي، من أن بعض الناس يأكل حتى تصيبه التخمة ويضع يده على بطنه يشكو من زحمة التخمة وآخر يضع يده على بطنه يشكو من عضة الجوع. الفوارق الفاحشة بين الناس هذه هي التي يقف الإسلام ضدها ويكلف الإسلام دولته ويكلف المجتمع المدني مش بس الدولة لوحدها أنه الأغنياء يقوموا بحق الفقراء، يجب أن يتوافر لكل جائع خبز ولكل عاطل عمل ولكل مريض دواء، تتوافر هذه الأشياء التي لا بد منها في حياة المجتمع حتى يستحق أن يكون إنسانا مكرما.

عثمان عثمان: في موضوع العمل يعني هناك بعض التقارير تتحدث عما يقرب من عشرين مليون عربي عاطلين عن العمل. فضيلة الدكتور يعني البعض يتحدث عما أسماه أصول الأمن الغذائي في القرآن والسنة. هل في القرآن والسنة فعلا أصول لما نسميه الأمن الغذائي؟

"
الإسلام يسمي زراعة الأرض البور إحياء للموات، وجعل مكافأة من أحيا أرضا ميتة أن يملكها ومن غرس غرسا كمن قدم صدقة، لذلك كان بعض الصالحين يتعبد لله بالزراعة
"
يوسف القرضاوي: نعم، هناك أصول لو اتبعها المسلمون لوفرت لهم الأمن الغذائي كما يجب. أول هذه الأصول يجب توفير الموارد، يعني عدم الأمن الغذائي أحيانا يكون من سوء التوزيع، من تظالم الأغنياء والفقراء أو طغيان الأقوياء على الضعفاء، وأحيانا يكون من قلة الموارد، يجب أن يكون هناك أرض تزرع، أحيانا تكون عندنا أرض ولا نزرعها. يعني إحنا نؤمن نحن المسلمين بأن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الناس هيأ لهم في الأرض ما يكفيهم، إن الله خلق هذه الأرض {..وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ..}[فصلت:10]، {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش..}[الأعراف:10]، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها..}[هود:6]، ربنا هيأ هذه الأسباب. في واحد اقتصادي غربي مشهور اسمه مالتوس كان يعني عنده نظرية تشاؤم أنه الناس كلما كثروا ستحدث أزمة وسيموت الناس من الجوع، ولكن وجدنا أن الناس ما بتموتش من الجوع إلا بسوء تصرفهم. الأرض فيها الكثير، البحار وهي معظم الكرة الأرضية يعني حوالي الثلاثة أرباع مياه، هذه المياه حتى فيها أرزاق، فالناس عليهم أن يستفيدوا، عليهم أن يزرعوا الأرض البور، الإسلام يسمي زراعة الأرض البور إحياء الموات أحيي الموات، ويجعل مكافأة من أحيا أرضا ميتة أن يملكها، من أحيا أرضا ميتة.. ويجعل في الزراعة مثوبة عظيمة حتى جاء الحديث يقول "ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له بها صدقة"، ولذلك كان بعض الصالحين يتعبد لله بالزراعة يزرع ما أمكن، وجاء في الحديث الشهير "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة - شتلة يعني- فإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها"، لحق يغرسها والساعة قائمة، يعني هذا إشارة إلى أن الإنسان يتعبد بالعمل إلى آخر رمق في الحياة. فهناك لا بد أن نوفر الموارد ولا بد أن نتيح الفرص للكل ليعمل ولا بد أن نوصل إلى العاجز إذا لم يستطع أن يعمل نوصل له ما يكفيه، لأن العاجز ليس معناه أن العاجز تدوسه الأقدام ويموت، لا، نحن مجتمع متراحم، القوي يأخذ بيد الضعيف، والغني يأخذ بيد الفقير، وهكذا كالجسد الواحد.

عثمان عثمان: ربما سنتحدث ببعض التفصيل عما ذكرتموه فضيلة الدكتور ولكن دعني أسأل، سبق أن استخدمت كثير من الأنظمة القائمة سياسة تجويع الشعوب لإلهائها عن المطالبة بالحقوق السياسية التي تصبح طرفا في ظل انعدام رغيف الخبز. ما الرابط بين رغيف الخبز وبين السياسة؟

يوسف القرضاوي: هذا يعني بعضهم يتخذ هذه السياسة ولكنها سياسة خاطئة، وبعض العرب قديما قالوا جوع شعب.. جوع كلبك يتبعك، علشان الكلب يكون معاك يعني إيه، جوعه علشان يتبعك علشان محتاج إلى اللقمة منك. إنما لا يجوز أن ينظر إلى الشعوب أنها كلاب تتبع صاحبها، الشعوب سيدة، بالعكس الشعوب لا تثور يوم تثور إلا من أجل لقمة العيش، ووجدنا في كثير من البلاد يمكن الحقوق السياسية والأشياء دي قد تهمل عند بعض.. ولكن حينما الأمر يتعرض للقمة العيش يثور الناس ويخرجون ويرتكبون ما يرتكبون، يعني كما قال سيدنا أبو ذر "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه"، مسألة القوت. الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة كان في الدرس وجاءته الجارية تقول له يا سيدي إن سيدتي تقول لك لقد فني الدقيق، ما عادش عندنا طحين في.. فقال لها قاتلك الله لقد أضعت من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه كنت حضرتها، لما قالت له الدقيق فرغ ما فيش حاجة في البيت... هذا شأن الإنسان، فالذين يريدون تجويع الشعوب حتى.. هؤلاء مخطؤون، الشعوب بالعكس ستثور عليهم من أجل عيشهم، الناس سمت الخبز في مصر والبلاد دي بيسموه الإيه؟ العيش. وفي بلاد الخليج هنا بيسموا الرز العيش، ما معنى العيش؟ العيش يعني الحياة، فهذا القوت هو الحياة، فمن أجل القوت ممكن الإنسان يقاتل ويعمل كل شيء حتى ينتزع قوته بيده.

عثمان عثمان: حفظ الحياة، فضيلة الدكتور، ضمن الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها. ماذا يعني حفظ الحياة هنا؟

يوسف القرضاوي: حفظ الحياة يعني حفظ الروح، حفظ الإنسان من الموت، وحفظ صحته أيضا من الضياع مش بس.. يمكن يعيش وكأنه ميت مليء بالأمراض لازم نحميه من هذه.. الآن في عصرنا الأكل مش بس بتأكل لقيمات وخلاص يقمن صلبك، لا، لازم تتناول وجبة مستكملة العناصر، لأن علماء التغذية يقولون لا بد أن يكون في طعامك البروتينات والكربوهيدرات والأملاح والمعادن والفيتامينات يعني أكلة متكاملة متنوعة، ما تأكلش لحمة خالص وما عندكش خضروات، ما تأكلش تكثر من.. لا، متوازنة. فلا بد للإنسان لكي يحيا أنه يوفر له هذا، ولا بد للدولة المسؤولة.. لأن الإسلام يقول "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته.."، سيدنا عمر يقول "لو هلك جدي بشط الفرات لرأيتني مسؤولا عنه أمام الله يوم القيامة"، جدي، يعني ذكر العنزة، فما بالك بالإنسان؟

عثمان عثمان: سنتحدث إن شاء الله عن واجب الحاكم أو الحكومات في هذا الإطار، ولكن بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أسباب الشقاء وفقه الأولويات

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نتحدث فيها عن فقه الأمن الغذائي. فضيلة الدكتور يعني بالأمس القريب كان الحديث عن حفظ نوع مخصوص من الحياة، لكننا الآن نتحدث عن، يعني مضطرين، عن حفظ الحياة نفسها، يعني الآن نتحدث عما يسد الرمق نتيجة الجوع الذي ساد في كثير من بلدان العالم وخاصة في بلدان المسلمين. هل كتب على المسلمين الشقوة في الأرض؟

"
الأمة الإسلامية مطالبة بأن تعمل بالتضامن حتى تحقق الاكتفاء الذاتي كما تحقق الكفاية التامة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والدواء
"
يوسف القرضاوي: لم يكتب عليهم، هم الذي كتبوا على أنفسهم للأسف. كان زمان في مثل يقول مافيش حد بيموت من الجوع، ولكنا رأينا في زماننا من يموت من الجوع، رأينا، التلفزيون يعرض لنا هياكل عظمية ممن يعيشون في أفريقيا وهذه البلاد، عظام على جلود، ليس هناك شيء، هذا يعني عار على المسلمين وعار على الإنسانية، لا يجوز للمسلمين أن يرضوا بهذا الوضع أبدا، ويجب عليهم أن يعملوا متكاتفين. المفروض الأمة الإسلامية يعني 1500 مليون، يعني هذه الأمة لو تكاتفت لا بد أن تحقق الكفاية التامة لكل فرد والاكتفاء الذاتي بالنسبة للأمة، كل فرد الإسلام يفرض له أن يحقق له الكفاية التامة إما من عمله، الأصل أن يعمل {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..}[الملك:15]، {..فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله..}[الجمعة:10]، يعمل في زراعة في صناعة في حرفة في تجارة، لا بد أن يعمل ويكسب الرزق، الغذاء ليس من الزراعة فقط، إنما أيضا هناك الإنتاج الحيواني يعني هذا لا بد منه، الأحياء المائية الأسماك والثروة المائية، كل هذه لا بد أن تعمل الأمة، فالأمة الإسلامية مطالبة أن تعمل بالتضامن حتى تحقق الاكتفاء الذاتي كما تحقق الكفاية التامة كما قال الإمام النووي المعتبر في الكفاية المأكل والمشرب والملبس والمسكن والدواء وكل ما لا بد للإنسان منه على ما يليق بحاله لنفس الشخص ولمن يعوله بغير إسراف ولا تقتير. على ما يليق بحاله، لأن طبعا المستويات تتفاوت، أهل البدو غير أهل الحضر، الشخص الأمي غير الشخص المتعلم، المتزوج غير الأعزب، يعني تتفاوت حاجات الناس، فلا بد أن نوفر لكل شخص ما يتطلبه من الحاجات التي لا بد منها.

عثمان عثمان: في موضوع الزراعة الذي أخذ وقتا من كلامكم فضيلة الدكتور، يعني هناك الكثير من المسلمين الذي يملكون رؤوس أموال كبيرة يستثمرون في لندن وفي نيويورك وفي غير ذلك، أليس من الأجدى أن يستثمروا مثلا بالقمح في السودان الذي يعتبر السلة الغذائية العربية؟

يوسف القرضاوي: هذا هو الواجب، ده ما نسميه فقه الأولويات، يعني لا يجوز تترك الضروريات وتروح تذهب إلى التحسينات،التحسينات أنه هو عايز يزود ماله هو ماله الشخصي، بدل ما عنده عشرة ملايين عايزهم يبقوا مائة مليون، عنده مائة مليون عايزهم يبقوا ألف، عنده ملياردير عايز يبقى من الأغنياء اللي بيطلعوا في كل سنة في الصحف.. لا، هناك أولويات للأمة، لا بد أن نوفر الغذاء للأمة، عندنا أراضي صالحة كما أشرت إلى السودان ويسموه سلة غذاء العالم العربي، ومع هذا ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى أموال ويحتاج إلى أيدي، وأهم حاجة الأيدي العاملة والخبرة وتوفير الطرق وتوفير هذه الأشياء كلها يحتاج إلى مال، إذا تعاونت هذه الأشياء بعضها مع بعض، لن يوجد بيننا من يشكو من الجوع ومن يشكو من أنه لا يجد ما يمسك الرمق أو يطفئ الحرق.

عثمان عثمان: ولكن بعض هؤلاء المستثمرين يتخوفون من الوضع الأمني غير المستقر في بعض البلدان أو من الوضع السياسي المهتز، يقولون نذهب بأموالنا إلى هناك ولكن ما الذي يضمن بقاء أموالنا واستثمارها بالشكل الصحيح.

يوسف القرضاوي: وهل هم يضمنون أموالهم في هذه البلاد؟ هناك حينما يحدث أي شيء لا يستطيع أحد أن يحصل على مال. لما قامت الثورة الإيرانية جمدت أميركا يعني رؤوس الأموال التي كانت تملكها إيران وتضعها في البنوك، وهكذا. ومع هذا ممكن هذه المساهمات تحقق الاستقرار في هذه البلاد، لأن عدم الاستقرار هو الذي يجعل هناك التخوفات، إذا الأمة التزمت بالمنهج المستقيم وتكاتف أبناؤها بعضها مع بعض، تستطيع الأمة أن تهيئ استقرارا، يأمن فيه رأس المال الذي يوصف بالجبن، دائما يقولوا رأس المال جبان، يستطيع رأس المال أن يضمن ويجد في بلادنا أمانا أكثر مما يجده في أي بلد آخر.



سبل الشريعة وواجب الدولة في توفير الضروريات

عثمان عثمان: ما السبل التي سلكتها الشريعة الإسلامية السمحة لحفظ الحياة وتوفير ضروريات الإنسان؟

يوسف القرضاوي: سبل كثيرة. أول شيء أن الشريعة التزمت بأنه لا بد لكل إنسان يعيش في ظل المجتمع الإسلامي أن تتهيأ له وسائل الحياة توفر له ما ذكرته عن الإمام النووي الكفاية من المأكل والمشرب والملبس وغير هذه الأشياء، بيعتبروا ده العلماء فرض كفاية على الأمة على الإمام وعلى المجتمع المدني حتى، يعني إحنا عندنا الإنسان عليه أن يوفر هو طعامه وكفايته لنفسه بالعمل، طيب ممكن إنسان لا يجد العمل أو يعجز عن العمل أو يعمل ويأخذ أجر ولكن الأجر لا يكفيه، هناك تأتي الأسرة تضامن الأسرة الأقارب بعضهم مع بعض يحمل بعضهم بعضا الموسر ينفق على المعسر، إذا لم تكف الأسرة الحي الواحد، الرسول يقول "ليس منّا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع"، جارك أنت مسؤول عنه، ما تقولش أنا أديت الزكاة أنا حأعمله إيه يموت يموت! لا، في تضامن في تكافل في المجتمع حتى إن الواحد المفروض يحض غيره يقول له في يا أخي جارك جوعان، لازم يحض على طعام المسكين وإلا كان شأنه شأن الكفار {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين}[الحاقة:33-34] وزي المجتع الجاهلي الذي وصفه الله تعالى بقوله {كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين}[الفجر:17-18]. وبعدين بعد ذلك هناك الزكاة، الإسلام فرض الزكاة وجعلها الركن الثالث في الإسلام تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم لتسد حاجته، بعدين موارد الدولة المختلفة، يعني هناك خمس الغنيمة هناك الفيء {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ..}[الحشر:7]، موارد الدولة المختلفة، وصايا الأموات، الأوقاف التي يقفها الناس في سبيل الخيرات، الصدقات التطوعية وده لا حد لها باب مفتوح {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له..}[الحديد:11]. هذه كلها أبواب لحفظ الحياة ولاستمرار المجتمع المتعاون المتكافل الذي يضمن بعضه بعضا ولا يعيش الواحد منهم منعزلا عن أخيه "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

عثمان عثمان: ذكرتم واجب الحكومات والحاكم وقلتم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". ماذا لو قصرت الحكومات في تأمين الضروريات لهذا الإنسان؟

يوسف القرضاوي: على المجتمع، المجتمع المدني كما قلت لك، بدءا من الأسرة والحي أهل الحي الواحد، يعني جاء في الحديث "أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله"، أهل الحي متضامنون بعضهم مع بعض حتى لو مافيش حكومة مافيش.. هو الزكاة الإسلام جعل عليها حراسا ثلاثة، هناك حارس الدولة الحارس القانوني السلطة..

عثمان عثمان (مقاطعا): التي تجبي الزكاة.

يوسف القرضاوي (متابعا): {خذ من أموالهم صدقة..}[التوبة:103] بواسطة العاملين عليها تجبي الزكاة تأخذها من أهلها وتوزعها على مستحقيها. طيب وفي شيء ثاني ضمير المجتمع الضمير الاجتماعي الذي يجعل كل مسلم مسؤولا عن إخوانه {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..}[التوبة:71]،الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لو واحد شاف يعني قريبه أو جاره أو زميله مقصرا في الزكاة يقول له يا أخي حرام عليك أد زكاة مالك أرض ربك طهر نفسك طهر مالك زكِّ نفسك زكّ مالك، هذا ضروري. وبعدين إذا لم يكن هذا ولا ذاك هناك الحارس الداخلي الوازع الإيماني، هذا ده إن.. افرض حتى مافيش حكومة مافيش حد بيطالبه هو بنفسه يبحث عن الفقير ويروح يبعث له، هذه كلها ضمانات أن يصل إلى الإنسان الفقير والإنسان ابن السبيل والإنسان المشرد حقه في أن يحيا حياة لائقة بكرامته وآدميته.

عثمان عثمان: إحدى المشكلات في الموضوع الاقتصادي فضيلة الدكتور والتي تؤثر على الطبقات الفقيرة بشكل خاص ارتفاع الأسعار. هل للدولة أن تتحكم في تحديد هذه الأسعار حتى تصبح في متناول الجميع يعني شراء المواد الغذائية الضرورية واللازمة؟

يوسف القرضاوي: نعم، صحيح جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع عن التسعير في حياته لأنه كان التسعير بغير افتعال، إذا كان التسعير حسب ما يقول الاقتصاديون يعني قانون العرض والطلب أو كما عبر الفقهاء قديما لقلة الشيء وكثرة الخلق، ده اللي بيعبر عنه قانون العرض.. غلاء طبيعي، إنما قالوا له غلا السعر يا رسول الله سعّر قال لهم لا "أنا لست مسعر، إن الله هو المسعر القابض الباسط وأنا أرجو أن ألقى الله وليس في عنقي مظلمة لأحد". هذا إذا كان الأمور ماشية طبيعية، إنما إذا كان هناك تلاعب في السوق وهناك احتكار، بعض النار تحتكر وخصوصا في عصرنا في احتكارات كبرى شركات كبرى تحتكر الأشياء منذ الإنتاج تأخذها إما هي اللي بتنتج ولا تدع فرصة لأحد وإما تأخذ هي اللي بتتاجر وتملك التجارة وتتحكم في المستهلك، هذا هو الخطر. حتى أنهم أحيانا بيبقى عندهم قمح بملايين الأطنان يرموها في المحيط أو يحرقونها ولا ينزلونها السوق حتى لا يرخص السعر. فحينما يوجد هذا العبث وهذا التلاعب بضروريات الناس وحيويات الناس هنا لا بد من دولة أن تتدخل لرفع الظلم، لأن مهمة الدولة أن تقيم العدل وترفع الظلم، فده ظلم واضح ظلم في الأقوات. ولذلك الاحتكار أشد ما يكون إثما عندما يكون الاحتكار في أقوات الناس ضروريات الناس، وهنا جاء الحديث قال "لا يحتكر إلا خاطئ" أي آثم، كما قال {..إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين}[القصص:8] أي آثمين.

عثمان عثمان: وماذا عن دعم الدولة لبعض المواد الغذائية الضرورية؟

يوسف القرضاوي: هذا أيضا إذا تطلبهم الموقف تفعل هذا، الدولة تصنع يعني ما ينفع جمهور الناس، لا ينبغي أن تكون الدولة تفعل قلة من الناس أصحاب المصالح الكبرى الذين يعني الإقطاعيين أو ملوك رأس المال أو كذا تعمل لمصلحتهم وتنسى الجمهور الأعظم من الناس العمال والفلاحين والفقراء وهؤلاء الناس الذين يعملون ويكدحون بكد اليمين وعرق الجبين ولا يجدون ما يأكلون، هذا هو الظلم، ناس يعني متخمة ولا تعمل وناس تعمل ولا تجد ما تأكل، الدولة المفروض تقيم العدل وترفع المظالم لأن الله سبحانه وتعالى يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة ويأخذها يهلكها.



واجبات المسلم ودوره في توفير الأمن الغذائي

عثمان عثمان: نعم، لدينا سؤال على النت فضيلة الدكتور، يعني أحد جوانب المشكلة الغذائية يكمن أيضا في نقص المياه، يقول السائل ما الواجب على المسلم في موضوع استهلاك المياه؟

"
المسلم مطالب بالترشيد في الاستهلاك، لدرجة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا وقعت اللقمة من يد أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان"
"
يوسف القرضاوي: المسلم مطالب في الاستهلاك، سواء كان في استهلاك الطعام أو في استهلاك الماء أو في استهلاك الأشياء، مطالب بالترشيد، أن يكون رشيدا في استهلاكه، يعني لا يسرف في الاستهلاك، لا يضيع الأشياء مجانا، لا يترك يفتح مثلا الحنفية ويسيبها يعني مفتوحة وهو محتاج يعني نصف دقيقة ويسيبها ثلاثة أربعة دقائق، هذا سفه يعني، الإسلام جاء بالحجر على السفهاء الذين يضيعون المال {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ..}[النساء:5]. المياه هذه من أعظم الثروات، يقولون إن الحروب القادمة ستكون من أجل المياه، المياه دي ثروة عظيمة فالإنسان عليه أنه لا يسرف يعني ما يرميش الماء في الأرض لأنه يعني شرب ويرمي الباقي، لا، لا بد أن يقتصد في استهلاك الماء وكذلك في استهلاك الطعام، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إذا وقعت اللقمة من يد أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان"، لقمة وقعت مش يقول خلاص يعني يأنف، لا، أنه عليها تراب اعمل من عليها التراب وكلها، لا تدعها للشيطان كلمة الشيطان ده يعني كناية عن الخسارة التي لا فائدة منها، يعني حتى اللقمة ما يقولش يعني إيه قيمة لقمة، ما هي لقمة إذا كنا بنشرع لأمة مليار وخمسمائة مليون يعني شوف يعني كم يبقى لو كل واحد ضيع لقمة في كل وجبة يعني ثلاث لقم في اليوم شوف حيبقى في اليوم قد إيه، فما بالك إذا كان.. الرسول قال أمر الإنسان بأنه يأكل يعني يلعق الصحفة، الصحفة الإناء الوعاء اللي بيأكل منه لأنه ماكانوش بيأكلوا بالملعقة...

عثمان عثمان (مقاطعا): البعض يستحي منها اليوم.

يوسف القرضاوي (متابعا): بيلعق وخذ إلحس إيدك، يعني ليه يعني معناه إيه؟ يعني نظف صحنك ما تسيبش فيه أشياء وترميها، كما نرى أهل الخليج في عزائمهم وولائمهم يرمون في الدرامات ما لا حصر له، لا، هذه نعمة عظيمة. نحن كنا نشأنا أن الإنسان حينما يجد لقمة واقعة في الطريق يأخذ هذه اللقمة ويقبلها يبوسها كده ويقول لك دي نعمة من نعم الله ما يصحش أدوسها ما يصحش أرميها، هذا ينبغي أن نرشد الأمة ونعلمها كيف تحافظ على مياهها وكيف تحافظ على غذائها وكيف تحافظ على مقوماتها كلها بهذا الترشيد هذا أمر مهم جدا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك بعض التجار بعض المستثمرين رؤوس الأموال يستغلون حاجة الناس إلى السكن حاجة الناس إلى بعض المواد الغذائية يعني أسوأ استغلال، ماذا توجهون لهؤلاء؟

يوسف القرضاوي: هؤلاء أقول لهم لكي يبارك الله لكم اعملوا على إرخاص الأشياء لأن الذي يعمل على إغلاء الأسعار على المسلمين يعني جزاؤه النار يوم القيامة كما جاء في بعض الأحاديث. الإنسان عليه أن يحاول بقدر الإمكان يساهم في رخص الأسعار على عباد الله، هناك أناس ضعفاء، هناك المرأة الأرملة، هناك الصبي اليتيم، هناك الفقير الذي يعني، قوت لا تموت، يعني يا دوب يجيب مأكله اليومي، هؤلاء في حاجة إلى الرحمة، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، إنما يرحم الله من عباده الرحماء، من لا يرحم لا يرحم، لا بد يتعلم هؤلاء الإخوة التجار الرحمة ويعلموا أن الله يبارك في القليل الحلال أكثر مما يبارك في الحرام الكثير. في مثل يقول جبت الحرام عالحلال يكتره جه الحرام خد الحلال وبعتره، يعني فالحلال هو حتى لو الحلال قليل إنما مبارك ربنا يبارك فيه ليس المهم الكثرة، إيش فائدة يكون عندك ملايين ولكن ربما أصابك بالأمراض فلا تستطيع تستفيد منها، الأطباء محرمين عليك كذا وكذا ما تستطيعش حتى لا تستمع بالأكل، أو ربنا بعث لك أولاد يعني غير بررة يعقونك أو امرأة خائنة أو جيران يكرهونك أو.. يعني تصبح حياتك حياة يعني كلها بؤس وشقاء.. لكي يبارك الله لك كن دائما عامل خير، كن عامل رحمة لعباد الله.

عثمان عثمان: والحديث المعروف يعني "لا يؤمن بات شبعانا وجاره إلى جانبه جائع"، فكيف بمن يسهم في تجويعه. فضيلة الدكتور يعني البعض يعتبر أن من أزمة الاقتصاد وارتفاع الأسعار هو كثرة السكان وتزايد عدد السكان وبالتالي يرى أن تحديد النسل هو أحد الحلول، وهناك مقولة شائعة عن المسلمين يعني كل ولد يأتي يأتي رزقه معه. ماذا تقولون في هذا الأمر في دقيقة ونصف لو سمحتم؟

يوسف القرضاوي: أنا أقول فعلا كل واحد يأتي وله رزق والأرزاق موجودة، ولا بد أن يسعى الناس إلى توسيع أرزاقهم، ولكن الإسلام لا يمنع من الأخذ بالأسباب ومراعاة السنن، يعني إذا كان الإنسان عنده طاقة معينة وإذا زاد عن هذه الطاقة سيكلفه هذا يعني كما جاء في الحديث "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يحملها من البلاء ما لا تطيق"، ليه أنا أجيب عشرة أولاد وأنا ما عنديش قدرة على أني أسعى عليهم جميعا؟ يكفيني ثلاثة أو أربعة أو خمسة. وحتى بالنسبة للمجتمع كله، يعني حتى عملية تنظيم النسل، إحنا ما بنسميهش تحديد النسل، تنظيم النسل، أنه يجعل ما بين كل ولد وآخر فترة من الزمن حتى يأخذ الولد حقه من الرضاعة ومن التربية ومن الاهتمام المدرسي ومن كذا وهكذا، هذا لا مانع منه مع إيماننا بأن الأرزاق موجودة ولكن الإسلام يأخذ بنظام الأسباب والمسببات، هذا لا يمنع من هذا أبدا. فهذا ما ندعو إليه أمتنا.

عثمان عثمان: يعني هناك فرق ما بين تحديد النسل وتنظيم النسل؟

يوسف القرضاوي: آه يعني البعض التحديد بيقول لك يعني ولدين وكفى أو كذا ويريدون ساعات أن يعقموا الرجال ويعقموا.. لا، يعني هذه مسألة تترك للأفراد وتوعية الأفراد، لا نحدد ولكن يبقى في نوع من الحرية مع الوعي بأنه لا مانع من الإنسان أن ينظم نفسه إذا كان في ذلك خير لأسرته وتوسعة عليها وحسن تربية لها وحسن إعداد للأجيال، هذا لا مانع منه أبدا.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا فضيلة الدكتور إلا أن نشكركم على هذه المعلومات القيمة والفاضلة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور الطلافيح ومن سائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.