- مفهوما الفائدة والربا وتأثيرهما في الاقتصاد

- مبدأ النقد يولد النقد وأزمة الرهن العقاري

- المشتقات المالية والمضاربات وبديلها الشرعي

- مستقبل النظام الرأسمالي وبديله الإسلامي

 

 
عثمان عثمان
عبد الرحمن يسري
منذر قحف
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأزمة المالية التي يشهدها العالم الآن بلغت من الحدة ما لم يشهد لها الاقتصاد العالمي مثيلا منذ أزمة الكساد العالمي الكبير عام 1929 بل إن بعض الخبراء يرون أننا لا نزال في بدايتها وهذا ما ضاعف حجم التساؤلات التي لم تقف عند حدود تأثير الأزمة على الاقتصاد الحقيقي بحدوث الكساد فقط ولكن أثارت قضية بنيوية تتعلق بالنظام الرأسمالي نفسه حول إمكانية استمراره ومدى الوثوق بالتعويل عليه في الاقتصاد العالمي، وهل هناك قوى أخرى ستظهر على ساحة الاقتصاد العالمي؟ في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة سنعالج جملة من التساؤلات الخاصة بهذا الموضوع من قبيل ماذا تعني عودة المطالب بخفض سعر الفائدة؟ وماذا سيحل بمبدأ النقد يولد النقد؟ وكيف يتعامل الاقتصاد الإسلامي مع الرهن العقاري وبيع الديون والمشتقات المالية والمضاربات؟ إذاً الأزمة المالية ومقولة البديل الإسلامي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور عبد الرحمن يسري أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الاسكندرية، والدكتور منذر قحف الخبير في التمويل الإسلامي، مرحبا بكم ضيفي في الأستوديو.

مفهوما الفائدة والربا
وتأثيرهما في الاقتصاد

عثمان عثمان: أبدأ معك دكتور عبد الرحمن، بداية هناك توجهات إلى تخفيض سعر الفائدة وربما في بعض الدول مثل اليابان وصلت إلى ما يقرب من الصفر، ماذا يعني لك ذلك؟ وهل يمكن أن نشهد تخفيضا لسعر الفائدة إلى حدود الصفر؟

عبد الرحمن يسري: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بالنسبة لسعر الفائدة فسعر الفائدة هذا له آلية معينة في العالم الغربي وفي التمويل الغربي فحينما يكون هناك مثل هذا الكساد يسعون لخفضه لتخفيف العبء على المستثمرين وحينما يريدون جمع مدخرات في حالة الرواج يرفعون سعره ليزيدونه، نحن في الاقتصاد الإسلامي يعني لنا توجه آخر يعني نحن ننطلق من مسألة أن الفائدة هي الربا وأن الربا محرم وفي أي حالة من الحالات نحن لا نتعامل بالفائدة، فهي الحقيقة أن هناك يعني آلية معينة يتحكمون بها في سعر الفائدة فينخفض في مثل هذه الأوقات ويرتفع، أما يعني توجههم بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن سعر الفائدة يكون صفرا فهذه مسألة يعني طرقها بعض الاقتصاديين من قبل مثل كينزمان مثلا يعني حينما يرى أن استخدام الأموال بأقل حد من سعر الفائدة حتى يصل للصفر هو أفضل استخدام للموارد المتاحة، موريس آليه بعد ذلك وآخرون يعني وأن معظم الأزمات المالية اللي منسميها نحن أزمات اقتصادية دورية بتحدث في الحقيقة نتيجة إفراط البنوك في منح الائتمان للمشروعات وبتبقى دورة الرواج في البداية يعني تجعل المشروعات تقترض من البنوك وهي مطمئنة إلى أنها تستطيع السداد ثم تأتي بعد ذلك مرحلة أخرى يعني قد لا تستطيع فيها المشروعات المقترضة أن تسدد الفوائد وتبدأ مرحلة أخرى في الانقلاب نحو الكساد، هذه دورة عادية وقد تطرق إليها اقتصاديون غربيون يعني في نظرية مثلا قديمة نظرية هوتري يعني من فترة طويلة تقول إن سبب الأزمة الدورية وهذه أزمة دورية يعني، كل ما في الأمر أن أزمة 1929، 1933كانت هي يعني أول أزمة تصيب الاقتصاد الرأسمالي لأنهم لم يكونوا متوقعين أزمة من هذا النوع، إنما وضعت سياسات في ذلك الوقت أنه حينما تحدث أزمة من هذا النوع تتجه الحكومة إلى الإنفاق العام فتعوض النقص في الإنفاق الخاص، الآن الوضع قد يكون أشد بالنسبة للبلد التي بدأ منها الكساد وهي الولايات المتحدة الأميركية لأن الاقتصاد الأميركي كان يعاني من أشياء أخرى يعني حرب العراق وحرب فلسطين..

عثمان عثمان: دكتور يعني عندما نسأل ماذا يعني تخفيض سعر الفائدة؟ البعض يرى في تخفيض سعر الفائدة عودة إلى الأصول الإسلامية في التعامل مع القضايا المالية.

عبد الرحمن يسري: والله هم لو فقهوا، لو فقهوا {..وذلك هو الدين القيم..}[الروم:30] يعلموا أن سعر الفائدة هذا سلاح ذو حدين يعني، يعني حينما نرفعه يتضرر المستثمرون، حينما نخفضه يتضرر أصحاب الودائع وهم لو عرفوا الحقيقة فعلا واتجهوا إلى التمويل بالمشاركة مثلما ندعو في الاقتصاد الإسلامي لكان هذا أفضل لهم، يعني دي حقيقة من الحقائق هم يكتشفونها الآن، يعني معالجة الأزمة أساسا من بدايتها تمخضت في أحد أوجهها في أنه يخفض سعر الفائدة لكي يشجع المشروعات على الاستمرار في الاستثمار ويحاول وضع أساس جديد حتى تنتهي هذه الموجة، إنما أنا أتساءل يعني هل هي، يعني هي أولا مسألة عقائد إلى حد ما، يعني إذا اعتقدت أن الفائدة ربا سأمتنع عن التعامل معه سواء في رواج أو في كساد.

عثمان عثمان: طبعا هناك العديد من الاقتصاديين دعوا إلى تخفيض سعر الفائدة إلى الصفر والبعض قال بأن هذا يتطابق مع المبدأ الإسلامي مبدأ تحريم الربا دكتور طبعا هو مبدأ إسلامي ومبدأ غير إسلامي، البعض يتحدث أن هذا المبدأ تحدثت به ديانات أخرى واقتصاديون وحتى أرسطو كان له قول في هذا الموضوع. في ظل الأزمة المالية العالمية الآن ما دلالات تحريم الربا شرعا برأيكم؟

منذر قحف: يعني هذا يسوقنا إلى مسألة تعريف الربا، فما هو الربا؟ الربا هو زيادة في الدين، فالزيادة في الدين لا حقيقة لها ولا أصل لها من أين تأتي، الدين لا يزيد بطبيعته لأنه مال معنوي من طبيعته أنه غير قابل للزيادة فلما نفترض افتراضا أن هناك زيادة في الدين فلا بد أن تأتي هذه الزيادة من مال آخر وليس من الدين نفسه لأن الدين لا يزيد، لا يخلق قيمة مضافة وبالتالي صحيح علماء كثيرون وفلاسفة كثيرون والأديان كلها أيضا تتفق على تحريم هذه الزيادة في الدين الربا، اللي هو نفس الفائدة المصرفية كما نعرفها اليوم هي نفس الربا تماما، فتحريمها ومنعها مسألة قديمة عرفها الناس. الاقتصاد الرأسمالي الحديث قام على قبول هذه الفرضية وهي أن الدين يزيد فإذا قبلنا فرضية الدين يزيد سينشأ عنها أشياء كثيرة هي أنه يمكن أن نتداول الديون، يمكن أن نعيد تأجيل الديون بزيادة، يمكن أن نبيع الديون، يمكن أن نتعامل بالديون وكأنها سلاح، فهنا تنشأ مشكلة حقيقية وهي أنه ستتزايد مديونيات الناس من خلال هذه الديون دون أن تزيد القيمة الحقيقية في هذا المجتمع لأنه لم يحصل إنتاج، لو أخذنا فرضية للتبسيط، لنفرض أن مجتمعا ليس فيه إنتاج وكل ما فيه هو إقراض، شخص يقرض الآخر والآخر يقرض غيره وغيره يقرض رابعا وخامسا وسادسا كل أفراد المجتمع يقرضون بزيادة نصل إلى النهاية ماذا ينتج هذا المجتمع؟ لا ينتج شيئا، لا يستطيع أن ينتج شيئا. إذاً التمويل ينبغي أن يكون خادما للإنتاج الفعلي وإذا ألغينا فكرة أن الدين يزيد من أين إذاً تأتي الزيادة؟ من الاستثمار الحقيقي فإذا قام استثمار حقيقي نتوزع هذه الزيادة.

عثمان عثمان: يعني انطلاقا مما تقول دكتور البعض يرى أن مفهوم الفائدة الآن أو مفهوم الربا ربما اختلف بشكل أو بآخر عما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يعني أنه في ذلك الوقت كان الإنسان محتاجا إلى المال ومن ثم يقترض مالا بفائدة معينة أو بربا، أما الآن من يقترض من البنوك يقترض ليستثمر هذا المال وبالتالي اختلف شكل الفائدة بشكل أو بآخر.

منذر قحف: يعني لاحظ أن ما قلته من إن الربا هو زيادة في دين وهذه الزيادة ليست لها حقيقة، لم تنشأ عن قيمة مضافة، هذا يتعلق بالاستثمار أكثر مما يتعلق بالمستهلك الذي يريد أن يأكل لأنه جائع لأن ذاك لا ينتج قيمة مضافة على كل حال، فعدم إنتاج القيمة المضافة هي من طبيعة الدين فإذا استثمرنا استثمارا حقيقيا نتوزع القيمة المضافة أما إذا لم نستثمر استثمارا حقيقيا يعني قمنا فقط بالإدانة، الإقراض، هذا الإقراض لا ينتج قيمة مضافة وبالتالي ليس عملية استثمارية، بنفسه ليس عملية استثمارية لأنه لا يؤدي إلى زيادة في الإنتاج لا السلع ولا الخدمات إذاً أين تأتي حصة المقرض الذي سيفرض نسبة معينة من رأس ماله أو مقدارا معينا؟ لا يمكن أن تأتي إلا من أموال الآخرين، ليس لها مصدر آخر.

عبد الرحمن يسري: أنا أود أيضا أن أضيف إلى هذا يعني لو سمحت لي أن الآيات القرآنية في سورة البقرة {..قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا..}[البقرة:275] هذا حوار ما بين التجار أو رجال الأعمال وبين النبي عليه الصلاة والسلام وفي آخر هذه الآيات يقول سبحانه وتعالى {..وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}[البقرة:279] فإذاً هي المسألة كانت خاصة بالناس الذين يتاجرون ولهم تجارة في السلع وفي الأموال أيضا، وفي خطبة الوداع الرسول عليه الصلاة والسلام يقول إيه؟ في الخطبة، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب وكان العباس بن عبد المطلب يعطي النقود مضاربة في البداية يعني للتجارة، ولم يرد أي نص في الأحاديث على أن الربا فقط هو ما يدفعه المساكين أو الفقراء بالعكس المجتمع العربي الجاهلي ربما كان أكثر رأفة من المجتمع الحالي يعني، يعني ربما كانوا يساعدون الفقراء بدون ربا على الإطلاق، كان الربا معروفا في المعاملات المالية والمعاملات التجارية وفي وفي وفي.. الفخري الرازي في كتابه "التفسير الكبير" تجد أنه يقول إن إحدى صور الربا أن الرجل كان يعطي ماله للتجار ويأخذ منه شيئا في كل شهر أو كل كم شهر ثم يبقى المال كما هو فإذا حل وقت سداده إما أن يزيده وإما أن يربي أضعافا بعد ذلك وهذا هو الربا الأضعاف المضاعفة.

عثمان عثمان: بطبيعة الحال يعني المجامع الفقهية الإسلامية الثلاثة اعتبرت أن أي فائدة هي ربا محرما.

عبد الرحمن يسري: ده صحيح.

         مبدأ النقد يولد النقد وأزمة الرهن العقاري

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني أحد مبادئ النظام الرأسمالي أن النقد يولد النقد، في ظل الأزمة المالية العالمية الخانقة الآن ماذا حل بهذا المبدأ، هل بنظركم أنه تخلخل؟

عبد الرحمن يسري: والله هذا المبدأ تخلخل وسيتخلخل عند كل أزمة تحدث للمجتمع الرأسمالي لأنه بيتضح، يعني حينما ندرس للطلاب المواد مثلا مثل النقود والبنوك اللي هي معروفة في العالم الغربي يعرفون في أي كتاب للنقود والبنوك money and banking في كل العالم أن أساس إدارة النقود في المجتمع وإدارة الاقتصاد هو سعر الفائدة يعني هذا أول ما يدرس لهم وأن النقود لها قيمة على مدى الزمن وأن هذه القيمة تؤخذ في شكل صورة الفائدة فحينما نأتي الآن إلى هذا الموقف أو إلى ما يماثله بعد ذلك يكتشفون أنهم لا يعتمدون على شيء يعول عليه وأن، فيعني هي البقية أن يتعرفوا على أن هذا لو رجعوا مرة أخرى لأن الفوائد لم تحل إلا في أواخر العصور الوسطى ولم تقر قانونا في الدول الغربية كلها إلا في القرن الخامس عشر والسادس عشر تقريبا يعني إنما قبل، وحتى حينما أقرت يعني إلى الآن حينما أقرت الربا عندهم هو الفائدة الفاحشة، يعني عندهم الفائدة إذا كانت في حدود 4% فهي ليست ربا إنما ما يزيد عن ذلك فهو ربا، إنما نحن في الإسلام عرفنا أن ما كان كثيره حرام فقليله حرام وأنه يحرم على الإنسان كما يقول الأخ الدكتور منذر قحف أن يتعامل بالديون. وعلى فكرة كلمة ربا وكلمة فائدة كانت موجودة من قديم الزمان، يعني حينما سئل أرسطو المقولة التي حضرتك ذكرتها سئل هل الفائدة مثل الربا؟ يعني الكلمتان كانتا موجودتين في القاموس اللاتيني والقاموس الإغريقي القديم والربا كان مبلغا يقتطعه الدائن من أصل الدين قبل أن يعطيه، يعني مثلا أنا أعطيك ألف فأسلمك تسعمائة ويصبح عليك ألف، أما الفائدة فكانت تعويضا يعطيه المدين للدائن حينما يسدد فحينما سألوه قال مثلها لأن النقود عقيمة لا تلد، يعني النقود في حد ذاتها لا تلد شيئا لا بد أن يكون معها مجهود إنتاجي كما قال الأخ الدكتور منذر قحف يعني لا بد أن يكون معها مجهود إنتاج.

عثمان عثمان: دكتور منذر يعني أحد أسباب الأزمة المالية الحالية هي التجاوزات التي وقعت في الرهن العقاري ومضاعفات هذه التجاوزات، لو أردنا اليوم أن نشخص أزمة الرهن العقاري القائمة الآن كيف يمكن أن نصورها للمشاهد الكريم؟ وما الحكم الإسلامي في الرهن العقاري؟

منذر قحف: يعني نحن ينبغي أن نميز بين الرهن العقاري أو تمويل العقارات من جهة وبين التجاوزات التي حصلت في المرحلة الأخيرة من سنة تقريبا 2002 أواخرها إلى 2007، التمييز ضروري هذا لأن الرهن العقاري، تمويل العقارات يمكن أن يتم بطريقة إما المرابحة، البيع بثمن آجل أو بثمن مقسط أو بالإجارة وهذا البيع يمكن أن يؤكد برهن عقاري لأنه لا بد من ضمان تمويل الممول، لا تسطيع أن تطالب إنسانا أن يمول آخر دون أن يضمن لحقوقه التي مع المدين..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن هناك تجاوزات في الرهن العقاري يعني.

منذر قحف: أيوه، الذي حصل في أميركا أنه حصلت تجاوزات متعددة ثم تراكمات هي التي أدت إلى الأزمة، التجاوزات أولا إعطاء تمويلات عقارية أكثر بكثير مما يستطيع أن يفي به المستهلك المشتري، ثانيا الاعتماد على أن الأسعار تتزايد وكانت تتزايد فعلا بس هذا التزايد لا يمكن أن يستمر، فالاعتماد على أن الأسعار تتزايد فكانوا يزيدون دائما في مقدار التمويل العقاري ونلاحظ أنه قائم على الفائدة ويخلق ديونا، الشيء الثالث أيضا أن هذه الديون كانت تعطى أو هذه القروض للتمويل العقاري كانت تعطى بتسهيلات ببعض الأحيان مغرية وتفوق قدرة الناس المستهلكين، مغرية بمعنى مثلا أن لا تدفع أية أقساط خلال السنة الأولى أو تدفع فقط الفائدة خلال فترة سنتين أو ثلاث أو تأخذها بفائدة قليلة جدا ثم بعد ثلاث سنوات هذه الفائدة ستتزايد وترتفع بحيث لا يستطيع أن يدفعها بعد ذلك، فالمراهنة على أن السعر سيزداد كانت قائمة بصورة مستمرة. الأمر الثاني، الوسطاء الماليون الذين يقدمون الديون العقارية، تمويل العقارات على أساس الفائدة كانوا يعتمدون على أن هذه الديون ستنتقل فورا مجرد إعطائها إلى تجار الجملة أو شركات التمويل بنصف الجملة مثل فانيميه وفريدي ماك هذا الانتقال المباشر جعلهم يتساهلون ولا يتحملون أعباءها، هم يأخذون عمولتهم ويمضون فلا يتحملون أعباء هذه القروض بعد أن يعطوها، الذي يتحملها هو الشركات الكبرى هذه أو المتوسطة الحجم اللي تتحمل هذه الديون. ثم توريق هذه الديون بمعنى أن نحول هذه الديون إلى مجموعات من الأموال المالية المحضة ثم نبيع هذه المجموعات في الأسواق للبنوك وللمستثمرين وللناس في السوق المالية كسندات قرض أو ما يشبه ذلك مجموعات من سندات. فهذه الديون تراكمت لهذه الأسباب هذا التراكم جعل أنه عندما عجز بعض، ولم تكن نسبة كبيرة الحقيقة يعني مليونين بين مالكي العقارات في أميركا، ستون مليونا على الأقل اللي يملكون عقارات فمليونين ليست نسبة هائلة بينها، لما وقع هؤلاء أثرت تأثير فعل ما يشبه أحجار الدومينو فانتقلت من دائن إلى آخر، فهذه التجاوزات أدت إلى الأزمة.

عثمان عثمان: دكتور عبد الرحمن يعني البعض يتحدث عن أن 60% من الأميركيين استفادوا من الرهن العقاري وامتلكوا بيوتا ومنازل، لو أردنا أن نتحدث انطلاقا من التجاوزات التي تحدث فيها الدكتور منذر عن البديل الإسلامي، ما هو البديل الذي يقدمه التمويل الإسلامي لشراء عقارات معينة؟

عبد الرحمن يسري: هو البديل الإسلامي الآن في التطبيق المصرفي الإسلامي الحديث يعني هو الإجارة المنتهية بالتمليك، هو عقد إجارة يأخذ بموجبه المتعاقد مع البنك يعني يستلم الوحدة السكنية ويدفع قسط إيجار بالإضافة إلى ربح البنك وعادة ما يحسب هذا القسط على أساس جزء من ثمن المسكن بحيث أنه بعد فترة من السنوات يصبح هذا المسكن يعني ملكه تقريبا، يعني هو البنك بيعطي وعدا، البنك الإسلامي بيعطي وعدا إلى أن يملك هذا الشخص أو يعطيه المسكن بقيمة رمزية أو كهدية، يعني هي يقال قيمة رمزية أو كهدية يعني هي ليست هدية حقيقة إنما لأن الشخص يكون دفع القيمة بالكامل. ومشكلة المديونية تكلم عنها الأخ الدكتور منذر التي تحدث نتيجة أن الفوائد على هذه الديون بترتفع في الوسط ثم تباع هذه الديون إلى مستثمرين في أوراق تجارية ثم هؤلاء يعطونها لشركات تأمين ليأخذوا حقها فتتراكم الفوائد ويتحملها المستثمر الأساسي، لا تحدث في البنوك الإسلامية لأن البنك الإسلامي لا يحدث هذا. وهناك مسألة أخرى أن المستأجر بهذه الطريقة في البنك الإسلامي اللي هو الإجارة المنتهية بالتمليك، إذا عجز عن الإيجار تعطيه الشريعة الحق في أن يؤجر المسكن من الباطن، يعني لا ينزع منه المسكن، لا، يستطيع أن يكون هناك عقد إيجار يؤجره لشخص يدفع عنه إلى أن يستطيع هو أن يصل إلى المرحلة النهائية التملك. هناك مآخذ على الإجارة المنتهية بالتمليك مآخذ شرعية إنما كل ما نرجوه أنه هو تطور هذه العقود مستقبلا بما يزيح عنها أية مسالب يعني.

عثمان عثمان: طبعا بعض ما حدث في أزمة الرهن العقاري أيضا أن العقار نفسه كان يتم رهنه لمصدرين أو ثلاثة مصادر ومن ثم تتم مضاعفة الأموال وبالتالي يعجز عن سداد أي شيء من هذا، يعني ما حكم رهن المرهون في الشريعة الإسلامية؟

عبد الرحمن يسري: ما هو بداية هو أصبح يعني اشترى البيت وهو كما تفضل من قبل أخي الفاضل، الناس بيشتروا هذه المساكن على أمل الاستثمار أيضا لأنه لو كان هناك ارتفاع في أثمان هذه المساكن في السوق حتى لو عجز في الوسط ممكن أن يصفي حسابه مع بيت الرهونات هذا وحتى يمكن يأخذ عليه ربحا بسيطا، إنما هو في حالة أن الأمور تتأزم وتبقى أسعار المساكن ثابتة أو تهبط، اللي بيحصل أنه هو من البداية بيعلم أن أسعار الفائدة المفروضة عليه من البنك قد تتغير مع تغير الفائدة في البنك المركزي ثم إن البنك يريد تحصيل أمواله ولا يبقى دائنا لهذا الشخص بالذات أو يعني هذه المؤسسات فيبيعها في شكل أوراق تجارية، طبعا البيع في أوراق تجارية بتأتي فوائد لهؤلاء المشترين ثم هؤلاء يضعونها في يد شركات التأمين، تتراكم الفوائد مرة بعد مرة، هذا عبارة عن بيع ديون وبيع الديون غير مسموح به في الإسلام، يعني ربما بعض الفقهاء يعني سمح ببيع الدين في حالات خاصة جدا يعني، أنه يعني قد أكون أنا دائا لشخص مثلا وهو غير قادر وأنا أصبحت في أزمة مالية فجعلت هذا الدين يتحمله شخص آخر هو أصبح، إنما ليس لا مقابل فائدة ولا مقابل أي شيء، لكن لما تحدث المسألة على مستوى تنظيمي كلي وتصبح عملية بيع الديون هذه عملية ممارسة في المجتمع فتتراكم الديون وتتراكم عليها الفوائد، هنا هذه هي المشكلة الحقيقة.

عثمان عثمان: طبعا أحد أسباب وجوانب الأزمة المالية هو ما سمي بالمشتقات المالية في النظام الرأسمالي، ما حكم النظام المصرفي الإسلامي في موضوع المشتقات المالية؟ نسمع إن شاء الله الإجابة بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن ما يسمى بالبديل الإسلامي للأزمة المالية العالمية الآن، دكتور أعتقد كان لكم تعليق حول موضوع بيع الديون؟

منذر قحف: نعم، يعني أنا أريد بس توضيح قليل إلى ما ذكره الدكتور عبد الرحمن، أن بيع الديون يمكن أن يتم عن طريق الحوالة بقيمتها الاسمية، أما هناك بيع آخر للديون..

عثمان عثمان (مقاطعا): كيف، يعني لو أردنا أن نشرح؟

منذر قحف: بقيمتها الاسمية، يعني لو إنسان مدين لآخر بدين يستحق بعد ثلاثة أشهر وهذا الدين مقداره ألف يمكن للدائن أن يحول هذا الدين إلى شخص آخر لمصلحة ما عنده بنفس مقدار ألف وليس بغير الألف، بغير الألف لا يجوز، هذا اسمه حوالة الدين. أما هناك شيء آخر يمكن أيضا لأنه أيضا يعني يثير لبسا في بعض الأذهان، هناك شيء اسمه بيع الديون شريطة أن لا يؤدي إلى الربا وهي الدين المستحقة، الديون التي استحقت ولم تدفع، لسبب من الأسباب المدين لم يدفعها سواء بعجز أو بغير عجز، هذه الديون يمكن بيعها لشخص آخر وهذا البيع معناه حقيقة هو التحصيل، كأنه رسم تحصيل، فيمكن عند ذلك بيعها بغير قيمتها الاسمية لأنها ديون تتجنب الربا لأنها مستحقة، ليست ديونا آجلة والربا هو عامله عامل زمن فليس فيها ربا. أنا أريد أن أعود إلى مسألة المشتقات، المشتقات..

المشتقات المالية والمضاربات وبديلها الشرعي

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا المشتقات هي أحد صور الأزمة المالية العالمية.

منذر قحف: بل إنها من الصور الكبيرة ، يعني الأزمة المعاصرة تكاد تستند إلى أمرين، المشتقات والتوريق، اللي هو securitization بشكل خاص للديون العقارية والمشتقات منها ما ارتبط بالديون العقارية ومنها ما لم يرتبط بالديون العقارية، اللي ارتبط بالديون العقارية هو التأمين على الديون العقارية ثم عقود مبادلة الديون العقارية ثم مبادلة هذه العقود نفسها عقود التأمين على الديون العقارية وعقود مبادلة الديون العقارية وغيرها، فتراكمت تراكمات عديدة صارت هي نفسها تتبادل في الأسواق دون النظر إلى أصول هذه الديون. النوع الثاني من المشتقات اللي هي ما يسمونه بالتي تؤدي إلى مجموع صفري، أن مجموع المعاملة فيها يكون صفرا، بمعنى واحد يربح وواحد يخسر، لا توجد قيمة مضافة في المجتمع لم ينتج شيء جديد، فمن أين يأتي الربح؟ سيأتي من خسارة الآخر، ليس له أي مصدر آخر، هذه المعاملات، المضاربات في أسواق المستقبليات، البيوع العقود التي لا حقيقة لها، مثل عقود المؤشرات، مثل عقود الفروق مثل أيضا عقود الاختيارات الـ options التبايع بها الكثير اللي فقط هو مضاربة على السعر ينتهي بخاسر وكاسب دون زيادة إنتاج في المجتمع من أي نوع، يعني حتى إنتاج خدمي لا يوجد، لا يزيد، بالتالي هذه ضخمت المعاملات المالية كثيرا إلى أضعاف متعددة، أضعاف مضاعفة للتمويل، للإنتاج الحقيقي بحيث نصل إلى مسألة الهرم المقلوب اللي تحدث عنها موريس آليه وغيره من الاقتصاديين أن الهرم المقلوب معناه أن حجم الإنتاج الفعلي للسلع والخدمات مقدار ما، حجم التمويل، هناك طبقات عديدة من التمويل البحت الذي ينفصل عن الواقع الحقيقي للإنتاج والتداول للسلع والخدمات، هذا التمويل طبقات متعددة بسبب التراكمات وبسبب التوريق وبسبب المعاملات التي لا حقيقة لها، المعاملات التي تنتج مجموعا صفريا لأن فيها خاسر وكاسب فقط فكل هذه خلقت طبقات متعددة كل منها أكبر من التي تحتها فشكلنا هرما مقلوبا بالنسبة للاقتصاد بكامه وهذا الهرم يجعله سريع التأثر جدا، وهناك يعني تكاد تكون نوعا من الهباء المنثور هذه الطبقات خاصة الطبقات العليا التي تبتعد عن الاقتصاد الحقيقي الإنتاجي والخدمي.

عثمان عثمان: دكتور ربما تطرق إلى ما يسمى بالمضاربات اليوم لو أردنا أن نتحدث عن هذه المضاربات التي فاقمت بشكل أو بآخر من الأزمة المالية الحالية، ما وجه الخلل في هذه المضاربات؟ وما هي صفة أو ما هو شكل المضاربة الشرعية؟

عبد الرحمن يسري: يعني أنا أريد أن أقول أولا إن يعني ما تكلم عنه هو يعكس حقيقة الموقف في العالم، في العالم الرأسمالي ما يسمى بالسوق الحر لأن المعاملات النقدية يعني النقود مقابل النقود دون أن يكون هناك إنتاج حقيقي هذه فاقت كل تصور. يعني أنا قرأت في بعض الإحصائيات ومنشورة يعني ممكن الإنسان يطلع عليها في الإنترنت تحت speculative money يعني النقود المضاربة، أو hot money أن ما يتداوله العالم كله نحو 530 ترليون دولار في العالم كان مجموع النقود الكلي في تجارة حقيقية وتجارة نقدية محضة وأن فقط 5% من هذا المقدار هو اللي في أشياء حقيقية، والـ 95% معاملات نقدية محضة وهذا ما جعل يعني في العالم الغربي قبل الأزمة دي بكثير يعني بسنة أو سنتين يعني أناس يكتبون مقالات كثيرة عن أننا نعيش في نادي قمار عالمي يعني big Las Vegas club زي ما يقولون يعني نادي قمار عالمي، الناس بتتعامل في نقود مقابل النقود ولكن هل هناك قيمة مضافة أو إنتاج حقيقي؟ ليس هناك، هذا خلاف المضاربة الشرعية.

عثمان عثمان: ما هي المضاربة الشرعية؟

المضاربة الشرعية تتضمن طرفين: طرف يملك رأس المال وطرف آخر هو المضارب أو العامل  يأخذ هذا المال منه على سبيل الأمانة ويستثمرها
عبد الرحمن يسري: المضاربة الشرعية، كلمة مضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير في الأرض أو السفر في الأرض وهو صفة التجار في القديم، فالمضاربة الشرعية تتضمن أن هناك طرفين ده في البداية يعني العقد التقليدي للمضاربة، هناك طرفان طرف منهما يملك رأس المال ويسمى رب المال وطرف آخر هو المضارب أو العامل كمان يأخذ هذا المال منه على سبيل الأمانة ويستثمرها، هذا هو عقد المضاربة، ويتفقان على نسبة شائعة من الربح المحقق يعني إذا تحقق ربح أنا لي مثلا خمسين وأنت خمسين أو أربعين وأنت ستين على حسب ما يتفقان ولا يأخذ المضارب أي أجر أو أي شيء سوى المشاركة في الربح، فالمضاربة هنا كما يقول الفقهاء هي شركة في الربح يعني نشترك فيها في الربح، طبعا تطبيقاتها الحديثة اختلفت..

عثمان عثمان: يعني ربما هنا أريد أن أسأل سؤالا، هل ترون أن هذه الصفة هذه الشروط للمضاربة الشرعية هي مطبقة الآن في البنوك والمصارف الإسلامية في مؤسسات التمويل الإسلامي أم أنها هي شكلية فقط؟

عبد الرحمن يسري: والله هي المضاربة، عقد المضاربة طور لأن عقد المضاربة في البداية كان عقدا بين طرفين، أصبح البنك بصفته وسيطا فأصبح هناك مئات بل آلاف من الناس يعني يضعون أموالهم على سبيل الأمانة لكي يستثمرها البنك الإسلامي، كل هذه الحسابات التي تفتح في البنك الإسلامي على أنها حسابات استثمار أو حسابات تسمى بأسماء أخرى هذه تفتح على أساس عقد المضاربة فعقد المضاربة يعني بمعنى نحن بنأتمن البنك على هذه الأموال يستثمرها لنا وبمقابل نسبة شائعة مما يتحقق من ربح للبنك.

عثمان عثمان: هذه النسبة سواء في الربح أو في الخسارة؟

عبد الرحمن يسري: لو حدثت خسارة، ليه؟ لأنه يعني احتمالات الخسارة ضعيفة جدا، ليه؟ لأن البنك يستثمر أمواله في العديد من المشروعات ولو خسر أحد هذه المشروعات مشروعات أخرى بتربح إلا إذا عمت الخسارة في الكل. ولكن عقد المضاربة في الواقع إلى الآن لم يفعل من جانب أن المصرف الإسلامي أو البنك الإسلامي يعطي ماله لطرف آخر يستثمره عن طريق المضاربة لأنه ما زالت البنوك الإسلامية يعني حذرة من جهة استخدام الأموال عن طريق هذا العقد إنما هي تستثمره مباشرة بطرق كثيرة.

             مستقبل النظام الرأسمالي وبديله الإسلامي

عثمان عثمان: دكتور منذر يعني أحد مبادئ النظام الرأسمالي أنه يقوم على حرية رأس المال وعدم تدخل الدولة، الآن أمام الأزمة الحالية نجد هناك تدخلا كبيرا من الحكومات سواء ما حصل في أميركا من ضخ مليارات الدولارات أو في الدول الأوروبية وغيرها، هل يطعن هذا في أساس النظام الرأسمالي برأيكم؟

منذر قحف: في رأيي لا يطعن بأساس النظام الرأسمالي لأنه حقيقة الأمر أن النظام الرأسمالي لم يكن يعني في وقت من الأوقات نظاما مثاليا من حيث عدم تدخل الدولة بمعنى أن الدولة كانت تتدخل في كل مراحله ولم يحصل في وقت من الأوقات بل إن الوقت اللي سبب الأزمة هو أكثر الأوقات تبنيا لمبدأ دعه يدخل ودعه يعمل ما يشاء. قبل ذلك في الثلاثينات في الأربعينات في الخمسينات بعد الحرب العالمية الثانية إلى التسعينات تدخل الدولة وخاصة في القطاع المصرفي والمالي كان كبيرا جدا وما زال كبيرا، هم صدرت عدة  قوانين بما يسمونه تحرير المعاملات المالية والمصرفية أدخلت تساهلا كثيرا في الأسواق المالية وحقيقة أيضا أتاحت الفرصة لاجتهادات من القانونيين والماليين كثيرة خلقوا فيها هذه العقود الوهمية التي صار يضارب الناس بها بمعنى مش المضاربة الشرعية بمعنى المضاربة speculation يعني المضاربة على تغيرات الأسعار فقط، فهذا الذي حصل، حصل نتيجة تفريط الدولة، الآن الدولة تعود لتمسك الزمام كما كانت في الستينات أو السبعينات ولن يكون أكثر من ذلك بالنتيجة.

عثمان عثمان: دكتور يعني الآن أزمة مالية كبيرة تعصف بالعالم وبالنظام الرأسمالي البعض الآن أخذ يتحدث وبقوة وبعنفوان عن بداية سقوط النظام والفكر الاقتصادي الرأسمالي لو أردنا أن نسأل هل يمكن للنظام الإسلامي، نظام التمويل الإسلامي أن يشكل بديلا للنظام الرأسمالي؟

منذر قحف: أنا لو وضعت السؤال بشكل آخر هل يمكن تطبيق النظام التمويلي الإسلامي ويؤدي إلى نتائج أقل متاعبا؟ أنا أقول نعم 100%، لأن المتاعب كما لاحظنا في هذه الأزمة بشكل خاص تأتي من إباحة الفائدة، وتأتي من إباحة بيع الديون وبيع الديون يقوم على الفائدة، تأتي من إباحة العقود الوهمية، تأتي من إباحة العقود اللي فيها تساهلا كثيرا بحيث تصل إلى فقط مضاربة على الأسعار بدلا من أن تكون عقود تداول حقيقي،كل هذا الشريعة تقف ضده. هناك عامل آخر أيضا بالنظام المالي الإسلامي هو العامل الأخلاقي الذي يأتي من جهتين، الجهة الأولى أن هناك بعض ما يسمونه بالسلع، هي في الحقيقة ليست طيبات، أشياء ضارة ويتداولها الناس ولو سمح بها القانون يعني من الخطأ أن يسمح بها القانون مثل الخمور مثلا مثل أي سلعة ضارة، السجائر مثلها أيضا، فحتى لو سمح لها القانون وينبغي أن لا يسمح فتمويل هذه السلعة يؤدي إلى نتيجة سلبية وليست إيجابية في حياة الناس، إذاً أيضا الجانب الأخلاقي في عدم تمويل سلع لا تخدم مصلحة الإنسان أو تضر به، الإنسان والبيئة معا. النقطة الثانية في الأخلاق هي في العقود نفسها أنه ينبغي أن تكون العقود منضبطة بحيث تراعي المبادئ الأخلاقية، انضباط العقود هذا شيء يعني الشريعة نفسها تحدد معالمه ليس متروكا لرغبات الناس فقط فلما نحدد معالم ومن خلال القانون نؤدي إلى أن لا تنشأ معاملات ليست فيها مراعاة للمبادئ الأخلاقية بطبيعة النظام. فأنا أقول فعلا، سامحني يعني لو تممت الجملة، أنا أقول فعلا النظام التمويلي الإسلامي يقدم بديلا قابلا للحياة وقابلا للنجاح بل أن تجربته الصغيرة في البنوك الإسلامية والمؤسسات التمويلية الإسلامية بينت هذا النجاح، قابل للنجاح وقابل للحياة وهو يشكل بديل حقيقي هو ليس إلغاء لفكرة الملكية الفردية والحرية بل هو إثبات وتأكيد لها، هو إلغاء للتجاوزات فلذلك نحن في هذا نلتقي مع المبدأ تاع النظام الرأسمالي اللي هو الملكية الفردية وحرية الأشخاص.

عثمان عثمان: الدكتور عبد الرحمن نتحدث عن البديل الإسلامي ولكن هذا البديل الإسلامي المتمثل في المصارف الإسلامية المتمثل في مؤسسات التمويل الإسلامي لا يملك إلا أنواعا محددة من المعاملات، هذه الأنواع لا تفي بالضخ المالي الكبير، كيف يمكن أن تشكل حلا؟

عبد الرحمن يسري: يعني اسمح لي بس في البداية يعني شيء من التوضيح على نقطة..

عثمان عثمان: لم يتبق معنا إلا ست دقائق فقط.

عبد الرحمن يسري: ست دقائق، يعني هو النظام الرأسمالي نظام يجدد نفسه بطريقة تلقائية لأنه نظام عملي يعني، لأن أول من تكلم عنه هو سميث واعتقد أنه يسير نفسه بذاته وأن الحكومة يجب أن لا يكون لها دور إلا في الأمن الداخلي والخارجي بل واعتقد أن عمل الحكومة غير ذلك غير واجب لكن لما بدأت الأزمة الرأسمالية في 1929، 1933 واعتقد العالم الإشتراكي حينذاك أن النظام الرأسمالي سينهار جاء كينز بنظريته وأوجد تدخل الحكومة، لما انتعش النظام الرأسمالي في الستينات ثم السبعينات جاءت مارغريت تاتشر في بريطانيا وطالبت بإعادة ما كان قد أمم إلى القطاع الخاص. لما تأتي الآن الأزمة الحكومة بتتدخل، في النظام الإسلامي الحكومة لها دور في رعاية مصالح الناس ودي نقطة مهمة، بالنسبة للنظام الإسلامي التمويلي أنا أعتقد أن المصارف الإسلامية فعلا تقدم بديلا ولكن لا يجب..

عثمان عثمان (مقاطعا): تجربتها ما زالت ضعيفة.

عبد الرحمن يسري: ولكن تجربتها ما زالت في بدايتها، لا ننسى أن هناك عوائق كثيرة في المناخ الذي يسمح لهذه البنوك أن تنطلق في معظم الدول الإسلامية يعني فقط المنطقة الخليجية فقط هي اللي فيها تجربة أكثر نضجا من المناطق الأخرى ومع ذلك البنوك الإسلامية يعني بتستحوذ على نحو 15% فقط إلى 20% والباقي للبنوك الأخرى إنما في البلدان الإسلامية الأخرى بعض البلدان الإسلامية ما زالت إلى الآن لا تقر بها أو لا تسمح لها، فهنا دي مشكلة إنما هي الآن نظام ناجح وفي إطار ما يسمح لها بالمناخ العالمي إنما هي التجربة في بدايتها.

عثمان عثمان: هذه التجربة دكتور، هذه البنوك الإسلامية الآن توجه لها انتقادات كبيرة وحادة باعتبار أن المرابحة فيها والفائدة فيها هي أكثر بكثير مما في البنوك والمصارف التقليدية الربوية.

عبد الرحمن يسري: لا هي أولا لا تفرض فائدة على الأشياء..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني البعض يقول إنها فائدة مغلفة.

عبد الرحمن يسري: قد يقال هذا ولكن هي العقد، العقد أنا أشتري لك سلعة وأضع لنفسي ربحا فوق هذه السلعة لكي أحد الثمن الآجل، هناك فرق بين هذا وبين أن أقول إن هذا دين عليك وأفرض عليك زيادة وهي الفائدة، قد يتساويان في النهاية أو شكلا ولكن الحقيقة أن هذا عقد شرعي وهذا الآخر عقد غير شرعي، يعني دي نقطة يجب أن نفطن إليها. النقطة الأخرى أنه نحن نقول إن البنوك..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هل العبرة للشكل في العقود أم للمضمون؟

عبد الرحمن يسري: المضمون ما زال أيضا {..أحل الله البيع وحرم الربا..}[البقرة: 275] هناك ممارسات كانت خطأ في المرابحة، يعني المحكمة الشرعية في باكستان استمعت إلى شهود ما يزيد عن مائتي واحد وأصدرت كتيبا وحكمت في النهاية أن المرابحة كما تمارسها البنوك الإسلامية تتساوى مع الفائدة لأنه كان الشخص يأتي إلى البنك يقول مثلا أنا أريد أن أشتري كذا، يقول له إذاً دعنا نطلع على فواتيرك ويعطونه النقود وعليك زيادة هي كذا، هذا يأخذ، يعني يدينه بنقود ويأخذ منه نقودا، إنما في الممارسات الأخرى لم تكن بهذا الشكل ونحن نريد من البنوك الإسلامية أن تكون الطرق الأخرى للاستثمار يعني تأخذ محلها محل المرابحة  التي أخذت أكثر من اللازم.

عثمان عثمان: دكتور يعني.

منذر قحف: أنا يعني عندي كلام على هذه النقطة لو سمحت.

عثمان عثمان: باختصار شديد.

المرابحة بطبيعتها تخلق قيمة مضافة لأنها بيع والبيع الآجل يخلق قيمة مضافة

منذر قحف: باختصار شديد، المرابحة بطبيعتها تخلق قيمة مضافة لأنها بيع والبيع الآجل يخلق قيمة مضافة، لا مجال للتفصيل في هذا بس هذا أمر معروف في الاقتصاد أنك لو أضفت سلعة إلى ما تملك من أشياء ستستعد أن تدفع ثمنا أكثر لو كان هذا الثمن آجلا، هذا معروف وعرفه فقهاؤنا القدماء لما قالوا إن للزمن نصيبا من الثمن، فالمسألة إذاً المرابحة بيع ويخلق قيمة مضافة، لا شيء فيه يعني لا مشكلة فيها. بعدين النقطة الثانية أن رأي المحكمة الشرعية في باكستان كان يتعلق بممارسات عملتها البنوك في باكستان وليست ما تفعله البنوك في كل البقاع الأخرى، المرابحة في البقاع الأخرى كلها لا تقم شكلية، هي مرابحة حقيقية سلعة تشترى وتباع آجلا وليس في باكستان..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور في أقل من دقيقتين، تأثر البنوك والمصارف الإسلامية بالأزمة المالية العالمية الآن ربما كان تأثرا قليلا ولكن لو أردنا أن نخلص إلى استفادة من هذه الأزمة، ما الدروس المستفادة التي يجب أن تستفيد منها البنوك والمصارف الإسلامية من خلال الأزمة المالية العالمية؟

منذر قحف: يعني تأثرها هو فعلا أقل لأنها لم تشتر ديونا، لم تقم بتجارة الديون هذا أهم ما جعلها في معزل يعني محصنة..

عثمان عثمان: في دقيقة واحدة دكتور.

منذر قحف (متابعا): لأنها لم تشتر الديون، التأثر، الدروس التي نأخذها أن نقتنع في البنوك الإسلامية بأنه ينبغي أن لا نقوم بأية معاملة لا تنتج قيمة مضافة حقيقية، فمثلا معاملات التورق، التورق غير التوريق، التورق هي معاملة وهمية ربا مال حال بمال آجل يقوم على الشراء من الأسواق العالمية، الأسواق السلعية العالمية وهي لا تخلق، والسلعة الواحدة في السوق العالمية يمكن أن تقوم عليها عاملات عديدة، أن نبتعد عن التورق وأن نبتعد أيضا عن بيع الديون الذي تمارسه بعض البنوك في جنوب شرق آسيا.

عثمان عثمان: عسى أن نستفيد من الأزمة المالية العالمية. أشكركم الدكتور منذر قحف الخبير الاقتصادي المعروف، كما أشكركم الدكتور عبد الرحمن يسري أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، أيضا الشكر موصول لكم السادة المشاهدين على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم والسلام علكم ورحمة الله وبركاته.