- الفقه السياسي في تولي الحكم والتعامل مع الحاكم
- مسائل في الفقه السياسي وعلاقته بالاستبداد
- دور العالم والمؤسسة الدينية في مواجهة الاستبداد

 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. من المهمات الرئيسية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم {..ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم..}[الأعراف:157]. والاستبداد مصدر كثير من الأغلال على العقل والنفس والحياة، وهو تصرف فرد أو جماعة في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف، وهو صفة للحكومة التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب. وفي التاريخ نجد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول، وهو الخليفة الراشد، "إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم، فإنني واحد منكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هواي فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده فما أريد به إلا الحق" لكن حاضرنا ليس كذلك، فقد حوصر مسلموا اليوم في تقليد نظم السلطة الأميرية إما ملكية أو برلمانية أو رئاسية تقليدا للغرب الذي استعمر معظم هذه البلاد تقليدا صوريا، لأن ولاية الأمر العام في سلطان المسلمين يغلب عليها اليوم الجبروت ملكية كانت أو جمهورية أو غير ذلك. فهل للاستبداد جذور دينية؟ ولماذا لم تتحول الشورى الإسلامية إلى ثقافة عامة وملزمة؟ وكيف نطور فقهنا السياسي ونستعيد الرشد؟ الإسلام وجذور الاستبداد موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

الفقه السياسي في تولي الحكم والتعامل مع الحاكم

عثمان عثمان: بداية نجد أن الفقه السياسي الإسلامي قد ضيق كثيرا في مسألة الخروج على الحاكم حتى لتبدو ولاية الحاكم ولاية أبدية وكأنها قدر من الله تعالى، لماذا؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد، فقد جاء الإسلام في أحكامه وشرائعه بكل ما يصلح العباد في المعاش والمعاد على حد تعبير الفقهاء. الشريعة الإسلامية تضمنت مصلحة البشر في دينهم ودنياهم. ليس لله مصلحة ولا منفعة في أي حكم من الأحكام، إنما كل المصالح تعود على الخلق أنفسهم. ومن هذه المصالح، المصالح السياسية، ما شرعه الله في المجال السياسي من أحكام إنما أراد به أن يقيم الحق ويثبت العدل ويحفظ الكرامة ويرعى للناس حقوقهم. ومن أجل هذا شدد في مسألة الخروج على الحاكم، أعني بالخروج هنا الخروج المسلح، فإن هذا مفتاح للفتنة والتفلت وربما أريقت الدماء وأزهقت الأرواح ودمرت المنازل والأموال إذا فتح الباب على مصراعيه وأصبح كلأ مباحا يرعاه كل من غضب على حاكم حمل السيف وخرج عليه، لا، الإسلام يعني هنا لا يرضى بثقافة الخنوع والذل للحكام، لا، ولكنه أيضا لا يرضى بأن كل واحد يزعل من واحد يعمل ثورة مسلحة لأن هذا يهدد بعدم الاستقرار ويفتح بابا لتدخل الغير والأجانب في شؤون البلاد. ومنذ عهد الصحابة وجدنا من خرج على الحكام ابتداء من سيدنا الحسين السبط، الحسين بن علي رضي الله عنهما خرج على يزيد في ثورته المعروفة، صحيح لم يستطع أن يزيل الباطل ويقيم الحق كما... ولكن قام من أجل هذا واستشهد في سبيل الله. وقام من بعده، هو سيدنا الحسين قام يزيد خرج عليه، قام من بعده على مروان وبني مروان عبد الله بن الزبير، يعني أول صحابي ولد في المدينة في الإسلام، وهو صحابي وابن صحابي، هو صحابي وأبوه صحابي وجده صحابي، فقام على هؤلاء وبويع بالخلافة وظل ينادى أمير المؤمنين يعني تسع سنوات. فحدثت ولكن لم يستطع أحد منهم أن يزيل الطغيان كما كان يريد وأن يقيم الحق الذي كان ينشده. فمن أجل هذا يعني جاءت الأحاديث تشدد في هذه العملية، ونحن في عصرنا رأينا العنف الذي استخدمته الجماعات الإسلامية التي رأت أن الحكام المعاصرين كلهم كفرة ويجب أن يحاربوا ومن أجل ذلك استعملت العنف واستعملت الدم والحديد والنار في مقاومة هؤلاء الحكام، جماعة الجهاد في مصر، والجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية والقاعدة، وهؤلاء الأشياء، هل حققوا ما أرادوا؟ لم نرهم حققوا شيئا، بالعكس سالت دماء ودمرت منازل وأهدرت أموال وفي النتيجة الآن الجماعة الإسلامية أصدرت 12 كتابا تراجع فيها هذا الماضي العنيف وترى أنها أخطأت وعندهم من هذه الكتب كتاب اسمه "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء" الجهاد ضد الحكام. ومن هنا كان تشدد الإسلام في مسألة الخروج على الحكام، الخروج بالسلاح على الحاكم.

عثمان عثمان: ربما هذا الكلام، فضيلة الدكتور، يقودنا إلى سؤال آخر، يعني كيف استقر في الفقه السياسي الإسلامي أن الوجوه الشرعية لتولي الحكم هي إما الوراثة أو التغلب أو البيعة؟ يعني ألم يكن هذا موضع نقاش وحوار وجدل؟ أم أن الاستقرار هنا مقدم يعني؟

يوسف القرضاوي(مقاطعا): هو يعني المفروض يقال بالعكس كده، مش البيعة آخر شيء، الأصل البيعة. الأصل في الحكم الإسلامي أن يكون بالبيعة والتراضي، أهل الحل والعقد يختارون الحاكم ويبايعون ثم يبايعه عامة الناس، عامة المؤمنين...

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هنا دكتور لم نقصد الترتيب..

يوسف القرضاوي (متابعا): وبعدين تأتي عملية الوراثة، أنه الواحد يجعل ولي عهد ويعمل وهكذا، تأتي هذه الوراثة التي منذ بدأت أصبح الحكم ملكا عضودا. كان هناك خلافة راشدة، الخلافة الراشدة ليس فيها وراثة، يعني سيدنا أبو بكر ما ورثش لواحد من بني تيم، وعمر لم يورث الملك لأحد من بني عدي، وعثمان لم يورث الملك لأحد من بني أمية وهكذا، فكانت الخلافة الراشدة ليست كسروية ولا قيصرية، المسلمين هم الذين يختارون. لما حدثت مسألة أن الواحد يورث بنيه انحرفت الخلافة الراشدة عن الملك العضود كما جاء في بعض الأحاديث وبعض الأحاديث سمته ملك الجبرية أو الجبرية في الإجبار والقهر.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، طبعا نحن لم نقصد الترتيب هنا إنما كنا نقصد لماذا انحصر تولي الحكم بهذه القضايا الثلاث؟

"
الفقه الإسلامي فقه واقعي ليس فكرا مثاليا يحلق في أجواء الخيال
"
يوسف القرضاوي (مقاطعا): يعني هذا هو الواقع، هذا هو الواقع. الحكم يعني إذا استقر ماذا يفعل إذا تغلب حاكم؟ قام عبد الملك بن مروان وحارب عبد الله بن الزبير وانتصر عليه ودانت له البلاد شرقا وغربا، وجاء الصحابة وبايعوه حتى عبد الله بن عمر وأنس بن مالك والناس الصحابة رضوا بهذا الحكم حتى يستقر الأمر ولا يظل الباب مفتوحا للدماء تراق باستمرار، هذا هو الواقع... انظر إلى ما حولنا، كل الحكومات والدول التي حولنا إما بالبيعة والشورى وهو القليل، وإما عن طريق التغلب انقلابات عسكرية قامت في بعض البلاد واستولت على الحكم وأصبح.. يعني حتى القوانين فيها حاجة اسمها الفقه الثوري. يعني الفقه الثوري يقر إذا قامت ثورة وتغلبت على الدولة القائمة واستتب لها خلاص بيقول لك لها لها، لازم تستمر الأمور. فالفقه الإسلامي فقه واقعي ليس فكرا مثاليا يجنح في الخيال يحلق في أجواء الخيال ولا يرى الناس ماشيين على الأرض كيف يمشون، لا يعالج هذه، فاعترف بالمتغلب إذا دان له الناس ورضي به الناس وأصبح هو الذي يحكم ويأمر وينهى. وكذلك أمور الوراثة، يعني هذا هو الواقع.

عثمان عثمان: يعني بناء للواقع، هل يعطي الفقه الإسلامي الشرعية لما هو موجود يعني؟

يوسف القرضاوي: آه يعني إذا الشرعية إذا استتبت واستقرت وأصبحت تسير الأمور والناس ينقادون لها، لازم تعترف بهذا.

عثمان عثمان: يعني الاستقرار هنا مقدم على الحقوق يبدو؟

يوسف القرضاوي: لا، مقدم على الحقوق ولكن هناك حقوق لا بد أن تكون مع الاستقرار، يعني مش معنى الاستقرار أنني أهدر الحقوق، لا، أقر الواقع وأطالب بالحقوق، لا بد من الحقوق أيضا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، في سياق الحكم يقودنا يعني إلى أن نسأل عن الشورى الإسلامية، لماذا لم تتطور حتى تصبح مؤسسة؟ لماذا تحولت إلى معلمة غير ملزمة؟ أين الخلل برأيكم؟

يوسف القرضاوي: هو يعني هذا موقوف على نوعية الحكام الذين يحكمون. إذا كان هناك حاكم راشد. ما كان سيدنا عمر بن عبد العزيز جاء بعد عدد من خلفاء أو ملوك بني أمية، ولما جاء أعاد الشورى وأقرها وقال في أول خطبة له للناس، أيها الناس إنما أنا واحد منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملا، وفي بعض الخطب قال للناس، الأمر إليكم، إنتو اختاروا، قالوا اخترناك يا أمير المؤمنين، يعني أحب أن يأخذ هو، لأنه هو جاء عن طريق الوراثة، لأنه كان ولي عهد من قبله فأراد أن يرد الأمر إلى الناس، فالناس اختاروه. ولعله لو استمر به الحال وطالت مدته لأعاد الأمر شورى راشدية يعني كما كانت ولكن لم يسعفه القدر.

عثمان عثمان: يعني نرى الديمقراطية الآن قد أخذت شكل المؤسسة، الشورى لم تصل إلى هذه المرحلة خاصة في زماننا الحاضر أو المعاصر.

يوسف القرضاوي: هو لأن الشورى في ذلك الوقت العالم كله كان عالم استبداد، لعل الملوك والخلفاء المسلمين كانوا أفضل الناس الحكام في الأرض على ما بهم. يعني إحنا بننقد معاوية وننقد عبد الملك بن مروان وننقد هارون الرشيد وننقد هؤلاء ننقدهم، ولكنهم على ما بهم من علات كانوا أعدل الحكام يعني في الأرض.

عثمان عثمان: بالنسبة للحاكم، فضيلة الدكتور، هل في التراث الفقهي الإسلامي تحديد لأجل ولاية هذا الحاكم؟ ولماذا؟

يوسف القرضاوي: لا لم يوجد، لأنه كان العالم كله لا يوجد فيه تحديد لولاية حاكم، الحاكم كان يحكم أبد الدهر، كسرى أو قيصر أو غيرهم من الملوك كانوا يحكمون ما داموا أحياء وجاء الإسلام لم يجئ في الإسلام نهي عن تحديد المدة، لم يجئ أمر بأنه يجب أن يكون الحاكم مدى الحياة، لم يأت، هو الواقع اللي حصل هذا. فالواقع هذا أمر فعلي والفعل ليس فيه إلزام، حتى الفعل النبوي. يعني السنة الفعلية النبوية إذا حدثت تدل على مجرد المشروعية أن هذا أمر جائز، إنما هل هو لازم؟ ليس بلازم. صحيح الخلفاء الراشدين كلهم ما حددش لهم مدة وكانت في وقت حروب لمن حولهم، يعني سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان كانوا في حرب مع الدولة الرومية والدولة الفارسية والدولة الكذا، فكما يعني نقول الآن الأمر يقتضي أحكام عرفية أو أحكام طوارئ فلذلك لم يفكروا في أن يكون هناك مدة لولاية الحاكم. لعلهم لو استقر بهم الأمر ونظر هذا الأمر لفكروا فيه. فإحنا من حقنا الآن بعد أن رأينا من أن الحاكم الذي يستمر مدة طويلة إذا كان صالحا فبيكون للصلاح وإذا كان فاسدا تكون مصيبة على هذه الشعوب، يظل عبئا على ظهرها. ولذلك العالم كله استقر على أنه يعني ما يسمى تداول السلطة، يعني تذهب حكومة وتأتي حكومة، فهذا يعني يعطينا أيضا نحن الحق في أن نفكر، هل عندنا من ثوابت الشرع ما يمنعنا من هذا؟ لا أبدا لا يوجد عندنا، وكما قلت حتى السوابق النبوية ممكن مخالفتها. سيدنا عمر خالف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة خيبر، فتح خيبر وقسمها على الفاتحين، ولكن لما فتح العراق لم يقسم العراق على الفاتحين وفكر ورد آيات في سورة الحشر فاجعلوا أنه يجعل الأمر ليشرك فيه الأجيال كلها. وقال الإمام ابن قدامة، النبي عليه الصلاة والسلام فعل ما هو الأصلح في زمنه وعمر فعل ما هو الأصلح في زمنه، فلم يخالف النهج النبوي في هذا وإن خالفه في الناحية الجزئية لم يخالف المنهج. المنهج أن تبحث عن الأصلح للأمة، عما يقيم العدل في حياة الناس.

عثمان عثمان: ولكن يعني السؤال هل يمكن الحديث الآن عن وجوب تحديد، وجوب وليس جواز، تحديد ولاية الرئيس أو الخليفة أو الإمام؟

"
كل الأنظمة الجمهورية توجب تحديد مدة الحاكم ومع هذا من الناحية العملية نرى في كثير من بلادنا العربية الحاكم يمدد مدة الولاية مرة واثنين وثلاثة
"
يوسف القرضاوي: آه يمكن نعم. أنا أرى شخصيا الآن أنه الأصلح في الأنظمة الحديثة والأبعد عن الديكتاتورية أن يحدد للحاكم مدة من الزمن وإن كان الأنظمة الجمهورية توجب ذلك. كل الأنظمة الجمهورية توجب تحديد مدة الحاكم أو الرئيس أو.. ومع هذا من الناحية العملية نرى في كثير من بلادنا العربية الحاكم يمدد مدة الولاية مرة واثنين وثلاثة وأربعة ولا يكتفي بذلك...

عثمان عثمان (مقاطعا): ثم أصبحت...

يوسف القرضاوي (متابعا): يورثها يعني لأبنائه من بعده.

عثمان عثمان: صحيح نعم، أصبحت وراثية.

يوسف القرضاوي: فأصبحت جمهوريات وراثية، يعني الملكية ممكن تكون وراثية لأنه المفروض أنها ملكية دستورية والملك يملك ولا يحكم كما في إنجلترا وغيرها، إنما هذه جمهوريات وتورث يعني فهذا هو العجب.

عثمان عثمان: بهذا الإطار فضيلة الدكتور، دعني أسأل سؤال يعني قد يخطر على بال الكثيرين. عندما نتحدث عن أنظمة استبدادية، عن رؤساء جعلوا الحكم وراثة، ماذا عن قادة الحركة الإسلامية الذين بقوا فترة طويلة على رئاسة الحركة الإسلامية أيضا؟ لماذا لم يحصل هناك يعني تداول على رئاسة الحركة الإسلامية؟

يوسف القرضاوي: هذا كل، ليس الحركة الإسلامية، كل الأحزاب السياسية في منطقتنا يعني ظل رؤساؤهم رؤساؤهم، يعني في الوفد ظل النحاس باشا رئيس الوفد لحد ما مات النحاس أو لحد ما جاءت الثورة، لما أعيد الحزب بعد ذلك جاء فؤاد سراج الدين ظل هو إلى أن مات. للأسف، السائد في منطقتنا أن الشخص يظل هو على.. وإن كان النظام مثلا في الأخوان المسلمين النظام عندهم أنه المرشد ينتخب، لا أذكر هل أربع سنوات أو ست سنوات، ممكن يجدد له مرة واحدة، ولكن من الناحية العملية يعني لا تجد هذا، وربما لأن الأخوان مثلا في بلد كمصر ليس لهم وجود رسمي فلا يستطيعون أن يجتمعوا ليغيروا المرشد اللي بيعمل.. أكبر واحد سنا بيظل هو المرشد إلى أن يموت وهكذا.



مسائل في الفقه السياسي وعلاقته بالاستبداد

عثمان عثمان: طبعا يعني هذا لا ينطبق على الأخوان في مصر فقط، ينطبق على كل الحركات الإسلامية إجمالا في سائر العالم الإسلامي فضيلة الدكتور. لو أردنا الآن أن ننظر إلى الفقه السياسي الحالي، ما تقييمكم له؟ يعني أليس هناك من مسائل لم تستوف حقها من النقاش والبحث، هي بحاجة إلى مزيد من هذا النقاش؟

يوسف القرضاوي: هو الفقه السياسي ظل راكدا يعني قرونا طويلا، والفقه عامة، يعني الفقه عامة ظل يغلب عليه التقليد والجمود، ولكن في كل فترة من الفترات يظهر واحد يجتهد وإن لم يدع الاجتهاد. حتى في العصور المتأخرة ظهر الإمام الدهلوي في الهند والإمام الصنعاني في اليمن والإمام الشوكاني في اليمن، ظهر مجتهدون، وقبلهم ظهر أناس، ذكرنا قبل ذلك الإمام السيوطي الذي يعني كتب رسالته "الرد على من أخلد إلى الأرض وأنكر أن الاجتهاد في كل عصر فرض" هذا كان الفقه بصفة عامة. الفقه السياسي أيضا كان أظهر فيه هذا الجمود، لأن الحياة السياسية ما كان فيها تغيير، النمط السائد هو النمط السائد. يظهر أحيانا بعض الأشخاص مثل الإمام إمام الحرمين الجويني ظهر بكتاب رائع اسمه "غياث الأمم في التياث الظلم"، الغياث كتاب مشهور في الفقه السياسي له فيه نظرات يعني جديدة وله فيه نظرات جريئة، يعني بيظهر هذا ما بين الحين والآخر. المهم الآن، منذ عصر النهضة بدأ الفقهاء يتحدثون في الفقه السياسي، الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ أبو زهرة، كل العلماء الذين عنوا بفقه الدولة يعني في الإسلام تحدثوا عن الفقه السياسي، تحدثوا عن حقوق الإنسان في الإسلام، عن حقوق الأقليات، عن حقوق المرأة، عن ترشيح المرأة، عن هذه الأمور كلها، وكتبت في ذلك كتب، الدكتور محمد فتحي عثمان، الدكتور محمد سلام مدكور، كثير من هؤلاء، الدكتور عبد الكريم زيدان ويعني الفقير إليه تعالى يعني ساهم يعني بنصيب في هذه النواحي. لا نقول إن كل شيء غطي تماما ولكن كل الموضوعات طرحت ونوقشت وفي بعضها نضج وصل إلى مرحلة النضج وبعضها لا يزال، وما دام الباب مفتوحا سنصل في النهاية، إنما كل القضايا مفتوحة للنقاش.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طرحت في مرحلة تاريخية ونسبت إلى الإمام محمد عبده مقولة المستبد العادل. أنتم في إحدى حلقات الشريعة والحياة قلتم إن المستبد لا يكون عادلا، هل...

يوسف القرضاوي (مقاطعا): والعادل لا يكون مستبدا. المستبد لا يكون عادلا والعادل لا يكون مستبدا.

عثمان عثمان (متابعا): برأيكم هل الأمر يرجع في الفقه السياسي إلى فرد واحد تقيده الشريعة؟ أم يرجع إلى جماعة؟

يوسف القرضاوي: من نظر إلى اللفظ القرآني يجد أن القرآن يقول {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..}[النساء:59]، ما قالش ولي الأمر، أولي الأمر، فاعتبر أولي الأمر جماعة ولذلك فسر الإمام محمد عبده وفسر الشيخ العلامة رشيد رضا في تفسير المنار هذه أولي الأمر بأنهم أهل الحل والعقد الذين هم يختارون الحاكم أو الخليفة أو الإمام أو الرئيس أو الأمير، سمه ما تسميه، هم الذين يراقبونه ويحاسبونه ويقومونه إذا اعوج، بل يعزلونه إذا انحرف وأصر على الانحراف، هؤلاء الأصل في هذا فليس الأمر فردا واحد. الآن أصبح عندنا الفردية هي المسيطرة على كل شيء إنما الواقع أن الأصل أن الأمة هي التي تحكم والأمة هي ولية نفسها، لها الولاية على نفسها وهي التي تختار من يحكمها وتراقبه، الأصل في الإسلام هذا. وهذا ما رأيناه يعني من سيدنا أبي بكر أول ما عين خليفة وخطب ما نسميه في بعض المصطلحات خطبة العرش أول خطبة، أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي، الضعيف فيكم هو القوي عندي حتى آخذ الحق له والقوي فيكم هو الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وهكذا، فرد الأمر إلى الأمة.

عثمان عثمان: يعني مما يتصل بالفقه السياسي والاستبداد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ما هو هدي الإسلام في شكل هذه العلاقة؟

يوسف القرضاوي: الإسلام يقوم على أن الحاكم والمحكوم يجب أن تكون العلاقة علاقة محبة وثقة وتعاون. يعني الحديث في صحيح مسلم يقول "خير أمرائكم أو خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم" تصلون عليهم يعني تدعون لهم، الصلاة في اللغة الدعاء يعني تدعون لهم ويدعون لكم، "وشر أمرائكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"، انعدام الثقة بين.. هذا لا يحبه الإسلام. الإسلام يقول "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا" أول هؤلاء الثلاثة الذين لا تقبل صلاتهم، معنى لا ترتفع شبرا يعني لا تقبل، "فإمام، رجل أمّ قوما وهم له كارهون"، في الصلاة يؤم الناس والناس لا تحبه يعني يصلون وراءه غصبا عنهم، فكيف بمن يقود الأمة؟! لا بد أن يكن الناس لهم الحب. فأول حاجة أن يحب الناس الحاكم ويحبهم، يدعون له ويدعو لهم، ويتعاونون {..وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان..}[المائدة:2]. وينصح لهم وينصحون له، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" أئمتهم أي أمرائهم ورؤسائهم، النصيحة المتبادلة. فهذا هو ما يحبه الإسلام، لا يريد الإسلام أن يكون الناس عبيدا للحكام، ليس في هذا، بالعكس يعني هذه ليست ثقافة الإسلام، الإسلام يرفض هذه الثقافة، ثقافة الخنوع، ثقافة التبعية. نجد القرآن ذم قوم نوح قال {..واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا}[نوح:21]، اتبعوا أصحاب الأموال والأولاد وأصحاب الجاه. ويقول عن قوم هود {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد..}[هود:59]، هو الجبار ده هو المستبد، يعني القرآن يعبر عن الاستبداد بالجبروت، وأحيانا يعبر عنه بالعلو {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا..} [القصص:4]، يعني {..إنه كان عاليا من..}[الدخان:31]، وأحيانا يعبر عنه بالطغيان {الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد}[الفجر:11-12]. ده معنى الاستبداد، يعني الاستبداد هو إيه؟ الانفراد بالرأي وبالحكم وإهمال الآخرين لا يستشيرهم ولا يأخذ رأيهم، هذا هو، والشاعر عمر بن أبي ربيعة له بيتان مشهوران يعني:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد

وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة

إنما العاجز من لا يستبد

قالوا إن هارون الرشيد سمع أحد مغنيه يغني هذا البيت وكان مترددا في أمر البرامكة، فقال إنما العاجز. وقضى على البرامكة بسبب هذا البيت. ولكن الحقيقة الاستبداد ليس قدرة، الاستبداد هو العجز الحقيقي. القادر هو الذي يضم آراء الناس إلى رأيه، لا ينفرد هو يعني بكل شيء ويضرب بآراء الناس عرض الحائط، هذا ما يسميه القرآن الطغيان أو يسميه العلو في الأرض.

عثمان عثمان: الاستبداد، فضيلة الدكتور، يعني هل ترون أن فقه الطاعة للحاكم مسؤول عن هذا الاستبداد؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود إلى متابعة هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة فتفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحاور فيها مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي، يقال إنه من الصعب للحاكم المستبد أن يوطد حكمه دون انصياع الناس له طوعا أو كرها. والقرآن أشار لهذا الموضوع، ولعل أبرز ما جاء في ذلك {..ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله..}[آل عمران:64]، يعني أننا نحن من نتخذ الأرباب بأن نطيعهم. هل ترون أن فقه الطاعة للحاكم مسؤول عن حالة الاستبداد هذه؟

يوسف القرضاوي: الطاعة إذا فهمت على وجهها كما يريدها الإسلام لا تؤدي إلى هذه الآثار السلبية والسيئة. الإسلام يقول إنما الطاعة في المعروف، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر بيعة النساء بعد فتح مكة يقول {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ..}[الممتحنة:12]، شوف حتى الرسول قيد بالمعروف، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الطاعة بالمعروف"، " لا طاعة لبشر في معصية الله"، "لا طاعة لمخلوق في معصية  الخالق"، "حق على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". فعندنا الطاعة ليست عمياء، ليست مطلقة، ولذلك أيضا مما ينبغي أن يرى أن الثقافة الإسلامية ليست يعني ثقافة انحناء للحكام أو تأليه للحكام، هذا معنى الآية التي كان يبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك أهل الأرض، أسلم تسلم، لقيصر، للنجاشي، للمقوقس، لهؤلاء، ويختم رسائله إليهم بهذه الآية {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله..}[آل عمران:64]. جاء الإسلام يحرر الإنسان من العبودية للإنسان سواء كان هذا الإنسان رجل دين، والقرآن قال {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله..}[التوبة:31]، أو رجل دنيا مثلما عبد بعض الناس ملوكهم واتبعوهم وقالوا الناس على دين ملوكهم ومشوا وراءهم. لا، الإسلام لا يريد هذا. هناك في الثقافة الإسلامية التي يورثها الإسلام لأبنائه، النبي صلى الله عليه وسلم يقول "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ويقول في حديث آخر "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم"، الأمة القوية هي التي يوجد فيها أفراد يجابهون الحاكم ويقول للظالم يا ظالم، ممكن يطير رقبته، ولكن هنا يأتي الحديث الآخر، "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" انتهى بالقتل، خلاص هو سيكون بجوار حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء. فهذه هي الثقافة التي يغرسها الإسلام في الأبناء لا يرسخ، لا يرسم ثقافة التبعية المطلقة أو الانحناء المطلق، لا ينحني المسلم إلا لربه راكعا أو ساجدا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، هنا مجابهة الحاكم، كلمة الحق أمام سلطان جائر. ما الشكل الذي تتم فيه هذه المجابهة؟ هل من خلال المظاهرات أو العصيان أو الخروج على الحاكم؟

يوسف القرضاوي: كل عصر له صور يبتكرها لمجابهة الحكام. في العصور الماضية وجدنا الرجل يقوم ويقف في وجه الحاكم ويقول له هذه الكلمة وأحيانا الحاكم يرتدع ويرتعد حينما يسمع كلمة الحق من عالم أو كذا، وأحيانا يغضب على هذا العالم ويعزله إذا كان قاضيا أو يعني يزجره أو يسجنه أو.. ولكن وجد على طوال التاريخ العلماء الذين يواجهون الحكام، والقضاة الذين يحكمون على الأمراء، هذا ما عرف في التاريخ الإسلامي. عصرنا ابتكر أشياء، ابتكر إضرابات، ابتكر مسيرات والمظاهرات، ابتكر العصيان المدني، ابتكر يعني.. وهذه وسائل أيضا من حقنا أن نبحثها في فقهنا السياسي. كان بعض العلماء قال لا يجوز الإضراب لأن ده تعطيل للأعمال وتخريب للبلاد وضرر على الاقتصاد وكذا، وكان قال شيئا من هذا الإمام المودودي رحمه الله، ثم الحياة ووقائع الحياة وجبروت الحكام أجبر كثيرا من هؤلاء الفقهاء والعلماء أن يغيروا رأيهم وأنه من حقنا أن نستخدم هذه الأشياء أمام استبداد الحكام وطغيان الحكام وديكتاتورية الحكام الذين يريدون أن يفرضوا أنفسهم على الناس بالحديد والنار.



دور العالم والمؤسسة الدينية في مواجهة الاستبداد

عثمان عثمان: لعل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله كان له موقف مشهور، عندما وقف في تجمع من الناس أمام الرئيس حسني مبارك ووضع يده على كتبه ونصحه ثم مشى. هنا هذا الأمر فضيلة الدكتور، يقودنا إلى سؤال عن علاقة العالم مع الحاكم، مفتي الجمهورية مع الحاكم، علاقة وزارة الأوقاف أو وزير الأوقاف مع الحاكم، كيف يجب أن تكون هذه العلاقة؟

يوسف القرضاوي: وزير الأوقاف وهؤلاء ناس موظفون عند الحاكم. والمشكل عندما يكون العالم موظفا لدى الحاكم هو الذي يوليه وهو الذي يعزله، هو الذي يعطيه راتبه وهو الذي يستطيع أن يقطعه عنه. كان الإمام الحسن البصري شديدا على ولاة بني أمية، فبعض هؤلاء الولاة قال ما سر جرأة هذا الرجل؟ ما الذي أعطاه هذه القوة ينقد هؤلاء بعنف وبشدة؟ فقال له بعضهم إن الناس احتاجوا إلى دينه واستغنى عن دنياهم، هؤلاء جميعا حكاما ومحكومين كلهم محتاجون إلى علمه ودينه، إنما هو ربنا رزقه مالا استغنى به عن دنيا الحكام. المشكل والكارثة تكون متى؟ عندما يحتاج العالم إلى دنيا الحكام والحكام يستغنون عن دينه، مش عاوزين علمك ولا.. وهو محتاج إلى راتبه حتى يأكل هو وأولاده. سر قوة علماء الشيعة إيه؟ سر قوة علماء الشيعة أنهم ليسوا موظفين لدى الدولة، هم يأخذون الخمس من الشعب، كل أبناء الشعب كل واحد منهم إذا كان متدينا يجب أن يرتبط بمرجع ديني يقلده ويتبعه ويعطي له الخمس. معنى الخمس يعني عشرين، ضريبة 20% من صافي الدخل، يفسرون بذلك قوله تعالى {واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ..}[الأنفال:41]، مش بس الخمس في الغنيمة الحربية، ما يغنمه الإنسان ويستفيده في حياته من ربح، من وظيفة، من دخل يعني، يدي 5%، فهذا جعل العلماء أقوياء وبعضهم يعني الخمس ده بيجمع له مليارات. فلذلك وزير الأوقاف موظف عند الدولة، المفتي موظف عند الدولة، شيخ الأزهر موظف عند الدولة، وكل هؤلاء..

عثمان عثمان (مقاطعا): والعلماء؟

"
إذا تجمع العلماء وكان لهم رابطة تضمهم أصبحوا أقوياء بإسلامهم وأقوياء بعلمهم لأن العلم يعطي قوة، "يد الله مع الجماعة"
"
يوسف القرضاوي (متابعا): إنما العالم يستمد قوته من علمه، من إيمانه، من الشريعة التي يمثلها. والعالم ليس يعني قويا بمفرده، المفروض العلماء يعني أقوياء بمجموعهم, وهذا ما جعلنا نؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لأن العالم الفرد مهما كان ضعيفا بمفرده قوي بجماعته، كما جاء في الحكمة المأثورة، المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. فمن هنا إذا تجمع العلماء وكان لهم رابطة تضمهم أصبحوا أقوياء، هم أقوياء بإسلامهم وأقوياء بعلمهم لأن العلم يعطي قوة، وأقوياء بالجماعة "يد الله مع الجماعة"، فهذا وما ينبغي أن يعطي العلماء قوة أن يكون لهم نقابة، رابطة، اتحاد، سمه ما تسميه، تتحدث باسمهم فيكون القوة من وراء هذا التجمع.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، يعني طبعا ربما نسأل هنا عن دور المؤسسة الدينية والفتاوى التي يزود بها الحكام فتاوى صورية أو مزيفة. ما دور المؤسسة الدينية أيضا؟

يوسف القرضاوي: المؤسسة الدينية هي مؤسسة للدولة، إحدى مؤسسات الدولة. الدولة تعين رجالها وتعطيهم رواتبهم فإذا رضيت عنهم بقوا في مناصبهم وإذا لم ترض عنهم... هي من أول الأمر لا تعين في هذه المناصب إلا من ترضى عنهم، الأشخاص الذين تعرف أن لهم موقفا أو يمكن أن يكون لهم موقف يعارض سياسة الدولة لا تعينهم في هذه المؤسسات، ومع هذا أحيانا هذه المؤسسات الرسمية ترزق برجال أقوياء لا يبالون بأن يقولوا الحق، لا يخافون في الله لومة لائم. نحن اتخذنا شعارنا في اتحاد علماء المسلمين هذه الآية الكريمة من كتاب الله من سورة الأحزاب {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا..}[الأحزاب:39]. المؤسسة الدينية أحيانا تقوم بواجبها وأحيانا تقصر. أخونا الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا كتب عدة مقالات عن المؤسسة الدينية ودورها وكيف تقوم بواجبها وكيف قصرت فيه، ونشره في كتاب بعد ذلك. فالمؤسسة الدينية تختلف من بلد إلى بلد ومن مذهب إلى مذهب، المؤسسة الدينية في إيران هي التي تحكم إيران، لأن المؤسسة الدينية الشيعية صاحبة الخمس وصاحبة الطاعة المطلقة هي التي قادها الخميني وقادت ثورة الشعب وكان وراءها الشعب الإيراني كله تقريبا وانتصرت على السافاك وانتصرت على الإمبراطور وانتصرت على هؤلاء جميعا وأقامت الثورة المعروفة.

عثمان عثمان: يعني مواصلة لموضوع الحكم الاستبدادي، كما تعلمون فضيلة الدكتور، يعني البيعة والانتخاب شهادة والشهادة يجب أن تكون بالحق. ما الذي يجب على المسلم أثناء الانتخاب أو الاستفتاء في ظل أنظمة استبدادية؟ ما الذي يجب عليه في هذا الموضوع بالذات؟

يوسف القرضاوي: أول واجب عليه أن يذهب إلى الانتخاب. الانتخاب شهادة والله تعالى يقول {..ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه..}[البقرة:283]، {..ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله..}[البقرة:140]، ويقول {..ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ..}[البقرة:282]، إذا دعي الشاهد لا يأبى عن الحضور، وهذا في الأمور الجزئية في بعض دريهمات أو كذا، فكيف في حق الأمة؟! الذي جرأ الحكام على تزوير الانتخابات أن الناس أعرضوا عن الانتخابات وقالوا اللي عايزاه الحكومة حتمشيه، رحنا ما رحناش هو مرشح الحكومة هو اللي حينجح، وكان من السهل التزوير لأنه بيروح 10%، 15% من السهل تزوير الباقي، الناس اللي ما بيجوش يأخذوا أوراقهم وبيكتبوا فيها زي ما هم عايزين، ولكن لو راح يعني 90%، 95%، 99%، حتى 80%، لو راح الناس يصبح من الصعب جدا أن تزور الانتخابات. الذي يسهل للحكام تزوير الانتخابات إعراض الشعب عن المشاركة في الانتخابات، اليأس من أن يأتي الأمر بما يريد الناس. وأنا أرى أنه أول واجب على الشعب أن يذهب إلى الانتخابات ويقف، يروحوا جماعات جماعات، ما يستطيع.. هو أحيانا في مثلا الأخوان فيقفوا ضد الأخوان ويمنعوهم من الوصول ويمنعوا.. إنما لو أن الشعب كله أصر على هذا، مش ممكن حتقف ضد الشعب كله، لماذا انتصرت ثورة الخميني؟ لأن الجيش لا يمكن حيظل يقتل الشعب باستمرار، قعد يوم واثنين وثلاثة ثم بعد ذلك ما استطاع أن يقف ضد الشعب إلى الآن. أنا أول شيء أطالب به الناس أن يذهبوا للانتخاب وأن يفكروا في من هو أصلح المرشحين لتمثيل الدائرة، والصراع هذا بالقوة والأمانة {..إن خير من استأجرت القوي الأمين}[القصص:26]، القوي القادر اللي عنده الخبرة اللي عنده الكفاية والأمين صاحب الدين والأخلاق، من جمع بين الأمرين فهو الأولى أن ينتخبه الناس ويرشحوه ليمثل الدائرة.