- وظيفة القرآن ووظيفة السنة النبوية
- طرق قراءة القرآن وفهم مقاصده
- نشوء فكرة المقاصد ومعناها
- محاور فقه المقاصد وطرق البرهنة على العقيدة

عثمان عثمان
 عدنان زرزور
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}[ص:29] أنزل الله كتابه العظيم على نبيه الخاتم الذي لا نبي بعده إيذانا باكتمال الدورة البشرية وبلوغها مرحلة الرشد التي لم تعد فيها بحاجة إلى كتاب مرسل اكتفاء بالكتاب الهادي، وإذا كان وحي السماء قد انقطع مع موت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن العلاقة بين الله والإنسان لم تنقطع أبدا فلا يزال كتاب الله المحفوظ بيننا نجلس إليه ونحاوره ونتحاور فيه مع الله، بل إن علاقة المؤمن بهذا الكتاب العظيم تكاد تكون نوعا جديدا من التنزل، إنه تنزل إحساس وإدراك واستشعار وهو يختلف باختلاف القارئ وحاله وحالته وباختلاف القراء تختلف التنزلات وهذا هو المعنى المفهوم بأن هذا القرآن لا يخلق على كثرة الرد والترداد، وقد كان والد الشاعر والفيلسوف محمد إقبال يقول لابنه يا بني اقرأ القرآن وكأنه أنزل إليك، فكيف يكون حالك؟ موضوعنا اليوم في برنامج الشريعة والحياة هو مقاصد القرآن مع الأستاذ الدكتور عدنان زرزور أستاذ الفكر الإسلامي وعلوم القرآن في جامعة البحرين، مرحبا بكم دكتور.

عدنان زرزور: يا أهلا ومرحبا.

وظيفة القرآن ووظيفة السنة النبوية

عثمان عثمان: بداية كيف تحدث القرآن الكريم عن نفسه وكيف وصف وظيفته.

عدنان زرزور: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الآية التي أشرت إليها في تقديم هذا البرنامج تشير إلى مهمة القرآن الكريم والآيات في هذا كثيرة جدا، وتوزعتها الآيات المكية والمدنية كذلك، الله تعالى يقول في مستهل سورة إبراهيم {الر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [ إبراهيم: 1] ولذلك الآيات كثيرة كما قلت، يمكننا أن نعرف القرآن الكريم من هذه الزاوية بأنه كتاب هداية وتشريع ودستور جامع للحياة الإسلامية غايته إخراج الناس من الظلمات إلى النور. كيف يتم هذا؟ عبر المؤسسات، الأفراد، الأبعاد التي يعني أوجدها القرآن أو يعني كانت حصيلة لنزوله في مكة أولا، البعد الفردي الأشخاص ثم بعد الدولة الذي كان في المدينة ثم بعد ذلك البعد الحضاري الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع وتحدث فيه عن حرمة الدماء والأموال والأعراض، أعتقد أن القرآن يعني أسس لثقافة وأقام حضارة إلى آخره، لكن الأمر الأساسي الذي تحدثت عنه الآيات على نحو مباشر هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور. الله تعالى يقول كذلك في سورة الأعراف وهي مكية كذلك {المص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [ص:3،2،1 ] الحديث هنا عن المخاطبين أو المكلفين، الحديث عن القرآن في هذا طويل ولكن أعتقد أكتفي بالآية الثالثة لأنها أعطت معنى إضافيا إلى جانب فكرة إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، إخراج الناس من الظلمات إلى النور بالمناسبة تشير إلى أن مهمة القرآن ثقافية أو إنسانية، يعني إذا قلنا الآن الإنسان والطبيعة، موضوع القرآن الإنسان أم الطبيعة؟ موضوع القرآن الإنسان، بمعنى كل ما له بالسلوك الإنساني من تشريع وأحكام وأخلاق وتزكية إلى آخره محاور كثيرة هي التي نزل القرآن لتحقيقها ولكن أكتفي بالإشارة الآن إلى الآية الثامنة والأربعين من سورة المائدة أو الآية هذه { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..}[المائدة: 48] يتمتع القرآن بحق التصديق للكتب السماوية السابقة فيما لم يدخله تحريف وبحق الهيمنة والتصويب فيما دخله يعني تحريف عبر عصور التاريخ ولهذا جاءت الآية {..فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم..}[المائدة: 48] إشارة إلى موضع الهيمنة {عما جاءكم من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات..}[المائدة: 48] التنوع والتعدد هو من أجل التسابق في الخيرات وليس من أجل أمر آخر فيما أعتقد أو كما تشير هذه الآيات القرآنية الكريمة.

عثمان عثمان: طبعا في سياق الحلقة سنتحدث ربما بشكل مفصل أكثر عن مقاصد القرآن وعن محاور القرآن. يعني هذا القرآن الكريم المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا مهمة النبوة وهو تعليم الكتاب بدليل قول الله عز وجل {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسول من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة..}[آل عمران: 164] يعني من الملاحظ في هذه الآية أن مهمة النبوة تلاوة الآيات التذكية تعليم الكتاب، ما معنى كل ذلك دكتور؟

عدنان زرزور: يعني علاقة النبي عليه الصلاة والسلام بالقرآن الكريم متشعبة أيضا، النبي صلى الله عليه وسلم كان أحد المخاطبين بالقرآن، هو نفسه، كالنبي، يا أيها النبي، يا أيها الرسول الوحي ينزل عليه في الوقت الذي يختار الوحي وليس في الوقت الذي يكون النبي عليه الصلاة والسلام على استعداد، النبي ينزل عليه معاتبا إلى آخره، فهذه نقطة نبدأ بها ولكن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم مع الوحي أولا الحفظ والتبليغ، حفظه في صدره وبلغه للناس ثم بعد ذلك العمل والتطبيق ثم الشرح والبيان والتفسير وكما أشرت { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسول من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] ولكن في الواقع الحقيقة خليني أبدأ بهذا من سورة، من دعوة إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة ولعلها أول الآيات ورودا من حيث الترتيب الموجود في النص القرآني الآن {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم..}[البقرة: 127، 128، 129] كما تفضلت في الآية الأخرى{..إنك أنت العزيز الحكيم} جاءت الآية مع هذه 129، هذه الآية التي بعدها كذلك في سورة البقرة 151 {كما أرسلنا فيكم..}، إذاً دعوة إبراهيم استجيبت الآن وجاء النبي صلى الله عليه وسلم {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}[البقرة:151] الحقيقة موضوع الحكمة ربما تداولت كتب التفسير أو كتب أصول الفقه أن المراد بها السنة والروايات في هذا كثيرة وربما قيل إن الإمام الشافعي كان يقول لقيت علماء كثيرين كانوا يقولون إن الحكمة هي السنة لكن أعتقد وردت في سياق الحديث عن الإنجيل عن الأنبياء السابقين أضيفت إلى الكتاب جمعت، يعني أعتقد أن الحكمة يراد بها في المعنى العام يعني التطبيق أو التنفيذ أو الوسيلة العملية أو التنزيل، يعني تنزيل الأحكام على واقع الناس ربما كان هو المراد بالحكمة لذلك يعني عطفت على الكتاب، الكتاب وتنزيل الكتاب على واقع الناس أو تعاملهم أو تعامل الناس معه عبر عصور التاريخ.

عثمان عثمان: في موضوع الكتاب وفي موضوع السنة هناك البعض يقدم السنة على القرآن الكريم ويعتبر أن السنة هي قاضية على الكتاب ولولا هذه السنة ما فهمنا الآيات المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم نفهمها نحن كمسلمين، يعني طبعا هذا موقف شرعي ما موقفكم منه؟

عدنان زرزور: الحقيقة يعني العبارة قد تكون موهمة، يعني السنة قاضية على الكتاب على معنى أنها تشرحه، يعني العبارة الأخرى المستخدمة كذلك، السنة أبين من الكتاب، ويقولون أيضا إن اجتهادات الفقهاء أبين من السنة، يراد بهذا كله أن النصوص القرآنية قامت على الإجمال وقامت السنة على التفصيل ومن ثم فإن السنة في هذا لا تقضي بمعنى تنسخه لأن هذا ليس واردا بكل تأكيد واجتهادات العلماء في هذا قد يكون لنا ملاحظة عليها لأن القرآن متواتر ولا مجال لأن يقال إن سنة آحادية نسخت أحكام القرآن ولكن قاضية على الكتاب بمعنى تشرحه وتبينه كما أن أقوال الفقهاء وكتاباتهم تشرح يعني أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وتبينها، أعتقد هذا هو المراد وليس المراد ما يتبادر إلى الذهن في بعض الأحيان عندما نسمع كلمة قاضية على الكتاب أو بمعنى أنها هي التي تتحكم فيه، لا، هي تشرحه وتبينه {..وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..} [النحل:44] وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المهمة، يعني مهمة النبي عليه الصلاة والسلام الأولى هي البيان، بيان الأحكام كما قلنا قبل قليل، التطبيق والتنفيذ ثم الشرح والبيان والتفسير، يعني أهم، طبعا السنة إما أن تؤكد ما في القرآن الكريم تحريم الشرك عقوق الوالدين أو أنها تشرح المجمل أو تبينه وأعتقد أن هذه أهم الوظائف لأن القرآن أمر بالصلاة وأمر بالزكاة وأمر بالحج وأمر بأمور كثيرة أمرا عاما ولكن السنة النبوية جاءت ففصلت هذا تفصيلا يعمل به الناس إلى يوم القيامة بالإضافة إلى نقطة مهمة الحقيقة وهي أن سلوك الفرد في حياته اليومية يعني في معاملاته وآدابه مأخوذ من السنة بمعنى أن السنة هي مصدر الثقافة تقريبا، يعني الثقافة إذا كانت السنة شرحا للقرآن وأضافت عليه ما له علاقة بسلوك المسلم في حياته اليومية فلذلك ينهدم بهدمها، يعني الشطر التفصيلي من الكتاب كما ينهدم حقيقة كل ما له علاقة بحياة وسلوك الفرد والمجتمع بكل تأكيد.

عثمان عثمان: ربما بكلامكم هذا رد مباشر على من يقول بالقرآن دون السنة أيضا، إذاً القرآن كما تفضلتم فضيلة الدكتور مقدم على السنة النبوية المكرمة الشريفة؟

مهمة السنة النبوية الشرح والبيان لكنها لا تنسخ القرآن فالنبي صلى الله عليه وسلم قد يضيف كل ما له علاقة بسلوك الفرد في الحياة اليومية على ذلك فهي مصدر للثقافة العامة للمسلمين كما أنها تعد مصدرا من مصادر التشريع
عدنان زرزور: لا ريب، لا ريب، يعني مهمة السنة النبوية الشرح والبيان لكن لا تنسخه، يعني قد يضيف النبي عليه الصلاة والسلام كما قلت قبل قليل كل ما له علاقة بسلوك الفرد في الحياة اليومية مأخوذ من السنة بمعنى أنها مصدر للثقافة كما أنها مصدر للتشريع، التشريع الذي جاء في القرآن كما قلت عام وكان يحتاج إلى بيان وقد قام النبي عليه الصلاة والسلام بهذا البيان العملي أو القولي، العملي أو القولي، وأنا لا أريد أن أصنف السنة الآن قد يكون عندي تصنيف يعني ليس مطابقا تماما للتصنيفات المعهودة في كتب أصول الفقه أو في كتب التفسير أو الحديث ولكن أعتقد أن هذه، أن الشريحة الأولى إن صح التعبير من السنة التي تتصدر سائر أنواع السنة هي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال، صلى وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، حج وقال: خذوا عني مناسككم، بمعنى أن الفعل إذا اقترن بالقول فهو أعلى أنواع السنة واجبة التطبيق ثم تندرج الأمور بعد ذلك في تفصيلات قد لا يتسع المجال للحديث عنها الآن.


طرق قراءة القرآن وفهم مقاصده

عثمان عثمان: كما ذكرتم دكتور أن من وظائف القرآن هو التبيان للناس طريق الحق، هو الهداية والنور، كيف يمكن للمسلم أن يرتقي بفهمه للقرآن الكريم من درجة القراءة إلى درجة التطبيق يعني كما وصف أحدهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم كان أحدهم قرآنا يمشي على الأرض، كيف نقرأ القرآن وكأنه أنزل علينا؟

عدنان زرزور: والله موضوع التلقي إن صح الكلام أو القراءة التي لا تحرك ذهن أو لا تحرك عاطفة، وفي التلقي للتنفيذ الذي كان منهج الصحابة رضوان الله عليهم يعني إمامهم في ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم، السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها عندما سئلت عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. بمعنى التجسيد كما يقال بالتعبيرات المعاصرة، التجسيد العملي لأخلاق القرآن حية، هذا الصحابة أخذوا هذا ولذلك كان بعضهم يقول كنا إذا قرأنا عشر آيات لا نتجاوزها حتى نعمل ما فيها فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وكما قال العلماء اقتضاء العلم العمل، يعني العلم يقتضي من طبيعته التنفيذ والعمل. لكن التلقي عندنا في بعض الأحيان قد يكون من وراء الذهن، قد يكون من وراء القلب في بعض الأحيان ولهذا نص القرآن نفسه على وجوب التدبر بمعنى التأمل في الآيات والمعاني وتطبيق ما يأمر به القرآن الكريم نفسه، عندما ننظر في الكون ننظر لأن هذا سوف ينعكس فهما إضافيا على النص القرآني وهكذا، وأنه يمكن قد يكون هذا المعنى الذي أشرت إليه في التقديم عن الشاعر محمد إقبال، يعني القصة أن أباه كل يوم يمر عليه صباحا وهو يراه يقرأ القرآن الكريم فقال له ماذا تصنع؟ يقول أقرأ القرآن، بعدين قال له طيب كل يوم تسألني وأنا أجيبك أنا أقرأ القرآن، فقال له أريد أن أقول لك اقرأ القرآن كأنه ينزل عليك. الحقيقة هذا الموضوع فيه جانبان فيما أعتقد، في جانب التدبر والتفاعل مع النص القرآني من ناحية ومن ناحية ثانية فيه نوع من أنواع المعاصرة، يعني القرآن نزل في لحظة تاريخية معينة ولكن نحن نقول إن القرآن الكريم لكل العصور، أين نبحث عن المعاصرة في النص القرآني؟ المعاصرة في النص القرآن تكمن في لحظة تلقي الخطاب، أنا أفتح القرآن وأقرأ يا أيها الذين آمنوا كأن القرآن ينزل علي الآن ويخاطبني ولهذا لأن أحكام القرآن ممتدة إلى يوم القيامة والمعاصرة لهذا النص تتبلور أو يمكن تلخيصها بلحظة تلقي الخطاب كما قلت، لأن الوضع على هذا النحو فالقرآن ممتد إلى يوم القيامة، ولهذا عفوا اللي نسيته، ولهذا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بصفته في القرآن لم يخاطب باسمه، يا أيها النبي، يا أيها الرسول، بمعنى هذه النبوة وهذه الرسالة بمعنى الشريعة أو القرآن الذي كان حصيلة لهذه النبوة والرسالة مستمر وممتد إلى يوم القيامة. عندما أتصور أنا الآن مهمة القرآن الكريم في تزكية النفس وتزكية العقل والتربية المستمرة كما نقول دائما، القرآن كما نقول دائما يمثل التربية الدائمة والتربية المستمرة أو التربية الكاملة يعني الآن ما هي أنواع التربية التي أريدها الآن؟ التربية العقلية، الإيمانية، البيانية اللسانية، كل هذه الأنواع موجودة في النص القرآني وهي مستمرة كذلك، أعتقد إذا استحضرت أنا الآن مهمة النص القرآني في إنشاء جيل وإنشاء أمة إلى آخره أعتقد قد يكون تدبري له وفهمي عنه أفضل مما، علما طبعا، علما حتى لا نبخس الناس أشياءهم علما أن مجرد تلاوة القرآن يعني..

عثمان عثمان: فيها أجر وثواب.

عدنان زرزور (متابعا): لماذا؟ لأن على المدى البعيد سوف يتأثر به أيا كان حظه من الثقافة، هذا موضوع آخر، النص القرآني يمكن من أسباب الإعجاز قدرته على أن يخاطب جميع الناس على اختلاف مداركهم ويخاطب الإنسان الواحد على اختلاف حظه هو عبر عصور التاريخ وعبر عصوره يعني حظه من العلم يرتقي ويرتقي فهمه للقرآن الكريم عملا بقوله تعالى {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}[القمر:17] المشكلة ليس في النص ولكن في الادكار والعقل عن النص  القرآني.

عثمان عثمان: نعم، دكتور يعني عندما تتحدث عن أنه يجب أن نقرأ القرآن وكأنه أنزل الآن هل يمكن أن يفهم من ذلك أنه يمكن أن يكون هناك استنباط وفهم جديد للقرآن الكريم على خلاف في بعض المواقع بما فهمه السلف؟

كتب التفسير فيها علم غزير لكن فيها أخطاء أيضا على الأقل في باب الآيات المتعلقة بالكون والطبيعة، حيث إن علوم الناس ومعارفهم لم ترتق في عصور التفسير الأولى إلى الكشوف الكونية في العصر الحديث
عدنان زرزور: بكل تأكيد، نعم، يعني كتب التفسير فيها علم غزير بالتأكيد ولكن فيها أخطاء أيضا، يعني على الأقل على الأقل في باب الآيات المتعلقة بالكون والطبيعة لم تكون علوم الناس ومعارفهم قد ارتقت في ذلك العصر إلى هذه الكشوف ومن ثم كان تفسير المفسرين لها فيه أخطاء ولكن هذه الأخطاء نتجاوزها الآن، إلى جانب، هذا لا شك فيه لكن القرآن لكل العصور ويخاطب جميع الأحوال وجميع الناس وكل أبناء جيل واجدون فيه من المعاني ما لم تكن الأجيال السابقة وقفت عليه، علما بأن القرآن الكريم خليني أصفه وصفا أدق من هذا، القرآن الكريم لا يحمل القرآن أكثر مما يطيق، يعني بمعنى أن النص القرآني يعقله الإنسان ويعقلون عنه المعاني على اختلاف حظهم كما قلت من العلم والتقدم ونحو ذلك.

عثمان عثمان: دكتور طبعا نحن محور الحلقة ربما يدور حول المقاصد..

عدنان زرزور (مقاطعا): يعني عفوا، معلش العبارة، العبارة خليني ألخصها، يعني لا يعجز القرآن عن خطاب الإنسان في أي عصر ولا يحمله أكثر مما يطيق حتى تكون القضية فيها توازن وفيها دقة.

عثمان عثمان: واضح تماما البيان، طبعا نحن ربما محور الحلقة يدور حول مقاصد القرآن، ندخل إلى هذا المحور إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، ابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم إن شاء الله بعد هذه الوقفة القصيرة.



[فاصل إعلاني]

نشوء فكرة المقاصد ومعناها

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا البرنامج من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور عدنان زرزور والتي نتحدث فيها عن مقاصد القرآن الكريم. فضيلة الدكتور مقاصد  الكتاب تحدث الإمام العلامة محمد رشيد رضا، تحدث الشيخ محمد الغزالي عن المحاور الخمسة، تحدث العلامة الدكتور القرضاوي عن سبعة محاور للقرآن الكريم وهناك من وصف القرآن بأنه كتاب المقاصد الأول، من أين جاءت فكرة المقاصد؟

عدنان زرزور: يعني فكرة تقسيم يعني المحاور أو البحث عن المحاور التي دار حولها النص القرآن لها عدة مداخل فيما أعتقد وبناء على المدخل الذي أدخل منه يتبين لي أنها ثلاثة محاور أو خمسة محاور أو سبعة محاور، يعني إذا استعرضت أنت الآن أقوال القدماء إلى جانب المعاصرين الذين تفضلت بالإشارة إليهم تجد أيضا اختلاف أو تعدد وجهات النظر لأن آفاق النص القرآني الحقيقة شملت مساحة واسعة جدا، فقد أنظر إلى الموضوع من زاوية المساحة التي أخذتها الطبيعة مثلا وآيات الكون والطبيعة، المساحة التي أخذها موضوع العقيدة أو موضوع الإنسان، يعني المداخل إلى هذا، يعني عندي الآن القاضي أبو بكر بن العربي يقول إنه ثلاثة محاور التوحيد والتذكير والأحكام، ابن جرير يقول التوحيد والإخبار أو الأخبار والديانات، الفخري الرازي يقول.. يعني هذه المسائل كما قلت قبل قليل مع  اختلاف الزاوية لكن دعني أنا أبدأ مما أشرت إليه قبل قليل..

عثمان عثمان: يعني هنا لا أهمية لحصر عدد معين لهذه المقاصد؟

عدنان زرزور: لا أبدا بكل تأكيد بمعنى أن هذا النص المتسع والممتد ينظر إليه من خلال زوايا متعددة  لكن إذا نظرنا إليه الآن من خلال التقسيم الثلاثي تبع الفلاسفة، الله والطبيعة والإنسان، وهذا منهج قرآني فيما أعتقد بالأساس على أساس أن الإنسان موجود والطبيعة أو الكون موجود ومن خلال الإنسان أو الطبيعة يصل الإنسان إلى الإيمان بالله فيصير عندنا يعني هذه القسمة الثلاثة، والله تعالى يقول { وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم..} [الذاريات:20، 21]، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..}[فصلت:53] إذاً عندي الكون والطبيعة وعندي بعد ذلك الإنسان من خلال تأمل الإنسان في ذاته أو بتأمله بالطبيعة من حوله يؤدي إلى الخالق، فلو قلت الآن بأن المحاور الرئيسية، الله والطبيعة والإنسان، ممكن، ممكن على أساس أن كلمة الله سبحانه وتعالى تشمل كل ما له علاقة بالعقيدة أو تشمل ما له علاقة يعني أركان الإيمان أو بصفة خاصة موضوع المعاد، موضوع اليوم الآخر لأن العلماء أفردوه وهذا ممكن بكل تأكيد، يعني أنا خليني مثلا خمسة محاور، الله تعالى بمعنى التوحيد، الرسول بمعنى صفاته وحياته وغزواته، الإنسان من بدء خلقه إلى مصيره في الجنة، التاريخ بمعنى أخبار الأمم الماضية أو السالفة، والطبيعة.

عثمان عثمان: طبعا سندخل إلى تفاصيل في هذه المحاور ولكن دعنا نأخذ بعض المشاركات السيد رضا حسين من الجزائر، تفضل أخ رضا.

رضا حسين/ الجزائر: السلام عليكم، أنا عندي سؤال على الآية في سورة قاف، بسم الله الرحمن الرحيم {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[ق:16]، يعني هل هناك تفسير جديد لهذه الآية؟ أنا بما معنى سمعت أنهم يقولوا إن حبل الوريد هو الكروموزوم. {إذ تلقى المتلقيان..}[ق:17] نعرف بأن الكروموزوم فيه اثنين من المربوطين محسوب بكل حبل.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. نأخذ الأخ عيسى عبد الله من السعودية، أخ عيسى تفضل.

عيسى عبد الله: ألو، ألو..

عثمان عثمان: نحن نسمعك أخ عيسى تفضل. ممدوح العزة من الأردن، أخ ممدوح تفضل..

ممدوح العزة/ الأردن: ألو، ألو..

عثمان عثمان: نأخذ الأخ عبد الله الشمري من السعودية، أخ عبد الله الشمري هل تسمعني؟.. إذاً نعود إليك فضيلة الدكتور، عندما نتحدث عن المقاصد ما نعني بفكرة المقاصد من حيث الأصل؟

عدنان زرزور: يعني الأمور التي هدف القرآن إلى تحقيقها أو المحاور التي غطاها أعتقد أن هذا الموضوع يعني أصلا سعة آفاق النص القرآني إحدى النقاط التي جعلت العلماء يعني يختلفون أو تتعدد إجاباتهم في الحديث عن محاور القرآن الكريم. أذكر الآن بهذه المناسبة يعني كلمة كان الأستاذ مالك بن نبي يقول إن القرآن الكريم يتحدث عن الذرة المستودعة في باطن الأرض وحتى النجم السابح في السماء وبين هذين البعدين جولات في عالم النفس وعالم الاجتماع والتاريخ إلى آخره، أي نعم، لذلك هو يقول أمام هذه الآفاق أو هذه الرحابة القرآنية وقف يعني توماس كارليل في لحظة صدق مع النفس إن صح التعبير وقال "هذا صدى متفجر من قلب الكون" يعني لا يمكن أن يكون هذا دعابة فرد، لكن هو لا يقول بأن هذا وحيد ولكن بمعنى أن آفاق النص القرآني بهرته. أعتقد أن هذه الرحابة هي التي جعلت العلماء يتحدثون يعني تتعدد إجاباتهم عن موضوع المقاصد، لكن المقاصد قد يراد بها كعنوان أنه يجب علينا أن نحقق يعني كأن الأمر في باب التكليف، يعني ما هي الأمور التي جاء القرآن لتحقيقها؟ يعني إذاً علينا أن نحققها، يعني كأن الموضوع جاء من هذه الزاوية من أجل التركيز عليها ومحاولة الاستجابة لمقاصد القرآن في تحقيقها في حياة المسلمين اليومية.

عثمان عثمان: قبل الدخول في تفصيل محاور القرآن أو مقاصد القرآن، البعض يعتبر أن هناك إغراقا في الدخول في الجزئيات مما يعني أغفل الكليات العامة والمقاصد الكبرى للقرآن الكريم؟

عدنان زرزور: يعني الآن نعلق على السؤال الأول..

عثمان عثمان: سنعود إلى هذا السؤال إن شاء الله.

عدنان زرزور: طيب لأنه داخل في الجزئيات أيضا، طيب لا بأس..

عثمان عثمان: لا ما نع أن ندمج بين السؤالين.

عدنان زرزور: ماشي لأنه أنا ظنيت أنه في الإمكان أن ندمج الأمرين في وقت واحد، يعني الآن طريقة العلماء القدامى في التعامل مع النص القرآني تقوم على تفسير الآية بكل أبعادها، اللغة النظم الإعراب القصة يعني كل هذه المسائل، هذه المسائل يعني كأن كتب التفسير يعني هي علوم التفسير أو علوم تفسير القرآن الكريم والسبب في هذا على ما أعتقد أن المفسرين القدامى لاحظوا أو هم كانوا يعيشون في مناخ المجتمع الإسلامي القائم والدول الإسلامية القائمة وكانت مهمة أحدهم رفد يعني إمداد هذا المجتمع بعلوم الثقافة أو علوم ثقافة القرآن الكريم أو علوم القرآن الكريم فكانوا يشتغلون في الجزئيات هذه وبالتفاصيل يعني هذه التفاصيل فيها علم غزير بكل تأكيد نحن الآن نسميها تفسيرا تحليليا لأن طريقتهم كانت في التعامل مع النص القرآني هي تحليل هذا النص بكل أبعاده، أعتقد بأن هذا ربما كان في بعض الأحيان على حساب النظرة الكلية، على حساب ممكن الوحدة الموضوعية للسورة أو النظرة الكلية للقرآن الكريم لكن يشفع لهم في ذلك أن أغراض النص القرآني متحققة في مجتمع قائم ومجتمع إسلامي ومن ثم كانت مهمتهم إمداده بعلوم التفسير وعلوم اللغة والبلاغة إلى آخره. لكن لا يصح أن نبقى نحن على مثل هذا التعامل عندما نفتقد شروط إقامة المجتمع، يجب أن يعاد النظر في هذا وأعتقد أن هذه مهمة المفسرين المعاصرين وأعتقد بأنهم قاموا بهذا إلى حد كبير كما نعلم في التفاسير المعاصرة.

عثمان عثمان: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[ق:16] هل هناك تفسير جديد لهذه الآية؟ كما يسأل الأخ رضا حسين من الجزائر.

عدنان زرزور: هو الذي أشار إليه ليس تفسيرا جديدا ولكن ما يقال بأنه تفسير علمي، هذا أعتقد لا علاقة له بالآية لا من قريب ولا من بعيد لأن الأساس في التعامل مع النص القرآني هو التعامل من حيث المواضعات، ما هي المواضعات؟ بمعنى دلالات الألفاظ، دلالات الألفاظ هي اللغة العربية، اللغة العربية قد يكون فيها اتساع لأنواع من المجاز أو لأنواع من الفهم ولكن لا أعتقد أن الأمر يصل إلى حد يعني إقحام النص القرآني في قضايا يعني لا علاقة لها في الموضوع فيما أعتقد..

عثمان عثمان (مقاطعا): اسمح لنا دكتور أن نأخذ مزيدا من المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ لخباري الأخضر من الجزائر، تفضل.

لخباري الأخضر/ الجزائر: السلام عليكم، الدكتور لخباري، لخباري أبو عبد الرحمن الأخضر من جامعة مهران من الجزائر.

عثمان عثمان: مرحبا بك دكتور، تفضل دكتور.

لخباري الأخضر: الله يبارك فيك، بمداخلة مختصرة تتوزع على ثلاثة أنحاء، القسم الأول حول مقاصد القرآن الكريم، لا يمكن أن نفقه مقاصد القرآن الكريم إلا على مقتضى المقامات التالية، أولا مقام اللسان العربي، ثانيا مقام التعليل، ثالثا مقام الخطاب يعني الواقع الذي قيل فيه الخطاب، ومقام التعليل حيث الارتقاء من العلة باعتبارها وصفا على المنهج الأصولي إلى اعتبارها دليلا على الحكم ومن التعليل الجزئي إلى التعليل المتواتر، هذا ما ألمح إليه الدكتور الشيخ الشاطبي في كتاب الموافقات والإمام ابن عاشور، كذلك لا يمكن أن نحصل مقاصد القرآن الكريم باعتبار هذا العصر حتى نحصل كلياته ومراتبه التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان ولابد ها هنا من احترام مسالك تحصيل هذه الكليات والمراتب حتى لا تكون من قبيل التوسم ولا يمكن كذلك اختصارا أن تكون هذه المحاور من المقاصد لأن المقاصد فن مخصوص جامع لأحكام المقاصد ومقاصد الأحكام وأوصاف الشريعة الإسلامية. المحور الآخر حول تقديم السنة على الكتاب، هنالك للأمة، أو الأمة على ثلاثة مناهج، المنهج الظاهري يؤمه الحنابلة والشافعية والظاهرية يقوم على اعتبار ظاهر الدليل الجزئي المتمثل في السنة النبوية الشريفة والمنهج الأصولي يؤمه مذهب الحنفية حيث تقديم ظاهر القرآن الكريم على السنة النبوية الشريفة، والمنهج الثالث هو المنهج الجامع وقد اختصت فيه مدرسة المالكية حيث فيه يعول على تفسير النصوص الجزئية..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور يعني أنا أقدر قيمة ما تقول إلا أنني مضطر أن أقاطعك لآخذ مزيدا من الاتصالات. الأخ عبد الله زيد اليمن، تفضل أخ عبد الله.

عبد الله زيد/ اليمن: نعم أخي الحديث طويل، عم تسمعني؟

عثمان عثمان: أسمعك جيدا تفضل.

عبد الله زيد: يكفي أن نتحدث عن مقصد من أهم المقاصد وهو توحيد الله الواحد الأحد، وفي هذا العصر نرى أن هناك هجمة شرسة من قبل الغرب وخاصة أميركا بمشروعها الذي أسمته بمكافحة الإرهاب والذي فيه تصادم مع الدين ومع القرآن الكريم في قوله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..}[الأنفال:60] فقامت أميركا ومن معها بقلب مفهوم الإرهاب من..
عثمان عثمان (مقاطعا): أخ عبد الله هل لديك سؤال للدكتور؟

عبد الله زيد: نعم، نريد، نريد هل من اللائق أن تستمر أميركا بمكافحة الإرهاب بهذا الاسم اللي هو فيه تناقض مع القرآن؟

عثمان عثمان: شكرا لك أخ عبد الله. نأخذ الأخ علي الزاهي من هولندا، تفضل أخ علي. أخ علي الزاهي، فصل الخط يبدو من عند الأخ علي الزاهي. هل لكم أي تعليق؟

عدنان زرزور: اللي كتبته حضرتك ما هو؟



محاور فقه المقاصد وطرق البرهنة على العقيدة

عثمان عثمان: الأخ لخباري، الدكتور لخباري الأخضر يتحدث عن يعني فقه المقاصد ينحصر في ثلاث محاور كان يتحدث عنهم.

عدنان زرزور: نعم هذه قضايا أصولية وقضايا مطروحة..

عثمان عثمان (مقاطعا): لا يمكن الدخول عنها، هي شيء من التخصص ربما.

عدنان زرزور: والحقيقة نحن لا نتحدث عن المقاصد بهذا المعنى، نتحدث عن الأمور الأساسية التي يعني تحدث عنها القرآن الكريم والتي هي في نهاية المطاف تخرج الناس من الظلمات إلى النور وكما قلت يكون موضوعها الإنسان وليس الطبيعة والله أعلم.

عثمان عثمان: دكتور طبعا ربما يتصل بالسؤال الأخ من اليمن من أول المحاور أو المقاصد القرآنية هو تصحيح العقيدة، التوحيد، كيف رسم القرآن الصورة الإيمانية، صورة الإيمان أو العقيدة؟

عدنان زرزور: الحقيقة هذا يعني لو أفردنا التوحيد بمقصد أساسي وحده أو حتى لو فصلناه عن سائر أركان الإيمان وقلنا بأن هذا يعدل، هذا صحيح، هذا صحيح بل إن هذا كان مهمة الأنبياء جميعا عبر عصور التاريخ {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من..}[هود:50]، { وإلى ثمود أخاهم صالحا..}[هود:61] إلى آخر الأنبياء جميعا إلى آخر هذا النحو، بمعنى أن المحور الأول والأهم فعلا الذي جاء القرآن لتحقيقه في حياة الناس هو تحقيق العبودية لله والتوحيد، التوحيد المطلق، بمعنى التوحيد أساس الإيمان أو يعني كل أركان الإيمان التي نتحدث عنها الآن تعود في نهاية المطاف إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى. ولم تكن القضية عند الأقدمين أو لم تكن القضية في القرآن الكريم هي زرع التصور الاعتقادي في النفس الإنسانية لأن هذا موجود ولكن جاء الأنبياء من أجل تصحيح هذا التصور الاعتقادي لأن ينابيع الإيمان في النفس الإنسانية الحديث عنها طويل، سواء كانت ينابيع خاصة أو من الطبيعة إلى آخره، ولكن في نهاية المطاف جاء الأنبياء من أجل أن يصححوا هذا الاعتقاد ولذلك يعني عندما نقول إن تاريخ الإنسانية هو تاريخ الإيمان نقول نعم ولكن ليس تاريخ الإيمان الصحيح أو تاريخ الإيمان الحق، جاء الأنبياء ليصححوا هذا التصور، قمة التصحيح في تصور العقائد هو التوحيد، توحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، كلام الأخ صحيح نعم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن العقيدة نتحدث عن طرق معينة للبرهنة عن هذه العقيدة، ما هي الطرق التي اعتمدها القرآن، هل هي طرق إيمانية أم أنها طرق إيمانية وعقلية معا؟

عدنان زرزور: الحقيقة لا أستطيع أن أقابل الطريق الإيماني بالطريق العقلي يعني كمصطلح أساسا ولكن يمكن أن يقال الإيمان عن طريق الروح أو عن طريق العقل أو من قناة العقل أو من وراء العقل، يعني مثل هذه المصطلحات موجودة. أنا قلت قبل قليل إن النص القرآني يعني منهج القرآن الكريم في الاستدلال يقوم على الاستدلال من الإنسان والطبيعة والإنسان موجود والطبيعة موجودة إلى يوم القيامة{وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[الذاريات:20، 21] الآيات المبثوثة في الكون أو الطبيعة بغض النظر عن تعدادها عند الفلاسفة أو عند المتكلمين أو عند التي يتحدث عنها العلماء التجريبيون الآن وكذلك الأدلة المنتزعة من النفس بمعنى أريد أن أقول إن هذه نقطة أساسية وهي أن أدلة القرآن الكريم على الإيمان والاعتقاد منتزعة من الطبيعة ومن الإنسان ولذلك تفعل فعلها ما بقيت الطبيعة وبقي الإنسان يعني لا أستطيع أن أصنف القرآن الكريم على أن أدلة عصر معين أو فئة معينة من الباحثين، ولكنها ممتدة إلى يوم القيامة، هذا أولا. النقطة الثانية التي أثرتها حقيقة هي تشير إلى أن خطاب القرآن الكريم لا أستطيع أن أصفه أنه خطاب عقلي محض، هي بمعنى آخر إن قناة الإيمان أو إن قضية الإيمان أعمق وأرسخ في النفس الإنسانية من أن تملأ من قناة العقل وحدها، بمعنى أن الخطاب القرآني خطاب عقلي وزيادة، بمعنى آخر ليس خطابا عقليا فحسب يعني كل وظائف العقل في القرآن الكريم موجودة، التدبر والتبصر والتفقه وأولو الألباب إلى آخره، تزيد الآيات حول ثمانمائة آية ولكن ليس معنى ذلك أن قضية الإيمان قضية عقلية صرفة ولا قضية روحية صرفة، هي قضية يعني تنبع من النفس الإنسانية بكل أبعادها ولهذا جاء القرآن الكريم يخاطب النفس الإنسانية من قناة العقل ومن قناة البديهة ومن قناة الحس ولذلك أنا الآن لما بتقول لي صنف لي أدلة القرآن الكريم على طرق المتكلمين أو الفلاسفة قد يعني هذا وأجد فيه صعوبة، {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون}[الطور:35، 36] هذا دليل عقلي نعم، دليل بدهي نعم إلى آخره ولذلك الحقيقة أدلة القرآن الكريم تؤثر في الناس ويستجيبون لها أكثر مما يعني نحن ندرس في بعض الأحيان أدلة الفلاسفة وأدلة المتكلمين ولا تعدو أدلة الفلاسفة أن تكون أدلة أقنعت الذي جاء بها أو الذي فكر فيها.

عثمان عثمان: طبعا دكتور الإنسان هو مقصد من مقاصد القرآن، هذا الإنسان المكلف بالعبادة لله عز وجل، العبادة التي تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى، كيف يمكن أن نحقق العبادة في حياتنا؟ وكيف يمكن لهذه العبادة أن تحقق ثمراتها في حياة الإنسان؟

عدنان زرزور: يعني أولا العبادة هي روح الإسلام حقيقة لأنها السلوك، أو بمعنى آخر هي التي تعد الإنسان لكي يكون سلوكه صحيحا أو صائبا أو ليس فيه عدوانية أو إلى آخره، وعندما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}[الذاريات:56] يعني العبودية بالمفهوم العام بمعنى تحقيق كلمة الله عز وجل في الأرض والاستجابة لأوامره ونواهيه سبحانه وتعالى. بعدين العبودية هذه، يعني إذا استعرضنا الآيات القرآنية نجد بأنها يعني هي قسيم لأمر آخر، يعني من هو الإنسان؟ ما هو تعريفه أساسا يعني؟ الإنسان بحسب النص القرآني فيما أعتقد يمكن تلخيصه بأنه عبد لله وسيد للطبيعة، وأعتقد أن هذا الجمع بين الأمرين هو الذي يميز الفرد المسلم في تاريخ الحضارة الإسلامية وفي المجتمعات الإسلامية، هو عبد الله بمعنى يقوم من الوجهة الثقافية والسلوكية بما أمر به من أحكام ومن تكاليف ومن تزكية للنفس وفي الباب الثاني هو الذي يعمل على اكتشاف السنن والقوانين ولهذا حتى صلة الإنسان نفسه بالطبيعة صلة مزدوجة، وليس صلة واحدة، صلة الانتفاع أو التسخير التي تحدثت عنها الآيات القرآنية الكثيرة، وصفة التأمل والتفكر والاعتبار لأن هذا جزء من العبادة، {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانه فقنا عذاب النار}[آل عمران:191] بمعنى أن الإنسان هنا يعني يذكر الله ويفكر في المخلوقات، يذكر الخالق ويفكر في المخلوقات بمعنى أن التأمل في المخلوقات سوف يؤدي به في نهاية المطاف إلى التسليم للخالق سبحانه وتعالى وسوف فيما بعد يطوع سلوكه في الحياة اليومية لمقتضيات أحكام الله سبحانه وتعالى ويرتقي صعودا في موضوع التزكية وموضوع العبادة حتى كما قال الإمام الغزالي إلى الحد الذي إيش؟ يفرق فيه أو يفوق فيه الملائكة، كما قال بعض المتكلمين والإمام الغزالي.

عثمان عثمان: طبعا تحدثنا عن التزكية بأنها مقصد من مقاصد الكتاب وقد عمل عليها النبي عليه الصلاة والسلام في تربية أصحابه والمسلمين من بعده، وشرحتم هذا الموضوع، لعلنا نلاحظ دكتور أن مجمل هذه المقاصد، مقاصد القرآن الكريم ينتج عنها عمارة الأرض، السؤال كيف يتحقق هذا المقصد بحسب القرآن الكريم؟ يعني لم يتبق مع الكثير من الوقت لذلك نرجو الإيجاز قدر المستطاع.

عدنان زرزور: نعم للإيجاز أشرت قبل قليل إلى أن صلتي بالكون عندما تكون الانتفاع والتسخير يعني اكتشاف السنن يعني تسخيرها لمصلحة الإنسان، يعني بمعنى عمارة الكون يعني مزدوجة كذلك عمارة مادية وعمارة معنوية، وتقدم الإنسان الحقيقة هو في الباب الثقافي وليس في، يعني التقدم العلمي أو التقني يعني قد يدمر الأرض، يعني أريد أن أحرر هذه النقطة إذا اتسع الوقت؟

عثمان عثمان: هنا ربما أطرح سؤالا يزيد في تحرير هذه النقطة، ما قدمه الغرب في موضوع العمارة هل يدخل في مفهوم العمارة فعلا؟

عدنان زرزور: والله ما أدري ماذا أقول، لكن عندما، التقدم العلمي عندما يفتقر إلى الأخلاقيات والضوابط والإنسانيات لن يكون أكثر من شحذ للأنياب وإطالة للمخالب إن صح التعبير، بمعنى أنه سوف ينبني عليه عدوان. لكن العمارة لا شك بأن لها جانب مادي موجود حاليا يمكن على أقوى ما يكون لكن قد يهدد هذا، قد يهدد هذا بالسلوك الإنساني الفاسد يعني ما قيمة العمارة في الجانب المادي إذا الإنسان خسر نفسه شيئا فشيئا؟ يعني {كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين}[الدخان:25، 26، 27] لأنه إذا كان الإنسان نفسه تلاشى أو يعني ضعف أمره أو فقد وجوده بأخلاق فاسدة أو يعني بسلوكيات يعني الآن بعض الشعوب الأفريقية قد تكون مهددة بالانقراض خلال ربع قرن من أمراض الانحلال، هذا ليس عمارة للأرض، الأمر الحقيقة يجب أن يكون فيه الجانبان يمشيان الأول والثاني في وقت واحد، وبهذه المناسبة أقول..

عثمان عثمان: الجانب الأخلاقي والجانب المادي.

عدنان زرزور: نعم، وأريد أن أقول إن المتتبع لتاريخ الحضارة الإسلامية يجد بأن علوم الدين أو علوم الإنسان وعلوم الطبيعة كانت تسير في خط بياني واحد أو مشترك، إذا تخلف الإنسان في الأول تخلف في الثاني وإذا تخلف في الثاني تخلف في الأول ولم يحصل في تاريخ الحضارة الإسلامية، يعني الخط البياني للتقدم التقني والآلي يصاحبه تقدم أيضا في باب التعامل مع النفس والتعامل مع المجتمع في باب القيم وباب الأخلاق وباب الدين وباب الفقه وباب المعاملات ولم يحصل في تاريخ الحضارة الإسلامية أن ارتفع أحدهما على حساب الآخر، ولذلك إذا كنا نحن الآن في الجانب المتصل بالعمارة المادية علامتنا ضعيفة أو معدومة فإننا نملك الآن في الجانب الثقافي عبقرية القيم ونملك أشياء كثيرة يمكن أن نمد بها عمالة الأرض ونسهم فيها إن شاء الله.

عثمان عثمان: دكتور في دقيقة ونصف، من مقاصد القرآن بناء الإنسانية أن هذا الإسلام جاء للعالمين رحمة للعالمين، كيف يتجلى هذا المقصد وكيف يمكن تحقيقه؟

عدنان زرزور: يعني بناء، أصلا الخطاب القرآني إنساني أساسا، يا أيها الناس، الخطاب في القرآن ليس قوميا أساسا، يا أيها الناس، بمعنى أن الأحكام التي نزلت فيه تخاطب جميع الناس لكن إذا قلنا الآن كما قلنا قبل قليل إنه في أمم أخرى، علاقتي بالأمم الأخرى يجب أن تحكم من خلال التعايش ومن خلال الاعتراف بالناس الآخرين ومن خلال الإحسان إليهم وعدم الإساءة بمعنى البعد الإنساني في الإسلام يجب أن يتجلى في علاقة المسلمين مع جميع سكان المعمورة التي يشاركونهم فيها في غذائها ونمائها وعمارتها وكل يعني في الباب الذي هو فيه وأعتقد أن الموضوع يحتاج الآن، يعني طرح قضية، الآن لا يتسع الوقت، إلى أن ضفتي المتوسط يعني الحضارة الأوروبية والإسلامية أعرق حضارتين يمكن أن ينهضا بمشروع مشترك لكن هذه مشكلاتنا كثيرة ومشكلاتهم أيضا والأمر يحتاج إلى حلول تخرج عن نطاق الحديث في القرآن الكريم..

عثمان عثمان: يحتاج إلى حلول ويحتاج إلى أكثر من هذا الوقت. لا يسعنا في ختام هذه الحلقة إلا أن نشكركم الدكتور عدنان زرزور أستاذ الفكر الإسلامي وعلوم القرآن في جامعة البحرين، كذلك أعتذر من السادة المشاهدين الذين راسلونا عبر البريد الإلكتروني لعدم القدرة على إجابة أسئلتهم، أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.