- علاقة الظلم بالهلاك
- أنواع الظلم ونتائجه وسبل مواجهته

- الظلم وعواقبه في العلاقة بالله والعلاقة بين العباد

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا..}[يونس:13] الظلم مؤذن بخراب العمران والإنسان كذلك ولقد أقام القرآن تصورا شاملا لمفهوم الظلم وتجلياته وعواقبه اتسع فيه مفهوم الظلم ليشمل مجالات متعددة كمجال الاعتقاد والتصور ومجال السياسة والحكم والقضاء ومجال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ولقد جاء لفظ الظلم في القرآن 299 مرة في 260 آية في 57 سورة، أربعون منها مكية و17 منها مدنية، وهذا يعني أن مفهموم الظلم يشغل حيزا كبيرا من اهتمام القرآن ويستحق أن نلتفت إليه بقدر اهتمام القرآن الكريم به. فكيف تحدث القرآن عن ألوان الظلم وصفات الظالمين؟ وما علاقة الظلم بخراب الإنسان والعمران؟ الظلم وعواقبه موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

علاقة الظلم بالهلاك

عثمان عثمان: بداية من أهم المحاور التي اهتم بها القرآن الكريم تصحيح التصور والأفكار والمعتقدات ومن هنا جاء في آيات متعددة من القرآن الكريم نفي الظلم عن الله عز وجل كقوله عز وجل {..وما ربك بظلام للعبيد}[فصلت:46] ما دلالة هذا النفي فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد. فإن من صفات الله تبارك وتعالى العدل ومن أسمائه العدل، الحكم العدل ويقابل هذا يضاده ويناقضه الظلم، ما دام الله عدلا فإنه ليس بظالم، ولذلك أكد القرآن هذا الأمر ونفى الظلم عن الله تعالى في آيات كثيرة {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}[يونس:44]، {..وما ربك بظلام للعبيد}[فصلت:46] {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}[الحج:10] {..وما الله يريد ظلما للعالمين}[آل عمران:108]، يعني بصيغ شتى جاء نفي الظلم عن الله تبارك وتعالى ولذلك يعني العدل مع التوحيد، يقارن دائما العدل مع التوحيد، من صفات الله تعالى الوحدانية فهو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا يعبد غيره وهو العدل أيضا، عدل في أسمائه وعدل في أفعاله فلا يظلم الله الناس لا في الدنيا ولا في الآخرة. كما قال تعالى {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49] فهذا يعني ما يريد القرآن أن يقرره في هذه القضية.

عثمان عثمان: في الدنيا أيضا فضيلة الدكتور يعني هناك نفي للظلم عن الله تعالى في مجازاة القوم الظالمين والقرى الظالمة كقوله عز وجل {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}[هود:117] يعني كيف يكون العدل الإلهي بإهلاك القرى الظالمة؟

الله سبحانه وتعالى أنذر الناس قبل أن يهلكهم، أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا وأمرهم بالعدل وحذرهم من الظلم
يوسف القرضاوي:
الله سبحانه وتعالى أنذر الناس قبل أن يهلكهم، أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا وأمرهم بالعدل وحذرهم من الظلم، وكما في في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا". فإذا وجد في الناس من يحيد عن منهج الله عز وجل ويستخدم القوة، منطق القوة، بدل منطق الحق ويستعمل ما عنده من سلاح ضد المستضعفين من الناس فإن الله سبحانه وتعالى يغار على عباده المستضعفين الذين لا ناصر لهم ولا حامي لهم إلا الله فينتقم من الظالمين نقمة شديدة. ولذلك يقول الله تعالى {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}[هود:101، 102] إذا أخذها يأخذها أخذ عزيز مقتدر كما في القرآن الكريم ولذلك جاء في الحديث الصحيح "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم تلى هذه الآية {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة..}. فربنا يملي يعني يمهل، الناس حتى العوام يقول لك "يمهل ولا يهمل" وده كلام صحيح، هو يملي ويستدرج {..سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين}[القلم:44، 45]. أحيانا يعملون الظلم فتنزل عليهم نعم، هذا إستدراج من الله تعالى، كلما أحدثوا معصية أحدث لهم نعمة جديدة فيغرهم هذا ويستمرؤون المعاصي ويستمرؤون المظالم حتى إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعاقبهم أخذهم أخذا أليما شديدا، فهذه هي سنة الله مع الظالمين.

عثمان عثمان: هل ينطبق هذا على الأنظمة المتسلطة الظالمة التي تحتل الأراضي وتنتهك الحرمات وتدنس المقدسات في عالمنا اليوم؟

يوسف القرضاوي: طبعا، هؤلاء هم في مقدمة الظالمين الذين تنزل بهم نقمة الله وتنزل بهم عقوبته، هم يظنون أن الكون خلا لهم، خلا لك الجو فبيضي واصفري، لا، هناك عين ترقبهم، هم يظنون أن كل شيء أصبح يعني مباحا لهم، إلا أن الله تعالى بالمرصاد، كما قال تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد}[الفجر:6- 14]. الناس عندهم مثل يقول لك إيه،  يا ظالم لك يوم، يعني ما تظنش أن ربنا غافل عنك، لا، {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون..}[إبراهيم:42]، أحيانا يؤخرهم إلى الآخرة ليوم تشخص فيه.. وأحيانا وفي الغالب أنه ينتقم  منهم في الدنيا، {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}[الأنعام:44، 45].  شوف الحمد لله رب العالمين يعني يحمد الله على أنه بالمرصاد للظالمين حتى لا يفترسوا الآخرين، يظنوا أن الأمر خلاص، لا،  الله لهم بالمرصاد {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}. مما يحكونه في قصص الجبابرة أن أحد الملوك الجبابرة كان يريد أن يوسع قصره وكان بجواره بيت أرملة صغير بيت صغير، قال لها يعني إديني البيت ده أشتريه منك، قالت له لا هذا بيتي وبيت آبائي وأجدادي ولي فيه ذكريات وكذا، فلما ما رضيتش تبيعها له، فخلاها مرة يعني مسافرة وحاجة وأمر أتباعه يهدموا البيت ويدخلوه في القصر، فالمرأة لما جاءت من سفرها بحثت عن بيتها لم تجد البيت وجدت مكانه قصرا فنظرت إلى السماء وقالت إلهي إذا كنت أنا غائبة فأين كنت أنت؟ ودعت على هذا الجبار، فربنا خسف به وبداره الأرض. وفي ذلك يقول الشاعر.. لما دعت عليه سخر منها يعني لما دعت عليه يعني خليها تدعي، فبيقول له:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه

وما يدريك ما صنع الدعاء؟

سهام الليل لا تخطي

ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

فيمسكها إذا ما شاء ربي

ويرسلها إذا نفذ القضاء

ولذلك دعوة المظلوم..

عثمان عثمان: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

يوسف القرضاوي: وفي الحديث يعني ثلاثة "لا ترد دعوتهم منها دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين". ولذلك يقول الشاعر:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

عثمان عثمان: إذاً قضيلة الدكتور كما تفضلتم وكما جاءت الأمثلة في كتاب الله عز وجل وكما بدأنا هذه الحلقة فإن الظلم مؤذن بخراب العمران وبخراب القرى الظالمة، السؤال كيف يكون الظلم سببا في هلاك العمران؟ يعني ما وجه المقارنة والمقاربة بين الظلم والهلاك؟

يوسف القرضاوي: لأن الظلم إذا انتشر معناها حدث معه الفساد، دائما الطغيان مع الفساد بيقول {الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد}[الفجر:11، 12] فتفسد الأمور وتوضع في غير محلها ويسند الأمر إلى غير أهله وهذا يؤذن بهلاك الأمة زي ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ فقال إذا وسد الأمر، إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة، فقال السائل وكيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. فساعة كل أمة هي تأتي بهذه الطريقة، الظلم يتبعه الفساد يتبعه الانحلال يتبعه الإهمال يتبعه كل شيء، فهذا يؤذن بالخراب. وهذا معنى قول الله تعالى {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون}[النمل:52]، {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا}[الكهف:59]، فالظلم يؤدي إلى الهلاك في النهاية لأنه يؤدي إلى فساد الأخلاق وانحلال الأمور ووضع الأمور في غير موضعها فلا بد أن ينتهي إلى خراب العمران وفساد الإنسان وفساد الحياة كلها.

عثمان عثمان: يعني هناك من يفسر هذه القضية فضيلة الدكتور يعني بأن الحاكم الظالم منشغل ومتمترس ومنشغل عن العمران بتمترسه خلف جنوده وحراسه وقصوره وبالتالي لا يقوم بأي عمران، وبالمقابل المظلومون المحكومون منشغلون في إزاحة هذا الظلم وبالتالي هم منشغلون عن العمران. هل ترون هذا المعنى موجودا الآن؟

يوسف القرضاوي: هذا وارد أيضا، نعم، لأنه مشغول بالظلم عن البناء، البناء الحضاري، عن بناء الإنسان عن بناء الأسرة عن بناء المجتمع عن مراقبة الأشياء ومشغول بشهواته ومشغول بالأخذ من الآخرين، مهمته أن يسلب مش مهمته أن يعطي مش مهمته أن يبني فهو مشغول عن البناء بالظلم فهذا أيضا مما يؤدي إلى الإيذان بالخراب والهلاك الذي أنذر الله به كل قرية ظالمة.

عثمان عثمان: أسمع منكم الإجابة إن شاء الله فضيلة الدكتور على هذا السؤال الذي سأسأله بعد الفاصل، ما علاقة الظلم أيضا بالتطرف والتكفير؟ وربما نحن تحدثنا في حلقات سابقة حول هذا الموضوع، نسمع الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

أنواع الظلم ونتائجه وسبل مواجهته

عثمان عثمان: أهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الظلم وعواقبه مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور لعل من مظاهر الفساد فساد الحضارات فساد المجتمعات فساد العمران ما انتشر في مجتمعاتنا من فتنة التكفير ومن التطرف الذي أدى إلى إسالة الكثير من الدماء، لعل البعض يقول بأن هذا سببه الظلم الذي وقع على من يقوم بهذه الأعمال؟

يوسف القرضاوي: التكفير؟

عثمان عثمان: نعم، التكفير والتطرف.

يوسف القرضاوي: التطرف هو نوع من الظلم لأن العدل يعني الوسطية..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني من يقوم بهذا الفعل وقع عليه الظلم؟

العدل يعني التوازن والتوسط والاعتدال، فإذا دخل في الغلو والتطرف خرج عن حد العدل ودخل في الظلم
يوسف القرضاوي:
ولذلك أخذ منه الاعتدال، الاعتدال مأخوذ من العدل لأن أصل العدل هو إيه؟ العدل أن يعدل بين أمرين، يعدل بينهما يعني يسوي بينهما بحيث يضع في هذا الجانب مثل هذا الجانب زي اللي بيعمل، بيحمل الجمل أو يعمل، يضع عدلين، فالعدل يعني التوازن يعني التوسط يعني الاعتدال فإذا دخل في الغلو والتطرف خرج عن حد العدل ودخل في الظلم، إن الظلم هو نوع من العدوان ولذلك هو من أشد أنواع الظلم لأن الكفر معناه أنه أنت تجرد الإنسان الذي تكفره تخرجه من الملة ومعنى تخرجه من الملة يعني تستحل دمه وتستحل ماله وتستحل حرماته لأنه لم يعد له حرمة وهذا نهاية الجناية ونهاية العقوبة في هذا الأمر فهذا الغلو ونوع من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك أيضا في القرآن الكريم نفي الظلم عن الله عز وجل في مجازاة الناس يوم القيامة، في مجازاة الفائزين وفي مجازاة الخاسرين والظالمين كما يقول الله عز وجل {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا..}[الأنبياء:47] وقوله أيضا {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما}[طه:112] وقوله عز وجل{ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}[74- 76] لماذا هذا الإلحاح القرآني على نفي الظلم عن الله عز وجل يعني ما المراد بالمعنى هنا؟

يوسف القرضاوي: هو يراد تأكيد يعني الأمر العدل الإلهي ونحن مأمورون أن نتخلق، نحن مأمورون أن نتخلق بأخلاق الله، يعني إذا كان الله عدل يجب أن نكون نحن عدلاء إذا كان الله حكيما يجب أن نكون حكماء إذا كان الله رحيما يجب أن نكون رحماء، هذا معنى التخلق بأخلاق الله وهذا يبعدنا عن الظلم الذي هو أساس كل رذيلة، يعني القرآن يقول {..والله لا يحب الظالمين}[آل عمران:75] {..إن الله لا يهدي القوم الظالمين}[القصص:50] {..وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}[الشعراء: 227] وللظالمين في الآخرة يعني العذاب الشديد فلذلك نفى الله تعالى عنه الظلم وفي يوم القيامة{..لا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49] {..لا تظلم نفس شيئا..}[يس:54] كما قالت الآية حتى {..وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}[الأنبياء:47] ربنا يدقق الحساب يوم القيامة في صحف الإنسان بيقرأها {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك}[الإسراء:14] ما حدش، في شهود حتى من جسدك، { وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..}[فصلت:21] في ميزان توزن الأعمال يوم القيامة بحبة الخردل يعني دي أدنى حاجة كان يعرفها الناس في ذلك الوقت {فلا تظلم نفس شئيا} {لا يظلم ربك أحدا} {لا يخاف أحد ظلما ولا هضما} ما معنى ظلما ولا؟ يعني لا يخاف أن تهضم حسناته فلا يجازى بها لا يعمل حسنة لا يجزيه الله بها بالعكس ربنا يضاعف أجر الحسنات من عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف ولا يخاف ظلما من أن يحمل وزر غيره لأنه {ولا تزر وازرة وزر أخرى..}[فاطر:18] الأب لا يحمل وزر أبنائه والابن لا يحمل وزر آبائه والأخ لا يحمل وزر أخيه، كل واحد {كل نفس بما كسبت رهينة}[المدثر:38] ففي الظلم ممنوع على الله عز وجل والعدل المطلق هو شعار ذلك اليوم، يوم القيامة، {..يوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم..}[غافر:17]، هكذا يقول القرآن ما فيش ظلم إطلاقا {..إن الله سريع الحساب}[غافر:17].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني نأخذ بعض المشاركات، أحد السادة المشاهدين يسأل ما هي أنواع الظلم في عصرنا هذا وما هي السبل لتفادي أنواع الظلم هذه؟

يوسف القرضاوي: في عصرنا في كل أنواع الظلم، في الظلم القانوني أو القضائي، يعني حينما يظلم القاضي اللي المفروض هو يرعى العدالة فيظلم، يقبل الرشوة، يقبل كذا، وكما قال الشاعر

إذا جار الأمير وحاجباه

وقاضي الأرض داهن في القضاء

فويل ثم ويل ثم ويل

لقاضي الأرض من قاضي السماء

في الظلم القضائي وفي الظلم السياسي، الحكام والزعماء والقادة حينما يظلمون شعوبهم، ظلم الراعي للرعية، المفروض الإمام العادل، سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا.. أولهم الإمام العادل الذي يعدل في الرعية ويقسم بالسوية ولا يراعي خاطر فلان لأنه قريبه أو لأنه صديقه أو لأنه محسوبه، لا ، هذا مطلوب، فكنا منقول إيه؟

عثمان عثمان: تفادي أنواع الظلم هذه؟

يوسف القرضاوي: أنواع الظلم، في الظلم السياسي، وفي أنواع أيضا من الظلم، الظلم الدولي ظلم الاستعمار ظلم القوى المتجبرة والمستكبرة في الأرض ما نراه من مظالم الأميركان ومن وراء الأميركان يعني ظلمهم للبلاد المستضعفة، في الظلم الاجتماعي وفي الظلم الاقتصادي وفي أنواع من الظلم موجودة في عصرنا أكثر من أي عصر مضى.

عثمان عثمان: ربما سنتحدث بتفصيلات هذه الأنواع من الظلم بعد أن نأخذ عددا من المشاركات من السادة المشاهدين، السيد محمد الشمري من السعودية، تفضل أخ محمد.

محمد الشمري/ السعودية:  السلام عليكم ورحمة الله. أولا نشكر الشيخ جزاه الله خيرا في مناصحته في توضيح الحقائق، أود من فضيلة الشيخ أن يلقي يعني جزاه الله خيرا، نبذة عن عدالة الإسلام في الأمور المالية والمعاملات كمثل الأزمة التي تحدث في العالم الآن، نحن إسلامنا الحمد لله يحارب الاستبداد والإذلال في المعاملات المالية وهذا واضح في محاربة الربا، والمساواة، نأمل أن يلقي فضيلة الشيخ جزاه الله خيرا على هذا الموضوع وشكرا.

عثمان عثمان: شكرا لك. الأخ جلال العكاري، بريطانيا.

جلال العكاري/ بريطانيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولا أحييك وأحيي فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي هذا أولا، ثانيا أريد من فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي أن يوضح لنا، أخواننا الأوروبيون جاؤوا من بريطانيا لرفع الحصار عن غزة في الوقت أن الدول العربية تحاصر غزة هل لأنها انقلبت الآية؟ هذا أولا، ثانيا ما يجري لأخواننا من قتل وتشريد في الضفة الغربية ومن هتك للأعراض في الوقت أن الكيان الصهيوني يأخذ القدس واليوم استولوا على حي كبير في القدس، نطلب من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي الأب الروحي للفلسطينيين والمسلمين أن يطلب من (محمد) عباس أن يرفع الظلم عن أخواني وأخواتي لأن ما يجري في الضفة الغربية هو باب من أبواب جهنم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: شكرا لك. الأخ عبد الله محمد، قطر.

عبد الله محمد/ قطر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحياتي لك وللشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله. يا شيخ يعني أنا سؤالي هل، أليس من الظلم تغيير حقائق التاريخ يعني كما يجري في بعض الكتب، بعض الفرق الإسلامية أو التي تنتسب للإسلام، واتهام من يشتهر بالعدل، بما أن الموضوع يعني موضوع الحلقة اليوم هو موضوع الظلم، يعني هناك الآن مواقع على النت وقنوات فضائية وكتب الآن توزع في كثير من بلاد المسلمين تتهم من اشتهر بالعدل بالظلم كالصحابة رضي الله عنهم بل كعمر رضي الله عنه الذي اشتهر.. يعني أعدل من حكم على وجه الأرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتصفه بالظلم وتصفه بأنه يعني ظلم السيدة فاطمة رضي الله عنها، فنريد أن الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله وأطال بقاءه يعني يتكلم حول هذا الموضوع، موضوع يعني ظلم الصحابة رضي الله عنهم.

عثمان عثمان: الفكرة واضحة أخ عبد الله، هل هناك سؤال آخر؟

عبد الله محمد: هذا سؤالي شكرا يا أخي.

عثمان عثمان: الأخت زينة منير من لبنان.

زينة منير/ لبنان: السلام عليكم فضيلة الشيخ، السلام عليكم أستاذ عثمان. فضيلة الشيخ كنتم تحدثتم عن أنواع الظلم وتفاديه ولكن أحيانا نحن منعرف أنه ما في عدالة موجودة على الأرض وفي عدالة موجودة في السماء وما عندنا أي شك بعدالة ربنا بس أحيانا يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها صبره، هو الإنسان كائن ضعيف وليس إله فأنا كيف بدي أحافظ على إيماني وما أوصل إلى درجة الكفر إذا كثر الظلم علي بوقت من الأوقات؟ وشكرا.

عثمان عثمان: شكرا لك. فضيلة الدكتور نبدأ من سؤال الأخت زينة، يعني نتيجة انتشار الظلم يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد الأمل ويفقد النظرة الإيجابية للمستقبل، كيف للإنسان أن يحافظ على إيمانه ورباطة جأشه في انتظار العدالة الموعودة؟

يوسف القرضاوي: هو المؤمن لا ييأس أبدا {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[يوسف:87]، وهو يؤمن أن الأرض لا تخلو من العدالة ولا تخلو من أناس عادلين لأنه في طائفة قائمة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وكما قال القرآن {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}[الأعراف:181] أمة موجودة دائما، فالمؤمن يعني دائما ينظر إلى الجانب المضيء ولا يكتفي يختصر بالنظر على الجانب المظلم، الإنسان المتشائم دائما يرى القسم الفارغ من الفنجان ولكن في قسم مليان أيضا لازم يرعى هذا ويرعى هذا.

عثمان عثمان: فضية الدكتور، الأخ جلال عكاري يسأل عن تغيير حقائق التاريخ، تزوير التاريخ أليس ذلك من الظلم؟

يوسف القرضاوي: طبعا من الظلم، تغيير الحقائق وتغيير التاريخ هذا ظلم، وأنا كتبت كتابا أسميته "تاريخنا المفترى عليه" لأن هناك أناسا يعني نظروا على التاريخ كأنه ظلمات بعضها فوق بعض، والتاريخ فيه فترات مشرقة وفيه أشياء كثيرة مضيئة ولكنهم يخفون هذا، والأعجب من ذلك كما ذكر بعض الأخوة أن أعدل الناس يتهمون بالظلم مثل سيدنا عمر رضي الله عنه، أعدل من رأى الناس بعد الأنبياء عمر رضي الله عنه واتهمه من اتهمه بأنه قتل السيدة فاطمة وهذا رده العلماء الشيعة المحققون مثل العلامة الشيخ محمد حسين فضل الله قال هذه أكذوبة وليس لها سند صحيح حتى عند الشيعة أنفسهم فهذا أيضا ظلم في حق هؤلاء الناس.

عثمان عثمان: طبعا هذا جواب على سؤال الأخ عبد الله محمد من قطر، الأخ محمد الشمري تحدث عن موضوع الظلم الاقتصادي وعن الأزمة المالية وربما نحن تحدثنا في حلقات كثيرة عن هذا الموضوع.

يوسف القرضاوي: أخذنا يعني حلقة في هذا وقلنا يعني الإسلام بما وضعه من قواعد العدالة الاقتصادية وبتحريمه للربا وتحريمه للاحتكار وتحريمه للميسر وقوله تعالى {..وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}[البقرة:279] وبما وضعه من توجيهات في عدم الاستدانة والقرض وإذا كان يبقى في الحدود الضيقة ولا يتوسع في هذا، بهذا حمى الناس مما وقعوا فيه من مثل الأزمة العالمية التي وقع فيها الغرب الآن.

عثمان عثمان: الأخ جلال عكاري من بريطانيا صراحة أضاء على قضية مهمة، يعني عندما نتحدث عن ظلم الشعوب وظلم المجتمعات بشكل جماعي ربما تمثل أمامنا صورة غزة المحاصرة، يتساءل الأخ جلال عكاري كيف أن بعض النواب الأوروبيين، بعض الغربيين يحاولون كسر الحصار عن غزة بينما من هم أولى بهذا الكسر لا يقومون بأي شيء، ماذا نقول في هذا الموضوع؟ وكيف يمكن للمسلم أن يساهم في فك هذا الحصار؟

أهل فلسطين بصفة عامة وأهل غزة بصفة خاصة ظلموا ظلما مبينا، ويجب على العرب والمسلمين أن يحاولوا رفع الظلم عن أهل غزة ورفع هذا الحصار الذي يحاول الغربيون والأوروبيون أن يرفعوه
يوسف القرضاوي:
والله أهل غزة، أهل فلسطين بصفة عامة وأهل غزة بصفة خاصة ظلموا ظلما يعني مبينا في الحقيقة ويجب على العرب والمسلمين أن يحاولوا رفع الظلم عن أهل غزة ورفع هذا الحصار الذي يحاول الناس من الغربيين والأوروبيين أن يرفعوه، لم نجد للأسف بين العرب والمسلمين من يقوم بهذا ونجد بعض العرب والمسلمين يشاركون المحاصرين في حصارهم، وأنا مع الأخ الذي ناشد الأخ محمود عباس، نناشد الأخ أبا مازن محمود عباس وأخوانه أن يعملوا على فك الحصار عن أخوانهم ونناشد الأخوة جميعا في فتح وفي حماس أن يحاولوا بكل قوة أن يتحدوا وأن يزيلوا هذا الشقاق الذي لا يستفيد منه إلا أعداء الأمة ونريد من الأمة أن تتدخل في هذا وتوقف الظالم عند حده وتنتصر للمظلوم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، الأخ بدوي يريد إلقاء الضوء على ظلم الأنظمة ومقولة ابن تيمية رحمه الله إن الله قد ينصر دولة غير مسلمة تقيم العدل على دولة مسلمة لا تقيم العدل.

يوسف القرضاوي: نعم ابن تيمية ذكر هذا في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" وذكر هذا عمن تقدمه من العلماء، نقل هذا القول، إن الله يبقي الدولة الكافرة إذا كانت عادلة، الدولة العادلة ربنا يبقيها ولو كانت كافرة ويهلك الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. لذلك نرى في عصرنا كثيرا من الدول غير المسلمة وهي منتعشة وهي في حالة طيبة وفي، لأنها تقيم العدل بين رعاياها وللأسف في كثير من بلادنا نرى مظالم، نرى ظلما لا مثيل له في كثير من بلادنا حيث يؤكل الضعفاء ويضيع حق الفقراء والناس أصحاب مراكز القوة هم الذين يستولون على الثروات هم الذين يحرمون الآخرين من بركات الأرض وهذا يغضب الله سبحانه وتعالى حتى ينزل بالقوم النقمة الأليمة {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب}[الأنفال:25].

عثمان عثمان: ربما هذا يقودنا أيضا إلى سؤال من الأخ أحمد أمير يسأل عن مواجهة هذا الظلم الذي تتحدثون عنه؟

يوسف القرضاوي: عن إيه؟

عثمان عثمان: كيف يمكن للمسلم أن يواجه هذا الظلم الذي تحدثتم عنه الآن؟

يوسف القرضاوي: الظلم يواجه بقوة المجتمع، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. النبي عليه الصلاة والسلام، كما روى سيدنا أبو بكر قال إنكم لتقرؤون هذه الآية وتؤولونها على غير وجهها وهي قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..}[المائدة:105] وبعض الناس يقول عليكم بأنفسكم يعني أنا ونفسي ما ليش دعوة بالآخرين، فسيدنا أبو بكر يقول لا، ليس هذا التأويل صحيحا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" ودي معنى {..لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..}[الأنفال:25] إذا رأوا الظالم لازم يأخذوا على يديه، أقل شيء يأمروه بالمعروف وينهونه عن المنكر. وفي الحديث الآخر "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"، يعني لا خير فيهم، حتى وبعض الروايات تقول "بطن الأرض خير لهم من ظهرها" موتهم أفضل من حياتهم، إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم، لازم يظل في الأمة من يعطيه القوة، قوة قول الحق ويقول للظالم يا ظالم حرام عليك هذا لا يجوز هذا، هذا مطلوب من الأمة ولذلك الفرد لا يستطيع وحده أن يقاوم الظلم لأن الفرد مهما كان ضعيفا، المرء قليل بنفسه كثيرا بإخوانه، ضعيف بمفرده قوي بجماعته، فإذا أردنا أن نقاوم الظلم لازم نعمل جمعيات ونعمل جماعات حتى نستطيع أن نقاوم الظلم إنما إذا قاومناه فرادى الظلم أقوى من الأفراد مهما كانوا.

الظلم وعواقبه في العلاقة بالله والعلاقة بين العباد

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نتابع في محاور الحلقة، عندما نتحدث عن حقيقة الظلم هناك ظلم بحق الله هناك ظلم بحق الإنسان لنفسه هناك ظلم بحق الآخرين بحق الأفراد والمجتمع، عندما يصف القرآن الكريم الشرك بأنه ظلم {..يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}[لقمان:13] كيف يمكن أن يكون الشرك هنا ظلما؟ أو كيف نوضح هذه القضية أو هذه المسألة؟

يوسف القرضاوي: لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ومن وضع العبادة لغير لله فقد وضعها في غير موضعها، يسجد لمن لا يستحق السجود، يدعو من لا يجب الدعاء له من لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، هذا ظلم، بل هو ظلم عظيم {..يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} ولذلك الصحابة لما قرؤوا قول الله تعالى في سورة الأنعام {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}[الأنعام:82] فالصحابة فزعوا قالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ ظنوا أن الظلم هنا مجرد المعصية، ومن اللي لا يعصي الله، فقال لهم إنه ليس كما تظنون إنه الشرك، أما سمعتم قول الله تعالى {..يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} فمعنى لم يلبسوا إيمانهم يعني لم يخلطوا توحيدهم بشرك، فأول الظلم وأعظم الظلم هو الشرك بالله ولذلك ورد في بعض الآثار " الظلم ثلاثة، ظلم لا يغفره الله وظلم لا يتركه الله وظلم لا يبالي به الله" الظلم الذي لا يغفره الله هو الشرك { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..}[النساء:48] والظلم الذي يتركه الله ظلم العباد بعضهم لبعض، حقوق العباد، إذا أكل على واحد دينا عليه ولم يعطه أو استأجر أجيرا ولم يعطه أجره أو اشترى شيئا ولم يعط ثمنه لبائعه أي ظلم العباد بعضهم لا يتركه الله أبدا، حتى الشهادة في سبيل الله النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" ده حق من حقوق العباد فعلى رغم فضل الشهادة ومنزلتها عند الله لا يغفر بها الديون، ديون العباد، فهناك ظلم لا يغفره الله وظلم لا يتركه الله وظلم لا يعبأ به الله اللي هو ظلم الإنسان فيما بينه وبين الله، إذا ظلم نفسه فيما بينه وبين الله في حق الله، ما فيش حق للعباد في الأمر، هذا أمر سهل مجرد ما يقول أستغفرك يا رب ويتوب إلى الله يتوب الله عليه، إنما التوبة من حقوق العباد شديدة جدا، لو تنبه ضميره في أواخر حياته في الشيخوخة لو أراد أن يتوب إلى الله وهو ظلم الناس أخذ مال هذا واختلس من مال هذا وأخذ رشوة من هذا ولما كان بيبيع كان بيغش أي يطفف المكيال والميزان أو.. فظلم آلاف الناس كيف يرجع لدول أموالهم؟ كيف يرد إليهم حقوقهم وقد أمر الله برد الأمانات إلى أهلها؟ لا يستطيع، فالتوبة هنا في غاية العسر وغاية الشدة.

عثمان عثمان: حقوق العباد إذاً مبنية على المشاحة بينما حقوق الله مبنية على المسامحة. فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن المعاصي نتحدث أيضا عن ظلم يقع من الإنسان إذا فعل معصية من المعاصي وهذا أيضا ما ينطبق على الزنا كما جاء في سورة يوسف {..إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}[يوسف:23] ما وجه الظلم في الزنا؟

يوسف القرضاوي: كل معصية هي ظلم من الإنسان لنفسه، ظلم نفسه لأنه كان بدل أن يعمل هذه المعصية كان يعمل بدالها طاعة فكون ضيع فرصة الطاعة وعمل بدالها معصية ظلم نفسه، ولذلك يعني سيدنا آدم لما أكل من الشجرة المنهي عنها وأراد أن يتوب قال هو وزوجه {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}[الأعراف:23] القرآن يقول {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما}[النساء:110] يعمل سوءا في حق العباد أو يظلم نفسه بالمعصية في حق الله، إذا استغفر الله يعني الله تعالى أهل أن يغفر له، فهنا السؤال إيه؟

عثمان عثمان: كيف يكون الظلم في الزنا؟

يوسف القرضاوي: الزنا هذا ظلم اجتماعي، ظلم لمن زنا بها وظلم لأبيها إذا كانت بكرا وظلم لزوجها إذا كانت زوجة ولذلك سيدنا يوسف لما راودته التي هو في بيتها عن نفسه {..وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}[يوسف:23] فردعها بهذه الروادع، رادع ديني قال لها معاذ الله، ورادع خلقي {..إنه ربي أحسن مثواي} ربي يعني سيدي اللي قال لك أكرمي مثواه، لما اشترى الرجل قال لها، لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وبعدين قال {..إنه لا يفلح الظالمون} لأن من قابل هذا الرجل الذي أكرمه وأحسن مثواه من قابله بأن يزني بامرأته وينتهك حرمة امرأته وينتهك عرضه هذا ظالم ومثل هذا الظالم لا يفلح في حياته أبدا، فهذا معنى {إنه لا يفلح الظالمون} يعني من انتهك الحرمات وهتك الأعراض هذا لا يفلح في حياته، ربنا سيخيبه إذا لم يتب إلى الله عز وجل.

عثمان عثمان: ربما هنا يكون السؤال، عندما تطبق عقوبة الزنا هل هي حق لله تعالى أم حق للمجتمع؟

يوسف القرضاوي: هي فيها الحقان، حق لله تعالى وحق للمجتمع ولكن يغلب حق الله في الحدود، يعني خصوصا في الزنا ولذلك لو أن حتى المزني بها قالت أنا تنازلت عن حقي، لا، ده حق الله وحق المجتمع، حق الله أيضا يعبر عن حق المجتمع، لما نقول حق الله أي حق المجتمع وحق الأمة كلها ليس حق فرد من الأفراد، في بعض الحدود فيها حق للعبد زي حد القذف، لما واحد يقول لواحد أنت زاني أنت كذا، هذا فيه حق للعبد حتى لو تنازل هو يعني ممكن يعفى عنه.

عثمان عثمان: طبعا في موضوع الظلم الاجتماعي عندنا السخرية عندنا الغيبة عندنا النميمية {..لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء..}[الحجرات:11] إلى آخر الآية {..ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}[الحجرات:11] كيف يمكن توضيح هذه المسألة يعني ما هي صور الظلم الاجتماعي التي نعاني منها؟

يوسف القرضاوي: كل ما يتضرر به الآخرون هو ظلم اجتماعي، قد يكون هذا بأن تسخر منه قد يكون بأن تغتابه قد يكون بأن تنم عليه قد يكون بأن تلمزه من وراء ظهره، كل هذا نوع من الظلم. وأيضا الظلم الاجتماعي يدخل في ظلم الأسرة بعضها لبعض، أن يعق الولد أباه ويهمل الأب ابنه أو يخون الرجل زوجته أو تخون المرأة زوجها أو يضارها ليضيقوا عليها يعني هذا أيضا ليضيقوا عليها هذا نوع من الظلم ولذلك في القرآن يعني في قضية الأسرة يقول {..وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه..}[الطلاق:1]، {..تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}[البقرة:229] حدود الله الأحكام التي شرعها لحفظ الأسرة وحماية الأسرة في الزواج والطلاق والميراث والوصايا وغيرها فلا يجوز إذا قال الله تعالى {..ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة..}[البقرة:228] يجب أن يعطى كل ذي حق حقه ولا يضاره {..ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه..}[البقرة:231] فكل هذا يدخل في الظلم الاجتماعي.

عثمان عثمان: في أقل من دقيقتين فضيلة الدكتور كيف يمكن تلخيص عواقب الظلم من خلال القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: أولا أريد أن أقول كلمة أيضا هناك ظلم اقتصادي، اللي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة الظلم اللي يتعلق بالاقتصاد، ظلم الرأسماليين للناس المستضعفين ظلم الملاك للمستأجرين ظلم أرباب العمل للعمال..

عثمان عثمان (مقاطعا): ربما أحد السادة المشاهدين يسأل عن صرفه من عمله صرفا تعسفيا أيضا؟

يوسف القرضاوي: أيضا إذا يعني فنش من عمله زي ما يقال هنا، فصل من عمله بدون سبب هذا ظلم، إذا أعطي دون أجره يعني يبخس أجره هذا نوع من الظلم، الناس اللي بيفرضوا يعني الآن على البيوت أجورا باهظة أضعاف ما تستحق هذا نوع من الظلم لأنه لا يملك شيئا يعني بالإذعان يعني كل هذا الظلم الاقتصادي هذا من أشد الأنواع الذي يعاقب الله عليه في الدنيا وفي الآخرة، فكل هذا مما حرمه الإسلام، كل أنواع الظلم حرمها الإسلام والقرآن حذر منها أشد التحذير وجاء كما ذكرت في المقدمة كلمة الظلم وما يتفرع عنها في 299 موضعا في كتاب الله عز وجل.

عثمان عثمان: ربما لم يتسع معنا الوقت لتلخيص عواقب الظلم من خلال القرآن الكريم..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): الظلم مهلك في الدنيا وسبب لدخول النار في الآخرة.

عثمان عثمان: أعتذر منكم للمقاطعة فضيلة الدكتور أشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.