- التصور الإسلامي للعدالة الاجتماعية
- المنهج الإسلامي في محاربة الظلم الاجتماعي

- الفرق بين العدل والمساواة

- العدل مع الزوجات والأبناء

- العدل مع العدو وغير المسلم

- العدل في القضاء

التصور الإسلامي للعدالة الاجتماعية

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، والتي تأتيكم على الهواء مباشرةً من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..}[النحل:90]. سبق الحديث في الحلقة الماضية عن العدل بوصفه قيمةً عليا وكيف أن العدل أساس النصر وأن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة على الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، وأن العدل أساس العمران وأساس المُلك، وتحدّثنا عن عدل الحكّام كذلك. وفي هذه الحلقة نتابع الحديث عن مجالات العدل الأخرى وتطبيقاته. فهل يملك الإسلاميون تصوراً لسبل تحقيق العدالة الاجتماعية؟ وما التصوّر الإسلامي للعدل الأُسَري؟ وهل تعدّد الزوجات مرهونٌ بالتيقّن من تحقيق العدل بينهن؟ العدل ومجالاته موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحباً بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحباً بك يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: إن الله يأمر بالعدل. العدل مبدأٌ شامل يطال جميع مناحي الحياة، فبماذا تفسّرون غياب تصوّرٍ إسلاميٍّ للعدالة الاجتماعية؟ وهل علاقة الماركسية بهذه القيمة ولّدت عندنا جفاءاً لها؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه. ربّنا آتنا من لدُنْك رحمةً وهيّئ لنا من أمرنا رشداً. اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً، نحمد اللهم على كل حال ونعوذ بك من حال أهل النار. الكلام عن العدل كلام يستحق فعلاً أكثر من حلقة. تحدثنا عنه في الحلقة الماضية وقد لا نكمل الحديث عنه في هذه الحلقة، لأن الموضوع موضوعٌ رحب وكبير. ومن أهم الأشياء التي ينبغي الحديث عنها ما يُعرف باسم العدالة الاجتماعية. ويُقصد بالعدالة الاجتماعية، العدالة بين فئات المجتمع المختلفة، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، عمّال وأرباب عمل، مُلاّك ومستأجرين، إقطاعيين وفلاّحين، أصحاب مصانع وعاملين في المصانع، الفئات التي يُقصد توزيع الثروة بين فئات المجتمع توزيعاً عادلاً. القول أو الدّعوى بأن الإسلاميين لا يملكون تصوّراً للعدالة الاجتماعية، هذا قول غير صحيح. من قديم جداً بدأ الإسلاميون يرسمون خطوطاً للعدالة الاجتماعية في الإسلام. من أوائل من كتب في هذا كان أستاذنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وهو لسّه يعني خرّيج في العشرينيات من عمره، كتب ثلاثة كتب، (الإسلام والأوضاع الاقتصادية)، (الإسلام والمناهج الاشتراكية)، (الإسلام المُفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين) صحيح كانت كتابة غير علميّة، لغة الاقتصاد تماماً، إنما صيحات تنادي بالعدالة وتندّد بالمظالم الاجتماعية في المجتمع. وجاء الأستاذ سيّد قطب بعد ذلك فنظّم هذا في كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، وجاء كثيرون تحدّثوا عن هذه القضية، في باكستان الأستاذ أبو الأعلى المودودي، في مصر كتب عدّة ناس، الأستاذ محمود أبو السعود، الخطوط الرئيسية في الاقتصاد الإسلامي، الأستاذ الدكتور محمد عبد الله العربي أستاذ علم المالية في كلية الحقوق في جامعة القاهرة، الأستاذ عيسى عبده إبراهيم، الشيخ محمد أبو زهرة. كثيرون كتبوا في العدالة الاجتماعية. وأنا يمكن ساهمت في شيء من هذا، بعد هؤلاء بفترة قليلة، يعني كتبت كتابي مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، فوائد البنوك هي الربا الحرام، فقه الزكاة نفسه، لأنه هو كان أيضاً هو فقه الزكاة يبيّن العدالة الاجتماعية، لأن الناس كان يظنّوا أن الزكاة ده عبارة عن يعني أنها مجرّد لُقيمات تدفعها للفقير تسدّ جوعته أو دُريهمات.. لأ، دي الزكاة حل لمشكلة الفقر ومشكلة البطالة والمشاكل الاجتماعية، وحل جذري، إغناء الفقير طول عمره، كما يقول الإمام الشافعي، إعطائه ما يكفيه طوال العمر، يعني حل مشكلته من جذورها. فلذلك لا يُقال أن الإسلاميين لا يملكون تصوّراً.. الشيخ، في سورية، العلامة الشيخ مصطفى السباعي كتب كتابه إشتراكية الإسلام، كانوا ينادون بالاشتراكية، اليوم إحنا عندنا اشتراكية، مش اشتراكيتكم دي، اشتراكية الإسلام لها قوانينها الخاصة ولها أحكامها الخاصة ولها توجيهاتها الخاصة. فهذا كله يبيّن أن الموضوع ليس فيه فراغ كما يُظن، الحمد لله فيه ما يملأ الساحة من الناحية الإسلامية.

عثمان عثمان: بالأمس، فضيلة الدكتور، كان على قناة الجزيرة أحد البرامج يتحدث عن مستقبل حركات اليسار في العالم. وقال أحد الضيوف، الآن فيه ظلم اجتماعي كبير وهو يشكّل ظرفاً موضوعياً لعودة اليسار، وضمناً الحركة الشيوعية، لإزالة هذا الظلم الاجتماعي. كيف ترد ذلك؟

يوسف القرضاوي: أنا أردّ على فكرة أن فيه تصوّر ولاّ ما فيش تصوّر. إنما فيه تطبيق ولا لأ؟ دي عملية أخرى.

عثمان عثمان: مسألة أخرى.

"
ما زال مجتمعنا يئنّ ويشكو من المظالم الاجتماعية، من التفاوت الفاحش بين الأفراد والطبقات لأننا 
لا نحسن فهم  تطبيق مفهوم الزكاة في الإسلام
"
يوسف القرضاوي: إحنا يا للأسف، قد أحياناً نسيء في فهم الإسلام وأحياناً نسيء تطبيقه، وأحياناً لا نحسن فهمه ولا نحسن تطبيقه. عندنا تصوّر للعدالة الاجتماعية، إنما هل حقّقناه في واقع الحياة؟ هل طبّقناه على فئات المجتمع الخاصة؟ لا زال مجتمعنا يئنّ ويشكو من المظالم الاجتماعية، من التفاوت الفاحش بين الأفراد والطبقات. هناك من يضع يده على بطنه يشكو من زحمة التُّخَمة، أكل لحدّ ما هواش قادر يُطيق لكثرة ما أكل عايز يشوف مُهضّم، يا أخي كُلْ على قدّك! واحد تاني يضع يده على بطنه يشكو من عضّة الجوع، مش لاقي ما يملأ معدته ولو بنصف... فللأسف عندنا هذا التفاوت الفاحش الشديد الفحش في مجتمعنا. فلا يوجد تطبيق، لا يوجد من يعمل على أن يتحقّق العدل الإسلامي الاجتماعي في المجتمع. الحاكم الذي يشعر أنه مسؤولٌ عن رعيّته، لأن هذه الأساس، كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته، فالإمام راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيّته.

عثمان عثمان: لتحقيق العدالة.

يوسف القرضاوي: لماذا جاء في الحديث، "يومٌ من والٍ عادل أكثر من عبادة ستين سنة". ممكن والي عادل وقاعد يصلّي ويصوم ويتهجّد بالليل، ولكن سايب الناس يظلموا بعضهم بعضاً. إصدار قرار يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، يعطي الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه، يأخذ من الظالم حقّه للمظلوم، يمكن يوم واحد أفضل من ستين سنة يعبد فيها ربّنا بقيام الليل وصيام النهار. فهذا.. سيدنا عمر لمّا سعى له... سيدنا عمر بن عبد العزيز أيضاً سعى، كان في.. نعرف أنه في عهد بني أمية انحرف عن نهج الراشدين أو نهج العدل، هو أراد أن يعيد لكلّ ذي حقٍّ حقّه، ويردّ المظالم إلى أهلها، ويوقف الولاة عند حقوقهم، يعني بلغه أن أحد الولاة من أقاربه اشترى خاتماً فصّه بألف درهم، فأرسل إليه رسالة يقول، أما بعد فقد بلغني أنك اشتريت خاتماً فصّه بألف درهم، فإذا جاءك كتابي هذا فبعه. بيع الخاتم ده، واشترِ بثمنه.. وأطعم بثمنه ألف جائع..

عثمان عثمان (مقاطعاً): مع العلم أن هذا..

يوسف القرضاوي (متابعاً): خذ الألف درهم دول وأطعم به ألف جائع واشترِ خاتماً فصّه من حديد واكتب عليه رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

عثمان عثمان: مع العلم، فضيلة الدكتور، أن هذا الخاتم اشتراه من خالص ماله.

يوسف القرضاوي: حتى ولو من... ولكن لأنه والي أيضاً ففي شبهة، يعني.. وحتى لو الواحد عنده مال، هل ماله، هل هو ملكه الخالص، ولاّ لله فيه حق؟ الإسلام يعتبر أن المال، الملكية الحقيقية في المال لله. عندنا نظرية في الإسلام اسمها نظرية الاستخلاف، أن الغنيّ مستخلفٌ في مال الله، المال مال الله. هو المال، مين اللي أنشأ المال؟ الزرع، بنزرع إحنا الزّراعة، الأرض مين اللي خلق الأرض؟ ما خلقنهاش إحنا. الماء اللي بينزل للأرض، مين اللي خلقه؟ الأملاح والمعادن اللي تمتصّها البذرة من الأرض، مين اللي خلق..؟ الله هو الذي.. قال {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون}[يس:33]، {..ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون}[يس:35]، عمل يد الله سبحانه وتعالى. فلذلك المال هو مال الله. حتى أنت تتاجر وتجمع.. من الذي أعطاك القدرة عشان تتاجر؟ مين اللي أعطاك العقل تفكّر بها؟ مين الذي سخّر لك الرياح، عشان تجري الفلك في البحر، مواخر تأتي لك بالأشياء من هنا وهناك؟ الله. ولذلك المال مال الله حقيقةً، والإنسان مستخلف، خليفة، يعني وكيل الله، نائب عن الله في هذا المال، موظّف عند الله. يعني زي ما تقول المسؤول عن الخزانة، أو عن الصندوق، هذا أمين الصندوق، أمين الخزانة. فهذا هو حتى لو كان ماله الخاص، ليس معناه أنه ينفق كما يشاء في المال ويدع من حوله لا يجدون القوت، لا يقبل ذلك الإسلام في مجتمعه.



المنهج الإسلامي في محاربة الظلم الاجتماعي

عثمان عثمان: تحدّثتم، فضيلة الدكتور، عن عدالة الحاكم، وهذا يقودنا إلى الحديث القدسي الجليل " يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا "، يعني أين واقع هذا الحديث من الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه مجتمعاتنا اليوم الذي يباعد الفجوة بين الفقراء والأغنياء الذي يجعل توزيع الثروة بين أبناء الشعب توزيعاً غير عادلٍ، وبالتالي تتجمّع هذه الثروة بيد أصحاب النفوذ والسلطة والمتنفّذين فقط؟

يوسف القرضاوي: هذا ما يرفضه الإسلام. الإسلام يريد للثروة أن تتوزع بين الناس جميعاً. كل واحد يأخذ نصيبه من هذ الثروة على قدر عمله، على قدر عمله يأخذ نصيبه من هذه الثروة، إنما لا يكون، الذين يعملون لا يجدون قوتهم، والعاطلون الذين لا يعملون يغرقون في الذهب والحرير وتموج خزائنهم بالذهب كما يموج التنّور باللهب، كما يقول المنفلوطي رحمه الله. هذا لا يقبله الإسلام، الإسلام يبني قواعده على أساس من يعمل، من جدّ وجد، ومن زرع حصد، وكل واحد على قدر عمله، المتقن يأخذ عمله غير المهمل، المهمل لازم يأخد جزاءه، والمتقن عمله يأخذ جزاءه. هذا ما نراه للأسف في المجتمعات الغربية والمجتمعات المتقدّمة مثل اليابان وكوريا وهذه المجتمعات، الذي يعمل يجد نصيبه من عمله، إنما نجد في بلادنا، ناس يعني تزرع القمح وتأكل الطين، ويزرع القطن وهو عريان لا يجد ما يلبسه، آخرون هم الذين يستمتعون بالثروة وهم لم تكدّ يمينهم ولم يعرق جبينهم في تحصيل هذه الثروة وفي كسبها.

عثمان عثمان: البعض يرى الظلم الاجتماعي اللاحق في مجتمعاتنا إنما هو نتيجة العولمة الزاحفة إلينا، التي ألغت الطبقة الوسطى، زادت الأغنياء غنىً والفقراء فقراً. هل من تصوّرٍ إسلامي لمجابهة ظلم العولمة؟ وكيف يُترجم ذلك عملياً؟

يوسف القرضاوي: هناك طبعاً، الإسلام له منهج في كيفية هذا. بس أنا أريد أن أقول، أنه ما عندنا من مظالم اجتماعية ليس نتيجة العولمة. قبل ظهور تيار العولمة في العالم كانت هذه المظالم موجودة للأسف، وأحياناً حاكم عادل أو كذا يحاول يخفّف من غلواء هذه الفوارق الفاحشة، يحاول يقرّب الفوارق بين الناس، وبعدين تعود الأمور إلى ما كانت عليه حينما يوجد حاكم آخر يبحبح لما يُسمّونه القطط السِّمان، والناس الذين يستطيعون بالفهلوة وبالمهارة وبطرق مختلفة أن يجمعوا الثروات، يسمّوهم الحيتان أو الهوامير أو الكذا، كما نرى الحوت الكبير يأكل السمك الصغير، فهؤلاء ينزلوا في السوق يأكلوا الصغار من الناس ويجمعون ثرواتهم، هذا موجود قبل تيار العولمة. إنما حتى مع تيار العولمة الإسلام له نهجه الخاص في الحدّ من طغيان الأغنياء والإعلاء من مستوى الفقراء. لا يدع الحبل على الغارب للأغنياء ليزدادوا غنىً، لأ، فيه طرائق للحدّ من طغيانهم. لم يدع لهم أن يُنمّوا أموالهم كيف شاؤوا.. أولاً لم يدع لهم الحبل على الغارب يكسبوا أموالهم من أي طريق، لأ، في.. الكسب له طرق مشروعة وطرق محرّمة، أكل أموال الناس بالباطل لا، أكل الربا لا، احتكار الأسواق والأشياء لا، يعني الساقان التي تقوم عليهما الرأسمالية الاحتكار والربا، والإسلام حرّمهما، و" لا يحتكر إلا خاطئ "، أي آثم، {..إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين}[القصص:8] أي آثمين. فالإسلام حرّم أن ينمّي الغني ماله إلا بطرق معيّنة. وبعدين فرض عليه تكاليف وواجبات في ماله، الزكاة أولها وليست آخرها، يعني نسمع بعض الناس أنه هو بس عليه الزكاة، لأ، الزكاة هي الحق الأول في المال. ولكن هناك نفقات الأقارب المعسرين، حق التكافل في المجتمع " ليس منّا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع "، حق الدفاع عن المجتمع {..وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم..}[التوبة:41]، إذا كان المجتمع احتلّه الآخرون وأصبح فيه مقاومة، الأغنياء لازم يدفعوا في هذه المقاومة من أموالهم، ناس بتدفع من أرواحهم ودمائهم، همّ يدفعوا من أموالهم. هناك حقوق كثيرة، الإسلام يوجب، حتى مش بس إطعام المسكين، الحض على إطعام المسكين، فريضة لم تُذكر إلا في القرآن الكريم، أنه لا يكفي أن تطعم المسكين، تحضّ غيرك على إطعام.. {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم(33) ولا يحض على طعام المسكين(34)}[الحاقة:33-34]، {أرأيت الذي يكذب بالدين(1) فذلك الذي يدع اليتيم(2) ولا يحض على طعام المسكين(3)}[الماعون:1-3]. هناك أشياء كثيرة تحضّ.. وبعدين أيضاً حتى في الاستهلاك، هناك أيضاً حدود معيّنة {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}[الفرقان:67]، {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط..}[الإسراء:29]. الكنز، ممنوع عنه الكنز {..والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله..}[التوبة:34] إلى آخره. هناك حد من طغيان الأغنياء وإعلاء ورفع من مستوى الفقراء، لازم تحلّ مشكلة الفقير. إذا كان فقير قادر على العمل ولا يجد عملاً، لازم المجتمع يوفّر له عمل، لم يجد عمل، يبقى على المجتمع ابتداءاً من أقاربه القادرين الموسرين عليهم أن يقوموا بحق القريب المعسر {وآت ذا القربى حقه..}[الإسراء:26]، {..واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام..}[النساء:1]، {..وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ..} [الأنفال:75]. وبعدين المجتمع، كل مجتمع، حي من أحياء المجتمع هو متكافل بعضه مع بعض، يعني " ليس منّا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع "، فالجيران بعضهم مع بعض متكافلون. حقّ المضطر، لا يجوز أن يكون هناك في المجتمع إنسان مضطر، ابن حزم يقول لك لا يصحّ أن المسلم نقول له كُلْ الميتة، وناس عندهم أموال في... يأكل الميتة ليه؟! ده يقاتل من أجل هذا، يقاتل من عنده المال ولا يأكل الميتة، وبعدين لو قاتل الشخص وقتله يقول لك هو في النار لأنه طائفة باغية، وإذا قُتل هو فهو شهيد لأنه قُتل دون دمه ودون نفسه. فالإسلام له منهجه في الإعلاء من مستوى الفقراء، تقريب المستويات بعضها من بعض. القرآن يقول في توزيع الفيء {..كي لا يكون دولة بين الأغنياء..}[الحشر:7]، {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل..}[الحشر:7] ليه يعطي هذه الفئات المحتاجة الضعيفة المسحوقة في المجتمع؟ {..كي لا يكون دولة بين الأغنياء ..}[الحشر:7]، حتى لا يصبح المال متداول بين الأغنياء، والفقراء بمعزلٍ عنه. وأخصّ ما يميّز الرأسمالية أن المال دولة فيها بين الأغنياء، يعني لو قلت ما هي الرأسمالية؟ هي النظام الذي يصبح المال فيه دولة متداولاً بين الأغنياء دون الفقراء، والإسلام لا يريد هذا، يريد المال يُتداول بين الجميع، لأنه مال الله لعباد الله في أرض الله.

عثمان عثمان: لعلكم بحديثكم هذا فضيلة الدكتور والذي أفضتم فيه رسمتم معالم أساسية في العدالة الاجتماعية التي رسمها الإسلام. طبعاً لنا إن شاء الله متابعة حول موضوع المساواة بين المرأة والرجل، بعد أن نأخذ فاصلاً قصيراً. فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.



[فاصل إعلاني]

الفرق بين العدل والمساواة

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، والتي هي بعنوان العدل ومجالاته، مع فضيلة العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي كنت... إعلان حقوق الإنسان يتحدّث عن المساواة. وعندما يتم الحديث عن المرأة أيضاً، يتم الحديث عن مساواتها مع الرجل. هل هناك من فرقٍ بين العدل والمساواة؟

يوسف القرضاوي: نعم العدل قيمة مطلقة، ما فيش عدل ناقص وعدل كامل. إنما المساواة ليست قيمة مطلقة، المساواة بين المتفاوتِين، بين المختلِفين، هل دي محمودة؟ هل تسوّي بين الذكي والغبي؟ هل تسوّي بين النشيط والكسلان؟ هل تسوّي بين المحسن والمسيء؟ لأ، هذا نحن نقول في قواعدنا في الشريعة الإسلامية، من عدل الشريعة أنها لا تفرّق بين متساويين ولا تسوّي بين مختلفَين، لأنه إذا ساويت بين مختلفين هذا ليس عدلاً، هذا ظلم، اثنين مختلفين تسوّي بينهم إزّاي؟! كي تسوّي بين واحد بيشتغل وواحد كسلان، وتعطيهم أجر واحد؟! ولذلك القرآن يقول {..هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ..}[الزمر:9]، {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ..}[غافر:58]، {..أم نجعل المتقين كالفجار}[ص:28]، لا يمكن. فالتسوية بين المختلفين ليست عدلاً، هي ظلم. فلذلك المساواة المطلقة غير معقولة. كيف تسوّي بين الناس وهم مختلفون في القدرات، يعني تساوي بينهم في الواجبات؟ لأ، إذا كانوا مختلفين في القدرات كيف تسوّي بينهم؟!

عثمان عثمان: في الواجبات.

يوسف القرضاوي: ولذلك الإسلام قال {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج..}[النور:61]، ولذلك خفّف عن المريض، أجاز له أن يتيمّم بدال ما يتوضّأ، أجاز يصلّي قاعداً ويصلّي مستلقياً على ظهره، ويفطر في رمضان، لأنه ليس المريض كالصحيح. لا تسوّي بين الناس وقدراتهم مختلفة، لا تسوّي بينهم في الحقوق إذا كانوا مختلفين في الواجبات، كيف تسوّي بين.. كل حقّ يقابله... طيب واحد عليه واجبات كثيرة إزّاي تعطيه؟ ولذلك المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، كما الآن هم يحاولون الآن في الأمم المتحدة ومؤسساتها أنهم يحاولون، مش يعملوا مساواة، تطابق بين الرجل والمرأة. فيه اتفاقية معروفة اسمها اتفاقية السيداو، إزالة جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة. إذا كان ربّنا خلقهم جنسين، {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى}[النجم:45]، ده ذكر وده أنثى، حتى تكوينه الجسدي مخالف لهذا، لأنه هذا له وظيفة في الحياة، دي ليها الأمومة وده له الأبوّة، دي تحمل وتلد، والرجل لا يحمل ولا يلد، ولذلك تكوينهم العصبي مختلف وتكوينهم الجسدي مختلف، فلا يمكن التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة. إنما العدل مطلوب بين الجميع. ولذلك القرآن لما ذكر قضية تعدد الزوجات جاء بها في سياق العدل، كان يتحدث عن العدالة في اليتامى. كان أهل العرب الجاهلية يتحرّجون من ظلم اليتامى، ولا يتحرّجون من ظلم النساء، فكان حتى الواحد منهم إذا كان عنده يتيمة يخاف أنه يتزوّجها وعندها مال فيظلمها ويجور عليها في مالها، فكان بعضهم يسأل طيب يعني أعمل إيه؟ فربّنا قال لهم يا أخي إذا كنت متخوّف من أنك ستظلمها في مالها، اترك هذا، متحرّج من هذا، روح المجال الذي لا حرج فيه، ربّنا أباح لك تتزوّج بدل الواحدة، اثنين وثلاثة. {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى..}[النساء:3]، إن خفتم أن تجوروا على يتامى الناس في أموالهن، عندك متّسع، {..فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة..}[النساء:3]، وجاء في ضمنها عملية التعدّد وشرط التعدّد. فهذا تفسير. فيه تفسير آخر، لأ، يقول أن هم كانوا يتحرّجون من ظلم اليتامى ولا يتحرّجون من ظلم النساء، فقال لهم كما خفتم ألاّ تُقسطوا في اليتامى وتحرّجتم من هذا وتأثّمتم، ينبغي أن تتحرّجوا وتتأثّموا في حقوق الناس. أنتم تتزوجوا بدل الواحدة عشرة، فبغير حد ولا عدد، من غير قيد في العدد وتتزوجوا وحتى لو كان أنتم مش واثقين من العدل، يتزوّج قادر، غير قادر، عادل، غير عادل، يتزوّج. فقال لهم لأ، كما تتحرّجون من عدم العدل في اليتامى، يجب أن تتحرّجوا من عدم العدل في النساء وفي حقوق النساء وفي تعدّد الزوجات، {..فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا..}[النساء:3]، وهنا معناها أن المسألة مقصود يعني مش آتية تبعاً، في التفسير الأول آتية تبعاً، هنا لأ، آتية قصداً وأساساً، {..فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة..}[النساء:3].



العدل مع الزوجات والأبناء

عثمان عثمان: يعني هنا سؤال، فضيلة الدكتور. هل موضوع العدل بين الزوجات، الذي يعدّد بين الزوجات، هل تعدّد الزوجات مرهونٌ بتحقيق العدل بينهن؟

يوسف القرضاوي: آه، بالتيقّن، بالتأكّد، بالثقة الكاملة، بحيث أنه إذا خاف، يقول {..فإن خفتم ألا تعدلوا..}[النساء:3] اِبقى اِبعد يا أخي، إذا كنت خايف أنك مش حتقدر تقوم بهذا الأمر، اِبعد عنه، لازم يكون عندك ثقة من نفسك بالعدل. التعدد له شروط، أن يكون قادراً على النفقة، قادراً على أن يؤدّي حقوق المرأة، واثقاً من نفسه بالعدل، وإلاّ يبعد عن هذا الشر، {..فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ..} [النساء:3]. والعدل هنا، حتى نحقّق في الموضوع، لأن بعض الناس يقول لك، القرآن قال {..فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ..}...

عثمان عثمان (مقاطعاً): وقال، ولن تعدلوا..

يوسف القرضاوي (متابعاً): وفي آية أخرى، قالت {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم..}[النساء:129]، فكأن القرآن يبني هنا ويهدم هنا، هذا {..ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}[النساء:82]، هذا لا يُقال في كتاب يصدّق بعضه بعضاً، ويفسّر بعضه بعضاً. العدل المنفي في آية {.. ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ...}، هو العدل المطلق، الكامل، العدل في العواطف، العدل في الميول الجنسية، في العدل.. وهذا لا يستطيعه بشر. النبي عليه الصلاة والسلام كان يعدل بين نسائه، يعني في الأكل، في الشرب، في الكسوة، في السكن، في المبيت، في هذه الأشياء الظاهرة، ويقول "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك "، يعني أمر القلب. يعني مش ضروري يحب هذه مثلما يحب هذه، واحدة يحبّها أكثر.. هذا أمر يتعلّق بالقلوب، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. إنما جاب لدي شيء، يجيب للتانية مثله، وهكذا. فهذا هو العدل الذي ربط الله به هذا التعدّد.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، ولكن البعض ربما يقول، إذا كان لا يستطيع أن يعدل في قلبه، وهو بيد الله عزّ وجلّ، ألا ينعكس هذا، عدم العدل في قلبه، في واقع الحياة ربما؟

يوسف القرضاوي: لأ، ما هوش شرط. هو إذا كان حريص على العدل، ما يملكه سيعدل فيه، وما لا يملكه هذا بيد الله. إنما يقدر يعدل في الأشياء ديّ، جاب لدي كيلو لحمة، يجيب لدي كيلو لحمة، يعني ما الذي يمنعه من هذا؟ جاب لدي فستان، يجيب لدي فستان، يستطيع هذا ولاّ لا يستطيع؟ إذا كان حريص على العدل، فهو في الأمور الظاهرة قادرٌ عليها، إنما في العواطف لا يقدر عليها.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، من مجالات تحقيق العدل التي أمرت بها السنّة النبوية أيضاً، العدل بين الأولاد. كيف يتحقّق هذا العدل؟

يوسف القرضاوي: نعم هذا العدل في الأسرة. كما أمر الله بالعدل بين الزوجات، أو بين الزوجتين فأكثر، أمر بالعدل بين الأولاد، فلا يجور على بعض الأولاد لحساب بعضهم. يعني بعض الناس مثلاً يجور على الإناث من أجل الذكور، يجور على أولاد امرأة من أجل أولاد امرأةٍ أخرى، لأ، الإسلام يقول لأ. اعدل بين أولادك. كانت إحدى الصحابيات عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير، زوجة بشير بن سعد، أرادت من بشير أن يخصّ ابنها النعمان بحديقة أو هدية معيّنة، وبعدين قالت له.. فأعطاه الحديقة، قالت له روح أَشْهِد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، أحبّت توثّق هذا الأمر، فقالت له أَشْهِد على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فراح قال له يا رسول الله، عمرة قالت لي كذا، ونريد أن تشهد على هذا، قال له يا بشير أكلَّ أولادك نَحَلْتَهم مثل هذا؟ كل أولادك أعطيتهم مثل ما أعطيت النعمان؟ قال لا يا رسول الله، قال فأَشْهَد على ذلك غيري، فإني لا أشهد على جَوْر، أتحبّ أن يكونوا لك في البرّ سواءاً؟ قال نعم، قال فاعدل بينهم. فهكذا يجب.. حتى كان السلف يعدلون بين أولادهم في القُبُلات، مش بس في الأموال، يعني لما يقبّل أحد الأولاد، يبوسه، الأولاد الصغار، يبوس الثاني، ما يقولش ده جاهل ما بيفتهم، لأ الصغير بإحساسه الفطري إذا شاف أبوه يحتضن أخوه الصغيّر والثاني لأ، يعني يكبت هذا في نفسه، يعمله عقدة. والقرآن ذكر لنا قصة فيها عبرة، قصة سيدنا يوسف، حينما سيدنا يعقوب أعطى ليوسف وأخيه من الحُب وأظهر ذلك أكثر مما أعطى سائر إخوانه، كانت النتيجة أن إخوانه حسدوا يوسف، وقالوا اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه أبيكم. هذه العدالة بين الأولاد بقدر ما يستطيعه الأب.



العدل مع العدو وغير المسلم

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما لدينا بعض أو الكثير من المحاور لا أدري إن كنّا نستطيع أن نستوعبها أم لا، لذلك نتمنى عليكم الإيجاز قدر المستطاع. نتحدث، بعد أن تحدثنا عن العدل الأُسَري بين الزوجات، بين الأولاد، نتحدث عن العدل بين الناس. الله سبحانه وتعالى يقول {..ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ..}[المائدة:8]. كيف يكون العدل مع المخالف، مع الخصم ونحوه؟

"
الإسلام أمر بالعدل مع الموافق ومع المخالف، لأنه من الأشياء التي تضرّ بالعدل أن تحب الشخص فتحابيه وتعطيه أكثر من غيره، أو تكره الشخص فتجور عليه
"
يوسف القرضاوي: الإسلام أمر بالعدل مع الموافق ومع المخالف. لأنه من الأشياء التي تضرّ بالعدل، أن تحب الشخص فتحابيه وتعطيه أكثر من غيره، أو تكره الشخص فتجور عليه. الإسلام يقول لك لأ، مع من تحب اعدل، مع من تكره اعدل. {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ..}[النساء:135]. مع من تحب كن قوّاماً بالقسط. وشوف كلمة قوّاماً بالقسط، يعني في أقسط، في قوم بالقسط، في كن قائماً بالقسط، في كن قوّاماً بالقسط، يعني تأكيد بعد تأكيد، ولو على أنفسكم.. وبعدين مع من تكره {... ولا يجرمنكم شنآن قوم ..} معنى الشنآن يعني إيه؟ شدة البغض والكراهية، سواءاً الكراهية هم يكرهونك أو أنتم تكرههم، {... ولا يجرمنكم ..} لا يحملنّكم الكراهية هذه والعداوة على أن تظلموا الآخرين، مهماكان الكره ينبغي أن يكون العدل للجميع.

عثمان عثمان: وماذا عن العدل مع الكافر، المسالم وغير المسالم؟

يوسف القرضاوي: حتى الكافر. القرآن أنزل تسع آيات في سورة النساء تدافع عن يهودي اتُّهِم ظلماً بالسرقة. وكاد النبي يصدّق الجماعة اللي قالوا له أن اليهودي هو اللي سرق، مع أن اللي سرق أحد المسلمين من الضعفاء، ضعفاء الإيمان، وجاء في ذلك قول الله تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما } [النساء:105]، محامياً عنهم، {.. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما(106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما(107)}[النساء:106-107]، إلى آخر الآيات ده كلها، دفاع عن يهودي اتُّهِم ظلماً. سيدنا عبد الله بن رواحة كان النبي عليه الصلاة والسلام يبعثه ليَخْرِص على اليهود نخيلهم. يخرصها يعني إيه؟ يقدّر النخلة ده فيها كم قنطار من التمر أو من البلح، فاليهود أحبّوا أن يرشوه، فقال لهم أترشوني يا أعداء الله، والله لأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ورسول الله أحبّ إليّ من نفسي، ولكنّي لا أجور عليكم مثقال ذرّة. أنا ما بحبّكُمش إنما لا يمكن أظلمكم مثقال ذرّة، فقالوا هذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. فسواءاً، حتى المسلم مع غير المسلم لازم يعطيه.. الله تعالى يقول {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ..}[الممتحنة:8]، تقسطوا إليهم، يعني تعدلوا معهم، {..إن الله يحب المقسطين}[الممتحنة:8]. حتى المحارب اللي بيحاربك لا تظلمهم، يعني لا يجوز أن تقتل إلا من يقتلك، لا تقتل الرهبان في الصوامع، لا تقتل الحُرّاث الزُرّاع في أرضهم، لا تقتل التجّار في متجارهم، لأن هذا ظلم، حتى وإن كان أهلهم يحاربونك.



العدل في القضاء

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور من العدل بين الناس إلى العدل في القضاء. يعني عندما نتحدث عن العدل، أكثر ما يُطلب في القضاء بين الناس. هنالك حديث كثير وكثيف عن العلاقة بين النظام السياسي والقضاء، حتى قِيل إذا دخلت السياسة إلى قصر العدالة، خرج العدل. كيف يتجلّى العدل في القضاء ومتى يكون القاضي عادلاً؟

يوسف القرضاوي: يكون القاضي عادلاً إذا عرف القانون الذي يحكم به. يعني إذا كان قاضي يحكم بالشريعة لازم يعرف الشريعة لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال، " قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة "، القضاة ثلاثة اثنين في النار ... واحد عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، واحد عرف الحق فقضى بغيره فهو في النار، واحد جهل الحق فقضى، حتى ولو قضى بالحق جهلاً، هو في النار، لأنه لم يعطِ الأمر حقه من العلم. فلازم يعرف القانون الذي يقضي به، ولازم يقف عند حدود الله ويقضي بالحق، لا يحابي ولا يتحيّز، حتى ولو كان أقرب الناس إليه، حتى ولو كان الخليفة، الحاكم، الملك، الأمير، يحكم. بعض قضاة المسلمين حكموا ضد الخلفاء، حتى القاضي شُريح حكم ضد سيدنا علي بن أبي طالب، وكان خصمه نصرانياً، حكم له في درع، طلب من سيدنا علي بيّنة ما لقاش، فحكم له، وبعدين الراجل قال ده هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يأخذني لقاضيه، قاضيه يحكم على أمير المؤمنين لحساب نصراني، هذه أحكام.. أشهد أن لا إله إلا الله وأن.. فكان هذا، الأصل استقلال القضاء، أن القاضي لا يتدخل أحدٌ فيه.. صحيح الخليفة أو الإمام هو اللي يعيّن القاضي، إنما بعد ما يعيّنه لا سلطان له عليه. ولذلك كثيراً ما يكون القضاء هو الذي يحمي المجتمع. نحن نرى في بلد زي مصر، كثيراً ما وجدنا القضاة يحكمون أحكام ضد البرلمان، ويحكم ببطلان الانتخابات، ويحكم ضد وزير الداخلية، ضد وزير المالية، ضد كذا.. يعني هذا هو السياج الذي يحمي المجتمعات، فلازم نوفّر للقاضي الطمأنينة، بحيث لا يخاف من أحد، إنما إذا كان الحاكم يستطيع أن يمدّ يده إلى القاضي، يستطيع أن يعزل القاضي، يستطيع أن يحرمه من العلاوة، يستطيع أن ينقله من بلد إلى بلد ويشرّده، هنا لا يكون الإنسان مطمئن. من المهم أن يكون الإنسان مطمئن إلى القضاء، ويُقاضى عند قاضيه الطبيعي، مش مثلاً تأخذ المدني تحاكمه عسكرياً، المحكمة العسكرية الأصل بها محاكمة العسكريين، ولها قوانينها الخاصة ولها إجراءاتها الخاصة، تأخد المدنيين تحاكمهم محاكمة عسكرية حتى لا يكون عندهم قدرة على الدفاع، وعلى كذا ولا يستطيع أن يستأنف الحكم ولا أن ينقضه. هذا.. القضاء هو سياج العدالة في المجتمع. الشاعر العربي يقول:

إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض داهن في القضاءِ

فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماءِ

عثمان عثمان: سماحة، فضيلة الدكتور اسمح لي أن أورد كلاماً لأبي يوسف في كتاب الخراج، ومن ظُنَّ به أو تُوهِّمَ عليه سرقةٌ أو غير ذلك، فلا ينبغي أن يُعزّر بالضرب والتوعيد والتخويف، فإن من أقرّ بسرقةٍ أو بحدٍّ أو قتلٍ وقد فُعل به ذلك، ليس إقراره ذلك بشيء، ولا يحلّ قطعه ولا الأخذ به بما أقرّ. أين هذا من واقع التعذيب الذي يُمارس في بعض السجون؟ والاعترافات التي تُنتَزع تحت هذا التعذيب؟

يوسف القرضاوي: للأسف قال الإمام أبو يوسف ذلك في القرن الثاني الهجري، وقال ذلك في كتابٍ كتبه لأمير المؤمنين هارون الرشيد، كتاب الخراج، قال هذا وأنكر أن تُؤخذ الاعترافات بإيذاء الناس وتعذيبهم. ونحن في القرن الخامس عشر الهجري، أو القرن الحادي والعشرين الميلادي ونرى الناس يقعون تحت التعذيب، للأسف، ليقرّوا بما لم يفعلوا، تحت سطوة العذاب، وأيّ عذاب؟ الآن عصرنا تفنّن في أدوات التعذيب، عن طريق الأنظمة الشيوعية..

عثمان عثمان: الدكتاتورية..

يوسف القرضاوي: والأنظمة الفاشية والنازية وغيرها، تفنّنت في أنواع، بالكهرباء، وغير الكهرباء، وبالأشياء.. وآخر الأشياء ما وجدنا في سجن أبو غريب في العراق، وما وجدناه في سجن غوانتانامو. أمريكا أم الحرية والداعية إلى الحرية والداعية إلى الديموقراطية، فعلت الأفاعيل بهؤلاء الناس وأخذتهم، سدّت آذانهم وأعينهم وغطّتهم وأخذتهم، يعني شيء عجيب، في القرن الحادي والعشرين وعلى هذا الأساس تُؤخذ الاعترافات، تحت سطوة العذاب، تحت نيران التعذيب، تحت الكهرباء، تحت هذه الأشياء.. بعض الناس ماتوا تحت السياط، قُتلوا. يعني لما كنا في السجن الحربي رأينا ناس قُتلوا في السجن ولُفّوا في البطاطين وأُخذوا في صحراء العبّاسية ودُفنوا فيها، ومن هؤلاء أحد إخواني من زملائي خرّيج كلية الشريعة من علماء الأزهر، الأخ محمد الصوابي الديب، ظلّ يُعذّب حتى أصبح جسمه قيحاً وصديداً، ما كانوا يعرفوا يشيلوه، يحطّوه في عربة الزبالة ويجرّون.. هذا هو للأسف القرن العشرين والواحد والعشرين، ويُقال نحن في عصر الحريات وفي عصر حقوق الإنسان.

عثمان عثمان: تحدثتم عن استقلالية القضاء، وهو شرطٌ أساسي لعدل القاضي. فضيلة الدكتور، طبعاً هذا يُسمى بالفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية. كيف يحقّق القاضي العدل وهذه السلطات متداخلة ربما، وخاصةً في الأنظمة الدكتاتورية والأنظمة الاستبدادية؟

"
الأنظمة الدكتاتورية والأنظمة الاستبدادية لا يعوقها شيء، لأن القوانين تلعب بها، حتى لو وقف قانون ضدها ستغيّر القانون، وتستطيع أن تعطّل القانون بأحكام الطوارئ، والأحكام العرفية
"
يوسف القرضاوي: الأنظمة الدكتاتورية والأنظمة الاستبدادية لا يعوقها شيء، لأن القوانين تلعب بها، تغيّر القوانين حتى. لو وقف قانون ضدها، ستغيّر القانون، ما أسهل أن يتغيّر القانون، تستطيع أن تعطّل القانون بأحكام الطوارئ، والأحكام العرفية. بعض الناس، بعض البلاد لها عشرات السنين محكومة بأحكام عرفية، الحاكم يعطّل القانون. المحكمة، الشخص يُحاكم أمام المحكمة المدنية العادية، أو المحكمة الجنائية العادية، والمحكمة تحكم له بالبراءة، خمس قضاة ولاّ سبع قضاة حكموا له بالبراءة، المحكمة تحكم له بالبراءة من هنا، والسلطة التنفيذية تأخذه في الحال إلى المعتقل، لأنها لا تبالي بحكم المحكمة، عندها أحكام عرفية تعطيها إطلاق اليد لتفعل ما تشاء، فهذه هي المشكلة. الدكتاتور لا يحتاج إلى.. لا تقيّده قوانين ولا تقيّده أخلاق، ولا يقيّده دين، لأنه يفعل ما يشاء وكأنه إلهٌ لا يُسأل عمّا يفعل..

عثمان عثمان (مقاطعاً): فضيلة الدكتور، العدل ومجالات العدل موضوعٌ واسعٌ يحتاج ربما إلى حلقات، ولكن ينتهي بنا المطاف عند نهاية هذه الحلقة. أشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. لكم تحية من معدّ البرنامج معتز الخطيب، ومنصور الطلافيح المخرج، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله. إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.