- معنى الحسبة وتطبيقها في التاريخ الإسلامي
- تطور نظام الحسبة ومجالات حركته
- نظام الحسبة في العصر الحالي وعلاقته بالحريات
- مرجعية نظام الحسبة وصفات القائمين عليه

 عثمان عثمان
 محمد كمال إمام
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحييكم مشاهدينا الكرام وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[آل عمران:104] ويقول عز من قائل {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..}[الأنفال:25] ويقول أيضا عن بني إسرائيل {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}[المائدة:79] على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قام نظام الحسبة في الإسلام خاصة في مسائل الضبط الاجتماعي والأخلاقي ولذلك كان انتشار المنكرات ثم تواطؤ المجتمع على السكوت عنها من أخطر الأمور، ونظام الحسبة يكون كذلك في الرقابة على مسيرة معاش الناس وهو من أهم النظم الإدارية التي استحدثها المسلمون لحفظ الأمن واستقرار النظام بين الناس في المهن المختلفة حتى لا يحدث غش في البيوع أو الصناعات، فما العلاقة بين الحسبة والرقابة؟ وما مجالات الحسبة؟ وهل يلغي نظام الحسبة مسألة الحريات؟ الرقابة في الإسلام موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة في كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية مرحبا بكم دكتور.

محمد كمال إمام: أهلا أخي العزيز.

معنى الحسبة وتطبيقها في التاريخ الإسلامي

عثمان عثمان: بداية ما معنى الحسبة في الإسلام وما علاقتها بالرقابة؟

محمد كمال إمام: بسم الله الرحمن الرحيم. بداية نبدأ من الاصطلاح حينما نقول كلمة حسبة إنما ترد في معاجم اللغة بمعان كثيرة منها احتساب الأجر على الله ومنها الإنكار بمعنى أننا ننكر ما نراه من أشياء لا ترضي وبالتالي هذا المعنى ترجم بعد ذلك إلى معنى اصطلاحي لكن يظل التعريف الأدق هو أن نعرفه بعناصره بأنه الفاعلية الموجودة في المجتمع الإسلامي سواء من الأفراد أو من المجتمع بقصد سيادة المعروف وبقصد الانتهاء عن المنكر بحيث تبدو هذه العناصر واضحة في تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو المبدأ الهام الذي تنبثق عنه الحسبة كنظام وتنبثق عنه الحسبة أيضا كنظام ضبط احتماعي ونظام ضبط اقتصادي ونظام ضبط سياسي لأن الحسبة إنما تتحرك على موضوعات كثيرة ومجالات متعددة ولكنها تتعلق بالمنكرات الظاهرة وحدها ولا تتعلق بما استتر أو بما غاب أو ما هو من واجب القضاة أو ما يجب ولاة المظالم.

عثمان عثمان: طبعا سنتحدث ربما ببعض التفصيل عن مجالات الحسبة ولكن ما هي الأسس الشرعية لنظام الحسبة في الكتاب والسنة؟

محمد كمال إمام: أنت الآن في بداية هذه الحلقة أستاذ عثمان قرأت قول الله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}ونجد أن هذا الأمر ليس متعلقا بالأمة الإسلامية وحدها بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثل مبدأ إلهيا عاما تحدثت عنه كافة الأديان السماوية، فنحن حينما نسمع قول الله تعالى في نصائح لقمان {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك لمن عزم الأمور}[لقمان:17] يعني هذا من الأمور المهمة الدقيقة، في بداية هذه الحلقة أيضا قرأت قول الله تعالى من بداية الآية {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..}[المائدة: 78، 79] إذاً الانتهاء عن المنكر هو دليل فلاح ، دليل نجاح، دليل صلاح، دليل امتثال لأوامر الله وتنفيذ لقواعد الشرع الذي جاء من السماء ومن هنا تبدو هذه الآيات تأكيد وتأصيل ومرجعية لنظام الحسبة في الإسلام. هناك أحاديث كثيرة للرسول صلى الله عليه وسلم منها حديث مشهور لأبي سعيد الخدري في قول، الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وهذا الحديث الشامل الكبير يمثل درجات الاحتساب، يمثل المجالات يمثل حتى فرضية الاحتساب باعتباره واجب على الأمة في الإطار الفردي وفي الإطار الجماعي.

عثمان عثمان: يعني من النصوص سواء كانت من الكتاب أو من السنة إلى التطبيقات يعني كيف طبقت، كمرجعية شرعية، كيف طبق نظام الحسبة عبر التاريخ الإسلامي؟

محمد كمال إمام: يعني لا ينبغي أن نظن أن نظام الحسبة في تطبيقه قد تأخر كثيرا عن نزول القرآن الكريم ذاته، إننا نجد تطبيقا للحسبة في عصر الرسالة، الرسول صلى الله عليه وسلم حينما مر على صبرة الطعام، الرجل الذي بللت السماء الطعام الذي يبيعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فقال هذا مطر السماء لكنه قال اجعله في المقدمة حتى يعرفه الناس "من غشنا فليس منا"، منذ البداية عملية الاحتساب في مجال الأقوات وفي مجال الغذاء وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أمته بالانعدام عن الغش وهذا أمر عام لأمة المسلمين، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في هذه الفترة ولىّ عمر بن الخطاب على بعض المسائل المتعلقة بالحسبة، وهناك نهيك الأسدية التي كانت تحتسب في الأسواق ومعها درة وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاشت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني التطبيقات التي تمثل النماذج الأولى للحسبة في الإسلام باعتبارها أمرا شرعيا قبل أن تتحول إلى نظام، لأن النظم ارتبطت بنشأة الدول الإسلامية وارتبطت بالتطور الحضاري ولكن حتى في عصر الخليفة الأول عمر بن الخطاب وجدنا أنه ولىّ عمر بن الخطاب على سوق مكة وولى سعيد بن العاص أو سعيد بن جبير على سوق المدينة يعني نجد أن هذه الولاية قد أخذت مكانها في خريطة الولايات الإسلامية منذ عصر مبكر منذ عصر الصحابة الأول ومنذ عصر الخلفاء أبو بكر وعثمان وعلي.

عثمان عثمان: ذكرتم دكتور أن امرأة تولت الحسبة في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، هل لذلك اعتبارات ما أم يأتي في السياق الطبيعي؟

الرقابة ليست ملاحقة للعورات وليست ملاحقة للأخطاء، الرقابة هي إيقاظ الضمير الفردي بأن هناك قيما للإسلام ينبغي أن تتبع
محمد كمال إمام:
يعني هو يقال إن الشفاء الأنصارية الأسدية تولت أمر السوق أو القرشية على خلاف تولت أمر السوق ولكن فيما يتعلق بأمر النساء وهذا لافت للنظر لأنه معنى ذلك أن هناك شرطة نسائية منذ فترة مبكرة في حياة الإسلام وحياة الدولة الإسلامية وهذه المرأة كانت ترعى شؤون السوق وربما أيضا امتد يعني نشاطها إلى نهي الرجال عن المنكر وأمرهم بالمعروف يعني كون أنها تحركت في مجال النساء لا يمنع أنها أيضا تحركت في مجالات أخرى وخاصة وأن نهيك الأسدية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تتحرك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كافة المجالات والنساء والرجال سيان وأنا هنا أقول إن كل الصحابيات الذين حملوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ منهم العلم وأخذ منهم الحديث أيضا كان هناك لهم توجيهات وتنبيهات وإرشادات تتعلق بالنواة الأولى لكيفية الاحتساب ولكيفية التعامل معه وكيفية اعتباره نظاما للرقابة لكن هنا أريد أن أحدد مضمون الرقابة يعني الرقابة ليست ملاحقة للعورات ليست ملاحقة للأخطاء، الرقابة هنا إيقاظ الضمير الفردي بأن هناك قيم للإسلام ينبغي أن تتبع، بأن هناك إرشادات للدين ينبغي أن تلتزم بأن هناك قواعد شرعية يعني لا بد أن يصنع المجتمع على حين من شريعة الإسلام هذا في الجانب المنكرات الظاهرة التي يتحرك عليها المحتسب وإلا كما قلنا في بداية هذه الحلقة أن جميع الولايات الإسلامية تتحرك من أجل الوصول إلى الغاية الإسلامية الأساسية وهو تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.

عثمان عثمان: ذكرتم فضيلة الدكتور المستندات الشرعية أو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وتطبيق الصحافة لنظام الحسبة لكن البعض يقول بأن هذا النظام بأساسه مأخوذ عن البيزنطيين هل ترون صحة لذلك؟

محمد كمال إمام: يعني أولا نظام البيزنطيين كان محدودا بأمر السوق وكانت ليست فيه فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه مفاهيم دينية إلهية، المنكر هو ما منعه الشرع وعاقب عليه والمعروف هو ما أمر به الشرع وأثاب عليه، إذاً لدينا مرجعية هذه المرجعية تتمثل في آيات قرآنية ونصوص نبوية وتطبيقات للصحابة بل وإجماع للصحابة على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتفرع عنه من ولايات وما يتفرع عنه من أنظمة ولكن هناك عادة لدى المستشرقين والذين يتبعونهم في بلادنا للأسف الشديد أنهم يرون أن كثيرا من الأنظمة الإسلامية وكأنها أخذت من أنظمة أخرى أو نقلت من البيزنطيين الذين كانوا في منطقة الشام وفي منطقة العراق في هذه الفترة لكن نحن نتحدث عن فترة سابقة حتى هذا التواصل ما بين المسلمين وبين الحضارة البيزنطية لم يكن موجودا ولم توجد يعني وثيقة الإدل التي فيها بعض الاختصاصات التي يقوم بها هذا الموظف البيزنطي لا تماثل إطلاقا حينما نقرؤها في نصوصها الأصلية لا تماثل إطلاقا اختصاصات المحتسب الواسعة والمقارنة بين اختصاص القاضي واختصاص المحتسب واختصاص قاضي المظالم والقاضي الفرد والقاضي الوالي يعني دور الفرد نفسه في عملية الرقابة لأنه ليست الحسبة في الشريعة الإسلامية مجرد ولاية يكلف بها ولي الأمر أحد الناس ويصبح متعينا لها أن يصبح الواجب هنا واجب عيني، لا، هنا أيضا الفرد ذاته يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل في ميدانه وهذا نوع من المسؤولية والتي تحدث عنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، هذا نوع من المسؤولية التقويم والإرشاد والتهذيب وإيقاظ الضمير وإحداث الوعي بقيم الإسلام والوعي بمخاطر المنكرات هذا أمر ضروري ونحن قد افتقدناه في حياتنا نظرا لتدفق ما يحصل في وسائل الإعلام وفي الحياة العملية وفي الفجوة التي بين الناس وبين النصوص كل هذه المسائل تؤدي إلى إغراق الناس في منكراتهم، ينبغي أن نستيقظ من أجل منعها ومن أجل إحياء الضمير الفردي وأيضا تقرير العقوبات الاجتماعية والولايات التي تصون المجتمع من أن تزيد فيه هذه المنكرات.

تطور نظام الحسبة ومجالات حركته

عثمان عثمان: يعني أفهم أنه من غايات نظام الحسبة الإصلاح سواء الإصلاح الديني أو الإصلاح الاجتماعي أو الإصلاح الإداري، ولكن ما المجالات التي يتحرك فيها نظام الحسبة؟

محمد كمال إمام: هو يتحرك في جميع مجالات المنكرات الظاهرة قلنا في تعريف الماوردي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، إذا غاب من المجتمع غابت قيم الإسلام الأساسية الناس تكاسلوا عن الصلاة، الناس جهروا بالإفطار في نهار رمضان، الناس ابتعدوا عن تنفيذ قيم الإسلام في البيوع والشراء وفي التجارة وفي الإيجار وفي التعليم وفي غير ذلك كل هذه أمور تعني أن المعروف لم يعد ظاهرا، لم يعد قائما في دنيا الناس فينبغي إظهاره عن طريق هذه الحسبة بكل مضمونها وأيضا المنكرات والمنكرات تتسع لكل أنواع المنكر، هناك منكرات صناعية ومنكرات تجارية ومنكرات أخلاقية ومنكرات علمية ومنكرات إعلامية يعني إذاً هو يتحرك في دنيا الناس بكل جوانبها ما كان منها موجودا وما يوجد في المستقبل ولذلك هو نظام شامل يحقق كما قلت أن يصنع المجتمع الإسلامي في تفاصيله وجزئياته من خلال الأفراد ومن خلال النظم ومن خلال السياسات على عين من شريعة الله وإذا تحقق نظام الحسبة على هذا النحو بمرجعية إسلامية تحكمها القواعد الشرعية وتضبطها مقاصد الإسلامي الرئيسية نكون قد قفزنا إلى الأمام في معالجة كثير من المشكلات التي نعاني منها في مسائل كثيرة في أمور السوق وفي أمور الفكر وفي أمور الثقافة وفي أمور التعليم وفي أمور العلاقات الدولية وغيرها لأن انعدام التوازن والخلل وتدفق المعلومات من الشمال إلى الجنوب بشكل قد يسيء إلى هوية الشعوب وإلى ذوبانها من الأمور، وأذكر المشاهدين وأذكر نفسي بأن أحد الكتاب الأميركان مايكل كوك له كتاب ضخم بعنوان "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام" وهو يتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام على أنه ليس بعدا تشريعيا أو قانونيا فحسب ولكنه بعد ديني وبعد أخلاقي ويضرب مثالا فيقول لو أن امرأة اعتدى عليها أحد في محطة من محطات القطارات وحدث ذلك بالفعل كما يقول هو فلم ينقذها أحد وحينما، إلا واحدا أبلغ الشرطة من مجموع كبير في محطة من محطات القطارات في بلد من بلاد الولايات المتحدة الأميركية وأنت زرتها وتعلم مدى اتساعها ومدى وجود الناس فيها، فقال إن أحدا لم يتحرك إلا هذا ثم سئل طبعا بعد أن قبض على الجاني ثم سئل الناس لماذا لم يتحركوا بعضهم قال إن الأمر لا يعنيني، بعضهم قال إن هذه مسألة قانونية..

عثمان عثمان (مقاطعا):  والذي تحرك؟

محمد كمال إمام (متابعا): لكنه قال إن هذا لو حدث في مجتمع مسلم ورأى هذه المرأة اثنان لتحرك أحدهما لإنقاذها ولرأى الآخر أن هناك عار يصيبه نتيجة التخلي عن إنقاذها، لأن المفهوم الأخلاقي والديني أصبح متجسدا في ضمير الفرد المسلم بأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء كان منعا لمنكرات سائدة أو دعوة إلى خيرات قادمة وواعدة.

عثمان عثمان: يعني هذا النظام نظام الحسبة والذي هو ضمانة صلاح المجتمع كيف تطور فضيلة الدكتور عبر التاريخ؟

محمد كمال إمام: يعني طبعا كما قلنا في البداية بدأ بأفراد سواء في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عصر الصحابة ثم جاءت الدولة الإسلامية وأنشأت ولاية من الولايات تسمى ولاية الحسبة لهذا الوالي اختصاصات تختلف عن اختصاصات القاضي لأن القاضي لا يتعرض إلا لما تقام عليه الدعاوى يعني هو لا يتعرض للمنكرات الظاهرة فحسب وإنما يتعرض للمنكرات التي ليس فيها إثبات ليس فيها ظهور ويقوم المدعي والمدعى عليه وأدلة الإثبات يحسم النزاع، عملية تنفيذية يقوم بها القاضي ولذلك سلطته ربما تكون أقوى من سلطة المحتسب ولكنها في نفس الوقت أقل مجالا من سلطة المحتسب لأنه يتحرك على كل المساحات التي يرى فيها معروفا قد أهدره الناس أو منكرا قد فعله الناس، من هنا نقول إن النظام الإسلامي أنشئ وأصبح والي الحسبة مثل والي الشرطة مثل والي القضاء مثل والي المظالم له دور وله اختصاص يتحرك في مجال السوق يتحرك في مجال الموازين والمقاييس يتحرك في مجال ما نسميه الآن حماية المستهلك فيما يتعلق بالسلع الغذائية وتداولها وأسعارها وفسادها، فيما يتعلق بالنقود وتزييفها والعملة ويعني ما ينشأ عليها من غش إلى غير ذلك يعني كل هذه المجالات كان يتحرك فيها المحتسب في المجتمع الإسلامي إضافة إلى أنه يتحرك في دفع المظالم عن الأيتام، حتى أن المحتسب كان يتحرك في الدفاع عن حقوق غير الإنسان، الحيوان الذي يحمله صاحبه ما لا يطيق والإتلاف للمزروعات ومنع امرأة وعضلها من أن تتزوج وهكذا كل هذه المسائل كان يتحرك عليها المحتسب ولذلك كانت وظيفته الاجتماعية وظيفة شاملة. وبعض الذين كتبوا في هذا الموضوع قالوا إن الحياة الاجتماعية الإسلامية قد وجدت في المدن الإسلامية من خلال وظيفة المحتسب لأنه كان يقوم بدور كبير وهام، طبعا هناك فجوات وهناك فترات تراخت فيها قبضة المحتسب أو ربما كان تعيين المحتسب ليس على النحو الأمثل ولكن هناك شروط ينبغي أن تتوافر في المنكر الموجب للحسبة الذي يستدعي أن يتحرك الأفراد أو تتحرك السلطات لمعالجة موضوع الحسبة.

عثمان عثمان: ما هي أهم هذه الشروط؟

محمد كمال إمام: هناك شروط ثلاثة نستطيع أن نوجزها، الشرط الأول أن يكون هذا المنكر ظاهرا لأن ما استتر فهو واجب الولايات الأخرى في مقدمتها ولاية القضاء التي تتصارع فيها الأدلة وليس هناك منكر ظاهر ينبغي ردع صاحبه أو ينبغي منع صاحبه من القيام به، أن يكون المنكر ظاهرا وأن يكون غير مجتهد فيه حتى قال بعض الأخوة الذي ألفوا كتبا أخيرة في هذا، لا إنكار في الاجتهاد، المسائل الاجتهادية لا ينبغي الإنكار عليها فأنا لست أولى بالصحة منك وأنت لست أولى بالخطأ مني وكذلك أن يكون هذا المنكر معلوما، لا بد أن يعلم أنه منكر، فإذا لم تكن تعلم أنه منكر لا تستطيع أن تحتسب إلا بأن يكون هذا المنكر معلوما ومعلوما بقواعد شرعية وبضوابط إسلامية فأنت في هذه الحالة كفرد تستطيع أن تتحرك فيما يمكنك أن تفعله حتى لا تحدث الفتنة وبعضه قال إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده"، أن التغيير باليد لولاة الأمور وأن التغيير بالكلمة للعلماء وأن التغيير بالقلب للعامة. ولكن هناك ينبغي أن نفرق بين الواجب، هل هنا واجب عين أو واجب كفائي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو الحسبة جزء من عناصره، هذا واجب عام على الأمة الإسلامية، واجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكن الواجب بمنع المنكرات بالنسبة للولاة وبالنسبة لوالي الحسبة وبالنسبة لمن يعين والي الحسبة فهذا واجب على العين، واجب عيني وليس واجبا كفائيا، ما يقوم به الأفراد كل حسب طاقته يعد واجبا كفائيا لكن رفض المنكرات وألا تنظر إليها بعين الرضا وأن تنظر إليها بعين الكاره وبقلب الكاره فهذا واجب المؤمنين جميعا وهو واجب عيني وليس واجبا كفائيا..

 عثمان عثمان (مقاطعا): وذلك أضعف الإيمان.

محمد كمال إمام: طبعا وذلك أضعف الإيمان، لاينبغي أن تلقى الله وأنت غير كاره..

عثمان عثمان (متابعا): فضيلة الدكتور يعني من التاريخ إلى الواقع يعني كيف تقومون اليوم نظام الحسبة في عالمنا العربي والإسلامي؟ أسمع منكم الإجابة بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة بإذن الله، فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

نظام الحسبة في العصر الحالي وعلاقته بالحريات

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الرقابة الاجتماعية في الإسلام مع الدكتور كمال إمام أستاذ الشريعة في كلية الحقوق في بجامعة الإسكندرية. دكتور اليوم الحياة أكثر تعقيدا من الحياة يوم نشأ نظام الحسبة يعني هل ترون أن نظام الحسبة الآن قابل للتطبيق وكيف تقومون تطبيقه إن كان قائما؟

الدولة الإسلامية المعاصرة مازالت تحافظ على هيبة نظام الحسبة وعلى أهميته لكن الاختصاصات التي كان يقوم بها المحتسب توزعت الآن على وزارات ومؤسسات متعددة
محمد كمال إمام:
يعني هناك طبعا في بعض الدول توجد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيمة وجود هذه الهيئات في تقديري الشخصي هو أن الدولة المعاصرة لا زالت تحافظ على هيبة هذا النظام وعلى أهميته ووجوده لكن الاختصاصات التي كان يقوم بها المحتسب توزعت الآن على وزارات متعددة وعلى مؤسسات متعددة، يعني هناك مؤسسات مخصصة للمواصفات والمقاييس فيما يتعلق بإنتاج السلع، هناك مؤسسات خاصة للرقابة على الأسواق، هناك النيابة العامة التي تقدم مرتكبي المنكرات إلى القضاء أو توقع عليهم عقوبات سريعة قياما بدور المحتسب ولأن شهادة الحسبة وهي إبلاغ السلطات بما يقع من منكرات وهذه تسمى شهادة الحسبة كانت جزءا من نظام الحسبة في الإسلام فمن لا يستطيع من الأفراد أن يقوم بتأدية الواجب بيده أو بلسانه فعليه إبلاغ الجهات المختصة بأن هناك منكرا قائما يحدث وعلى الجهات المختصة أن تتحرك وهذا ما سماه الفقهاء شهادة الحسبة، هناك أيضا ما نسميه سلطة الآداب وغيرها إذاً هناك جهات متعددة وزارات التجارة ووزارات التموين ووزارات الداخلية في مسائل المرور والمرور من المسائل المهمة التي ينبغي أن تراعى فيها نظام الحسبة ليس فقط حتى لا تصطدم العربات وحتى لا يموت الناس وإنما حتى لا تنتهك الحرمات داخل الطرقات، ونحن نعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "آتوا الطريق حقه"، وحق الطريق هو أن يحمى الناس الذين يسيرون على هذا الطريق، حماية لأموالهم وحماية لأعراضهم وحماية لأنفسهم فإذاً الآن نظام الحسبة لم تعد تقوم به ولاية واحدة كما كان قديما لأن النظام الإسلامي قد تعقدت الحياة وأصبح هناك رقابة على ما يبث من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية هذا نظام كان يمكن أن يقوم به المحتسب قديما، هناك أجهزة للرقابة على الصحة وللإشراف الصحي على المأكولات وهناك الإشراف الأمني على المطبوعات وهناك الإشراف على المراسلات، كل هذه وسائل رقابة كان يقوم بها في القديم المحتسب باعتبارها منكرات ظاهرة أو باعتبار أن المعروف غائب من الحياة الاجتماعية، فإذاً المجتمع المعاصر بتعقيداته وبنظمه الحديثة جعل هذه الوظيفة أنيطت بعديد من الوزارات بعديد من الإدارات بعديد من المؤسسات التي كل واحد منها يقوم بواجب من الواجبات التي كانت تمثل جزءا من واجب المحتسب في العصور الإسلامية الأولى.

عثمان عثمان: الدعاوى التي رفعت في مصر ضد عدد من الأفراد بالردة بالتطليق من الزوجة وغيرها رفعت تحت دعوى نظام الحسبة، هل ترون أنها فعلا تدخل في هذا الإطار؟

محمد كمال إمام: أنا بداية لا أحب مصادرة الأفكار ولا أحب محاكمتها، لا أحب أن ينتقل المفكر إلى قاعة القضاء، الحوار ما بين الأفكار يتم بالدليل وبالإقناع وبالمناقشة فهذه وسيلة الإسلام في المناقشة {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..}[النحل:125] إذا كان هذا الأمر يتعلق بغير المسلم فمن باب أولى أن يتعلق بالمسلم عندما توجد خلافات أو يوجد وجهة نظر. فيما يتعلق بالموضوع محل السؤال أنا أعتقد أولا أن دعوى الحسبة هي في تقنينها الفقهي تعطي لكل فرد الحق في الذهاب إلى القضاء دون مصلحة شخصية باعتبار أن حماية الدين وحماية المجتمع مصلحة عامة يناط بها كل الأفراد وبالتالي من حقي أن أتحرك وأن ألجأ إلى السلطة العامة وأن أقول إن فلان قد ارتكب كذا وكذا وكذا خاصة وأنني لا أستطيع أن أقاومه أو أن المقاومة قد تحدث فتنة ومن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب أن لا يؤدي إلى فتنة أكبر لأنه إذا أدى إلى فتنة أكبر تحولنا إلى، لا بد من أن نقارن بين الضرر الخاص والضرر العام إلى غير ذلك من آليات الترجيح في مقاومة المنكرات، لكن رفع هذه الدعاوى كان تحت مسمى أن هناك نظام حسبة يعطي لكل الأفراد حق اللجود إلى القضاء لكن تظل الأمور تحتاج إلى ضبط يعني حينما يكون هناك كتاب متداول لمدة مثلا عشر سنوات والناس تقرأه وتعاد طباعته ويدرس في الجامعات ثم بعد ذلك ترفع دعوى حسبة على صاحبه للتفريق بينه وبين زوجته باعتباره مرتدا، في شريعة الإسلام حينما يصبر الشخص الذي نسميه محتسب الفرد على مثل هذا المنكر فترة طويلة من الزمن يحددها الفقهاء في بعض الأحيان بأربعة شهور أو ثلاثة شهور أو ستة شهور على الأكثر يعد ذلك جرحا في شهادته بحيث لا يحق له أن يحتسب، ما الذي جعله ينتظر كل هذه المدة؟ ما الذي جعله أن يسكت؟ إذاً لا بد من ريبة أخرى ليس هو الدفاع عن المجتمع وليس هو الدفاع عن العقيدة حركته لمآرب أخرى للوصول إلى أهداف أخرى الذي جعله يسكت عشر سنوات ثم يعلي من شأن هذا الموضوع ويجعله حديث الناس ويجعله حديث المجتمع وحديث الصحافة وحديث القضاء، مثل هذا الترويج الحقيقة ليس مألوفا والأفضل منه أن يتحرك الناس خاصة المثقفون والعقلاء وأن يتفاهموا فيما بينهم في القضايا الخلافية كل بدليله وكل برأيه ويحتكموا بعد ذلك إلى ضمير الناس وإلى ضمير الأفراد وإذا كانت هناك مخالفات تدخل تحت طائلة القانون فالدعوى الجنائية ترفعها السلطة المختصة وهي النيابة العامة في كل دولة من الدول.

عثمان عثمان: ذكرتم دكتور ألوانا لنظام الحسبة ومنها الرقابة على القنوات التلفزيونية، اليوم نجد بعض القنوات التلفزيونية تبث أغاني وتبث أفلام ومسلسلات على مدار الساعة وعندما يأتي وقت الأذان تقطع بفاصل معين لبث الأذان على الهواء مباشرة، كيف تقومون الأمر هنا؟

محمد كمال إمام: يعني هذا دليل الشخصية المزدوجة، الإعلامية المزدوجة، أنت لديك ميثاق شرف إعلامي، لديك منظومة إعلامية لديك مجتمع تخاطبه لديك خطاب إسلامي ومجتمع إسلامي تتحرك عناصره يعني الإعلام من منظور الإسلام هو تحكيم الإسلام في الإعلام بمعنى أن كل ما يبث من وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية أو المقروءة لا بد أن يكون مصنوعا على قيم الإسلام وأحكامه الرئيسية فأنت.. ليست جزرا منعزلة، توزع الآن تقيم الصلاة ثم بعد ذلك رقصة ثم بعد ذلك لقطة قد تكون ممنوعة ثم بعد ذلك.. أنت هنا تحير المتلقي والمشاهد توزع مشاعره ما بين مشاعره الدينية وبين إحساسه ومن هنا تأتي مسؤولية رقابة الأسرة ومن هنا تأتي مواثيق الشرف الإعلامي ومن هنا يأتي دفاع المجتمع عن هويته من خلال قنواته الفضائية خاصة أن الفضاء المسموم الآن أصبح يغزونا بالمزيد من هذه الأشياء، هي تصدر إلينا وتعلم ليس كلها من إنتاجنا وليس كلها في قنواتنا الفضائية، إذاً لا بد من خريطة برامج سواء في الوسائل المسموعة أو القنوات الفضائية أو الإذاعة أو التلفزيون، لا بد أن تكون خريطة البرامج متلاصقة ومتناغمة مع هوية الأمة ومع عقائدها الأساسية ومع فكرها العام ومع توجهاتها وإلا حدث خلل والخلل الاجتماعي الحادث نتيجة مثل هذه التسريبات، نحن كيف سأصلي ثم.. أنا أعطيك مثالا قانونيا كنت أتحدث فيه منذ قليل مع أخي معتز معد البرنامج وهو حينما تتناقض المرجعيات القانونية تحدث في بعض الأحيان غرائب في الحياة الاجتماعية والحياة القانونية والحياة التشريعية وأضرب مثالا لذلك المرأة التي تعمل في ملهى ليلي لو أن شخصا، لو طالبها، طالبت بحضانة طفلتها أو حضانة أبنائها وذهبنا بها إلى القاضي الشرعي أو إلى الدائرة الشرعية دائرة الأحوال الشخصية في أي محكمة لحكمت بسقوط حضانتها لأن عملها غير مشروع، ثم إذا انتقلنا..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن القانون؟

محمد كمال إمام: قانونا، غير مشروع قانونا، ثم إذا انتقلنا بها بعد ذلك إلى دائرة أخرى في داخل القضاء وفي داخل البلدة وفي داخل الدولة تتعلق بالمعاملات المدنية لحكم لها بأجرها الذي امتنع صاحب هذا الملهى أو صاحب هذه المؤسسة عن إعطائها له لأنها من وجهة نظر عقد العمل مشروع لأنها رخص لها وأخذت إذنا وعملت في مكان مرخص له، هذه ازدواجية يعني يحكم لهذه المرأة في ظل نظام تشريعي واحد من خلال قاض واحد على أن عملها مشروع وغير مشروع لاختلاف المرجعية وازدواجية المرجعية ومن هنا نسعى إلى أن يتم توحيد المرجعية التي تستنبط منها أدوات الرقابة، نظم التشريع، أفكار المجتمع حتى يستقر الناس على هوية واحدة وعلى مرجعية واحدة.

عثمان عثمان: في المجتمع الإسلامي دكتور يعني كيف نفهم العلاقة بين نظام الحسبة وبين نظام تطبيق الحريات يعني إعطاء الحريات للناس، ما العلاقة؟

محمد كمال إمام: الحريات ليست في إعلان المنكرات، الحريات في عدم اقتحام البيوت الحريات في عدم الاعتداء على الحريات وعدم الاعتداء على الحرمات وأعطيك مثالا كيف أن نظام الحسبة كان واعيا وعيا دقيقا لهذه المسألة حينما تسور الخليفة عمر بن الخطاب على قوم كانوا يستترون في بيتهم وهم يشربون الخمر واحتسب عليهم، لم يستطع أن يقيم عليهم العقاب لأن دليل الإثباب باطل لأنه جاء عن طريق التسور، فدليل الإثبات هنا باطل جاء عن طريق التسور لكنه علم بالمنكر فوجب الاحتساب، فإذاً ليس من أمر المحتسب أن يقتحم على الناس بيوتهم ليس من أمر المحتسب أن يرى شخصا يعني وهذا موجود في كتب الحسبة النظرية والعملية في كتاب الشيزري وابن الأخوة وغيرها يعني إذا كان هناك ممنوع ولكنه ملفوف في وريقات لا نعرف ما هو والإنسان يسير به في الشارع ليس من واجب المحتسب أن يفتح هذه الأوراق وأن يقول إن في داخل هذه قنينة خمر أو يقول، هذا عدوان على الحرية الشخصية، لكن إذا أعلن ذلك في الطريق العام وجهر بالمعصية يصبح هنا التدخل حماية لمصلحة أكبر، الحرية الشخصية كما يقولون حتى في التعريفات الغربية الوضعية يعني تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين والنظام لا يعارض الحرية، الفوضى هي التي تعارض الحرية لكن النظام لا يعارض الحرية لأن كل حرية لا بد أن تضبطها قواعد وأن تضبطها حدود وإلا مشى الإنسان عاريا في الطريق العام وقال إنني حر، نحن نقول له لا بد أن ترتدي ثيابا وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما نقول له لا بد أن ترتدي ثيابا يقول إنني حر أسير عاريا أو في الطريق أو أسير لابسا، الحرية لها مفهوم دقيق والحرية شطر منها مسؤولية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كيف نقارن ما تقوله بما يقره القانون، يعني بمعنى أن هناك الآن حانات للخمر موجودة في أماكن معينة مرخص لها، هناك الملاهي الليلة، هناك على غرار ذلك الكثير الكثير، هي مقننة، القانون يجيزه وبالتالي هي تفسد المجتمع؟

محمد كمال إمام: لدينا قاعدة تقول ارتكاب المعاصي لا يسقط الواجبات، هذه وجودها في بلاد إسلامية يرتادها غير المسلمين أمر غير مشروع باتفاق المذاهب الإسلامية المختلفة ولا ينبغي أن توجد في قانون في دولة إسلامية.

عثمان عثمان: حتى لو كانت يعني هي موجودة في مجتمع فقط لغير المسلمين؟

محمد كمال إمام: إذا كانت موجودة لغير المسلمين قلنا إذا كانت موجودة لغير المسلمين فيما يبيحه لهم دينهم فهذا يجوز، ينبغي أن يباح لهم ولكن بالنسبة للمسلمين لا ينبغي أن يباح وينبغي أن يعاقب وينبغي أن يمنعوا من السير إلى هذه المجالات وهذا ليس تحت مسمى الحرية ولكن قد يحدث أن، أليس هناك عقوبة للخمر؟ إذاً هناك خمر موجودة ويستطيع الإنسان أن يشتريها ويستطيع أن يشربها ونحن نعاقب عليها، إذاً ارتكاب المعاصي سواء كان على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي لا يسقط الواجبات يظل واجب الفرد أن يمتنع عن المعاصي ويظل واجب الدولة والمؤسسات المختلفة أن تمنع هذه المنكرات، ليس وجودها بشكل قانوني في مجتمع من المجتمعات يعني أنها مفتوحة للمسلمين وأن يدخلوا بها وأن نقوم بالإعلان عنها وأن نقوم بالدفع إليها لأن هذا مخالف لنظامنا العام الإسلامي الذي يمنع مثل هذه المسائل.

مرجعية نظام الحسبة وصفات القائمين عليه

عثمان عثمان: طبعا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أساس نظام الحسبة، لو أردنا أن نتحدث بمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمن يقوم بمهمة الحسبة أن نتحدث عن صفاتهم، ما هي أبرز صفات القائمين عليها؟

محمد كمال إمام: أول هذه الصفات أن يكون متخلقا هو بأخلاق الإسلام وأن يكون على دراية بأحكام الشريعة، ليس كل واحد يقوم بالأمر بالمعروف قلنا إن من شروط المنكر الموجب للحسبة العلم فلا بد أن يكون عالما لأحكام الشريعة وأن يكون أيضا قادرا على أدار هذه الأحكام في دنيا الناس بأن لا يكون فظا وأن يرفق حتى اقرأ الآية القرآنية في قول الله تعالى {اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}[طه:43، 44] إذا كان هذا لفرعون فما بالك لمسلم آخر ترى فيه منكرا أو ترى فيه معصية لا يعامل هذا بالعصى ولا يعامل هذا بالضرب ولا يعامل هذا، طبعا إذا ظل مصرا على المنكرات ويريد أن يشيعها في المجتمع تستطيع أن تبلغ السلطات العامة وتستطيع أن تنهى الناس عن مجالسته وتمتنع أنت عن مجالسته وهذا نوع من العقاب المدني يعني كما يقولون بالإنكار وبالعصيان المدني وبالامتناع عن مجالسته وأنا أعتقد أن نظام الحسبة هو تفعيل لما يسمى الآن بدور المجتمع المدني في الحياة لأن المجتمع المدني ما هو دوره؟ هو دوره أنه يحاول أن يعيد المجتمع إلى ثقته بنفسه إلى احترام نظمه إلى ما لا تقوم به الدولة يقوم به الأفراد وقد ظل المسلمون على مدى تاريخهم الطويل يقومون بتفعيل هذا المجتمع من خلال وقفيات لرعاية الأطفال ووقفيات لرعاية المرضى ووقفيات لرعاية الذين يمرون على الطرق ورعاية حتى الحيوانات ولتزويج البنات ولغير ذلك، كل ذلك لون من التفعيل للمجتمع المدني الذي تعد الحسبة في قلب هذا المجتمع المدني تستطيع أن توقظه تستطيع أن تبعثه تستطيع أن توفر له من الضوابط التي ليست ملاحقات، لا ينبغي أن يتصور المحتسب أن دوره أن يتتبع عورات الناس لأن هذا منهي عنه في الشريعة الإسلامية منهي عنه في التتبع ومنهي عنه في التجسس ومنهي عنه في الغيبة فهو منهي عنه ولكن عليه أن يسعى إلى التوفيق ما بين أحكام الله المأمور بها وبين ما يحدث في دنيا الناس من معاصي ومنكرات وهي أمور لا بد أن تحدث يعني نحن لا نستطيع أن نتصور مجتمعا معصوما من المنكرات ولا مجتمعا.. ولذلك هذا الدور دور مستمر ليس دورا وقتيا يقوم به الناس اليوم ثم يتركونه غدا بل إن هذا الدور ليس مرتبطا بالدولة فالجاليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية واجبها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيما بينها، فيما بينها باعتبار أن لديها ما نسميه جغرافيا الأحكام الإسلامية الفردية، هذه ينبغي أن تطبق عليها وأن ندعو إليها وأن يمتثلوا لها لكن كما قلنا إن الرفق والعلم ورعاية المصالح العامة والمقارنة والترجيح ما بين الصالح العام والصالح الخاص والضرر العام، يتحمل الضرر الخاص من أجل الضرر العام كلها منظومة من القواعد الفقهية الشرعية، ينبغي أن يكون الفقيه الذي يقوم بالاحتساب على دراية بها، الجاهل لا ينبغي له أن يحتسب وإذا قام بالاحتساب فإنه يكون قد ارتكب منكرا لأن المسألة ليست فوضى وليست متروكة للكل وليست مشاعا للجميع لكل واجبه ودوره لكن التنظيم الإسلامي يصنع آليات للرقابة يعني من الدائرة الصغيرة إلى الدائرة الكبيرة إلى أن تشمل دائرة المجتمع ككل كما قلنا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، المرأة راعية في بيت زوجها، دور الأسرة دور المرأة دور الوظيفة، الرجل راع ومسؤول عن رعيته وهكذا إلى أن نصل إلى الحكام والعالم والأستاذ والطبيب والمهندس يعني لا بد أن نوزع هذه المسؤوليات وهذه الواجبات باعتبارها واجبات أخلاقية ودينية تقع على عاتق الجميع ليست مسؤولية مؤسسة وحيدة، ليست مسؤولية الدولة فقط ليست مسؤولية وسائل الإعلام فقط ولكنها مسؤولة ينبغي أن يحملها الجميع على عواتقهم وأن يأتمنوا أنفسهم عليها وأن يكون هدفهم وغايتهم هو صلاح العباد في المعاش والمعاد.

عثمان عثمان: يعني إذاً مهمة الحسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست محصورة بفئة معينة؟

محمد كمال إمام: طبعا.

عثمان عثمان: دكتور طبعا تطرقنا إلى موضوع رفع دعاوى في بعض القضايا يعني عندنا بعض الكتب الآن موجودة في الأسواق يعني منذ أشهر ومنذ سنوات ونجد هناك من يرفع دعوى لحظر هذه الكتب، ما الحكم هنا؟

محمد كمال إمام: أنا لست من أنصار حظر، رفع دعاوى من هذه الكتب، هناك واجبات تقع على عاتق مؤسسات الرقابة على الكتاب ومؤسسات الرقابة الثقافية، أنا ممكن أن أنبه الذي نسميها شهادة الحسبة إذا أنا رأيت وأرى من واجبي أن أنبه فأذهب إلى جهات الرقابة وأبلغها بأن هذا الكتاب فيه كذا وكذا وكذا كأني أقدم تقريرا عن الكتاب وهذا لا يقوم به إلا باحث وإلا عالم، يعني ليس، أنت تريد أن تقدم تقريرا عن كتاب ترى فيه مخالفات أو عن رواية ترى فيها خروجا عن الذوق العام أو ترى فيها خروجا عن الإسلام أو ترى فيها خروجا عن القيم الدينية، لا بد أن يقوم بذلك أهل الاختصاص، إذا كانت رواية لا بد أن يقوم بها عالم دين مع ناقد فني، ناقد للرواية، ناقد للشعر، ناقد للقصيدة، يعني لا تترك الأمور فوضى

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

عثمان عثمان: دكتور عندما نتحدث عن أن هذا منكر وأن هذا غير منكر ويمارس بعض الدعاة أو بعض القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورهم في الحسبة، ما مرجعية تحديد أن هذا منكر وهذا غير منكر؟

محمد كمال إمام: لا نحن قد وضعنا قلنا من شروط المنكر الموجب للحسبة أن لا يكون مختلفا عليه أنه منكر، يعني المسألة هنا لا تدخل في إطار المسائل الاجتهادية، يعني أن أصلي أنا وأرفع يدي في الصلاة والآخر لا يرفع يديه عند الركوع أو السجود، هذا ليس من الأمور التي ينبغي أن نحتسب عليها..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني أن يكون هذا الأمر غير مختلف عليه.

محمد كمال إمام: وهذا من شروط، نحن قد قلنا في بداية هذه الحلقة إن المنكر الموجب للحسبة له شروط ثلاثة، أولا أن يكون ظاهرا فإذا كان مختفيا لا ينبغي أن أبحث عنه وأن أكشفه وأتتبع عورات الناس، وأن أكون عالما به لأن العلم به ضرورة، وأن يكون غير مختلف فيه ولذلك قلنا لا إنكار في الاجتهاد لا إنكار في الاجتهاديات المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها مذهب عن مذهب وبلد عن بلد وشخص عن شخص ولا تدخل في إطار ما منعه الإسلام وما حرمه لا ينبغي أن تكون محلا للاحتساب ولا ينبغي أن تكون محلا للحوار إلا الحوار الهادئ الذي هو نوع من التصويب ما بين فرد وفرد في مجال الترجيح بالأدلة وليس في مجال الإنكار الذي هو احتساب.

عثمان عثمان: كيف يمكننا اليوم تطوير نظام الحسبة والرقابة؟

محمد كمال إمام: نحن قد قلنا إنه قد تطور بالفعل لكن نحن لا نريد تطويره كمؤسسات، اليوم وزارات عديدة مؤسسات عديدة تقوم بما كان يقوم به المحتسب، نحن نريد أن نرجع مرجعيته ليس الأحكام العقلية فقط وإنما أن تكون مرجعيته إسلامية المرجعية نحن نريد أن إذا أردنا أن نستعيد لنظام الحسبة وجوده الواقعي وهيبته الحقيقة ودوره الرئيسي الفاعل في صيانة المجتمع وتحريكه نحو الأفضل أن تكون المرجعية هي المرجعية الإسلامية لهذا النظام، لا تكون، لأنه أنا في حماية المستهلك قد أحمي توازن السوق قد أرعى بعض المصالح الآنية ولكن أنا لا أريد حماية المستهلك لمجرد الحماية العادية، لأن هذا جزء من نظام الدين الذي ينبغي أن تحمى فيه مصالح الأفراد، طعامهم مأكولاتهم شرابهم، أحمي من الاحتكار أحميه من التسعير المجحف أحميه من منع السلع من الأسواق أحميه من تزييف الطعام تزييف النقود إلى غير ذلك أحميه من الرشوة ولذلك كل المؤسسات التي تقوم على حماية المجتمع من هذه الأمراض التي سادت هي تقوم بدور الحسبة ولكن الفارق بينها وبين المحتسب أن هذه مرجعيته الآيات التي تلوناها في بداية هذه الحلقة والأحاديث التي استندناها في بداية هذه الحلقة، هذه مرجعيتنا "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي"، إذا كانت هذه هي المرجعية كتاب الله وسنة رسول الله وما أقره العقل السليم في كل مجتمع من المجتمعات، نحن لا نريد أن نغلق الأبواب ولا أن نوصد النوافذ، نحن نريد أن نتحرك في الهواء الطلق نعامل الناس وينبغي أن نعيش معهم وأن نحيا الحياة الإنسانية التي يعيشها إنسان هذا العصر ولكن من خلال قيمنا ومفاهيمنا وأحكام ديننا.

عثمان عثمان: ما حكم الإتلاف فضيلة الدكتور في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

محمد كمال إمام: أنا أعتقد أن الإتلاف الآن ليس من مهمة الفرد..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا هو الإتلاف يعني..

محمد كمال إمام (متابعا): كسر مثلا الزجاج، تكسير مثلا محلات الفيديو أو إلى ما هو ذلك، أنا أعتقد أن هذا ليس من مهمة الأفراد، هذه أنظمة قانونية هناك جهات قانونية هنا ليس للفرد إلا دور ما نسميه شهادة الحسبة أن يذهب إلى الجهات المعنية المختصة ويبلغها بأن هناك منكرات تحدث في هذا المكان وعلى هذه الجهات المعنية أن تتحرك ولكن ليس للأفراد أن يقوموا بهذا الدور وإلا تحول المجتمع إلى فوضى، ما قيمة القوانين؟ ما قيمة المؤسسات؟ ما قيمة هؤلاء الأفراد؟ يعني أن ينصب الإنسان الفرد نفسه حاكما وقاضيا ووليا للأمر ومنفذا، هذا الأمر غير جائز في حقيقة الأمر ولا ينبغي أن نلصقه بنظام الحسبة.

عثمان عثمان: ما هي أهم الكتابات فضيلة الدكتور عن الحسبة في الإسلام؟

محمد كمال إمام: طبعا يعني ربما تكون مكتبة الحسبة في التراث الإسلامي غنية وثرية وهناك جانبا، هناك الحسبة العملية يعني مثل كتاب الشيزري وكتاب ابن الأخوة وغير هذ الكتب التي تتحدث عن الحسبة على البيطريين والحسبة على السوق والحسبة على القصابين والحسبة على كذا والحسبة على الحمامات يعني تجد الأبواب الموجودة هي تشمل كل الحياة الاجتماعية في دنيا الناس هناك احتساب فيها لأنه قد يحدث فيها مخالفة لأوامر شرعية أو قد يحدث فيها منكرات ولذلك نجد كتاب الشيزري المسمى "نهاية الرتبة في أحكام الحسبة" وغيره كتب كثيرة لابن الأخوة هذه تتناول الحسبة العملية لأن فصولها تتعلق بكيفية قيام المحتسب بدوره في هذه المجالات المتعددة وهناك كتب تنظر للحسبة مثل "الأحكام السلطانية" للماوردي و"الأحكام السلطانية" لأبي يعلى الفراء نجد أبواب موجود للحسبة، هناك "الحسبة والولايات الإسلامية" لابن تيمية، هناك كتب عناوينها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل كتاب "الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهو كتاب حنبلي، والذي رصدته من دراساتي في موضوع الحسبة أنه لا يوجد مذهب من المذاهب إلا وفيه كتابات عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتابات مفردة ومستقلة، فالمكتبة الإسلامية بحمد الله غنية نحتاج إلى إبراز هذه المكتبة إلى فهمها إلى وضعها في إطار تشريعي إلى ضبط الحياة الاحتماعية على ضوئها لأن الأفكار في داخل الكتب تموت ولكنها من خلال المجتمع تتحرك وتؤدي دورها وتؤدي واجبها.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلى أن نشكركم الدكتور كمال إمام استاذ الشريعة في كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية على حضوركم معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.