- مفهوم الأمة الإسلامية وأبعادها التاريخية والواقعية

- مكونات ومظاهر الوحدة الإسلامية وتأثير الاختلافات بين المسلمين

- معوقات الوحدة الإسلامية وسبل مواجهتها وتجاوزها

 

 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم على الهواء مباشرة في برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء: 92] جاء ذكر الأمة في القرآن الكريم في مواضع عديدة بعضها في سياق الحديث عن وحدة الأمة وبعضها الآخر في سياق الحديث عن الاختلاف وأنه سنة إلهية فما دلالات مفهوم الأمة في القرآن؟ ثم إن تعبير الأمة غدا تعبيرا مألوفا في الخطابات الدعوية والسياسية، غير أننا نريد أن نتساءل اليوم عن دلالة مفهوم الأمة نفسه في الخطاب والوعي وعن حقيقة وجود الأمة الإسلامية اليوم وهل هناك مظاهر واقعية ومجالات ملموسة لوحدة الأمة التي أصبح يراها البعض ضربا من كلام الشعراء والحالمين. وإذا كانت وحدة الأمة قائمة فهل تلغي الاختلافات والتعددية داخل مكونات الأمة الواحدة؟ الأمة الإسلامية حقيقة أم وهم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة

الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

 

يوسف القرضاوي:مرحبا بك أخ عثمان.

 

مفهوم الأمة الإسلامية وأبعادها التاريخية والواقعية

عثمان عثمان: بداية هل الأمة الإسلامية حقيقة أم وهم؟ بمعنى هل هناك فعلا أمة إسلامية؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فلا شك أن هناك أمة إسلامية بالفعل ومنذ سنوات أصدرت كتابا عنوانه الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم، وبينت أن هذه الأمة بمنطق الدين حقيقة. القرآن الكريم والسنة النبوية الآيات المحكمات والأحاديث الصحاح كلها تنطق بأن هناك أمة كما يعني نقرأ في القرآن الكريم قد ذكر كلمة الأمة في القرآن حوالي 44 مرة من ذلك قوله تعالى {..وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..}[البقرة:143]، {كنتم خير أمة أخرجت للناس..}[آل عمران: 110]، {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}[الأنبياء:92] و{وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 52] إلى آخر الآيات التي جاءت في القرآن تبين أن هناك أمة مسلمة كما دعا سيدنا إبراهيم {..اجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك..}[البقرة:128] هذه الأمة المسلمة هي استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم. الأحاديث أيضا، إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، يعني دعوتي ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة مجاعة عامة عن طريق الكوارث يعني التي تصيب الناس فاستجاب لي، فهي بمنطق الدين أمة، بمنطق التاريخ أمة لأنها ظلت أمة واحدة ودولة واحدة وخلافة واحدة 13 قرنا أو تزيد، لحد سنة 1924 حينما جاء كمال أتاتورك وأعلن علمانية الدولة وألغى الخلافة وكانت مصيبة عامة على المسلمين في أنحاء العالم حتى إن أمير الشعراء أحمد شوقي نعى الخلافة في قصيدته الحائية الشهيرة يعني التي خاطب فيها الخلافة

أعادت أغاني العرس رجع نواحي

ونعيتي بين معالم الأفراح

كفنت في يوم الزفاف بثوبه

ودفنت عند تبلج الإصباح

يوم العرس انقلب إلى مأتم لأنهم كانوا يعتبرون أن كمال أتاتورك انتصاراته انتصارات للإسلام، حتى قال له شوقي في إحدى القصائد

يا خالد الترك جدد خالد العرب

الله أكبر كم في الفتح من عجب        

يا خالد الترك جدد خالد العرب

فكانت مصيبة إلغاء الخلافة وهدم هذه القلعة التاريخية كانت مأساة على المسلمين في أنحاء العالم فهي حقيقة تاريخية يعني ظلت أمة واحدة تحكمها خلافة واحدة طوال هذه القرون 13 قرنا. وهي حقيقة جغرافية إذا نظرت إلى الخريطة وإذا كان اللون الأخضر هو الذي كان يعبر عن البلاد الإسلامية تجد هذا اللون الأخضر يعني متماسك بعضه وراء بعض، المنطقة العربية وعبر المنطقة الإسلامية الإسلام كان بيمتد امتدادا طبيعيا يعني فهي حقيقة يعني جغرافية وهي حقيقة سياسية وحقيقة شعورية، حتى يعني هذه الأمة في مشاعر المسلمين يعني المسلمين في كل مكان يشعرون بأنهم أمة حينما يصيب بلدا إسلاميا شيء العالم الإسلامي كله ينتفض من أجل هذا البلد والخطباء على المساجد يدعون الله أن ينصر المسلمين على أعدائهم، شعور، يعني في أخوة عامة، {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم..}[الحجرات: 10]، المسلم أخو المسلم، المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، فهناك كل الحقائق تدل على أن هناك أمة إسلامية، صحيح لم يعد لها كيان سياسي بعد إلغاء لخلافة وانتشار الدول الإقليمية القطرية بدل الدولة الواحدة أصبحت دويلات وأصبحت يعني أميمات بعد أن كانت أمة واحدة ولكن في كيان كل مسلم شعور يناديه بأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني رغم كل ما ذكرتموه من آيات وأحاديث ومنطق ديني وتاريخي وجغرافي وشعوري حول الأمة الإسلامية البعض يشكك في ذلك ويعتبر أن الأمة الإسلامية هي ضرب من الخيال وهي من أحلام الفقهاء بعيدة كل البعد عن الواقع، لماذا برأيكم؟

 

يوسف القرضاوي: حتى لو من الأحلام، يعني من حقنا كمسلمين أن نحلم، حيحرموا علينا الأحلام كمان؟! يعني إذا لم يكن هناك واقع سياسي للأمة الإسلامية أليس من حقنا أن نحلم بأن نكون أمة كما كنا؟! يعني الأمر، الذي يقرب الأمر ولا يجعله شيئا مستحيلا أنه كان موجودا، وكان موجودا يعني 13 قرنا فليس بعيدا أن يعود. بعدين نرى في عالمنا يعني أمما كبرى، يعني الهند بلغت من سنوات مليار وبدأت في المليار الثاني وهي اختلافات دينية واختلافات عرقية واختلافات إقليمية واختلافات لغوية، في لغات مئات اللغات ولم يمنعها هذا أنها تكون كيانا واحدا، الصين وهي أكبر وأكبر مليار وثلاثمائة مليون وكونوا كيانا سياسيا فما الذي يجعل المسلمين وحدهم هم المستحيل أن يكونوا كيانا؟! نحلم بالأمة ووحدة الأمة على الأقل في هذه المرحلة يعني إذا لم يكن الوحدة مقدورا عليها يبقى التآزر، التضامن، التكافل بين أبناء الأمة، تقارب، تتضاهر الأمة بعضها مع بعض وتقف في الملمات صفا واحدا، يعني الناس ممكن تفترق في ساعة العافية وساعات الانتصار إنما ساعات المحن والأزمات والشدائد التي تحل بالأمة، ساعات المؤامرات الكبرى التي يتآمر بها على الأمة من شرق وغرب ويمين وشمال من حق الأمة في هذه الحالة أنها تشعر بالحاجة إلى أن تتكاتف ويقف بعضها مع بعض، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم أنه عند المعركة يجب أن يتحد الجميع، كما قال الله تعالى {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}[الصف:4] عندما تشتعل المعركة لا صوت يعلو على صوت المعركة يجب أن يقف الجميع في جبهة واحدة متراصة كالبنيان يشد بعضه بعضا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الحديث المعروف "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ما مفوم الأمة الوارد في هذا الحديث؟

 

يوسف القرضاوي: هناك أمتان، أمة الدعوة وأمة الإجابة، أمة الدعوة يعني الأمة التي بعث محمد صلى الله عليه وسلم يدعو لها، كل البشرية، كل العالم أمة الدعوة لأن محمدا هو النبي الوحيد الذي أعلن أنه جاء للناس جميعا، {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا..}[الأعراف:158] وهذا في القرآن المكي في سورة الأعراف، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}[الأنبياء:107] {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}[الفرقان:1] فعالمية الدعوة المحمدية والرسالة الإسلامية هذا لا شك فيه، أكده القرآن المكي في عشرات الآيات القرآنية هذه اسمها أمة الدعوة، الأمة التي يدعوها المسلمون إلى الإسلام، ولكن هناك أمة الإجابة، أمة الإجابة وهم الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا وبالقرآن منهاجا، هؤلاء أمة الدعوة هم المقصود في حديثنا هنا حينما نقول الأمة، "لا تجتمع أمتي على ضلالة" أي أمة الدعوة، هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة  لأن الله عصمها من ذلك لا بد أن يقوم فيها من يقول الحق ومن يهتدي إلى الحق ممكن يجتهد المجتهدون ولكن لا يمكن أن يجمعوا، لا بد أن يقوم، لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة كما قال سيدنا علي رضي الله عنه، ولذلك الأمة لا تجتمع على ضلالة أبدا، إذا اجتمعت الأمة كلها فهذا دليل على أنها وقفت عند الحق لأن الأمة في مجموعها معصومة، هناك اثنان معصومان محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}[النجم:3 ،4] ومؤيد بالوحي حتى لو اجتهد وأخطأ ينزل الوحي يصحح له {وعفا الله عنك لم أذنت..}[التوبة:43] {عبس وتولى، أن جاءه الأعمى}[عبس:1 ،2]، {..وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله..}[الأحزاب: 37] فالوحي كان يؤيده. الأمر الثاني بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمة في مجموعها، مجموع الأمة معصوم وهذا من رحمة الله لهذه الأمة المحمدية.

 

عثمان عثمان: وعندما يأتي الحديث عن افتراق الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة، الأمة هنا هل المقصود بها أيضا أمة الدعوة أم أمة الإجابة؟

 

يوسف القرضاوي: لا، أمة الإجابة ولكن أيضا من مبشرات هذا الحديث رغم أنه أنا لي كلام في هذا الحديث ويعني في سنده ودلالته إنما حتى لو أخذنا بالحديث كما هو معروف وكما هو مشهور وكما أخذت به الفرق المختلفة تاريخيا، الحديث يقول إن هذه الفرق كلها جزء من الأمة، لو أنه قال ستفترق أمتي، صحيح فيها فرقة واحدة هي الناجية والباقية في النار كما يقول الحديث في الفرق، ولكن من الأمة ولذلك لا تخلد في النار خلود الكافرين، تدخل النار فترة من الزمن ثم يخرجها الله منها بما عندها من توحيد وما عندها من إيمان ولو يعني مثقال ذرة أو كحبة خردل، ما دام في جزء من الإيمان تخرج من النار فلا تخلد الخلود الأبدي في النار كما يخلد المشركون والكفار بالله ورسوله فهذا الحديث الذي يقول: تفترق أمتي، يدل على أن هذه الفرق على ما بها من ضلالات وابتداعات وبعد عن الحق الذي جاءت به محكمات القرآن والسنة هم جزء من الأمة، ستفترق أمتي فلا يجوز إخراجهم من الأمة، تكفير هذه الفرق يعني ليس من الإسلام في شيء، ولذلك المحققون من علماء السنة الكبار لا يكفرون من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا بقاطع يقطعه عن الإسلام أن ينكر معلوما من الدين بالضروة هنا نخرجه منه، إنما ما دام بيقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم ينكر ركنا من أركانه، لم ينكر صلاة ولا صياما ولا زكاة ولا، حتى لو ما بيصليش إنما يقول الصلاة فرض إنما كسلان عن الصلاة، إنما إذا أنكر، صلاة إيه وكلام فارغ إيه؟! جايين تقولوا في القرن الحادي والعشرين تقولوا لنا نصلي ونقعد نسجد ونعمل وهكذا؟! فهو ده نكفره، فالحديث يبقي الفرق كلها على ابتداعاتها يبقيها على الإسلام وإن كانت الناجية منها فرقة واحدة.

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كما هو معلوم إن مفهوم الأمة الإسلامية هو مفهوم سياسي بالأصل وبالأساس، أين يتجلى البعد السياسي لمفهوم الأمة في واقعنا اليوم؟

 

يوسف القرضاوي: هو المفروض الأمة، المجسدات لوحدة الأمة السياسية الإسلام جعلها في ثلاثة أشياء أولا في وحدة المرجعية أن الأمة الإسلامية لها مرجعية واحدة هي الشريعة الإسلامية، الشريعة المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإيمان بهذه المرجعية والرجوع إليها والالتزام بها حتى لو انحرف من انحرف ممكن الواحد يؤمن بالشريعة الإسلامية ولكن يحكم بغيرها اتباعا للهوى أو حبا للدنيا أو ركضا وراء الشهوات أو اتباعا للآخرين أو نحو ذلك إنما المهم الالتزام باعتبار الشريعة الإسلامية هي المرجعية الأولى للمسلمين وللأمة الإسلامية وللدولة الإسلامية الكبرى. الشيء الثاني وحدة دار الإسلام، الإسلام يعتبر بلاد المسلمين وإن تباعدت ديارها وإن توسعت أقطارها يعتبرها كلها دارا واحدة، الفقهاء يطلقون عليها دار الإسلام مش ديار الإسلام، لا، دار، فدار الإسلام وهذا له أدلة من القرآن والسنة فدار الإسلام، فاعتبار دار الإسلام واحدة يجعل الكيان السياسي للأمة متميزا. المجسد الثالث للوحدة السياسية للأمة هي وحدة القيادة، هناك المفروض الأمة الإسلامية تحكمها قيادة مركزية، اللي منسميه الخليفة، فهذه الأمور الثلاثة تجعل الأمة، الآن ربما لا يكون عندنا منها الكثير، عندنا من مرجعية نحكم الشريعة في بعض الأحيان في قوانين الأحوال الشخصية في فقه الأسرة أحيانا من بعض الألوان الاجتماعية وأحيانا نأخذ من القوانين المدنية والتجارية وأحيانا إلى آخره، وبعدين وحدة الدار طبعا الحكم الإقليمي، الدول الإقليمية القطرية أنستنا الجانب، في الآن يعني في حاجة اسمها منظمة المؤتمر الإسلامي دي بتحاول تعمل نوعا من الربط بين بلاد الإسلام بعضها وبعضها، ما حتى شوف الكلمة نفسها، العنوان، منظمة المؤتمر الإسلامي، ما يقدروش يسموها منظمة البلاد الإسلامية، أو منظمة الدول الإسلامية، أو جامعة الدول الإسلامية على غرار جامعة الدول العربية لما جاؤوا يقترح هذا بعضهم، قال نحن لسنا دولا إسلامية، نحن دول علمانية، فرفضوا كلمة يعني إسلامية إنما هذا ما يمثل أحلام المسلمين في هذا التقارب أو هذا التضامن، أن يرقوه شيئا فشيئا ويعمقوه شيئا فشيئا حتى يصل إلى نوع من الاتحاد الكونفدرالي الفيدرالي قبل الوحدة، نحن لا نحلم بوحدة اندماجية يعني كما يحلو للبعض يظن أنه نحن ممكن بجرة قلم نقول في خلافة إسلامية واحد يقوم يعلن أنه الخلافة وعلى المسلمين في أنحاء العالم أن يبايعوه ليس هذا بالأمر السهل، لازم خطوات وراء خطوات وتمهيدات حتى تصبح الأمة صالحة لأن يتحد بعضها مع بعض.

عثمان عثمان: حينما نتحدث فضيلة الدكتور عن الأمة الإسلامية عن أهداف الأمة الإسلامية عن وحدة الأمة الإسلامية، البعض يرى في ذلك تمييزا ضد غير المسلمين، يعني السؤال كيف يشعر غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية إزاء هذه الشعارات؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، نعود إليكم مشاهدينا الكرام بعد قليل فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

 

مكونات ومظاهر الوحدة الإسلامية وتأثير الاختلافات بين المسلمين

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نتحدث فيها عن الأمة الإسلامية هل هي حقيقة أم وهم؟ فضيلة الدكتور، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي عندما يسمعون عن الأمة الإسلامية، وحدة الأمة الإسلامية، أهداف الأمة الإسلامية، ألا يشعرون بتحيز ضدهم إزاء هذا الكلام؟

 

يوسف القرضاوي: هم جزء من الأمة الإسلامية، وهم جزء من الدولة الإسلامية، هم، الفقهاء على اختلاف مذاهبهم جميعا يقولون من يسمونهم أهل الذمة، أنا سميتهم في كتابي غير المسلمين في المجتمع الإسلامي هؤلاء معتبرون لدى الفقهاء من أهل دار الإسلام، من أهل دار الإسلام، هم ليسوا من أهل المنة ولكن من أهل الدار أي هم مواطنون في الدولة الإسلامية فليسوا غرباء عنها، لهم حق المواطنة ولهم، فالإسلام هناك إسلام عقدي وإسلام حضاري، هم جزء من هذا الإسلامي الحضاري ولذلك يعني كثير من الواعين من هؤلاء اعترفوا بهذا، كان الزعيم المصري القبطي المعروف مكرم عبيد كان يقول أنا مسلم وطنا مسيحي دينا، أنا مسيحي دينا مسلم وطنا، أي أعيش في الوطن، في وطن الإسلام وفي دار الإسلام. فكثير منهم نقول أنت جزء من الثقافة الإسلامية وجزء من الحضارة الإسلامية، فالمفروض أنه ما يشعرش بالغربة لأن الإسلام كثقافة وحضارة وفلسفة للجميع مسلمين وغير مسلمين.

عثمان عثمان: لو أردنا أن نتحدث عن الوحدة الإسلامية، عن مظاهر هذه الوحدة كيف تتجلى هذه المظاهر فضيلة الدكتور؟

 

وحدة الأمة الإسلامية لها مظاهر عديدة، منها وحدة شعائر الصلاة والصيام والزكاة والحج وأن الجميع يصلون إلى قبلة واحدة ويصلون صلاة واحدة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم ويصومون من الفجر إلى غروب الشمس

يوسف القرضاوي: هذه الوحدة وحدة الأمة الإسلامية لها مظاهر عديدة، منها وحدة الشعائر الصلاة والصيام والزكاة والحج أن الجميع يصلون إلى قبلة واحدة ويصلون صلاة واحدة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم ويصومون من الفجر إلى غروب الشمس ويصلون التراويح، لما تيجي في رمضان الماضي ده وتشوف الوحدة الإسلامية، المسلمون في أنحاء العالم يذهبون بعد العشاء إلى المساجد يصلون التراويح، في ليلة 27 رمضان صلى ثلاثة ملايين في الحرمين المكي والمدني وراء إمام الحرم فهناك الوحدة الشعائرية، الحج الجميع يذهبون إلى الحج بالملايين، ثلاثة ملايين في العام الماضي، وهناك وحدة المفاهيم، المسلمون عندهم أفكار أساسية يجتمعون عليها تتعلق بنحن بنسميها المعتقدات، بالألوهية بالله وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر ومفاهيم تتعلق بالقيم وبالحياة وبغيرها، هذه أيضا، وحدة المشاعر، الحب والكره ولذلك أحيانا، لما حدثت الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت كانت مشاعر الغضب عند المسلمين من أندونيسيا إلى الرباط كلها، هذه كلها وحدة المشاعر. وحدة التقاليد والآداب، أن الجميع يأكل بيده اليمين، يبدأ باسم الله ولما يخلص يقول الحمد لله، الجميع بيتزوج بطريقة معينة ولما يموت يعني عندما في حالة الاحتضار يلقن لا إله إلا الله وإذا مات أغمضت عيناه ووجه إلى القبلة وغسل وكفن وصلي عليه ودفن في المقبرة، يعني أشياء كثيرة دي كلها، هناك وحدة التشريعات ودي اللي المسلمون الآن بعد غلبة العلمانية على كثير من ديارهم طاردت التشريعات الإسلامية بقيت في جانب معين جانب الأحوال الشخصية وفقه الأسرة وغيرها والباقي تختلف البلاد من بلد إلى آخر.

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور دعنا نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ عبد العظيم فهمي من صعيد مصر، يسأل هل الأمة الإسلامية هي جميع المسلمين بأنحاء الأرض الذين لا يستطيعون فعل شيء أم حكام هذه الأمة الفاعلين والمهيمنين عليها؟

 

يوسف القرضاوي: الاثنين من الأمة، الحاكم من الأمة والمحكوم من الأمة، الحكام هم جزء من الأمة والمحكومون جزء من الأمة، يعني عليه الصلاة والسلام قال "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منه" إذا الأمة ويقصد هنا الشعوب بالذات، إذا رأيتها تهاب أن تقول كلمة الحق للظالم وتأمر بالمعروف يبقى الأمة ما عادش فيها خير تودع منها. وفي بعض الروايات "بطن الأرض خير لهم من ظهرها" فهنا الأمة ممكن يقصد منها الشعوب وممكن يقصد منها الحكام.

 

عثمان عثمان: تحدثتم في بداية الحلقة فضيلة الدكتور عن المنطق الشعوري لهذه الأمة، اليوم ربما نجد شعورا فقط تعاطفا وجدانيا مع مشاكل الأمة مع حصار غزة مع ما يجري في العراق، شعور فقط. كيف يمكن ترجمة هذا الشعور الوجداني إلى حقيقة عملية فاعلة في مواجهة قضايا الأمة؟

 

يوسف القرضاوي: الشعور هو البداية، الأمة إذا فقدت الشعور يبقى فقدت كل شيء إنما إذا كان أمة عندها إحساس بالمشكلة وتنفعل من أجلها هذه هي بداية الخطوة العملية، زي ما جاء في الحديث "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" إزاي يغير بقلبه؟ يغير بقلبه بالانفعال الشعوري، بيبقى يعني عنده شحنة من الغضب هذه الشحنة لا بد في يوم من الأيام ستنفجر في عمل إيجابي فلا نستهين بالمشاعر والانفعالات والغضب المكبوت هذا لا بد أن يتحول إلى ثورة قد تأكل الأخضر واليابس.

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك الآن مشكلات كثيرة في داخل المجتمع الإسلامي في داخل الأمة الإسلامية ربما تجعل الحديث عن الوحدة ربما فيه بعض المبالغة يعني هناك اختلافات عرقية اختلافات مذهبية اختلافات طائفية وفرقية، هناك مصالح قطرية يعني السؤال أين هي وحدة الأمة في ظل هذه الانقسامات؟

 

يوسف القرضاوي: المفروض المسلم كمسلم إذا كان يعي بحقيقة دينه ويعي فقه الموازنات وفقه الأولويات أن يكون الدين فوق المذهب والأمة فوق الجنس وفوق الطائفة وفوق، لازم، فهذه الأشياء موجودة في كل الأمم ضربت لك مثلا بالهند والصين وفيها أقوام وأمم وديانات وأشياء أخرى، هذا نعتبره يعني نوعا من التنوع داخل الأمة والتنوع مطلوب، فيه إثراء للأمة، الأمة لما تكون شيئا واحدا ربما ما يكونش فيها ثراء إنما إحنا في شيء بنسميه اختلاف التنوع وفي اختلاف بنسميه اختلاف التضاد أو التناقض، اختلاف التنوع لا خطر منه لا مانع أن تكون هناك يعني الأجناس متعددة وكل جنس يشتغل ويورينا مهارته أكثر من الجنس الآخر، لا مانع أن تكون هناك لغات متعددة، القرآن يقول {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}[الروم:22] التعددية نحن نؤمن بالتعددية داخل المجتمع الواحد، لازم نؤمن بتعدد الأفكار وتعدد المذاهب المسلمون عندهم مذاهب فقهية متعددة ولم يمنعهم هذا أن يكونوا أمة واحدة ونأخذ من هذا المذهب ما يصلح في وقت من الأوقات وفي بلد من البلدان وفي حال من الأحوال وقد يصلح مذهب آخر في وقت آخر وهكذا. فهذا التنوع لا خطر فيه ولا ضرر منه.

 

عثمان عثمان: هناك آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل على سبيل المثال {..ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة..}[المادئد:48] و {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين}[هود:118] أنتم دائما فضيلة الدكتور تستدلون من هذه الآيات على أن الاختلاف سنة كونية موجودة لكن كيف نفهم هذا الاختلاف المنسوب إلى الأمة؟

 

يوسف القرضاوي: هذا يعني يؤكد ما قلته إن الاختلاف إذا كان اختلاف تنوع فهذا أمر قصده الله عز وجل، لو أراد الله أن يجعل الناس كلهم طبعة واحدة ونسخة واحدة لخلقهم خلقا آخر إنما خلق الله الناس كل واحد عنده عقله الذي يفكر به وعنده إرادته التي يرجح بها وعنده ميوله الخاصة ومواهبه الخاصة وعنده قدراته التنفيذية فاختلاف الناس في هذا يجعلهم يختلفون في اختياراتهم ويختلفون في مواقفهم وإلا كان الناس ربنا يجبرهم كلهم يكونوا مسلمون، لا، لم يفعل ذلك {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربه ولذلك خلقهم..}[هود:118، 119] أكثر المفسرين يقولون ولذلك أي ولهذا الاختلاف خلقهم، لأنه خلقهم متغايرين في الفكر ومتغايرين في الإرادة فلا بد أن تختلف اختياراتهم ولا بد أن تختلف اتجاهاتهم ولا بد أن تختلف مواقفهم ولا خطر في ذلك الخطر أن يتحول الاختلاف إلى تفرق وإلى تعادي وإلى تنازع.



معوقات الوحدة الإسلامية وسبل مواجهتها وتجاوزها

 

عثمان عثمان: طبعا هنا يقودنا الحديث إلى الآية الكريمة {..ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..}[الأنفال:46] يعني السؤال ما هو التنازع الذي يذهب بريح المسلمين؟

 

يوسف القرضاوي: التناذب أن الاختلاف ينقلب إلى تفرق ينقلب إلى عداوة ينقلب إلى أن ينازع بعض الناس بعضا هذا يشرق وهذا يغرب وهذا يمين وهذا يسار فلا تجتمع لهم راية ولا تلتقي لهم كلمة فهنا الخطر، هنا اللي حذر منه القرآن {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..}[آل عمران: 105]، {..ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..}[الأنفال:46]، {..إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}[آل عمران: 100] والآية دي يعني معناها يردكم بعد وحدتكم متفرقين بعد أخوتكم متعادين، أسباب نزول الآية تفسرها بهذا لأن المسلمين كانوا الأوس والخزرج يعني كتلة واحدة وجاء واحد من اليهود أحب يعني يفرق بينهم وذكرهم بأيام الجاهلية وقعد ينشد أشعارا حتى يعني رفع بعضهم السلاح في وجه بعض فجاء القرآن يذكرهم بالحقيقة الجامعة وبالصلة الواشجة بين الجميع فقال {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}[آل عمران: 100]، وكيف تكفرون؟ يعني كيف تتفرقون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، ثم أمر بالاتحاد والتجمع {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}[آل عمران:103] إلى آخر الآية الكريمة.

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني الآن هناك مخاطر كثيرة ومتعددة تهدد وحدة الأمة الإسلامية، ما هي هذه المخاطر وكيف يمكن درؤها أو مواجهتها؟

 

يوسف القرضاوي: هذه المخاطر أن يستعلي بعض الأمة على بعض أو يطمع بعضها في بعض، بعض الأمة حول أن يسيطر على الباقين، غرور القوة أحيانا أو غرور الثروة أو غرور السلطة، بعض الدول تريد أن يعني تمتلك الدول الأخرى أو تهيمن عليها زي ما رأينا مثلا في عهد صدام حسين كيف غرور القوة يعني أغراه أن يغزو الكويت وهذه كانت حماقة فأدى إلى حرب يعني كبرى وإلى اشتعال النار في المنطقة كلها فإذا بقى بعض القوة أرادت تغزو بلادا أخرى تغزوها عسكريا تغزوها دينيا مذهبيا ثقافيا هذا يؤدي إلى أنه حيثير البلاد الأخرى وتحاول أن تدافع عن نفسها وطبعا لتدافع عن نفسها حتتكلم عن هؤلاء بما يعني يزيل الأخوة اللي كانت موجودة ويزيد الجفوة والفجوة فهذا من أخطر الأشياء. وأحيانا يدخل في هذا يعني الدسائس الأجنبية زي ما شفنا الآية {..إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب..}[آل عمران: 100] وإن كنت أنا يعني ما أحبش أجيب هذا الأمر يعني حيقول لك التفسير التآمري ولكن لا شك أن أعداء الأمة يريدون أن يفرقوا بينها، فرق تسد، هذا شعار الاستعمار القديم لا يزال وإن اختلفت صور الاستعمار ما بين عصر وآخر إنما أهداف الاستعمار في تفريق الأمة وأن لا تقوم لهذه الأمة قائمة لا تزال موجودة ويجب على أبناء الأمة أن يعوا هذا وان يبطلوا كيد الكائدين.

 

عثمان عثمان: طبعا لا ينكر الآن أن هناك اختلافات كثيرة موجودة، هناك تنازع هناك فرقة موجودة في الأمة الإسلامية، يعني لو أردنا فضيلة الدكتور أن نتوجه إلى جمهور المسلمين كيف يمكن لنا تجاوز هذه الألوان من الفرقة والتنازع والاختلاف؟

 

يوسف القرضاوي:هذا يعني يحتاج أول شيء إلى توعية المسلمين، يجب أن يعلم المسلم أن وحدة الأمة الإسلامية فريضة وضرورة كما أقول دائما، فريضة يحتمها الدين وضرورة يحتمها الواقع، لا بد أن يعي الفرد المسلم هذه الحقيقة وأنه لا بقاء في عالمنا للكيانات الصغيرة، الكيان الصغير في الاقتصاد أو في السياسة لا بقاء له إلا بالاحتماء بأجنبي القوي، إذا كانت إسرائيل ما تقدرش تروح.. فتروح تحتمي بالأجنبي غير المسلم ضد أخيك المسلم فلا بد أن تجتمع الأمة، لازم نوعي الأمة الإسلامية بضرورة الاتحاد بصورة من الصور لو لم يكن اتحاد على الأقل كما يقول تقارب تآزر تضامن تكافل تظاهر، أي صيغة من الصيغ تعاون على البر والتقوى، كل ما يمكنه، لازم نعلم هذا للفرد المسلم وعلى الفرد المسلم أن يبدأ هذا في محيطه الخاص لأنه لا يمكن أن ننتهي إلى وحدة الأمة والأسرة مفرقة، يعني الأب وأبناؤه متفرقون كيف تقوم من هذا أمة واحدة؟ الأخ وأخوه متفرقون، الإسلام يبدأ بالأسرة وبالأسرة الموسعة الأسرة الممتدة مش الأسرة الذرية الرجل وامرأته فقط لا، الرجل وامرأته وأولاده وأحفاده وأخوانه وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأبناؤهم وبناتهم الأسرة الكبيرة وبعدين الجيران لهم حقوق والقرية لها حق والحي له حق، دي كلها وبعدين ننطلق من هذا إلى توحيد الأمة وعندنا من وسائل توحيد الأمة الكثير كما قلت، الشعائر والآداب والتقاليد كلها تحاول تصهر الأمة في بوتقة واحدة.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن مكونات الأمة نتحدث أن لكل مكون آراؤه وأفكاره الخاصة ألا يستدعي ذلك، وحدة الأمة ألا تستدعي التنازل عن بعض هذه الأفكار والأساليب لتحقيق هذه الوحدة؟

 

يوسف القرضاوي: التنازل يعني لا بد أن نفسر عن أي شيء يتنازل الإنسان، إذا كان يتنازل عن بعض المكاسب الدنيوية المادية في سبيل أن يقترب من أخوانه ويقتربوا منه ويضع يده في أيديهم فهذا مش بس جائز بل مشروع بل مطلوب بل مفروض فريضة أن أتنازل من أجل أن أتحد مع أمتي. القرآن لم يمدح الذل إلا في موضعين، ذل الإنسان لوالديه، {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة..}[الإسراء: 24] وذل الإنسان لأخوانه المؤمنين كما وصف الله تعالى هؤلاء الذين المرجوين، هؤلاء المرجوين لنصرة الإسلام عندما يرتد المرتدون ويمرق المارقون قال {..فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..}[المائدة:54] فحتى ذلّك لما أنت مش ضروري تأخذ كل حقوقك. إنما إذا كان مقصود بالتنازل أتنازل عن عقيدتي من أجل شيء ما، لا، العقيدة الإنسان يضحي بكل شيء من أجل العقيدة يضحي بالأسرة من أجل العقيدة يضحي بنفسه بروحه من أجل العقيدة يضحي بوطنه، النبي عليه الصلاة والسلام ترك مكة وهي أحب بلاد الله إليه وأحب بلاد الله إلى الله وقال "إنني أغادرك وانت أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن قومي لم يخرجوني منك ما خرجت" يقول يخاطب مكة، إنما ضحى بمكة وضحى بوطنه من أجل دينه فالدين لا يجوز التنازل عنه بحال من الأحوال.

 

عثمان عثمان: لدي سؤال من الأخ تاج الدين من مصر يقول "يدعي البعض أن فكرة الخلافة الإسلامية تقضي على ثقافة وخصوصية الدولة القطرية" هل هناك من تناقض بين الأمرين؟

 

يوسف القرضاوي: لا، ليس هناك تناقض، دولة تقوم كانت الدولة الإسلامية قائمة وفي مصر لها خصوصية كدولة ولها واليها ولها حكامها ولها طريقتها والشام لها واليها وكل بلد لها واليها، لا تناقض يعني في وحدات كل وحدة تعتبر منها دائرة صغيرة داخل دائرة كبيرة يعني ممكن الواحد مثلا يكون قطري ويؤمن بوحدة قطر ولكن وحدة قطر لا تتناقض مع وحدة الخليج، بلاد الخليج، ووحدة بلاد الخليج لا تتنافى مع وحدة البلاد العربية فيكونوا عضو في الجامعة العربية ووحدة الجامعة العربية لا تنافي أن أكون عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي وهذه العضوية لا تنافي ان أكون عضوا في منظمة الأمم المتحدة، هذه أشياء دوائر لا يتناقض بعضها مع بعض بل تتداخل بعضها مع بعض.

 

عثمان عثمان: ذكرتم فضيلة الدكتور أن هناك خطوات فخطوات لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية، كيف تنظرون الآن إلى هذه الخطوات؟ هل أنتم متفائلون بتحقيق هذه الوحدة؟

 

يوسف القرضاوي:والله هذا يعني..

عثمان عثمان: وفي أقل من دقيقة.

لا أرى ما يُبشر بأن الأمة الإسلامية تقترب من الوحدة المأمولة بل هناك عقبات تثار ما بين الحين والحين تجعل تآلف الأمة وتماسكها ووقوفها صفا واحدا مستبعدا
يوسف القرضاوي: والله أنا وإن كنت دائما من المتفائلين والذي يدعون إلى الأمل في هذه الأشياء ولا ييأسون من روح الله {..إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[يوسف: 87] أرى في هذا الموقف للأسف أن الأمور يعني كما أراها أمامي لا تبشر بأن الأمة الإسلامية تقترب من الوحدة المأمولة بل هناك عقبات تثار ما بين الحين والحين تجعل تآلف الأمة وتماسكها ووقوفها صفا واحدا يجعل هذا مستبعدا في هذا الآن ولكن نحن نرى أن مع اليوم غدا وأن بعد الليل فجرا وبعد العسر يسرا وأن الله سبحانه وتعالى يعني سيجعل لهذه الأمة المستقبل والغد المأمول إن شاء الله {..ومن يقنط من رحنة ربه إلا الضالون}[الحجر:56].

عثمان عثمان: نسأل الله عز وجل أن يجعل هذه الحلقة لها دورها في بناء وتكوين فهم إسلامي واضح لمفهوم الأمة الإسلامية. في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، ألقاكم في الأسبوع المقبل بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.