- علاقة الغرب بالإسلام ومفهوم التعددية
- التعددية الدينية من منظور إسلامي

- المعتقدات الدينية في ضوء التعددية


 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أرحب بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. أسهمت التعددية الدينية كثيرا في إيجاد جو من التوتر والحرب بل والإبادة الجماعية داخل المجتمعات الإنسانية منذ القدم. وفي ظل تقارب العالم في إطار ما يعرف بالعولمة وظهور أديان وفرق وحركات دينية جديدة ازداد الوضع توترا بين المسيحيين والمسلمين كما في البوسنة والهرسك وفي جنوب الفيلبين وجنوب السودان وفي جزر الملوك الإندونيسية، وبين اليهود والمسلمين كما في الشرق الأوسط، بل بين المسلمين أنفسهم فيما بينهم، وبين الهندوس والمسلمين كما في كشمير، وبين الكاثوليك والبروتستانت كما في إيرلندا الشمالية وغيرها، هذا إضافة إلى أمواج الهجرة لكثير من أتباع الأديان الشرقية ومن المسلمين خاصة إلى البلاد الغربية مما جعل البعض في الغرب يتحدث عن الإسلاموفوبيا والتحذير من أسلمة أوروبا، حتى وصل الأمر إلى منع بناء المساجد في النمسا وعم السخط في بريطانيا على أسقف كانتربري الزعيم الروحي للكنيسة الأنجليكانية في العالم لأنه قال إن تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا أمر لا يمكن تجنبه. إذاً التعدد والتنوع الديني واقع اجتماعي لا مفر منه فكيف نتعامل معه؟ وما الموقف من أتباع الديانات الأخرى؟ وماذا عن احتكار الحقيقة واعتقاد الخيرية؟ التعددية الدينية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

علاقة الغرب بالإسلام ومفهوم التعددية

عثمان عثمان: قبل الدخول إلى محاور الحلقة هناك يعني عدة أمور طفت على سطح الأحداث منها تجديد الرسوم المسيئة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها ردة الفعل في بريطانيا على تصريحات أسقف كانتربري والتي دعا فيها إلى تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا، ماذا تقولون بشأن هذين الحدثين؟

يوسف القرضاوي: وفي أمر آخر.

عثمان عثمان: منع دخولكم إلى بريطانيا، نعم تفضل.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد، فقد قدر لنا في هذه المرحلة من مراحل حياة أمتنا ومسيرتها أن تكثر الأحداث المتصلة بالمسلمين وأن نشغل وقت البرنامج بالحديث عن هذه الأحداث لأنها تفرض علينا نفسها، "ومن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم". من هذه الأحداث ما نشر في الدنمارك من إعادة نشر صور، الصور المسيئة إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى قالوا إن 17 صحيفة نشرت هذه الرسوم، وهذا في الواقع إساءة بالغة إلى هذه الأمة واستهانة بها واستفزاز لمشاعرها، يعني أي فائدة في إعادة نشر هذه الصور؟ ما الفائدة الثقافية أو العلمية أو الفنية أو الأدبية التي تكسبها الدنمارك، تكسبها أي بلد بنشر صور هي عبارة عن سباب وقذف وشتائم لأعظم شخصية إنسانية هي شخصية محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك يعني كأنما هؤلاء الناس يستفزوننا لنغضب ولتقوم المظاهرات في كل مكان، ومن حق أمتنا أن تغضب وقد غضبت من قبل. ولكنا نحن في هذه المرة نقول للأمة اهدئي وقابلي هذا الأمر بعقلانية وحكمة وهدوء، ولا بد أن نتخذ الوسائل السلمية والوسائل القانونية لمحاكمة هؤلاء ولا بد أن نسعى مع الساعين لإصدار تشريعات تدين مثل هذه الأعمال.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هنا الدعوة إلى الأمة إلى أن لا تثور كما ثارت في الماضي، هل من باب {..وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[الفرقان:63]؟

يوسف القرضاوي: نعم من مثل هذا الباب ومن مثل قوله تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ..}[الأنعام:108]، من باب سد الذرائع ومن باب شغل الأمة بقضاياها الأخرى الإيجابية الكبرى، هذا ما نريده. فنحن ندين هذا الأمر بغير شك، ونرجو من العقلاء في أوروبا وفي الاتحاد الأوروبي أن يعملوا على تشريع يدين هذه الأشياء. قضية الحرية، حرية التعبير، حرية التعبير شيء وأن تشتمني وتسبني شيء آخر، ليس لك الحق باسم حرية التعبير أن تشتمني وتشتم أبي وأمي وأسرتي، فكيف إذا شتمت رسولي وديني وقرآني! أنا أعتبر شتيمة أبي وأمي أهون عندي من أن تشتم محمدا صلى الله عليه وسلم نبيي. ولذلك أرجو يعني من أوروبا أن تنظر في هذا الأمر نظرة عقلانية حكيمة حتى لا يؤدي إلى مزيد من الصراع ومزيد من الدموية ومزيد من العنف، لماذا يقولون العنف والإرهاب في العالم؟ مثل هذه الأشياء هي التي تستثير العنف. يعني ماذا تقول للشباب المتحمس؟ ولكن هؤلاء الناس يحتقروننا، يحتقرون نبينا، يحتقرون قرآننا، لا يستعملون معنا إلا القوة فلا بد أن نقابل القوة بالقوة، وهكذا. هذا يعني كلمة عن قضية...

عثمان عثمان (مقاطعا): قبل أن ننتقل فضيلة الدكتور إلى المسألة الأخرى يعني، مثل هذه الرسوم هل تعتقدون أنها تشجع على العنف وردة الفعل السلبية؟

يوسف القرضاوي: نعم، هذه الأشياء تشجع على العنف، تستثير بعض الناس.. هناك ناس لا تطيق أن يشتم رسولها وأن يصور.. هذه أولا تصويرات كاذبة يعني لا تصور الحقيقة، بالعكس يعني تصور الأباطيل وتصور محمدا، رجل الفضيلة والأخلاق والدين، تصوره رجل نساء ورجل دماء ورجل.. محمد الذي يقول يعني كتابه {..وكفى الله المؤمنين القتال ..}[الأحزاب:25] ويعتبر الحرب، كلمة الحرب من أقبح الأسماء، "أقبح الأسماء حرب ومرة"، إلى آخره. فهذه طبعا من مولدات العنف ومن مولدات ومن مشجعات هذه النزعات الإرهابية في العالم الإسلامي.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني منذ فترة كان هناك ضيف على الجزيرة، أحد الرؤساء الغربيين وعندما تحدث معه المذيع حول هذه الرسوم اعتبرها أمرا طبيعيا وقال أنا ممن تطاله هذه الرسوم الكاريكاتيرية. هل تعتقدون أن هناك فعلا جهلا بأبعاد هذه القضية عند من يفعلون ذلك؟

يوسف القرضاوي: طيب أبعاد في النشر الأول، ما الهدف من النشر الثاني؟! يعني نشروا هذه الأشياء، ناس عندهم فكر، ما الهدف من إعادة النشر وإعادة النشر بصورة أوسع؟! يعني هذا لا هدف له إلا التحدي وإلا الاستفزاز وإلا احتقار هذه الأمة والاستهانة بها، هذا يكفينا على كل حال. نعود إلى تصريحات كبير أساقفة الكنيسة الأنجليكانية وأنا الحقيقة أرسل له من هنا تحية، تحية إكبار وتحية إعزاز وتحية تأييد. وقد زارنا هنا في قطر والتقينا به وأحسست أنه رجل منصف، وهذه الكلمات التي قالها من إنصافه ومن وعيه بما تحتاج إليه المجتمعات الأوروبية. المجتمعات الأوروبية لكي تحيا فيها الأقليات وهناك أقليات كثيرة جدا، هذه الأقليات من حقها أن تعيش بأديانها، لماذا يرفض هؤلاء الناس التعدد؟ التعدد ده سنة من سنن الكون. الله خلق الكون مختلفا ألوانه، حسب تعبير القرآن، اختلاف الألوان يعني اختلاف الأنواع، التنوع أو التعدد ظاهرة لا يمكن إنكارها، لماذا نرفض هذا التنوع. بالعكس كانت بريطانيا تفخر وتباهي بأنها بلد الجنسيات والعروق والألوان المختلفة والديانات والمذاهب المختلفة وأنها تسع الجميع، وهذا كان واضحا ولم يكن هناك تعصب مثلا ضد الحجاب كما رأينا في فرنسا. ولكن هذه الظاهرة الجديدة التي تعامل المسلمين معاملة خاصة وتريد أن تجعل لهم قوانين يعني وحدهم. هذا الرجل قال كلمة أعتبر أنها أصابت كبد الحقيقة، كلمة حكيمة، يعني آن للمسلمين أن يكون لهم قدر من أحكام الشريعة وهذا لا يمكن تجنبه، وهو يقصد أحكام الشريعة لا في الحدود ولا في القصاص ولا في القوانين التجارية أو المدنية وإنما يقصد الأحوال الشخصية، شؤون الأسرة الزواج والطلاق والوصية والميراث وهذه الأشياء، هذه دائما من حق الناس أن يقيموا هذه الأشياء حسب أديانهم وعقائدهم، وهذا ما تركه الإسلام للأقليات الدينية أيام ازدهار الحضارة الإسلامية كانت هناك محاكم خاصة لليهود وللنصارى تحكم في أحوالهم الشخصية وقال الصحابة اتركوهم وما يدينون، يعني حسب دينهم اتركوهم يحكمون أنفسهم حسب دينهم، فأنا أحيي يعني هذا الأسقف الكبير وأرى أنه يجب على العقلاء أن يشدوا أزره لا أن يطالبوا باستقالته، رجل قال كلمة حكيمة عادلة منصفة من حق الناس أن ينصتوا لها، أما أن تسلط عليه أجهزة الإعلام تهاجمه من كل جانب، أين الحرية التي تباهي بها الحضارة الغربية إذا كان الرجل لا يملك أن يقول كلمة يعتقد أحقيتها؟!

عثمان عثمان: بماذا تفسرون ردة الفعل العنيفة والقوية ضد تصريحات هذا الأسقف؟

يوسف القرضاوي: أرى أن هذا للأسف ما تتجه إليه الحضارة الغربية، تتجه إلى التعصب بدل التسامح وإلى التضييق بدل التوسعة وإلى النفور من الأجناس المختلفة والألوان المختلفة، يعني بدأت تفقد الخاصية التي كانت تباهي بها، وهذا أمر خطير جدا...

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور، هل تعتقدون أن إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام وردود الفعل العنيفة على تصريحات أسقف كانتربري تهدد فكرة التعددية الدينية في المجتمعات البشرية؟

يوسف القرضاوي: نعم هو هذا. لو أن المجتمع يؤمن بالتعددية الدينية كما نؤمن بها نحن وكما يجب أن يؤمن بها الناس جميعا ما ضاق الناس ذرعا بهذه الأمور. ولذلك أنا أيضا أدخل في هذه القضية إلى حد ما، قضية منعي من دخول بريطانيا، لماذا أمنع من دخول بريطانيا؟! أنا دخلت بريطانيا عشرات المرات في أيام المحافظين وفي أيام العمال دخلت لأسباب شتى لإلقاء محاضرات ولمشاركتي في جمعيات وفي مجلس أمناء مركز أوكسفورد وفي غيرها، وسمع مني الناس في محاضرات شتى أنني أدعو إلى الاعتدال، إلى الوسطية، إلى التسامح، إلى الحوار مع الآخرين، إلى السلام لا إلى الحرب، إلى الرفق لا إلى العنف، إلى الرحمة لا إلى النقمة، فلماذا يعني يأتي هؤلاء الناس ويمنعونني في هذا الآن؟!

عثمان عثمان (مقاطعا): لماذا برأيكم فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي (متابعا): أنا في الحقيقة لا أريد أن أتحدث عن الموضوع في هذه العجالة ولكني فقط أوجه تحية وشكر إلى كل من اهتم بهذا الأمر في العالم الإسلامي وحتى خارج العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها من كبار المسؤولين وكبار العلماء وكبار المثقفين وجماهير الناس من كل مكان، يعني الفاكسات تأتيني وبرقيات ومكالمات تليفونية وناس يتحدثون في الصحف وناس يتحدثون في القنوات الفضائية وناس يتحدثون على الإنترنت يدافعون عني، وقبل ذلك أعتقد أن الله تبارك وتعالى يدافع عني كما قال عز وجل {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور..}[الحج:38]، وأعتقد أن هذه القضية ستسقط كما سقطت من قبل القضية التي رفعها عدد من المحامين ضدي في نيويورك، في محكمة نيويورك وطالبوا بمصادرة أموالي وباعتقالي وبكذا وبكذا، ولكن يعني عددا من المحامين الآخرين هناك دافعوا عني حتى شطبت القضية، القاضي أمر بشطب هذه القضية وطلبوا أني لا أطالب بتعويض، لا أرفع ضدهم شيئا، لأن الحق أحق أن يتبع والحق أبلج والباطل لجلج {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق..}[الأنبياء:18].

التعددية الدينية من منظور إسلامي

عثمان عثمان: في إطار الحديث عن التعددية، فضيلة الدكتور، هل أقر الإسلام التعددية؟ وكيف يرسم القرآن الكريم العلاقة مع الآخر المخالف في المعتقد؟

يوسف القرضاوي: القرآن أقر التعددية واعتبر التعددية بمشيئة الله عز وجل، الله هو الذي شاء أن يكون البشر على هذه الوتيرة لأنه خلق خلقا كالملائكة مفطورين على الطاعة {..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}[التحريم:6]، وخلق خلقا غير مكلفين كالبهائم، وخلق هذا النوع من الخليقة عنده الغريزة وعنده العقل، أحيانا يعلو حتى يصبح كالملائكة أو أفضل وأحيانا يسفل وينحط حتى يكون كالأنعام أو أضل سبيلا، فأعطى هذا الإنسان العقل والإرادة وأعطاه مواهب خاصة بهذا أصبح هو الذي يصنع مصير نفسه مهتديا أو ضالا {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ..}[الإسراء:15]، {..فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..}[الكهف:29]، {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها..}[فصلت:46]، ولذلك قال القرآن {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ...} [هود:118-119]. قال الكثير من المفسرين {لذلك} أي لاختلاف خلقهم، لأنه خلقهم متغايرين في الفكر والإرادة فلا بد أن يتغاير موقفهم من الأديان ومن غيرها، فهذا واقع بمشيئة الله عز وجل، وقال القرآن {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين..}[يونس:99]، هو ربنا اللي أراد هذا، فهذا أمر واقع بمشيئة الله، ومشيئته لا تنفصل عن حكمته، فهي مقتضى الحكمة الإلهية.

عثمان عثمان: كيف نفهم إذاً قول الله عز وجل {إن الدين عند الله الإسلام..}[آل عمران:19]، {..ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين..}[آل عمران:85]؟

"
الإسلام هو الانقياد لله تبارك وتعالى بالتصديق والطاعة، والدين الذي بعث الله به الأنبياء جميعا هو دين الإسلام واكتمل في صورته النهائية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم
"
يوسف القرضاوي: هذا لا ينافي التعدد أنه هناك دين مقبول عند الله وأديان غير مقبولة. يعني الحقيقة لا تتعدد هي حقيقة واحدة، هناك الدين الذي بعث الله به الأنبياء جميعا دين الإسلام، يعني الإسلام مش بس دين محمد، محمد ختم هذا الدين إنما دين نوح {..وأمرت أن أكون من المسلمين}[يونس:72]، سيدنا إبراهيم {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ..}[آل عمران:67]، سيدنا يوسف {..توفني مسلما وألحقني بالصالحين}[يوسف:101]، كل الأنبياء كانوا مسلمين لأنه ما هو الإسلام؟ الإسلام هو الانقياد لله تبارك وتعالى بالتصديق والطاعة له فيما أمر فالاستسلام، الإسلام أسلم وجهه لله يعني استسلم لله عز وجل وانقاد لأوامر الله ونواهيه، هذا هو الإسلام الحنيف. فكل الأنبياء جاؤوا بهذا الإسلام واكتمل الإسلام في صورته النهائية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى {..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ..}[المائدة:3]. إنما ليس معنى هذا -أن الإسلام هو الدين الحق- أنه لا يوجد دين آخر. يعني إحنا كنا في أحد المؤتمرات وقام أحد المشايخ وقال لا يوجد دين غير دين الإسلام واستدل بالآية التي ذكرتها {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ..}[آل عمران:85]، فأنا رديت عليه قلت له الآية بترد عليك لأنه بتقول {ومن يبتغ غير الإسلام دينا..} يعني غير الإسلام ممكن يكون دين كما قال الله تعالى للمشركين {لكم دينكم ولي دين..}[الكافرون:6]، يعني حتى الوثنيين العرب قال {لكم دينكم..} وقال {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم..}[النساء:171]، فالدين موجود سواء كان حقا أو باطلا. الدين الآخر ده له حق العيش أو ليس حق العيش؟ له حق أن يستمر معي أنا، أنا أعتقد أنني على حق وأنت على باطل إنما تعيش معي ولا تعيش؟ لا، من حقك أن تعيش ومن حق الدين حتى وإن كنت أعتقد بطلانه أن يعيش وأن يكون له أتباعه، هذا ما أراده الله عز وجل.

عثمان عثمان: هل القبول، فضيلة الدكتور، بالتعددية الدينية يعني الاعتقاد بأن الأديان متساوية؟ أسمع منكم الإجابة بعد فاصل قصير بإذن الله، فتفضلوا مشاهدينا الكرام بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، سيدي كنت سألت هل القبول بالتعددية الدينية يعني الاعتقاد بأن جميع الأديان متساوية؟

يوسف القرضاوي: لا، لا يعني هذا إنما يعني أن الأديان كلها لها حق الوجود وأن تعيش معا، وإن كنت أنا أعتقد أنني على حق وأن غيري على باطل، أولاً هناك الأديان في أديان وضعية وأديان إلهية، أديان تقوم على الوحي وأديان تقوم على غير الوحي، في أديان وثنية وأديان توحيدية، وحتى الأديان التوحيدية والأديان السماوية تختلف من دين لآخر وكما هو شأن كل إنسان يعني يعتقد أن دينه هو الدين الحق وما عداه لا يصل إلى هذه الحقيقة، هذا شأن الدين أي دين هكذا فليست الأديان متساوية إنما تساويها في حق الوجود فقط.

عثمان عثمان: طبعا إحدى المشكلات التي تقف في وجه التعددية في نظر البعض النظرة إلى الآخر أو تسميته بالكافر، هل تسمية الآخر بالكافر تعتبر انتقاصا من قدره أو مكانته؟

يوسف القرضاوي: كل ذي دين يعتقد كما قلت أن دينه الحق وأن غيره على باطل وأنه هو المؤمن وما عداه كافر، معنى كافر يعني كلمة الكفر لها عدة مفاهيم أحيانا الكفر تعني الكفر بالله معنى كافر يعني ملحد جاحد لا يؤمن بالله ولا بالآخرة ولا هذا، وأحيانا تعني كافر بديني أقصد كافر أي كافر بديني، فأنا أعتقد أن مثلا اليهودي أو المسيحي كافر برسالتي برسالة محمد..

عثمان عثمان(مقاطعا): لمَ أعتقد؟

يوسف القرضاوي: لا يؤمن بأن محمدا رسول الله ولا يؤمن بأن القرآن كتاب منزل من عند الله فهو كافر بهذا، كما إنني كافر بديانته الموجودة من حقي أن أعتقد إن هو كفر ومن حقه أن يعتقد، لا يصح أن أصفه بالكافر بالمعنى الأول الذي قلته إنه ملحد أو جاحد لا، هو مؤمن بالله ومؤمن بالآخرة ومؤمن بعبادة الله ومؤمن بالقيم الأخلاقية بصفة عامة فهو لا يوصف بالكفر بهذا المعنى إنما يوصف بالكفر بأنه لا يؤمن برسالتي كما أؤمن بها، ومعنى لا يؤمن يعني كافر بها.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، هناك بعض الدول فيها تعددية دينية وربما تصل أكثر من عشر ديانات وفي بعض البلدان هناك 18 طائفة كما في لبنان، البعض يطرح العلمانية كحل لهذه التعددية الدينية، ما الحل الإسلامي برأيك؟

يوسف القرضاوي: أحيانا في بعض البلاد مثل هذه التي لا توجد فيها أغلبية ظاهرة تكون العلمانية هي الحل وإلا كان هناك التعصب، التعصب الديني مصيبة كبرى إذا كانت كل طائفة تتعصب ضد الأخرى فلا حل إلا أن يؤمن الجميع بنظام علماني يقسم الأمور بينهم، يقسم السلطة ويقسم الثروة ويقسم الفرص بين الجميع وأحيانا تكون هذه العلمانية أفضل بكثير من الحكم الديني المتعصب، يعني الهند بلد كبير زاد على المليار وفيه ديانات ومن هذه الديانات الهندوسية والإسلام والسيخ والمسيحية وغير ذلك وحتى الهندوسية فيها مذاهب وطبقات فأحيانا إذا حكم الهندوس المتعصبين دينيا تكون البلد في مصيبة ويرى العقلاء أن لا حل إلا أن يحكم العلمانيون، ولذلك يرحب الجميع بحزب المؤتمر الذي شارك المسلمون في تأسيسه يعني حزب المؤتمر حزب مدني علماني وكان من مؤسسيه رجال كبار من المسلمين مولانا أبو الكلام آزاد وغيره لأنهم رأوا في هذا حلا لبلد متعدد الأديان ولا حل له إلا تحت راية مثل هذا النظام.

عثمان عثمان: هذا في حال تعددت الديانات في بلد ما، ماذا لو كانت ديانة المسلمين أو كانوا المسلمين أكثرية في بلد تعددت فيه الديانات؟

يوسف القرضاوي: إذاً الأكثرية من حقها أن تحتكم إلى دينها وإلى عقيدتها يعني إذا كانت الأكثرية مسلمة فدينها يلزمها بهذا، قد تكون الأكثرية الدينية ليس عندها شريعة ملزمة بها يعني ليس كل الأديان فيها شرائع ملزمة، المسيحية ليس فيها شريعة ملزمة يقول لك دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله. نحن ليست عندنا هذه القاعدة عندنا قيصرو ما لقصير كله لله الواحد الأحد ويجب أن يحتكم الجميع إلى الشريعة فليس هناك خيار لأحد أمام قطعيات الشريعة إذا كانت الأكثرية مسلمة فمن واجبها أن تحتكم على الشريعة ولكن على أن تحسن فهم الشريعة، المشكلة أن بعض الناس يحكم في هذا العصر أفهام عصور مضت لا تليق، لازم نفتح باب الاجتهاد وباب الاجتهاد يجب أن يظل مفتوحا ولا يستطيع أحد أن يغلقه بعد أن فتحه الله ورسوله لهذه الأمة.

عثمان عثمان: اسمح لنا فضيلة الدكتور أن نأخذ بعض المشاركات من المشاهدين الكرام، معنا الأخ علاء عبد الخالق من فلسطين تفضل أخ علاء.

علاء عبد الخالق/ فلسطين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخ عثمان وتحية لضيفك الكريم فضيلة الشيخ القرضاوي، لي ثلاثة أسئلة لو تكرمتم، فضيلة الشيخ قبل قليل تحدثت عن الموقف الذي يجب أن يقفه المسلمون اليوم تجاه الهجمة من قبل الغرب على الإسلام وعلى نبي الإسلام هذا الموقف يقول الشيخ إنه يجب أن يكون موقف متسامح وذكرت حضرتك أن الموقف يكون {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما..}[الفرقان:63] السؤال الأول، هل هذا موقف يرضاه الله تعالى حينما نقف بين يديه ليحاججنا؟ السؤال الثاني، القس البريطاني الذي دعا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وإن كانت هذه الكلمة كلمة حق أريد بها باطل، هل من موقف لعلماء المسلمين وخاصة أن فضيلة الشيخ صاحب منصب رفيع بين العلماء؟ هل من موقف للمطالبة بإزالة الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي وتوحيد بلاد المسلمين في ظل دولة واحدة؟ السؤال الثالث والأخير، حديث الرسول عليه الصلاة والسلام  "إنما الإمام جُنَّة يقاتَل من ورائه ويُتقى به" هل لو كان للمسلمين إمام كان يجرؤ هؤلاء الغربيون وعلى رأسهم البابا على التهجم على الإسلام وعلى نبي الإسلام وأن يمسوا طرف مسلم أو أن يحتلوا شبرا من أرض المسلمين.

عثمان عثمان: شكرا لك أخ علاء، نأخذ الأخ كمال شكري من ألمانيا تفضل أخ كمال.

كمال شكري/ ألمانيا: تحية لك سيدي، وتحية خاصة للدكتور يوسف القرضاوي الأستاذ العزيز عندنا جميعا أعطاه الله الصحة والعافية، بالنسبة لما يتم في الدنمارك أو ما تم في الدنمارك يا دكتور يوسف الحقيقة العقلانية بالتصرف ضد هذه الأفعال أنا من وجهة نظري الناحية الاقتصادية لأن الناحية الاقتصادية ومقاطعة البضائع الدنماركية تصب في مركز العملية بالكامل لأن هذا هو ما يشعر به العالم الغربي وهذه نقطة مهمة جدا وأساسية علمية ولها أسسها..

عثمان عثمان(مقاطعا): هل من سؤال أخ كمال؟

كمال شكري: النقطة الثانية لو سمحت ما يتم بالنسبة للحفريات تحت المسجد الأقصى وما قام به المسجد الإسلامي، ونعتذر لأن النقطة دي خارج الحلقة لأن دي مهمة جدا، بالنسبة للحفريات والمسجد الأقصى مهدد بالسقوط..

عثمان عثمان(مقاطعا): أخ كمال الوقت ضيق جدا وأريد الحديث لو سمحت في إطار الحلقة لو سمحت.

كمال شكري: في إطار الحلقة طبعا بالنسبة لموضوع تعدد الديانات، الدين الإسلامي من وجهة نظري هو دين السماحة وأن واجبه حماية. كما قال الدكتور يوسف..

عثمان عثمان(مقاطعا): أين السؤال أخ كمال؟

كمال شكري: وهذا هو ما تعلمناه من الإسلام..

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ كمال شكري من ألمانيا، معنا أيضا اتصال من الأخ عبد الكريم عبد الرزاق من الأردن تفضل أخي الكريم.

عبد الكريم عبد الرزاق/ الأردن: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية لفضيلة الشيخ أطال الله في عمرك ونحن وأطفالنا ندعو لك فأنت رمز من رموز أمتنا وتحية للأخ عثمان ولكل قناة الجزيرة.

عثمان عثمان: حياك الله تفضل أخي الكريم.

عبد الكريم عبد الرزاق: الحقيقة سؤالي الأول، لماذا لا يجتمع أهل الإسلام كلهم في خندق واحد، السلفية والصوفية والأخوان كما كان يفعل الإمام حسن البنا رحمة الله عليه أسكنه الله فسيح جناته الآن في هذه الساعة في الفردوس الأعلى، عندما كان يلتقي مع رشيد رضا ومع محب الدين الخطيب وكان يتبرع وهم يتبرعون؟ هذا السؤال الأول، السؤال الثاني، أقول هل يعقل بأن خمسة من المشركين لذمتهم العالية فتحوا الحصار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمة بمليار مسلم لا يستطيعون أن يرفعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم... ولا الحصار عن  أهل العراق ولا عن أهل غزة؟ خمسة من المشركين حركتهم النخوة فرفعوا الحصار عن شعب بني طالب أو شعب بني هاشم. فأقول يا دكتور القرضاوي أطال الله في عمرك وأبقاك قمرا منيرا ليلا ونهارا إلينا، حدثنا عن هذه القضية لماذا مليار ونصف مليار مسلم لا يحركون مسلما، وخمسة مشركين ...

عثمان عثمان(مقاطعا): وصلت الفكرة أخ عبد الكريم شكرا جزيلا لك، فضيلة الدكتور أخ علاء عبد الخالق يطرح أنه يجب أن يكون هناك موقف إسلامي تجاه الرسوم المسيئة، لو كان هناك مهادنة في هذا الموضوع هل يرضي ذلك الله ورسوله؟

يوسف القرضاوي: أنا ما قلت مهادنة، ولا قلت يعني أن نعاملهم بالتسامح، ولكن قلت العقلانية، يعني ليس من الضروري أنهم كلما استثارونا نحرك الأمة الإسلامية وتقوم مظاهرات في كل مكان، ولكن أنا مع أحد الإخوة الذي قال يجب أن نفعّل المقاطعة الاقتصادية، نحن في المرة الماضية دعونا إلى مقاطعة البضائع الدنماركية وهذا ما يجب أن يظل، إذا كان بعض الناس تهاون، ولا تزال الدعوة قائمة، يعني علقنا هذا على أن تعتذر الحكومة ولم تعتذر الحكومة ولم يعتذر أحد، بعض الشركات قالت إنها تنكر هذا وتتبرأ منه وكذا، أعفيناها، مؤتمر النصرة الذي عقد في البحرين وقد أصدر في هذا اليوم بيانا في هذا الشأن نحن ندعو إلى تفعيل المقاطعة الاقتصادية ويجب على كل المؤسسات القادرة أن تحتج احتجاجا قويا وصارخا، الجامعة العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي، الاتحاد العالمي للمسلمين، مؤتمر النصرة، كل هذه المؤسسات يجب أن تحتج ولكن الذي أقوله إنه ليس من الضروري أن تتحرك. وإن كان بدأ إخواننا في باكستان، يعني سيروا مظاهرات غاضبة ضد هذه الأشياء لأننا لا نملك أن يسكت كل المسلمين على هذا الأمر.

عثمان عثمان: الأخ عبد الخالق يعتبر أن ما طرحه القس البريطاني إنما هو من باب كلمة حق أريد بها باطل.

يوسف القرضاوي: والله نحن يجب أن نقول للمحسنين أحسنت، الرجل قال كلمة فيها إنصاف للمسلمين لماذا أقول أريد بها باطل؟! يعني هذه كلمة حق تسند الأقلية الإسلامية في مطالبتها بأن يكون لها وجودها الديني الخاص، لماذا نؤولها على أسوأ تأويل هذا يعني في الحقيقة خروج عن ظاهر الأمر.

عثمان عثمان: طبعا الأخ عبد الكريم، الأردن طرح فكرة أن يجتمع أهل الإسلام في خندق واحد ويتحدث أيضا عن حصار غزة وحصار العراق وطبعا هذا خارج إطار موضوعنا.

يوسف القرضاوي: هذا طبعا مطلوب من أهل الإسلام جميعا أن يكونوا في خندق، وهم المفروض في خندق واحد لأن أعداءهم لا يفرقون بين صوفي وسلفي وحنفي وشافعي، هم ينظرون إلى المسلمين كلهم شيء واحد وعلى المسلمين أن يعتبروا أنفسهم أمة واحدة، أمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، قد يختلفون في اتجاهات شتى إنما عندما تنزل بهم المصائب يجب أن تنسى كل الخلافات ولا يبقى إلا أن أقاتل وأقاوم أعدائي وأنسى الخلافات الأخيرة، إن المصائب يجمعن المصابين.

المعتقدات الدينية في ضوء التعددية

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني في إطار التعددية أحد أهم أهداف الديانات هو أن تصل بمعتنقيها إلى النجاة والخلاص والفوز والفلاح، يعني المسلم يؤمن بالإسلام لأنه يعتقد أن الإسلام سينجيه يوم القيامة وسيفوز بجنات عرضها السموات والأرض، المسيحية يعتقد معتنقوها بأنها هي سبيل الخلاص الأبدي. السؤال ما مصير النجاة والفلاح إذا نحن آمنا بالتعددية الدينية؟

"
التعددية تعنى الإقرار بحق الآخرين في العيش والعمل معا لخدمة البشر، والوقوف ضد التيارات الإلحادية والجحود بالله عز وجل، وضد التيارات الإباحية التي تبيح الزنا وتبيح الشذوذ، وتقف ضد العدوان على حقوق الإنسان
"
يوسف القرضاوي: التعددية لا تنافي هذا، ما معنى التعددية؟ معنى التعددية ليس من الضروري، إن معنى التعددية أن أعتقد أن الجميع على حق كما قلت إن التعددية أن أقر بحق الآخرين في العيش معي، أن يجاوروني وأجاورهم وأن نعمل معا لخدمة البشر، وأنا حضرت مؤتمرات في الحوار الإسلامي المسيحي وقلت إن هناك مجالات نستطيع أن نتعاون فيها مثل أن نقف جميعا ضد التيارات الإلحادية والجحود بالله عز وجل، أن نقف جميعا ضد تيارات الإباحية التي تبيح الزنا وتبيح الشذوذ وكذا، أن نقف جميعا ضد المظالم الاجتماعية، أن نقف ضد العدوان على حقوق الإنسان، أن نقف مع الشعوب المستضعفة مثل الشعب الفلسطيني الذي يقاسي ما يقاسي، هذا مجال ممكن للأديان فيه أن تتفاهم وتتعاون رغم أني أعتقد أنني على حق وغيري ليس على حق إنما ممكن أن نتعايش ونتفاهم ونتعاون فيما نتفق عليه، ويسامح بعضنا بعضا أو يؤجل بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه لأن الحساب ليس في هذه الدار وإنما الحساب في يوم الحساب،{الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون..}[الحج:69].

عثمان عثمان: كما ذكرتم فضيلة الشيخ يعني كل أهل ديانة يعتقدون أنهم الأفضل، اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، والمسلمون يقولون {كنتم خير أمة أخرجت للناس..}[آل عمران:110]، أليس اعتقاد الخيرية كان سبب الصراع بين آدم عليه السلام وإبليس وبالتالي سبب احتراب؟

يوسف القرضاوي: لا، آدم لم يصارع إبليس ولا إبليس صارع آدم، إبليس صارع الله، لأن ربنا لما قال للملائكة {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }[ص:72]، وهو لسه لا حصل، {فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}[ص:73،74] تمرد على الله، فهذا هو .. وبعدين أراد أن يجعل من أن الذي خلق من النار، أن النار أفضل من الطين، مين قال؟ الطين أفضل من النار، وبعدين مسألة الخيرية، هذه يعني طبيعة كل دين كما قلت أن يعتقد أنه أفضل الناس، وإلا لماذا بقي على هذا الدين إذا لم يعتقد أنه أفضل.

عثمان عثمان: طبعا إبليس يعني هو اعتقاده أنه خير من بني آدم ولذلك أقسم أن يقعد لهم في كل طريق وكل مسلك يغويهم ويضلهم عن سبيل الله عز وجل. فضيلة الدكتور، يعني الإيمان أحيانا كثيرة يدفع بطبيعته إلى الاعتقاد بأن كل ما عداه خطأ وهذا ما ذكرتموه، كيف يمكن أن لا يتحول اعتقاد امتلاك الحقيقة إلى توتر أو تحارب؟

يوسف القرضاوي: شوف، يعني ممكن فعلا أن اعتقاد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة وحده أن يؤدي هذا إلى تعصب ضد الآخرين، ولكن الإسلام عالج هذه القضية بأنه غرس في نفس الإنسان المسلم مجموعة من العقائد والأفكار تهون عليه هذا الأمر فتغرس في نفسه التسامح وهذه الأفكار أساسها إيه؟ أولا أن الاختلاف في الخلق واقع بمشيئة الله كما قلنا،{ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا..}[يونس:99] فهل سأقف ضد المشيئة الإلهية؟ لا. الشيء الثاني أنه إذا كان الناس فيهم مهتدي وضال، من الذي يحاسبهم؟ هل أنا الذي يحاسبهم أم الله؟ والحساب متى في هذه الدار أم في الدار الآخرة؟ لا، في الدار الآخرة. ولذلك القرآن يقول {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون..}[الحج:68]، {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون..}[الحج:69] فالحساب والفصل يوم الفصل. الأمر الثالث أن الإسلام يكرم الإنسان الآدمي بحكم آدميته سواء كان مسلما أم غير مسلم، {ولقد كرمنا بني آدم ..}[الإسراء:70] النبي عليه السلام مروا عليه بجنازة، جنازة واحد ميت، فوقف لها تكريما، فقالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال عليه الصلاة والسلام أليست نفسه، إفرض إنها يهودي، مش نفس إنسانية؟! فما أروع الموقف وما أروع التعليق! الأمر الآخر أن الإسلام جاء بالعدل لكل البشر، عدل الله لجميع عباد الله، نزلت تسع آيات في سورة النساء تدافع عن يهودي اتهم ظلما بالسرقة وكان السراق مسلمين وقال الله تعالى: {.. ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ..}[المائدة:8] هذه هي الأسس التي تشيع جو التسامح بين المسلمين وغيرهم رغم اعتقادي أنني أنا الذي أملك الحقيقة وأنا وحدي المهتدي ولكن هذه الأسس الفكرية للتسامح الإسلامي.

عثمان عثمان: طرح البعض، فضيلة الدكتور، يعني للتعامل مع التعددية الدينية التركيز على الله وليس على المعتقدات والحقائق الدينية لكل دين، هل هذا حل برأيكم؟

يوسف القرضاوي: يعني الله طبعا هو أساس الدين كله، ولكن  هناك أديان وثنية يعني لا تقول بوحدانية الله، تقول بتعدد الآلهة، هناك أديان تقول بالألوهية وتنكر النبوة والوحي، ماذا تقول في هذه؟ أديان أخرى تنكر الآخرة والجزاء، هناك أشياء أساسية، أركان أساسية كما قال العلامة الشيخ رشيد رضا في كتابه الوحي المحمدي "هناك أركان أساسية لكل دين، الركن الأول الإيمان بالله، الركن الثاني الإيمان بالآخرة، باليوم الآخر والجزاء والخلود، الركن الثالث العمل الصالح" وهذا هو الذي جاء فيه قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون..}[البقرة:62] آمن بالله واليوم الآخر، الجزاء والعمل الصالح دي لا بد منها في أي دين.

عثمان عثمان: حينما نتحدث عن التعددية الدينية، فضيلة الدكتور، والإيمان بها من شأن ذلك أن يتعارض مع التبشير بين المسلمين ومع الدعوة مع غير المسلمين أو بين غير المسلمين، ما العمل برأيكم؟

يوسف القرضاوي: لا، لو التعددية الدينية، لا وأنا أعتقد أن كل الأديان حق، إذا كانت كل الأديان حق فلماذا أدعو غيري؟ إنما التعددية الدينية ليس هذا معناها، شرحناها عدة مرات، التعددية الدينية أنا أعتقد أنني على حق وأن الآخرين على باطل ولكن من حقهم أن يعيشوا، من حقي أن أتعاون معهم على البر والتقوى، من حقي أن أسالم من سالمني وأن أحارب من حاربني، وعلى هذا الأساس ما دمت أعتقد أن غيري على باطل فمن حقي أن أدعوه بل من واجبي، لأنني لا احتكر الخير لنفسي، إذا أنا كنت معتقد أنني اهتديت لماذا لا أحاول أن أهدي غيري إلى ما هداني الله إليه وإلا كنت أنانيا أريد الخير لنفسي وأحرم الآخرين منه، ولذلك الإسلام كانت الدعوة أساسية فيه {..ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين..}[فصلت:33]، {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..}[النحل:125] جادلهم حاورهم. فالدعوة والحكمة بالموعظة الحسنة للموافقين والجدال والحوار للمخالفين حتى أهديهم إلى ما هداني الله إليه، فهذا لا بد منه.

عثمان عثمان: في دقيقة واحد فضيلة الدكتور، يعني ما واجب المسلم تجاه أتباع الديانات الأخرى؟

يوسف القرضاوي: واجب المسلم نحو أتباع الديانات الأخرى أن يكون عادلا معهم، أن يعطيهم حقوقهم، أن يتسامح معهم، أن يعاملهم بكل ما تفرضه الديانة من قيم العدل والتسامح والإخاء البشري يعني في إخاء ديني إنما المؤمنون إخوة، وفي إخاء بشري أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي وكل العالمين أقاربي فلا بد أن أعامل الناس على هذا الأساس وأحب لهم ما أحب لنفسي وأكره  لهم ما أكره لنفسي وهذا هو العدل والإنصاف.

عثمان عثمان: بقي الكثير لنستفيد منكم فيه ولكن الوقت انتهى. لا يتبقى لنا إلا أن أشكركم فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي العلامة الإسلامي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور الطلافيح، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.