- النظرة إلى المريض
- حكم نبذ المريض وقذفه

- قاعدة الستر ومضار الوصم والتمييز

- دور الزوج وواجبات المريض


عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. مرحبا بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل {..ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}[الأنبياء:35]، فالمرض والمعصية من الشر الذي هو ابتلاء من الله تعالى، فضلا عن أن هنالك فرقا بين المرض والمريض والمعصية والعاصي. فكلنا يكره المرض لكننا لا نحول هذا الكره إلى المريض نفسه بل نبادله العطف والرحمة والدعاء بالشفاء والزيارة أيضا. لكن ما بال العاصي؟ لماذا نحن غير قادرين أحيانا على التفرقة بين المعصية والعاصي؟ كيف نكره المعصية ونحنو على العاصي وندعو له بالتوبة؟ فرب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. كل المؤمنين يكرهون المعصية لكن الإسلام لم يأمر بكره العاصي نفسه، فما بالنا إذا كانت المعصية شبهة فقط، كما هو حال مريض الأيدز، فليس الأيدز بالضرورة علامة على العصيان، فوسائل انتقال المرض متعددة ومتنوعة واحد منها ممارسة الفاحشة مع شخص مصاب بالأيدز. فكيف ننظر إلى مريض الأيدز؟ وكيف نتعامل معه؟ وما موقف الإسلام من وصمه بالعار وعزله اجتماعيا؟ التمييز ضد مرضى الأيدز في ميزان الشريعة الإسلامية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة وعلى الهواء مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية مع الدكتور هيثم الخياط عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكبير مستشاري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية. مرحبا بكم دكتور.

هيثم الخياط: أهلا وسهلا.

النظرة إلى المريض

عثمان عثمان: بداية دكتور، المرض ابتلاء من الله تعالى. كيف تكون النظرة إلى المريض؟

"
مرض الإيدز ليس مجرد نقص في المناعة ولكنه عوز، ونقص شديد فلا يبقى معه جزء من أجزاء المقاومة في البدن يستطيع أن يقاوم الميكروبات المعتدية
"
هيثم الخياط: كما تفضلت في مقدمة هذه الحلقة، المرض ابتلاء، ولكن ذلك لا يعني إذا كنا نقف من المرض موقف العداء أو التوجس أن نقف الموقف نفسه من المريض. وقضية مرض الأيدز أنه انتشر فجأة وبطريقة مخيفة، وما يترافقه من نقص، أو بالأحرى عوز، ليس مجرد نقص في المناعة ولكنه عوز، يعني نقص شديد لا يكاد يبقى معه جزء من أجزاء المقاومة في البدن يستطيع أن يقاوم هذه الميكروبات المعتدية فهذا أدى إلى هذه الصورة المخيفة التي رافقت هذا المرض. وإلا فطريقة الانتقال نفسها موجودة في كثير من الأمراض الأخرى التي تسمى إجمالا باسم الأمراض المنقولة جنسيا أو الأمراض الزهرية كما كانت تسمى، هذه الأمراض كلها تنتقل بالطريقة نفسها ولكن لم يكن من قبل مثل هذا التوجس ولا هذه النظرة المخيفة ولا هذه الوصمة التي تلحق بصاحبها....

عثمان عثمان (مقاطعا): إذا تعتقدون دكتور...

هيثم الخياط (متابعا): ربما كان كما قلت لهذا الجو المخيف الذي رافق المرض عند ظهوره أن أصبح الناس ينظرون مثل هذه النظرة، وإلا فطريقة الانتقال نفسها في المرض المعروف بالاسم الإفرنجي أو الـ Syphilis أو الأمراض المعروفة باسم السيلان البني أو ما شابه ذلك، كل هذه الأمراض هي أمراض تنتقل جنسيا.

عثمان عثمان: إذاً أنتم تقولون أنه لا يجب النظر إلى مريض الأيدز نظرة مختلفة عن سائر الأمراض. ولكن هل نعتبره، ننظر إليه نظرة المريض المبتلى؟ أو نظرة العاصي برأيك؟

هيثم الخياط: لا، نظرة العاصي هذا أمر يقرره الله عز وجل، وهذا تعرف نتيجته يوم القيامة. أما نحن فمن فوضنا بأن نحكم على فلان أنه عاص وعلى فلان أنه طائع؟! هذا نوع من التطاول على مقام الربوبية، مقام الله عز وجل، وهذا أمر مع الأسف يقع فيه كثير من الناس...

عثمان عثمان (مقاطعا): حتى لو ثبت أنه انتقل إليه المرض عن طريق.. العدوى عن طريق المباشرة الجنسية المحرمة؟

هيثم الخياط: نعم، نعم حتى لو ثبت. فنحن لسنا قضاة ولكننا أناس مثلنا مثله وكل ابن آدم خطاء، فلذلك لا يجوز لإنسان أن يتكبر على إنسان آخر بحجة أنه عصى في هذه المرحلة، فلربما كان هو العاصي بعد يوم أو يومين، هذا أمر لم يسمح الله عز وجل به لأحد أن يحكم على مصير الناس يوم القيامة. وهذا من جملة المشكلات التي نصادفها في عصرنا الحاضر، ولا سيما من أولئك الذين يتصدون لتكفير الناس وتفسيقهم وتبديعهم فيحاولون بذلك أن يتخذوا لأنفسهم صفة الله عز وجل، والعياذ بالله تعالى، وهذا أمر يخشى عليهم منه أكثر من أن يخشى على هذا الإنسان الذي عصى، وإلا فكل إنسان يعصي والإنسان الذي لا يعصي لم يخلق حتى الآن، لأن أب البشرية كلها قد عصى وقال عنه ربنا عز وجل {...وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}[طه:121-122]، فكل ابن آدم خطاء. والنبي صلى عليه وسلم يقول فيما صح من حديثه "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم".

عثمان عثمان: إذا المغفرة تكون بعد المعصية، الاستغفار يكون بعد المعصية. دكتور يعني كيف يمكننا الفصل إذاً بين المرض والمريض؟ نحن نكره المرض ولكننا بالتالي نحنو على المريض ونكره المعصية وبالتالي نطلب للعاصي التوبة من الذنوب. كيف نفصل ما بين المرض والمريض؟

هيثم الخياط: هذا لا يختلف بين مرض وآخر. يعني إذا كان هنالك إنسان مصاب بمرض السل مثلا، فكيف نقف من هذا المريض؟ بطبيعة الحال نقف من هذا المريض موقفنا من أخ قد أصيب، قد ابتلي، والموقف من المبتلى واحد بالنسبة لكل المرضى. النبي صلى الله عليه وسلم وضع لنا القاعدة التي لا تنخرم "المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه ولا يسلمه"، ومن تخلى عن أخيه ولو كان عاصيا في فترة المرض فقد خذله وأسلمه إلى هذا المرض، وهذا كما يقول الحافظ ابن حجر أشد من الظلم، ومن أجل ذلك فإن الإنسان إذا فعل ذلك يعرض نفسه إلى معصية النبي صلى الله عليه وسلم ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بمعاملة خاصة للمريض فيقول مثلا "عودوا المريض"، وهذا أمر وصيغة الأمر في الأصل الوجوب فمن الواجب على الإنسان أن يعود المريض، فإذا أقلعنا عن عيادة المريض وهجرنا هذا المريض ثم أخذنا نصمه بوصمة ثم أخذنا نتحدث عنه حديثا سيئا فإننا نكون بذلك قد عصينا الله ورسوله مرارا عديدة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لمن يفعل ذلك فإنه على شفا هلكة وعذاب عظيم.

حكم نبذ المريض وقذفه

عثمان عثمان: من المعروف دكتور أن المصاب بمرض الأيدز، نتيجة الصورة المرتسمة في أذهان الكثيرين أن الأيدز ربما لا يأتي إلا من علاقة غير شرعية يقوم بها المريض، وبالتالي يصبح هذا المريض منبوذا اجتماعيا. في الإسلام طبعا هناك قانون العقوبات، ما فلسفة الإسلام؟ ما فلسفة العقوبة في الإسلام؟ وهل يدخل النبذ الاجتماعي ضمن هذه العقوبات؟

هيثم الخياط: لا، العقوبات هذه عددها أولا قليل جدا، والله سبحانه وتعالى هو الذي حدد هذه العقوبات. فهذه العقوبات محددة بالشرع ولا يجوز أن نزيد عليها أبدا. وليس من هذه العقوبات...

عثمان عثمان (مقاطعا): هل النبذ أحدها؟

هيثم الخياط (متابعا): لا، لا، ليس من هذه العقوبات نبذ المريض ولا هجرانه. وإنما المعصية تعاقب من قبل الله عز وجل، ولا يحل لامرؤ أن يتدخل في هذا الأمر. أصلا العقوبة إنما يطبقها ولي الأمر ولا يحق لأي إنسان أن يقوم بتطبيق العقوبة، فيتصدى أيضا لانتزاع صلاحيات أولياء الأمور، وإنما هذا من صلاحية أولياء الأمور وهم الذين يستطيعون أن يتوصلوا إلى البينات التي تؤكد لهم ذلك ويقدرون ظروف الحادثة التي يمكن أن تكون مشتبهة وهم الذين يطبقون هذه العقوبة إن رأوا إلى ذلك سببا، أما الآخرون فلا يحق لهم أن يتدخلوا في هذه الأمور على الإطلاق ولا يجوز لهم أن يطبقوا نوعا من العقوبة. أصلا في زمن النبوة وزمن الراشدين هذه العقوبات التي طبقت، بعد أن تطبق يعود الإنسان مطهرا طاهرا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الغامدية التي زنت، بعد أن أقيم عليها الحد "لقد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم"، أهل المدينة في الزمن النبوي، فكيف مثل هذه التوبة التي تسع سبعين من أهل المدينة لا تسعنا في هذه الأيام؟! هذا أمر يتعلق، كما قلنا، بولي الأمر...

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا نحن كنا نتحدث عن عقوبات الحدود دكتور. نحن نتحدث هنا عن عقوبات الحدود..

هيثم الخياط (متابعا): أنا أتحدث عن الحدود.

عثمان عثمان: طبعا، بعد إقامة، كما ذكرتم، الحدود وإقامة العقوبات على بعض العصاة يعودون بعدها إلى المجتمع يمارسون حياتهم بشكل طبيعي. هذا ما تقولونه دكتور؟

"
مجرد أن يتوب الإنسان ويعزم على ألا يعود، هذا في حد ذاته يمكن أن يمحو كل السيئات وكل الخطيئات لأن التوبة أمر أساسي
"
هيثم الخياط: من أدرانا أنه لم يتب؟! القضية قضية التوبة. مجرد أن يتوب الإنسان ويعزم على ألا يعود هذا في حد ذاته يمكن أن يمحو كل السيئات وكل الخطيئات، لأن التوبة أمر أساسي، ونحن نعلم أن هذه التوبة لا تكون في حقيقة الأمر إلا إذا تاب الله علينا من قبلها. السيدة رابعة العدوية حينما سألها إنسان، أنا فعلت معصية كبيرة ولا أدري هل يتوب الله علي أم لا يتوب ولو أنني بادرت بالتوبة؟ فقالت له يا مسكين! لو لم يتب عليك لم تتب! ألم تسمع قوله تعالى {..ثم تاب عليهم ليتوبوا..}[التوبة:118]. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا، كما يقول عز وجل {والله يريد أن يتوب عليكم..}[النساء:27]، والله سبحانه وتعالى يدعونا دائما إلى رحمته وإلى مغفرته. والاستغفار أصلا معناه أن يحاول، أن يطلب الإنسان من ربه أن يغفر له ذنبه أن يستر عليه. فهذا الأمر، أمر التوبة من أهم الصفات التي يتصف بها المؤمنون، وما دام الإنسان قد تاب فإن ذلك يجبّ ما قبله إن شاء الله ما دام الإنسان قد ندم وعزم على ألا يعود. فنحن ما يدرينا أن هذا الإنسان الذي قام بالمعصية، حتى لو كانت معصية كبيرة من الكبائر وفاحشة من الفواحش، أن الله سبحانه وتعالى لم يقبل توبته ولم يرده إلى حظيرته؟!

عثمان عثمان: دكتور، طبعا نتيجة الجهل المنتشر في بعض المجتمعات حول وسائل وطريقة انتقال الأيدز إلى بعض الأشخاص، يعني يربطونه مباشرة بالعلاقات الجنسية المحرمة. هل يعتبر ربط كل مريض الأيدز بهذه الطريقة هو قذف أم لا؟

هيثم الخياط: يعني يكاد يصل إلى هذه الدرجة، لأننا أصلا لا ندري كيف أصيب. وكما نعلم طرق الإصابة بهذا المرض متعددة، وأصلا في منطقتنا، المنطقة العربية الإسلامية، في البداية كانت كثير من الإصابات عائدة إلى نقل الدم الملوث بفيروس هذا المرض. الفيروس هو نوع من الأحياء الدقيقة أصغر بكثير من الجراثيم المعتادة التي نعرفها فلا يرى إلا بالمجهر الإلكتروني بتكبير شديد جدا. لكن هذا الفيروس، كلمة فيروس في اللغة العربية وضعناها اشتقاقا من فَرَسَ بمعنى قتل، فهذا الفيروس صيغة فيعول للدلالة على أنه قاتل، في الغالب هذه الفيروسات تكون قاتلة للخلايا على الأقل أو للإنسان كله. فهذا الفيروس حينما ينتقل، ينتقل بواسطة...

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور سؤالي يعني...

هيثم الخياط (متابعا): نعم سأجيب عن السؤال. هذا الفيروس عندما ينتقل، ينتقل عادة بسوائل البدن، وسوائل البدن إما الدم وإما السوائل الجنسية يعني السائل المنوي وسائل المفرزات عند المرأة...

عثمان عثمان (مقاطعا): ماذا عن القذف دكتور؟

هيثم الخياط (متابعا): لكن تركيزه يكون أكثر ما يكون في السائل المنوي ولذلك ينتقل به. أما الدم فقد كان وسيلة مهمة جدا للنقل في بلداننا، فالحالات الأولى التي انتقلت كانت من جراء نقل دم ملوث بهذا الفيروس. وبالإضافة إلى ذلك، الحالات التي ينتقل فيها هذا الفيروس أيضا عن طريق تعاطي المخدرات حقنا بالوريد، وهذه مع الأسف آفة بدأت تزداد في بلداننا، وهي معصية أيضا ولكن لا يركز عليها الناس كما يركزون على وسيلة الانتقال التناسلية. فإذاً هنالك أكثر من طريقة لانتقال هذا الفيروس...

عثمان عثمان (مقاطعا): فإذاً دكتور، وسائل انتقال هذا الفيروس هي مهمة جدا وأوضحتموها للمشاهد الكريم. ولكن ماذا عمن يتهم من أصيب بالأيدز بأنه وقع أو ارتكب فاحشة الزنا، هل يعتبر ذلك قذفا بحقه؟

هيثم الخياط: كما قلت، يكاد يكون قذفا على الأقل إن لم يكن قذفا على الحقيقة. لأن هذه لا تؤخذ بينة لإثبات أنه قد ارتكب هذه الفاحشة. يعني إنسان مصاب بالأيدز لا يستطيع القاضي أن يقول إنه قد ارتكب الفاحشة، ولا تعتبر هذه بينة في الشريعة الإسلامية، إن كانت الشريعة الإسلامية تطبق، لا تعتبر بينة على أنه قد ارتكب الفاحشة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح الذي روته السيدة عائشة "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

عثمان عثمان: درء الشبهات في هذه المسألة. دكتور يعني، تقرير حول مرض الأيدز ووسائل انتقاله والمعاناة التي يعانيها مرضى الأيدز اجتماعيا، نتابع هذا التقرير سوية والذي أعده معتز الخطيب.

[تقرير مسجل]

معتز الخطيب: الأيدز مرض لا دين له، هذا ما توضحه الإحصائيات والوقائع فلم يعد المرض يصيب العصاة والمخطئين فقط بل تعداه لآخرين يحيطون بهم، فحتى الأطفال لم يسلموا منه. نساء كثيرات انتقل إليهن المرض من خلال علاقة زوجية شرعية، الزوج فيها هو السبب. وفي ظل غياب الوعي بالمرض وأسبابه وكيفية انتقاله يكون على الجميع أن يواجه تحديات صعبة، قدر الموت الذي قد يكون محتوما، وإحساسا فظيعا بالعزل والتهميش من الأهل والجيران يصحبه اتهام بالخطيئة. هذا ما دفع مجمع الفقه الإسلامي الدولي لأن يخصص إحدى جلساته لبحث الموضوع عام 1995، ومن ضمن ما قرر فيها أن العدوى إنما تكون بالطرق التالية: الاتصال الجنسي بأي شكل كان، نقل الدم الملوث أو مشتقاته، استعمال الإبر الملوثة ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة، الانتقال من الأم المصابة لطفلها أثناء الحمل والولادة. وبناء عليه فإن عزل المصابين غير واجب شرعا ويتم التصرف مع المرضى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة. ولكن الخوف والجهل لا يزالان سيدي الموقف، الأمر الذي لا يزال يستدعي بذل الجهود من أجل منح المرضى حقوقهم.

خديجة بن معلي/ مسؤولة سياسات الأيدز في برنامج الأمم المتحدة: هي طريقة مكافحة الوصم والتمييز ضد الأشخاص المتعايشين مع الأيدز وخاصة التمييز، هو بحماية حقوقهم، هي معاملتهم مثل كل الأشخاص، هم مواطنين مثلنا مثلهم، لديهم نفس الحقوق. لا نطالب بأكثر من الحقوق ولا أقل بل نفس حقوق، مثل الحقوق الكونية المعطاة لكل الأشخاص وكل المواطنين، مثل الحق في الحياة، وبالتالي العلاج والرعاية، الحق في العمل، الحق في التعليم، الحق في المعرفة وهذا مهم جدا كي يحموا أنفسهم ويقوا أنفسهم من كل الأضرار.

معتز الخطيب: إعلان القاهرة الذي صدر عن المؤتمر الإقليمي للقادة الدينيين في الدول العربية حول الأيدز نادى بضرورة أن تمد المؤسسات الدينية يد العون الروحي والنفسي والاقتصادي لمرضى الأيدز، وطالب بإزالة ورفض كل أشكال التمييز والإقصاء والتهميش والوصم عن الذين يعيشون مع هذا الفيروس.

أحمد تركي: نحن كدعاة نمشي في اتجاهين، الاتجاه الأول اتجاه مقاومة المرض، بحيث أننا نشيع بين الناس بالخطاب الديني وبالقرآن وبالسنة وبأدوات الرأي العام التي نمتلكها، التحذير من هذا المرض الخطير، سواء كانت من أسبابه، سواء كانت جنسية أو غير جنسية، هذا هو الأمر الأول. الأمر الثاني، احتواء المريض نفسه، لأن المرض هو ابتلاء من الله تبارك وتعالى.

معتز الخطيب: أكثر من أربعين مليون مصاب أغلبهم لا يتلقون العلاج والرعاية اللازمتين. فهل يمكن لنا أن نكره المرض ونتعاطف مع المريض؟

[نهاية التقرير المسجل]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام، ودكتورنا ضيفنا الكريم من القاهرة، نعود إن شاء الله لمتابعة هذا الموضوع بعد أخذ وقفة قصيرة. فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

قاعدة الستر ومضار الوصم والتمييز

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة. أعود إليك دكتور، يعني في الإسلام قيمة اسمها الستر، ستر الله تعالى على العباد، ستر المعصية، ستر الإنسان على نفسه. لو جئنا إلى مريض الأيدز، كيف نطبق هذه القاعدة عليه؟

هيثم الخياط: نطبق هذه القاعدة كما نطبقها على أي إنسان آخر. الله سبحانه وتعالى ستّير يحب الستر. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ستر على إنسان فلا يحل لأحد أن يهتك هذا السر وأن يكشفه أمام الناس، فإنه بذلك يكون عاصيا لله عز وجل ويكن متبعا غير سبيل المؤمنين، لأن سبيل المؤمنين قد وضحه ربنا عز وجل ورسولنا صلى الله عليه وسلم بضرورة الستر على هذا الإنسان "من نفّس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وآخر الحديث "ومن ستر على أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة ". قضية الستر قضية مهمة جدا....

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن هناك مشكلة دكتور، أن موضوع الستر على مرضى الأيدز قد يساهم إلى حد كبير إلى ضرر أو في ضرر المجتمع. هل هذا صحيح؟

"
الستر يكون في الحقيقة بعد ارتكاب المعصية أما في أثناء ارتكابها  فينكر عليه، أما بعد أن يتم ارتكاب المعصية  والفاحشة يكون نوعا من التشهير
"
هيثم الخياط: الستر يكون في الحقيقة بعد ارتكاب المعصية، أما في أثناء ارتكابها الأصل كما يقول الإمام ابن حجر أن ننكر عليه، وهذا الإنكار وسيلة لتقويمه وإصلاحه إذا اطلعنا على هذا الأمر حين يكون، أما بعد أن يتم ارتكاب المعصية وارتكاب الفاحشة حتى بعد ذلك يكون نوعا من التشهير بهذا الإنسان. وقضية منع الآخرين من العدوى، كما بدأنا نتحدث، هذا المرض وسائل انتقاله معروفة منها الانتقال عن طريق العلاقات الجنسية سواء منها الشرعية وغير الشرعية، لأنه قد يكون هنالك زوج أصيب بعلاقة جنسية غير شرعية فينقل هذه العدوى إلى زوجه الآخر البريء الذي لم يقم بعلاقة غير شرعية، فإذا يمكن أن تنتقل بهذه الحالة العدوى. وبالإضافة إلى ذلك هنالك كما قلنا الانتقال عن طريق الدم وما يتعلق بالدم، فضلا عن موضوع انتقال العدوى من الأم إلى جنينها. لكن الانتقال عن طريق الدم الآن أخذ...

عثمان عثمان (مقاطعا): ربما فسرتم هذه المسألة والتقرير أفاض في شرحها. ولكن دكتور، السؤال يعني اليوم، عندما نستر على مريض الأيدز ألا يمكن أن ينتقل هذا المرض إلى أشخاص آخرين؟ ألا يفترض أن نخبر من هو معني بهذه المسألة بمرض ذلك الشخص حتى لا ينتقل المرض؟

هيثم الخياط: نعم، المعني بهذا المرض، الشخص الآخر الذي ربما يكون معنيا بهذا المرض، في الدرجة الأولى زوج هذا المريض...

عثمان عثمان (مقاطعا): الزوجة أو الزوج..

هيثم الخياط (متابعا): الزوج يستعمل في اللغة التي نزل بها القرآن للرجل والمرأة. فقد تكون الزوجة هي التي التقطت العدوى، مثلا نقل لها دم، لأن العادة في بلادنا ألا تتم العدوى مباشرة من خلال المرأة ولو أنه قد تكون هذه العدوى قد أصابت بغيا أو مومسا ثم تنتقل إلى غيرها. لكن مهما يكن من أمر، فوقاية الزوج الآخر هذه تتم عن طريق الطبيب فقط، لأن الطبيب يقسم ويكون من واجبه أن يكتم سر المريض، فهذا لا يبيح سر المريض إلا بإذنه وموافقته وبصورة خاصة إلى زوج المصاب بمرض الأيدز، وهذا أمر تطرقت له الوثيقة التي صدرت قبل عامين باسم الدستور الإسلامي، أو المدونة الإسلامية للأخلاقيات الطبية والتي أقرت من قبل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية ثم أقرت من قبل اللجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، ففي هذه ضوابط لكيفية إيصال السر إلى الزوج الآخر من قبل الطبيب نفسه ولا يجوز لغير الطبيب أن يطلع أحدا على هذا السر. أما الآخرون فليس من مهمة الطبيب أن يدور على أولئك الذين يمكن أن يجري معهم هذا المريض علاقة غير شرعية ويخبرهم، هذا أمر ليس من عمل الأطباء. أما إذا كان الإنسان قد أصيب بهذا المرض، سواء كانت عدواه من طريق تعاطي المخدرات عن طريق الوريد أو من نقل الدم أو بأية وسيلة أخرى، فالاستثناء الوحيد هو إخبار الزوج بهذه الإصابة، لأنه في الحالات الأخرى لا تنتقل العدوى كما تنتقل الأمراض الأخرى، مثلا عن طريق التنفس أو المصافحة أو الملامسة العادية أو حتى ارتداء الملابس نفسها التي كان يرتديها، كل هذه لا يمكن أن تسبب العدوى، وإنما يجب أن يكون هناك اتصال في السوائل بالدرجة الأولى الدم ثم السوائل الجنسية. فالاتصال بالدم يمكن أن يتم مثلا عن طريق أمواس الحلاقة الملوثة، يمكن أن يتم عن طريق الإبر الملوثة التي تجرى بها الحقن، يمكن أن يتم عن طريق الأدوات الجراحية...

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم دكتور، نحن موضوعنا ليس عن طرق انتشار وانتقال المرض. دكتور اسمح لي أن نشارك معنا أحد المرضى المصابين بمرض الأيدز من البلد، من مصر. السيد يوسف عبد الله، تفضل أخ يوسف.

يوسف عبد الله/ مريض بالأيدز - مصر: مساء الخير.

عثمان عثمان: مساء النور. هل تحدثنا عن تجربتك الشخصية في موضوع التمييز ضد مرضى الأيدز؟

يوسف عبد الله: أحب أحيي الدكتور القرضاوي الأول وأحيي حضرتك على البرنامج الجميل ده، وأحب أتكلم وأوصل رسالة للناس، أنه أنا إنسان عايش متعايش بمرض الأيدز، جالي طبعا نتيجة الإدمان واستعمال الإبر. وبالنسبة، المشكلة اللي هي بتقابلنا إحنا ومشكلة خطيرة جدا والناس مش قادرة تحس بنا يعني بها، إحنا بس اللي حاسين بها، يعني زي في مثل كده عندنا في مصر يقول ما يحس بالنار إلا اللي كامشها. فحضرتك يعني إحنا.. الناس دي.. إحنا بنخبي الحاجة دي عن الناس لأن الناس عندها... بيجيلها هلع وفزع عالفاضي لأنه إحنا، ما فيش أضرار مننا مثلا لنقل العدوى إلا زي ما تفضل فضيلة الشيخ القرضاوي وقال، زي ما قال بالضبط يعني، زي ما السادة المشاهدين سمعوه.

عثمان عثمان: الدكتور هيثم خياط وليس الدكتور القرضاوي.

يوسف عبد الله: نعم؟

عثمان عثمان: الدكتور هيثم خياط معنا على الهواء.

يوسف عبد الله: آسف الدكتور هيثم. لأنه أنا مش شايف البرنامج دلوقت حضرتك.

عثمان عثمان: أخ يوسف هل تحدثنا عن تجربة معينة حصلت معك في موضوع التمييز؟

يوسف عبد الله: آه، أحب أشرح أنا.. آه موضوع التمييز طبعا، أنا كان جايلي شغل في دولة عربية، وجاء المندوب اللي هو جاي عشان ياخدنا، فأنا حبيت أنه أنا أدخل معه بصراحة على طول في الموضوع، لأني عارف أنه موضوع الإقامات ده له شهادة صحية وكذا، فتكلمت معه بصراحة يعني شرحتها له وشرحت له موقفي فحصل منه نفور عالي قوي مني، وحتى أي إنسان بيعرف الموضوع ده. يعني أنا برضه من حقي أنه أنا إنسان وأعيش، واتصبت بالمرض وغلطت، من حقي أنه أنا أعيش ومن حقي الناس أنه هي تقدر مشاعري وتقدر أحاسيسي لأنه أنا بتقابلني مشاكل وما بقدرش أشتغل. يعني لما أكون صريح مع إنسان....

عثمان عثمان: طيب أخ يوسف، هل حصلت معك مشكلة في تعاملك مع أسرتك، مع الجيران، مع زوجتك إن كنت متزوجا؟

يوسف عبد الله: لا طبعا.. لا أنا مش متزوج يعني. بس ممكن أنا صارحت والدي ووالدتي كنوع من الارتياح لأني مش لاقي أحد أتكلم معه في حاجة زي كده، لأنه أنا كنت مريض بالإدمان وتعالجت منه، فعرفت أنه الموضوع نفسي لأنه أنه بقى عندي مشكلة لازم أنه أنا أطلعها. يعني أنا الحمد لله دلوقت بالنسبة للإدمان متوقف خالص، وعايش متعايش مع المرض وراضي باللي كتبهولي ربنا. بس إحنا محتاجين أن الناس برضه تبص لنا نظرة طبيعية لأن إحنا ده مرض وأي إنسان معرض له، ممكن الإنسان اللي بيغسل كلى ممكن يتنقل له، ممكن إنسان ما عملش أي حاجة خالص يتنقل له. بس إحنا نفسنا ما فيش أذية مننا. فإحنا يعني يا ريت نطالب الناس أنه هم يتعاونوا معنا. موضوع النفور ده بالنسبة لنا إحنا...

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني لو طلبت منك أخ يوسف أن توجه رسالة إلى جمهور الناس وخاصة إلى المجموعة القريبة منك، ماذا تقول لهم؟

يوسف عبد الله: أنا أحب أقول لهم يعني إحنا راضيين باللي ربنا كتبه لنا والحمد لله، وبنتمنى بس من ربنا أنه أنتم تسامحونا على الغلطة اللي إحنا غلطناها ووصلنا للمرض ده بيه، ونتمنى بس تتعايشوا معنا وتساعدونا أنه إحنا نعيش. وشكرا.

عثمان عثمان: شكرا لك، ونسأل الله تعالى لك ولجميع المرضى الشفاء العاجل. مع الدكتور إيهاب الخراط كبير مستشاري البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية. تفضل دكتور.

إيهاب الخراط / كبير مستشاري البرنامج الإقليمي للأيدز: أهلا وسهلا يا أستاذ. أنا بس كنت عايز أؤكد أن الإحساس بتاع مرضى الأيدز بالنفور غير المبرر الحقيقة، والناس بتوصمهم بما لا يحق لهم به هو اللي يزود انتشار المرض. لأنه زي ما حضرتك تعرف 5 إلى 10 % فقط من المتعايشين مع فيروس الأيدز هم اللي عارفين عن إصابتهم، يعني معناه أنه 90% من الناس اللي بتحمل الفيروس في المنطقة العربية النهارده ما يعرفوش، وده لأن الناس بتحجم عن أنها تقوم بعمل التحليل. النهارده التحاليل طوعية وسرية ومجانية في كل الدول العربية، ولكن الناس لا تذهب إلى هناك. والأخ يوسف هو مدمن متعافي، وأنا أذكر تجربة مع مدمن آخر متعافي، قلت له ربما أنت مصاب بالفيروس، ليه ما تروحش تعمل التحليل والتحليل مجانا إلى آخره، قال لي لا يا دكتور ده أنا أموت مستور ولا أعيش مفضوح، وهو واهم لأنه ما فيش حد حيفضحه، لأنه في خصوصية كاملة. لكن هذا الوهم وهذا الخوف غير المبرر من مريض الأيدز هو اللي بيخليه مش عايز يروح يعمل التحليل. طيب الرجل ده ما يعرفش النهارده أنه مصاب، وجايز يتجوز وجايز يشارك مثلا موس حلاقة أو حاجة، فإذا ينتشر المرض في الخفاء. لكن لو الناس اللي مصابة بالفيروس أو قد تكون بتحمله بتروح تعمل التحليل وبتعرف، يبقى إذاً يستطيع أن يحمي زوجته. النهارده 80% من السيدات اللي جالهم فيروس الأيدز في المنطقة العربية، يعني الستات اللي أصيبوا بالأيدز فعلا أصيبوا من خلال أزواجهم، طيب معظم أزواجهم ما كانوش يعرفوا أنه هم مصابين، طيب ليه بيحجموا أنه هم يعرفوا أنهم مصابين؟ علشان مسألة الوصم ومسألة التمييز، الوصم أنه إحنا بننفر منهم ونظن بهم السوء، وزي ما تفضل أستاذنا الدكتور هيثم وقال أنه يكاد يكون هذا قذف لا تبيحه أي شريعة ولا يبيحه أي دين.

عثمان عثمان (مقاطعا): كيف نتغلب على هذا الوصم دكتور؟

إيهاب الخراط: أظن أنه من المهم جدا لكي نتغلب على هذا الوصم أن نزيل أفكارنا الخرافية. حتى أن بعض الأطباء الزملاء لو جاء له أحد متعايش مع فيروس الأيدز بيحجم أنه هو يكشف عليه بأيده، وهو طبيب! يعني يعرف المعلومة العلمية الصحيحة، أن الأيدز لا ينتقل عن طريق الملامسة ولا المصافحة ولا القبلات ولا إلى آخره. فإذاً هذا الوصم هو يعني مسألة داخلية إنسانية تحتاج إلى كثير من الشجاعة من مواجهة النفس ومن أنه إحنا نفتح أعيننا ونزيل ونغسل من أذهاننا كل هذه الأوهام. إلا أنه إزالة الوصم مسألة أساسية لوقاية أنفسنا ولوقاية مجتمعاتنا ولوقاية مستقبل أجيالنا.

عثمان عثمان: شكرا لك دكتور إيهاب الخراط كبير مستشاري البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية. أعود إليك دكتور هيثم، يعني إذا نظرنا إلى مريض الأيدز بأنه مبتلى، كيف يجب علينا وعلى المحيطين به التعامل معه؟ خاصة ونحن سمعنا الأخ يوسف منذ قليل يتحدث عن التمييز سواء في العمل أو سواء في المعاملة، وكثير من مرضى الأيدز ينظر إليهم الناس على أنهم وباء أو نجس. كيف يجب التعامل معهم؟

هيثم الخياط: أنا أولا أحب أن أحيي هذا الأخ الذي تحدث عن مرضه بهذه الصراحة ففتح لنا بابا لا بد أن ندخل منه لنناشد كل من يستمع إلى هذا البرنامج أن يحاول تبصير نفسه ومن حوله بأن هذا المرض لا ينتقل إلا من خلال الجهل بوسائط النقل فيه، وأن هذا الجهل كثيرا ما يكون هو السبب الأساسي في انتشار هذا المرض إلى الآخرين. وأمر آخر أن نناشد إخواننا علماء الدين ووعاظ الكنائس أيضا أن يبصّروا رعيتهم والمستمعين إليهم بهذه الحقيقة وبذلك نستطيع أن نجد لنا حلفاء في مواجهة هذا المرض والحد من انتشاره. وقضية لمز الآخرين وهمزهم، هذا الشيء كما نعلم محرم، الله سبحانه وتعالى يقول {..ولا تلمزوا أنفسكم ..}[الحجرات:11] يعني لا يلمز بعضكم بعضا، ويقول {ويل لكل همزة لمزة..}[الهمزة:1]، فالإنسان الذي ينبز الآخرين بوصمة من الوصمات واللمز والهمز لا يشترط أن يكون مفترى افتراء، وإنما اللمز هو مجرد توجيه الإهانة لإنسان آخر بشيء يكرهه فهذه معصية من المعاصي الكبيرة التي قد لا تقل عن المعصية التي أدت ربما إلى الإصابة. وكما قلنا الإنسان حينما يتوقف عما أدى إلى الانتقال كالأخ الكريم الذي توقف عن تعاطي المخدرات، هذا في حد ذاته توبة إلى الله عز وجل توبة عملية فعلية، أقلع عما أدى إلى إصابته بهذا المرض. فمن أجل ذلك وكما تفضل الدكتور الخراط...

دور الزوج وواجبات المريض

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور ربما أقرب الناس إلى مريض الأيدز هي الزوجة، عفوا دكتور. بالنسبة للزوجة التي هي أقرب الناس إلى مريض الأيدز، ماذا تفعل إذا كان زوجها مصابا بهذا المرض؟

هيثم الخياط: كثير من الزوجات لا يتخلين عن أزواجهن في أمثال هذه المحن، وهذا من النبل الذي تتصف به المرأة. المرأة موقفها في مثل هذه المواقف عادة أنبل من موقف الرجل، ولكن بطبيعة الحال لا بد أن نعلم هذه الزوجة بأن زوجها مصاب حتى تتخذ سبل الوقاية حتى لا تنتقل إليها العدوى. في الأمراض المعدية الأخرى كانت هنالك الوسيلة الشائعة هي ما يسمى بالعزل، يعني نعزل المريض نفصله عن الآخرين، وما زلنا نستعمل أنواع من العزل الجزئي، مثلا الإنسان حينما يصاب بالإنفلونزا أو بنزلة البرد أو ما شابه ذلك الأفضل أن يبتعد عن الآخرين حتى لا يصيبهم برذاذ عطاسه أو سعاله أو ما شابه ذلك فيعديهم، أو الإنسان المصاب بالكوليرا نأخذ المفرزات البرازية فنحاول أن نمنع أي اتصال بينها وبين ما يوصلها إلى الأطعمة أو الأشربة، فقضية العزل ما زالت متخذة بشكل جزئي. فيما يتعلق بالزوجة وزوجها هنالك أيضا نوع من العزل يتم من خلال ما يسمى العازل الذكري، وهذا العازل الذكري في الحقيقة يمكن أن يقي إذا استعمل، هذا الشرط الذي يغفل عنه الكثيرون حينما يثقفون الناس بوسائل الوقاية من هذا المرض، العازل الذكري حتى تكون له وقاية يجب أن يستعمل من أول العملية الجنسية إلى آخرها، يعني من مرحلة المغازلة والمداعبة إلى نهاية المرحلة تماما، أما إذا لم يستعمل إلا في جزء من هذه العملية فإن ذلك لا يعني أنه سيقي، لكن إذا استعمل من بداية العملية إلى نهايتها دون أن تكون هناك نافذة فراغ في هذا العمل فإن ذلك سوف يقيه بإذن الله من الإصابة بهذا المرض من خلال الاتصال الجنسي. ولذلك بالنسبة للزوج الذي يكون زوجه مصابا بهذا المرض الوصية هي استعمال هذا العازل الذكري طوال العملية. ولا ينصح عادة بأن يكون هناك فصم للعلاقة الزوجية، لا سيما وأن هذا المرض، ولعل هذا أمر كان ينبغي أن يبحث أيضا من الناحية العلمية، هذا المرض على أكثر من نوع واحد، يعني حينما نتحدث عن مرض الأيدز معناها أن المناعة قد انهارت انهيارا كاملا وبذلك أخذت بعض الجراثيم التي هي عادة غير مؤذية تنتهز الفرصة وتنقض على الجسم وتقضي عليه، هذه نسميها الجراثيم الانتهازية، وبذلك يمكن أن يصاب الإنسان بهذه الأمراض التي هي تكون سبب القضاء عليه. أما قبل ذلك فهنالك فترة قد تكون طويلة أحيانا يكون فيها الإنسان حاملا للعدوى، ولكنه لا يكون مصابا بالمرض، والحامل للعدوى ما دامت لم تظهر عليه الأعراض فكثيرا ما يمكن أن يقوم ببعض العلاقات الجنسية التي دون أن يدري هو أو يدري غيره أنه مصاب بالمرض. ومن أجل ذلك، كما تفضل الدكتور إيهاب، يجب أن نركز على قضية...

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور نحن نتحدث عن التمييز ضد مرضى الأيدز. دكتور نحن نتعرض.. حتى لا يذهب بنا المجال بعيدا.

هيثم الخياط (متابعا): نعم، بس لا بد يا سيدي من لفت النظر لهذا الموضوع خشية أن يؤدي ذلك إلى نوع من النبذ والوصمة. يعني أنا أقول أن النبذ يؤدي إلى العدوى، حينما يكون الإنسان منبوذا أو يخشى النبذ أو تكون عليه وصمة فإنه لن يراجع الطبيب ولن يراجع المختبر من أجل إجراء التحليل ويكون ذلك سببا أساسيا في نشر العدوى. فمن أجل ذلك أنا أقول هذا النبذ، هذا اللمز، هذا كله مما يؤدي إلى انتشار العدوى ولذلك يجب أن يحارب من هذه الناحية وهذا أيضا واجب شرعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا ضرر ولا ضرار" ويقول "الضرر يزال" أو القاعدة أن الضرر يزال، والله سبحانه وتعالى يقول {..ولا تقتلوا أنفسكم..} [النساء:29]، {..ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..}[البقرة:195]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا عدوى ولا طيرة" يعني لا يجوز أن يعدي الإنسان غيره ولا أن يعرض نفسه للعدوى. فما دام الأمر كذلك من الضروري...

عثمان عثمان (مقاطعا): ربما هذا يقودنا إلى سؤال، دكتور، حول واجب المريض بمرض الأيدز تجاه نفسه أولا ثم تجاه المجتمع والآخرين؟

هيثم الخياط: نعم، المريض تجاه نفسه أولا، بغض النظر كما قلنا عن سبب العدوى، من الضروري أن يحاول قدر الإمكان أن يستشير طبيبه حتى يعلمه بوسائل الاتقاء، تفاقم المرض، ويعطيه الأدوية التي يمكن أن تساعده على إطالة أمد الحياة فيه، وأن يعلمه كيف يقي غيره من نقل هذه العدوى إليهم...

عثمان عثمان (مقاطعا): وتجاه المجتمع...

هيثم الخياط (متابعا): فإذاً من تلقاء نفسه عليه أن يعرف وسائل عدم التفاقم وكيفية العلاج إن توصل الطب إلى علاج. أما بالنسبة للآخرين كما قلنا عليه أن يعلم كل من سيتصل به اتصالا يمكن أن يؤدي إلى العدوى، مثلا قد يكون هنالك طبيب، هذا الطبيب أصيب بهذه العدوى وهو حامل لفيروس الأيدز ولكنه يمارس مهنته، قد يكون جراح، قد يكون طبيب أسنان، فالمهم أن يقي مرضاه باستعمال القفاز أو الوسائل الأخرى التي تقي مرضاه من التلامس بين دم المريض ودم الطبيب، يعني هذا حتى ولو كان طبيبا من الضروري أن يتخذ مثل هذا الإجراء. بالإضافة إلى ذلك، كما قلت الوسيلة الأساسية تبقى هي قضية الانتقال عن الطريق التناسلي لأن بقية الاتصالات كما ذكر الأخ إيهاب لم يثبت عدواها على الإطلاق، يعني حتى التقبيل لا يعدي، استعمال نفس أدوات الطعام، استعمال نفس الملابس، النوم في نفس الفراش، كل هذه الأشياء لا يمكن أن تؤدي إلى العدوى فيما نعلم، ولم تثبت أي حالة عدوى من خلال هذا الطريق. فلذلك يبقى الطريق الأساسي هو الطريق...

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور في حال أصيبت أم بمرض الأيدز، هل تفقد شرعا حق الحضانة لأطفالها. خاصة وأنه ربما ينتقل هذا المرض إليهم؟

هيثم الخياط: انتقال المرض من خلال حالة يعني في أثناء الحمل، هذا وارد ولو أن النسبة قد لا تكون كبيرة جدا، ولا سيما إذا ولّد الولد في قبل، يعني استكمال الحمل، هذا قد ينجو، لكن احتمال الإصابة موجود، ولذلك الآن هناك من الأدوية ما يعطى في أثناء الحمل من أجل وقاية الجنين من العدوى. لكن بعد ذلك هنالك حديث عن احتمال الانتقال عن طريق اللبن، يعني عن طريق الإرضاع، نظرا لأن اللبن يبقى من السوائل التي يمكن أن تنقل الفيروس ولو أن الحالات التي انتقل فيها إن صحت فهي حالات قليلة جدا. ولذلك حتى نحن لا ننصح بفطم الطفل الذي أصيبت أمه بالأيدز عن الإرضاع، أولا يحتمل أن يكون هو قد أصيب أصلا، وثانيا احتمال العدوى عن طريق اللبن يجب أن توازن مخاطره بمخاطر الامتناع عن لبن الأم والتخلي عن كل المميزات التي يقدمها هذا اللبن بما فيه من أجسام مناعية لوقاية الطفل. فإذا بالنسبة لهؤلاء، عدوى الأم لهم أو لأطفالها الذين هم أكبر من ذلك، هؤلاء احتمال العدوى من أمهم المصابة احتمال يعني يكاد يكون معدوما لأنه لا يوجد اتصال بين الأم وبين أطفالها اتصالا يمكن أن يعدي، كما قلت الاستثناء الوحيد هو الرضيع، البعض يوصون بالتوقف عن الرضاع واستعمال الرضاع الاصطناعي والبعض لا يوصون بذلك. لكن فيما عدا ذلك لا يوجد أي مانع يمنع الأم من حضانة أطفالها.

عثمان عثمان: ربما الأسئلة كثيرة فضيلة الدكتور والمحاور كثيرة إلا أن الوقت داهمنا. وبإجابة مختصرة جدا بثوان معدودة دكتور، هل يجوز التبرع لمرضى الأيدز أو دفع الصدقات والزكوات لهم؟

هيثم الخياط: طبعا، بل هذا من أبر البر. ونحن نعلم أنه يعني سيدنا عمر رضي الله عنه حينما قدم الجابية قرب دمشق مر على قوم مجذمين من النصارى فأمر أن يعطوا من الصدقات، يعني من الزكاة، وأن يجرى عليهم القوت. فيعني هذا من فعل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعض على سنته وسنتهم بالنواجذ.

عثمان عثمان: للأسف الشديد دكتور داهمنا الوقت وهناك الكثير من الأسئلة. أشكرك الدكتور هيثم خياط عضو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكما أشكر الدكتور إيهاب الخراط على مشاركته، والأخ يوسف عبد الله على جرأته. أشكركم مشاهدينا الكرام لحسن المتابعة. لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب، ومن المخرج منصور طلافيح، ومن سائر فريق العمل. هذا عثمان عثمان يستودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.