- ثقافة المؤسسات في مجتمعنا
- تولية غير المسلم والمرأة الولاية العامة

- دور العمل المؤسسي في مكافحة الفساد

- المؤسسات في التاريخ الإسلامي

- المؤسسات الدينية الحديثة

- العلاقة بين السلطة الدينية والسياسية



عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي الشريعة والحياة، والذي تأتيكم على الهواء مباشرة من العاصمة القطرية الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [ المائدة/ 2]. كثيرا ما يكون الحديث عن الجماعة وضرورة العمل الجماعي، لكن الفكر الحديث زوّدنا بفكرة المؤسسة والعمل المؤسّسي الذي يتجاوز فكرة الجماعة بالمعنى الشائع، فللمؤسسة تقاليدها وقيمها الحاكمة والناظمة لعملها، وكثيرا ما يفتقر العمل الإسلامي إلى بناء المؤسسة وتقاليدها، وكثيراً ما يتحول العمل الإسلامي إلى عمل جماعات حزبية ضيقة تُقدّم فيه الولاءات على الكفاءات، وتراعى فيه صلات القرابة ومتطلبات الثقة أكثر مما تراعى فيه متطلبات التخصص العلمي والمهني، بل إن ثقافتنا تعاني من مشكلة الشخصنة في الدولة والأسرة والإدارة، حتى إن التاريخ المكتوب هو تاريخ أفراد، فكيف نعيد تركيب القيم الدينية في قالب المؤسسة؟ ولماذا تغيب ثقافة المؤسسات في العمل الإسلامي؟ ولماذا تتحول المشاريع المؤسسية إلى مشاريع جماعة؟ وكيف نتجاوز حكم الفرد وما ترتّب عليه من منع تولية غير المسلم والمرأة الولاية العامة؟ ثقافة المؤسسات موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع المفكر والمؤرخ المستشار طارق البشري، مرحباً بكم سعادة المستشار.

طارق البشري: أهلاً بك.

ثقافة المؤسسات في مجتمعنا

عثمان عثمان: بدايةً، لا بدّ أن نعرّف بثقافة المؤسسات، ماذا نعني بهذا المصطلح؟

طارق البشري: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني يُخيل لي قبل أن نعرّف ثقافة المؤسسات، نعرف المؤسسة.

عثمان عثمان: نعم.

طارق البشري: يعني يُخيل لي أن المؤسسة هي تشكيل جمعي لأكثر من فرد، لجماعة من الناس بشكل منتظم وبنظام معين، يضم هذه الجماعة من الناس، لكي يقوموا بعمل مشترك ويؤدوا جميعاً عملاً مشتركاً مع بعضهم البعض بطريقة منسقة ومنظمة، ولكي يستطيعوا أن يخدموا الجماعة الأعم التي قامت عليها أساسيات المنظمة، المؤسسة، ولكي يستطيعوا أيضاً أن تمتد مهمتهم إلى مدى أكبر من الوقت، من الزمن. بمعنى أن تشكيل المؤسسة يتعارض مع تشكيل القيام العمل الفردي، يعني العمل المؤسسي ضد العمل الفردي، لأنه مجموعة أعمال يقوم بها جماعة معينة من الناس، الجماعة دي يعني المفروض أن ترتبط برباط معين، بانتماء معين، سواء كان انتماء مهني أو انتماء قبلي أو انتماء طائفي أو انتماء وطني، نوع ما من الانتماءات تجمع هؤلاء القوم، وأيضاً اجتماع تخصصي يتعلق بالمهن، لأن المؤسسة تقوم بوظيفة معينة، أقصد بهذا، في المؤسسة بالذات، يعني لمّا يكون هناك تكوينات جماعية شعبية تقوم عليها مؤسسات معينة لحمايتها ولرعايتها ولتنظيم أعمالها وسلوكها في الحياة. وهناك نوع آخر من المؤسسات، اللي هي منشآت طوعية، تقوم على أساس أن يتوافق أناس معينون على أداء مهمة معينة لبلادهم ولأوطانهم، أو لجماعاتهم أياً كانت، ويتجمعوا ويكوّنوا مؤسسة معينة لخدمة هذه الأهداف التي رأوها.

عثمان عثمان: انطلاقاً مما قلت سعادة المستشار، يعني هل هناك فرق واضح ما بين المؤسسة وما بين الجماعة أو المجموعة؟ ربما من خلال الإجابة على هذا السؤال نصل إلى ثقافة المؤسسة.

طارق البشري: المؤسسة تقوم على جماعة، وتقوم بجماعة. يعني هي تقوم لتخدم جماعة معينة، أنها مؤسسة ذات تشكل من أكثر من فرد، من عدد من الناس، من جماعة من الناس، يقومون مترابطين ومتماسكين ومنتظمين مع بعضهم البعض في أداء عمل مشترك. يعني مثلاً لمّا أقول مجلس شعب أو مجلس نيابي، مجلس نيابي ده مؤسسة تتكون من العديد من الأشخاص، مهمتهم هي التي عرضت في الهدف المحدد للقيام..

عثمان عثمان (مقاطعاً): الأهداف المنوطة بمجلس الشعب أو مجلس النواب.

طارق البشري: نعم، لما يجعل من جمعية خيرية، مهمة الموجودين فيها أن تقوم بهذا العمل الذي تَحدد في نظامها وتجمع إليها الناس بهذا الشكل يعني، لمّا.. النقابة، النقابة تجمع إمّا مهني وإما عمالي تقوم برعاية مصالح فئة معينة من المجتمع، إنما هي نفسها تكوينها تكوين جماعي وليس فردي، هذه النقطة.

عثمان عثمان: يعني لو أردنا أن نلخص ثقافة المؤسسات، هي مجموعة من الناس يضبطها نظام معين أو أهداف معينة لتحقيق غايات معينة.

طارق البشري: غايات معينة. جماعية..

عثمان عثمان: صحيح، نعم جماعية. من خلال رؤيتك سعادة المستشار، هل ترى أن ثقافة المؤسسات موجودة في مجتمعاتنا، أم أنها غائبة، وإذا كانت غائبة فلماذا هذه الثقافة غائبة؟

طارق البشري: أولاً، بالنسبة للمؤسسات ضروري نفرق ما بين نوعين، نوع المؤسسات التقليدية القديمة، ونوع المؤسسات الحديثة التي نعرفها الآن..

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني لو أخذنا مَثل على المؤسسات القديمة.

طارق البشري: المؤسسات القديمة مثلاً كانت الوقف، كالطرق الصوفية مثلاً. كانت نظام الطوائف والحِرف التي كانت تقوم في بلادنا بين كل حِرفة وكل طائفة تجتمع في جهة شيخ معين وكده يعني.. كان نظام مثلاً العمدة في الريف مثلاً اللي بيحكم الريف هو اللي بيحكم القرية. دي كلها كانت مؤسسات دي مؤسسات إنما في مؤسسات فردية يندمج فيها العمل بالفرد، والوظيفة المؤداة ترتبط بالفرد..

عثمان عثمان (مقاطعاً): دي مشكلة كبيرة يعني؟

طارق البشري (متابعاً): وتتعلق به وحده، بحيث أن مُصدر القرارات، مَن يجمع المعلومات، مَن يصدر القرارات، من ينفذها أو يوصي بتنفيذها هو فرد واحد. المؤسسة الحديثة بقيت غير كده، المؤسسات الحديثة مثلاً العمدة مثلاً، بيته هو بيت العمودية، تلفونه هو تلفون العمودية. الأمير والوالي القديم جيبه الخاص هو جيب الدولة، لا فرق بين مال عام ومالٍ خاص هو كله واحد..

عثمان عثمان (مقاطعاً): طبعاً أنتم ترون في ذلك إشكالية كبيرة؟

طارق البشري: قديماً كان ده موجود، هذا النظام، كان المجتمع بسيط وكان يحتمل هذا الوضع.

عثمان عثمان: أمّا الآن؟

طارق البشري: الوضع النهارده لا يحتمل أبداً قيام هذا الأمر، لأن النهارده أنت عندك حجم معلومات هائل جداً لا بد أن يصل لقيادة معينة بخبرات متعددة جداً، لا بدّ لهذه الخبرات أن تكون موجودة بالنسبة للأعمال الاقتصادية وأعمال السياسة والأعمال الفنية، كل هذه الأمور. الدولة النهارده أصبحت مشروع كبير، والمجتمعات أصبحت مشروع كبير، وحتى العمل الخيري أصبح مشروع كبير جداً، بحيث أنه يحتاج إلى تخصصات مختلفة وتوزيع لهيئات مختلفة ومتعددة، وكلها يكمل بعضها بعضاً. دي محتاجة أن تفصل العمل عن الشخص، تجعل العمل يؤّدى بواسطة مجموعة من الناس وليس فرداً، تجعل العمل يؤّدى بواسطة أنك أنت تقسم العمل إلى أقسام عديدة من ناحية الخطوات بتاعته، كل قسم تقوم به هيئة خاصة بها متخصصة بهذا العمل ويتكامل العمل مع بعضه بعد كده بصورة معينة، عند قمة معينة وبعد كده تنفيذه يتم بشكل أو بآخر. دي محتاجة نوع من أنواع التقسيم.. أولاً جماعات، تقسيم العمل، توزيع العمل على بعضهم البعض، مشاركتهم بهذه التقسيمات كلها في إصدار قرار واحد في عمل واحد والمشاركة فيها، جماعية القرار الذي يصدر به العمل، كل دي محتاجة إلى هذا النوع.. ولكن لا بد أن تنفصل الوظيفة عن الشخص..

عثمان عثمان (مقاطعاً): هل ترى أننا الآن تجاوزنا حكم الفرد إلى حكم المؤسسة؟

طارق البشري: أستطيع أن أقول أننا في عدد من الأعمال الهامة تجاوزناه. عندنا نظام الشركات المساهمة لا بأس به يستطيع أن يعيش فيه ويقوم بعمله، عندنا جمعيات لا بأس بها وتستطيع أن تعيش في هذا الجو، بهذا النظام يعني، عندنا أجهزة الدولة نفسها في مستوياتها التطبيقية والتنفيذية، مكونة بشكل هيئات عامة فعلاً وتكوينات غير شخصية، المشكلة عندنا كلها في القمة، القمة رئاسية فردية وهو اللي عمل المشكل ده كله، وتصبغ الوضع كله بالطابع الشخصي الفردي بعد ذلك.

عثمان عثمان: كيف نتجاوز هذه المشكلة؟

"
ثقافة المؤسسة العامة موجودة لدينا منذ نحو 150 سنة، لكن المشكلة تكمن في أسلوب تنظيم قمة الحكم
"
طارق البشري: هي المشكلة أصلاً، ولكن من ناحية الثقافة، ثقافة المؤسسة العامة، موجودة عندنا وعلى مدى 100 سنة أو 150 سنة لدينا الكثير في هذا الشأن نستطيع أن نبني عليه، إنما المشكلة كلها هي مشكلة أسلوب تنظيم قمة الحكم والمجتمع في قمته العليا في هذا الشأن، هي دي المشكلة الأساسية. التي نحن لم نعتد فيها بعد على فصل الوظيفة عن الشخص، ولم نعتد فيها بعد على تعدد الهيئات التي تتولى العمل العام في قمتها العليا.

تولية غير المسلم والمرأة الولاية العامة



عثمان عثمان: حتى لا نخرج عن إطار الشريعة والحياة إلى الشأن الإداري لنغوص أكثر في موضوع يعني... مما ترتّب لحكم الفرد سعادة المستشار، أن الفقهاء منعوا تولية غير المسلم والمرأة الولايات العامة، لأنهم يستنبطون في وعيهم أن الرئيس هو الذي يتصرف وهو الذي يتحكم وهو الذي يدير الأمور، برأيكم هل هذا واقعي أو صحيح؟

طارق البشري: والله أنا حاولت أبحث النقطة هذه شوية في بعض الأمور ،دي متوقفة على ما إذا كان... أصل إحنا بنتكلم عن الولاية العامة هنا.. والولاية العامة تكون لغير المسلم أو تكون للمرأة ولاّ لأ؟

عثمان عثمان: هذه مسألة فقهية تحدّث فيها الفقهاء كثيراً.

طارق البشري: تكلم فيها الفقهاء وقالوا لا بدّ أن يكون مسلم، النائب العام..

عثمان عثمان: وأن يكون ذكراً.

طارق البشري: وأن يكون ذكراً. دي تكلموا فيها، إنما لم تكن لا هي.. ما هي الولاية العامة؟ الولاية العامة في ما كتب المواردي، في ما كتب أبو يعلى، في ما كُتبَ في الغياثي، الجويني، كل هذه الكتابات كانت تصوّر الوالي أو وليّ الأمر باعتباره فرداً يملك القرار وحده، وده النظام القديم كان ماشي على هذا الأساس، وكان طبيعي مع مهمات الولاية العامة في ذلك الوقت، النهار ده أصبح يخيل لي نستطيع أن نقيم نظاماً إدارياً وسياسياً ودستورياً لا يعتمد على القرار الفردي.

عثمان عثمان: وتصبح المؤسسة هي الحاكمة.

طارق البشري: وتصبح المؤسسة هي الحاكمة، عندها لا يكون لشخص فرد ولايته العامة، ستكون الولاية العامة متروكة للجميع، متروكة لكل من يشاركون في اتخاذا القرار، يعني مثلاً هذه مسألة عادية، أنا قاضي في المحكمة، نحن خمسة نقعد في المحكمة أو ثلاثة، خلينا ثلاثة نقعد في المحكمة، أنا فرد وأنا وحدي لا أملك ولاية في أي شيء، ولو وقّعت على أي قرارا فهو هباء هواء، لأنه لا بد أن نوقِّع عليه نحن ثلاثتنا جميعاً، فالولاية للثلاثة وحدهم دون غيرهم ودون ما هو أقل من هذا. إذا نقعد مثلاً في مجلس برلمان، البرلمان من 300 واحد أو 100 واحد أو 500 واحد بيصدروا قانون واحد بطريقة معينة في المناقشة وفي التصويت عليه، هو صوت عليه بالأغلبية ولكنه يصدر باسم الجميع وليس باسم الأغلبية بس، فالولاية للهيئة نفسها وللمجلس وليست للفرد، لا يملك أيّ منهم ولاية في هذا الأمر وحده، لما الولاية للهيئة التي هو يشارك فيها. اللي أنا أفهمه، مثلاً يتكلم المواردي أن وزير التفويض، يفرق بين وزير التفويض ووزير التنفيذ، وزير التفويض هو من يعهد إليه وليّ الأمر بالولاية كاملةً، وزير التفويض يملك كل شيء، بحيث أن عزل وزير التفويض يؤدي إلى عزل كل من ولاّهم من تحته أو نوابه، عزل نوابه جميعاً، وده كلام يقوله المواردي. إلى هذا الحد السلطة المنفرد بها و حده كفرد، وزير التنفيذ قال هو مختلف، قال، وزير التنفيذ يؤدي للسلطان، يعني يبلّغه، ويؤدي عن السطان يعني يبلّغ عنه وينفذ ويشارك في الرأي. قال، وزير التفويض لا بد يكون مسلم، وقال، وزير التنفيذ يمكن أن يكون ذميّاً وأن يكون غير..

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني إذاً الولاية العامة لا يمكن.. لها أقسام؟

طارق البشري: إذا كنا نجعل الولاية في إطار أن يكون كلٌ منا، في كل منصب من المناصب العامة التي يتولاّها هو، يؤدي عن، يؤدي إلى ويؤدي عن، ويشارك في الرأي، فنحن جميعنا متساوون في هذا. اللي أنا عايز أقوله أنه يمكن بهذا التصنيف الجديد للولايات وتوزيعها على العديد من الهيئات والأشخاص، يتولّى.. ده يساوي بين المسلم وغير المسلم في بلادنا في هذا الشأن لكن بشرط، اللي هو الهيئة، النهارده أصبحت الولاية للهيئة وليس للفرد.

عثمان عثمان: أنا عندي إشكاليتين سعادة المستشار، الإشكالية الأولى..

طارق البشري: تفضل.

عثمان عثمان: إذاً عندي إشكاليتين بعد أن تتحدثون الشرط، نعم.

طارق البشري: الولاية... يمكن أرد على إحداهما..

عثمان عثمان: تفضل، أطرح الإشكاليتين إنشاء الله بعد أن تكمل حديثك.

"
الولاية تكون لهيئة مسلمة مرجعيتها الإسلام ولا تكون للفرد
"
طارق البشري: الولاية للهيئة وليست للفرد، تكاد الولاية تكون للإسلام شرط في الولاية فيتهيأ أن تكون الولاية لهيئة مسلمة، الهيئة تكون مسلمة، طيب الهيئة تبقى مسلمة إزاي؟ بأن تكون مرجعيتها الإسلام، عشان كده نضع في قوانينا وتشريعاتنا النهارده بأن دين الدولة الإسلام، فقد صارت الدولة هنا كهيئة مسلمة، ما معنى إسلام الهيئة؟ أن تكون مرجعيتها الإسلام، أن تكون تصدر فيما تصدر من أوامر وغيرها عن المرجعية الإسلامية من قرآن وسنّة، متى توافر هذا الأمر فقد صارت الهيئة مسلمة.

عثمان عثمان: إذاً ربما تفتحون الباب...

طارق البشري: (مقاطعاً): هذه النقطة اللي حبيت أقولها.

عثمان عثمان: نعم، ربما تفتحون الباب أمام المرأة أو غير المسلم لتولي بعض المناصب في الولاية العامة. تحدثتم عن موضوع، عن الإشكاليتين اللتين أتحدث عنهما، تحدثتم عن الهيئة، يعني حتى لو كان هناك هيئة قضاء، يبقى القرار للرئيس، أليس كذلك. أو حتى على مستوى الدولة يبقى القرار للرئيس، القرار النهائي، هذه الإشكالية الأولى. الإشكالية الأخرى قد نجد فيها مخالفة لنصوص الكتاب والسُنة كما يقول البعض.

طارق البشري: أتصور ليست هناك مخالفة للكتاب والسُنة ما دمنا أننا جعلنا المرجعية فيما تصدره الهيئة من قرارات هو..

عثمان عثمان (مقاطعاً): لأ. في موضوع تولي المرأة منصباً معيناً.

طارق البشري: ما هو تولّي المرأة أصله أن تكون ذات ولاية، لن تكون في منصبها كعضو مجلس نيابي، كعضو في محكمة، لن تكون لها ولاية منفردة، هي ليست لها ولاية منفردة، هي ولايتها، الولاية للهيئة التي تشارك فيها، وليست لها منفردة، ولا لغيرها منفرداً أيضاً.

عثمان عثمان: يعني هل يجوز للمرأة أن تكون رئيساً في محكمة؟

طارق البشري: متى كان..

عثمان عثمان (مقاطعاً): طبعاً عندما أتحدث عن المرأة، أتحدث عن غير المسلم كذلك.

طارق البشري: نعم، متى كانت ليست لها سلطة تصدر قراراً منفردةً به وحدها فهي ليست لها ولاية.

عثمان عثمان: طبعاً هذا يستدعي نقاشاً طويلاً ربما والدخول في أدلة وأدلة ومناقشة الأدلة..

طارق البشري (مقاطعاً): النقطة التي تقول عليها حضرتك، التي هي القرار يبقى للرئيس،أنا.. ليس صحيحاً، الرئيس أي جلسة هو يدير...

عثمان عثمان (مقاطعاً): أتحدث عن مستوى سياسة الدولة بشكل عام.

طارق البشري (متابعاً): والرئيس هو مدير، يدير ويضبط الإيقاع، ولكن ليس له قرار منفصل، ونستطيع أن نضع..

عثمان عثمان (مقاطعاً): هذا في موضوع القضاء.

طارق البشري: في موضوع القضاء وفي غيره أيضاً.

عثمان عثمان: اليوم نجد أن الرئيس في بعض البلدان الحديثة يكون له قرار فيتو على كثير من القرارات..

طارق البشري: (مقاطعاً): ما ينفعش، أنا أقول ما ينفعش، اللي أنا أقوله، لا يصلح، اللي أنا أقوله، لا يصلح في الحالة دي. هو يصلح في الحالة التي نحن نضع فيها نظام دستوري ونظام لتنظيم الدولة..

عثمان عثمان (مقاطعاً): النظام هو الذي يحكم.

طارق البشري (متابعاً): يكون النظام هو الذي يحكم والهيئات هي التي تحكم بشروط أربعة أو خمسة. عندي خمس شروط.

عثمان عثمان: باختصار.

طارق البشري: جماعية القرار، أن يكون القرار من جماعة وليس من فرد. ثاني حاجة تعدد الهيئات التي تصدر القرار ولا يصدر من هيئة محايدة تستبد به دون غيرها، حسب تخصصات مختلفة تقوم بها يعني. ثالث حاجة التوازن بين هذه الهيئات، فلا تملك هيئة إزاء أخرى أن تلغيها أو أنها تصادر حقها في التعبير وفي المشاركة. رابعاً التداول، أن لايبقى أحدٌ في عمله مستمراً فيه بدون قيد زمني، التداول مهم جداً لفصل الوظيفة عن الشخص. خامس حاجة أن يكون هو ممثل، هو لايعمل عن نفسه، ليس أصيلاً، يمثل الجماعة.

دور العمل المؤسسي في مكافحة الفساد



عثمان عثمان: لو أردنا الدخول.. بالعودة إلى العمل المؤسسي، سعادة المستشار، إلى أي مدى ترى العمل المؤسسي يحول دون حصول فساد أو يحارب فساداًً موجوداً؟

طارق البشري: عندما أضمن الشروط الخمسة التي قلتها، الجماعية والتعدد والتوازن والتداول والتمثيل، أنا وضعت أهم قيود على.. ضد الفساد، لأن الفساد هو إيه؟ الفساد هو تحول الشأن العام إلى شأن خاص، سواء في المال أو غير المال.

عثمان عثمان: المؤسسات الإسلامية، العمل الإسلامي الآن، هل تراه عملاً مؤسسياً أم أن ثقافة المؤسسات قد غابت عنه، على مستوى الحركات، على مستوى الجمعيات والمؤسسات الإسلامية؟

طارق البشري: يعني ليس... لا تختص المؤسسات الإسلامية بوضع دون غيره، يعني ما يسود من فردية ومن شخصنة في هيئات كثيرة، يسود في المؤسسات الإسلامية وغير الإسلامية أيضاً، الحقيقة، يعني ليس الإسلام عنصراً من عناصر ترجيح العمل الفردي على العمل الجماعي أو على عمل المؤسسات، ليس هكذا الحقيقة. نحن شايفينها، حتى في نظم حكم كثيرة في العالم كله، وشايفينها أيضاً حتى في جمعيات وفي أحزاب وفي غيرها. فإذا كان هناك ظاهرة فردية في عمل إسلامي، في مذهب حزبي، هناك ظاهرة فردية في عمل علماني حزبي أيضاً بنفس الطريقة..

عثمان عثمان: لماذا هذه الشخصانية والفردية؟

طارق البشري: محتمل يكون، هو طبعاً موجودة في نظام الدولة عندنا، ومحتمل أيضاً يكون بسبب عدم استقرار هيئات القطاع المدني استقراراً منتظماً لمدة طويلة من الزمن، تستطيع به أنها تكون لها أعراف وأسس لقيام عمل مشترك، على أساس جماعي وليس على أساس فردي. يعني نحن لما نشوف أحزابنا على مدى المائة سنة الماضية، حتلاقي عشرين سنة وتروح، عشر سنين وتذبل، تطلع شوي وتنتهي، حتلاقي أيضاً في الجمعيات في هذا..كده.. محتمل يعني المسألة اللي لاحظتها في الجمعيات الخيرية، الجمعيات الخيرية اللي قامت على الإسلام، أو على المسيحية بالنسبة للأقباط في مصر، كانت أكثر دواماً وأكثر استمراراً كمؤسسات من الجمعيات الأخرى، يعني يمكن أكثر من الجمعيات اللي عندنا، الجمعية الشرعية والجمعية الخيرية، وجمعية التوفيق القبطي، أكثر الجمعيات قدماً في... لأن يمكن ده يعطيها نوع من أنواع الثواب أكثر أو إنكار الذات أكثر، العنصر الديني يعطي حاجة من هذا النوع، ونحن محتاجين في العمل المؤسسي إلى قدر من إنكار الذات، وقدر من الشعور بالانتماء إلى جماعة أكبر، محتاجينهم جداً، حتى يستقيم لنا الأمر في هذا الشأن يعني.

عثمان عثمان: سعادة المستشار طبعاً إذا ما عدنا إلى التاريخ لوجدناه يتحدث عن تاريخ جمعيات وجماعات وتغيب فيه المؤسسات، هو تاريخ أفراد، رئيس أو زعيم أو خليفة أو غير ذلك، لماذا يكون هذا الأمر.. أسمع منك الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير فانتظرونا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

المؤسسات في التاريخ الإسلامي



عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن ثقافة المؤسسات. سعادة المستشار، كنت سألت سؤال، اليوم تاريخنا الحديث يتحدث في التاريخ القديم عن أشخاص، عن رجال، عن خلفاء، عن علماء، لماذا لا يكون الحديث عن المؤسسات، هل لأنها لم تكن موجودة؟

"
المؤرخون قديما نظروا إلى التاريخ باعتباره تاريخ زعماء وقادة وخلفاء، لكن المؤرخين الحديثين نظروا إلى التاريخ باعتباره تاريخ قضية
"
طارق البشري: قديماً كان فعلاً المؤرخون ينظرون إلى التاريخ ويكتبونه باعتباره تاريخ زعماء وقادة وخلفاء وأفراد، وكانوا بعد ذلك يؤرخونه على أساس أنه تاريخ دول، والدولة بما أنها كانت مشخصنة فكان التاريخ هو تاريخ من يمسك الدولة، من يتولها، يعني من خلفاء أو من سلاطين أو هكذا يعني، كان ده النظر إلى التاريخ بهذا الشكل ، إنما نحن إنصافاً للمؤرخين الحديثين، أظن في خلال الخمسين سنة الماضية، مش خمسين سنة الحقيقة، من قبل بخمسين سنة بدأ، يعني أمثال الأمين سعيد في كتاباته عن تاريخ العرب، أمثال عبد الرحمن الرافعي في كتاباته عن التاريخ المصري، إنما نظروا إلى التاريخ باعتباره تاريخ قضية وليس تاريخ حكام فقط، الرافعي نظر له على أساس أنه تاريخ الحركة الوطنية الاستقلالية من أول نابليون بونابرت ما دخل مصر لغاية سنة 1959، أمين السعيد نظر إليه كتاريخ العرب وكفاحه من أجل الوحدة، فنظر إليه كقضية أيضاً، وعمل كل أجزاء كتاباته بهذا الشكل في هذا الإطار، فكانت قضية، بالآخر، قضية موضوعية يتكلم عنها يعني. بعد كده المدرسة التاريخية تنوعت جداً، تنوعت بمعنى أننا لقينا ابتدأ يبقى في تاريخ الجماعات المختلفة، تاريخ الطبقات الاجتماعية، تاريخ النقابات، تاريخ الهيئات المختلفة كهيئات البرلمان وغيرها مثلاً، بدأ هذا النوع من أنواع التأريخات تُكتب وتُكتب بشكل جيد يعني، هو اللي فضل.. تاريخ فردي وده اللي نرجو أن يزول عنه الفردية، تاريخ المفكرين. إحنا ننظر إلى التاريخ مثلاً في هذا الوقت، حتى لمّا ننظر لفكرة التجديد الفقهي، نتكلم عن محمد عبده بس لا نتكلم عن دار الإفتاء لا نتكلم عن المحاكم الشرعية..

عثمان عثمان: يعني هل ممكن في المستقبل أن نتحدث عن المؤسسات بدل أن نتحدث عن الأشخاص؟ اسمح لنا سعادة المستشار أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ أحمد تطراوي من الجزائر، تفضل أخ أحمد.

أحمد تطرواي/ الجزائر: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله. تفضل أخي الكريم.

أحمد تطرواي: تحية لك أخي الأستاذ عثمان عثمان، وتحية إلى الأستاذ المفكر البشري.

طارق البشري: مرحباً بك.

أحمد تطرواي: والله أخي عثمان أنا قرأت لابن تيمية بالنسبة إلى ثقافة المؤسسات أو الفرد، قال ابن تيمية، أخي عثمان، بأن قد يجتمعون في عقيدة واحدة ولغة واحدة وتاريخ واحد، لكنهم يتبعثرون في الفعل، وبالتالي يفقدون خصائص الأمة والعمل الجماعي. ثم يقول، أخي عثمان، أبو حامد الغزالي بأن يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق. إذاً الناس ينظرون إلى الحق على أنه مكونات الرجال ولا يعرفون الحق بالرجال، ثم، أخي عثمان، ملاحظة أخيرة أن الغرب عندهم الإطار وهذا الإطار هم الأشخاص الذين يعملون داخل الإطار، لكن إذا غاب الأشخاص يبقى الإطار ثابت، أما في الأمة الإسلامية فليس لدينا إطار وليس لدينا أشخاص وبالتالي نفقد ثقافة المؤسسة وثقافة الفرد. شكراً لك أخي عثمان.

عثمان عثمان: شكراً أخ أحمد. نأخذ الأخ صلاح صادق من الأردن، تفضل أخ صلاح.

صلاح صادق/ الأردن: السلام عليكم

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله

صلاح صادق: تحية لك ولضيفك.

عثمان عثمان: يا مرحباً أخ صلاح، تفضل.

صلاح صادق: يعني الحقيقة، الموضوع مهم، وهو المؤسسات في العهد الإسلامي والمؤسسات في العهد الحاضر. لا يجوز أن نطلق مؤسسات على العهد الإٍسلامي لأن أركان الدولة يعرفها ضيفك الكريم، بأنها الخليفة والمعاونون والحكام الإداريون و..

عثمان عثمان (مقاطعاً): سؤالك أخ صلاح.

صلاح صادق: السؤال أنه لا يجوز الخلط بين.. لا يوجد هناك مؤسسات في العهد الإسلامي، بل الخليفة، وجهاز الدولة التي هو الخليفة مسؤول عنه بالتفاصيل التي ذكرتها...

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني هو الفرد الحاكم المطلق، هكذا تريد أن تقول أخ صادق؟

صلاح صادق: نعم، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته..

عثمان عثمان: شكراً أخ صلاح وصلت الفكرة شكراً جزيلاً لك. سعادة المستشار يعني الأخ أحمد تطراوي طرح يعني عدة أفكار، أكيد سمعته، نقل قول ابن تيمة والإمام الغزالي.

طارق البشري: أتفقُ فيما قال عن معرفة الحق بالرجال وليس معرفة الرجال بالحق، أتفقُ معه في هذه الملاحظة التي قالها. ولكني أتصور أنها مقصود بها الحكم الموضوعي على الأشخاص وليس الحكم الشخصي على الأعمال، المسألة اللي نحن نتكلم فيها، لا تتعارض بهذه النقطة من هذه الزاوية..

عثمان عثمان (مقاطعاً): أعتقد أنكم أجبتم يعني وضعتم شروط خمسة تتعلق بالفرد..

طارق البشري: تتعلق بالفرد، نعم. وتكوينات الهيئة الجماعية في العمل. الأخ صلاح لا أتفق معه طبعاً فيما قال بالحقيقة، لأنه الأمر هنا بالخلافة وليس بالحاكم الفرد يعني..

عثمان عثمان (مقاطعاً): لأ هو علماً الأخ أحمد طرح فكرة الغرب أن هناك إطار يعمل فيه العاملون أو أصحاب الولاية العامة، فإذا ما ذهبوا يبقى الإطار كذلك. عندي الأخ صلاح صادق سعادة المستشار، طرح فكرة ومعتقد حزب التحرير بأن الخليفة هو الفرد الحاكم المطلق.

طارق البشري: الحقيقة هو لا أتفق معه في هذه الفكرة، لأن الخليفة هو الخلافة، هو المهمة التي يقوم بها، هو هيئة. النهارده تستطيع أن تقوم هيئة بهذه المهمة وليس الفرد، بل أزعم أن الفرد لن يستطيع أن يقوم بهذه المهمة على الوجه المطلوب. الذي كان موجوداً من قبل في الزمن الماضي، لأن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر سرعة وأكثر مشاكل بحيث أنها محتاجة إلى العمل الجماعي دائماً والجهد الجماعي المنظم في هيئات بالطريقة اللي أنا قلتها.

المؤسسات الدينية الحديثة



عثمان عثمان: يعني كما ذكرتم اليوم بأن الراعي لم يعد فرداً إنما أصبح الراعي مؤسسة تحكم وتسيّر أمور الدولة. سعادة المستشار لو عدت إلى المؤسسة، إلى ثقافة المؤسسات، ولا سيما المؤسسة الدينية بالذات، برأيكم هل يمكن الحديث الآن عن مؤسسة دينية تملك تقاليد المؤسسة؟

"
المؤسسات الدينية يجب أن تكون لها استقلالية عن الحكم القائم أو عن الاتجاه السياسي الذي يتولى الحكم في مدة معينة
"
طارق البشري: المؤسسة الدينية نقصد بها.. هي مؤسسة لعدة مهام، التعليم الديني، الإفتاء الديني، بمعنى أنها تتعلق بمشاكل متعلقة بالشرعية الدينية في تصرفات الناس وتصرفات الدولة، تتعلق أيضاً بالتعليم الديني ورعاية العلم الديني المتعلق بالفقه الإسلامي.. لدينا الأسس التي يقوم عليها مؤسسات غير شخصية وغير مشخصنة فيما يتعلق بهذا الأمر. لدينا أسس، إنما المشكل كله يتعلق بكيفية استقلال هذه المؤسسات عن العلم السياسي المباشر، لا أقول عن المرجعية السياسية، دائماً تكون المرجعية الإسلامية للأعمال المختلفة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غيرها ونظم موجودة لا بد تكون موجودة، إنما تكون المؤسسات الدينية لها استقلالية عن الحكم القائم، أو عن الحزب الذي يتولى الحكم في لحظة معينة، أو عن الاتجاه السياسي الذي يتولى الحكم في لحظة معينة أو في وقت معين، دي اللي نحن عايزين نضمنها، لو ضمنّا هذه النقطة واستقلاليتها الذاتية في هذا الشأن، ستقوم ببساطة جداً وبإمكانياتها الذاتية مؤسسات غير شخصية..

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني أنتم تعتقدون..

طارق البشري (متابعاً): من هو الذي يقضي على المؤسسة الشخصية، على المؤسسة الدينية من الناحية الشخصية؟

عثمان عثمان: من؟

طارق البشري: لا يوجد في داخلها من يسيطر عليها سيطرة حاكم فردي أبداً، في كل المؤسسات الدينية، إنما يوجد بس العلاقة، عدم الاستقلال، وعلاقة التبعية في تكويناتها وفي تشكيلاتها العليا مع النظام السياسي، سواء كان نظام حزبي أو غير حزبي، القائم.

عثمان عثمان: إذاً هذه هي المشكلة التي تعاني منها المؤسسة الدينية في واقعنا أو في حياتنا المعاصرة؟

طارق البشري: هي دي المشكلة.

عثمان عثمان: نعم، دكتور لو انتقلت إلى سؤال آخر عن... هناك مجموعات لها أهداف ولها تطلعات ولها غايات يسعى لتحقيقها مجموعة معينة من المجموع الكبير، برأيكم كيف يمكن لهذه المجموعة الصغيرة أن تدير أهداف المجموعة الكبيرة وأن يكون هناك تناسق وتواصل؟

طارق البشري: أولاً فكرة التمثيل، لا بد تكون ممثلة للمجموعة الكبيرة، أن يكون لها علاقات اختيار وتداول تربطها بالمجموع الكبير، النظام الانتخابي يعني بشكلٍ أو بآخر، وإن لم يوجد نظام انتخابي فيها، فلا بد أن تكون على طريقة.. هناك علاقات ما لا بد أن تصل ما بين القائمين على المؤسسة والهيئة القائمة وما بين الجماعة التي تتولى هذه المؤسسة إدارتها. يعني نمسك نقابة مثلاً، النقابات يعني، لا بد يكون فيها مجلس نقابة، وفيه أفراد النقابة أنفسهم، وأعضاء النقابة أنفسهم، هي تسيطر على أفراد النقابة، لا بد أن تكون لديهم مُكنة وإمكانية محاسبتهم عن طريق الانتخاب الدوري، وأن يكونوا.. الصفة التمثيلية لا بد أن تكون ظاهرة في هذا الشأن. وأظن النظام الإسلامي قائم على السلطة المقيدة، من أول أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال،" أطيعوني ما أطعت الله والرسول". بهذه الكلمة وضع أساس السلطة المقيَّدة. نحن في القانون عندنا، القانون الإداري والقانون الدستوري نقول دائماً السلطة المقيدة، لا سلطة تليق، السلطة مقيدة بالشروط الخمسة اللي أنا قلتها. كلمة المقيَّدة دي التي قالها سيدنا أبو بكر في لفظ واحد، "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله". عندنا أساس قوي جداً لهذا الأمر، علينا أن ننفذه.

عثمان عثمان: سعادة المستشار سؤال لربما يطرح نفسه بقوة هذه الأيام على مستوى المؤسسات الإسلامية أو حتى غير الإسلامية، يعني نجد أن هناك سعي من قِبل القائمين على هذه المؤسسات بتوظيف المعارف، الأصحاب، الأصدقاء، أصحاب القرابة، ربما يُقدمون الثقة على الكفاءة، برأيكم هل ذلك منسجم مع ثقافة المؤسسات؟

طارق البشري: هنا نجد قضيتين، قضية الثقة أم الكفاءة؟

عثمان عثمان: يعني هذه مسألة والمسألة الأخرى يقدم الأصحاب والاصدقاء والأهل يعني الأقارب.

طارق البشري: نعم، نعم، الثقة أم الكفاءة؟ هذه قضية تتعلق... يعني نحن أوصانا القرآن الكريم أن نستعمل القوي الأمين، فلا بد أن يتوافر الثقة والكفاءة، القوة هي الكفاءة والأمانة هي الثقة.

عثمان عثمان (مقاطعاً): { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } [القصص/ 26]

طارق البشري: نعم، لا بد أن نستعمل القوي الأمين، يعني هذه هي التوصية القرآنية لنا. علينا أن نستخدم.. ولذلك نحن لا نضع الثقة والكفاءة فيما يلي التناقض والتعارض، لا بل لا بد من توافرهما معاً وتجمعهما معاً..

عثمان عثمان (مقاطعاً): وفي حال وجِدَتا في موقع التناقض، ربما.

طارق البشري: مسألة الثقة بالمعنى اللي حضرتك تقصده، تقصد بها عندما تتشخصن السلطة تريد أن تأتي بأصدقاءها وأصحابها ورجالها وأولادها وأقاربها في هذ الأمر..

عثمان عثمان (مقاطعاً): ولو كانوا لا يملكون الكفاءة.

طارق البشري: ده مرض من أمراض الشخصنة، مرض من تحول الشأن العام إلى شأن خاص.

العلاقة بين السلطة الدينية والسياسية



عثمان عثمان: سعادة المستشار هناك سؤال ربما يحتاج الكثير من التفصيل، المؤسسة التشريعية في النظام الإسلامي، كما هو معلوم، كانت لطبقة الفقهاء وهي خارجة عن إطار السلطة لأن التشريع حسب التصور الإسلامي لله عز وجل والذي يفسره الفقهاء. ماذا ترتب على دمج المؤسسة التشريعية كجزء من سلطة الدولة.

طارق البشري: النظام التشريعي في الإسلام، أنا افتكر كان شيخنا فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف، الله يرحمه، لمّا كان يدرسنا الشريعة الإسلامية، الفقه الإسلامي، كان يقول لنا، يوجد تشريعات الدرجة الأولى في الإسلام وتشريعات الدرجة الثانية، تشريعات الدرجة الأولى هي القرآن والسنّة، وهي ذات المرجعية المطلقة..

عثمان عثمان (مقاطعاً): لا نقاش فيها.

طارق البشري: نعم، تشريعات الدرجة الثانية هي ما يصدر عن هذه المرجعية من اجتهادات الفقهاء في المسائل العامة، التي تجدّ في كل عصر وحين. دي تشريعات الدرجة الثانية، بما يفتي به المفتون وبما تستقر عليه أحكام الشرعية في المحاكم الشرعية في الاجتهادات المتعلقة بكل زمان ومكان وما يقول به الفقهاء في هذا الشأن ، ده كان التشريع الثاني. قديماً السلطة التشريعية، يخيل لي إذا قلنا هناك سلطة تشريعية دنيوية كانت موجودة، كانت موجودة لدى الفقهاء..

عثمان عثمان: نعم

"
الجماعة قديما كانت تتمخض عن فقهاء يُعترف بهم وبعلمهم، وكانت تقوم مقام السلطة التشريعية التي جاءت بالتوافق وليس بالانتخابات كما يحدث في عهدنا
"
طارق البشري: وكان الفقهاء موجودين في المساجد لا يعيّنهم أحد، ولا يتبعون السلطة التنفيذية، اللي هي الخليفة أو الإمام، أبو حنيفة، لا أحد عيّن أبو حنيفة، ولا الشافعي أحد عيّنه فيما هو.. وهكذا.. ابن تيمية كان مسجون كمان يعني.. وأحمد بن حنبل جُلد وضرب وهُزئ، فلم يعينهم أحد إنما كانوا.. الجماعة كانت تتمخض عن فقهاء يُعترف بهم ويُعترف بعلمهم وبفضلهم في جماعاتهم، ويجلسون للإفتاء، وفتاواهم تقوم مقام التشريع من الدرجة الثانية، الذي سماه عبد الوهاب خلاف، الله يرحمه، تشريع الدرجة الثانية في هذا الشأن، فكانت بمعنى من المعاني كانت سلطة تشريعية أتت بالتوافق، ليس بالانتخاب الذي نعرفه الآن إنما بالتوافق العام للجماعة المسلمة بهذا الوقت، وبالاعتراف العام، بهذا الشكل يعني، لذلك كان فيها نوع من أنواع الديموقراطية فعلاً في هذا الشأن، كانت موجودة، بالشكل ده. بعد كده في العهود الأخيرة من العهود العثمانية بدأوا يعينون المفتين كتعيين من قِبل الدولة، ويعين شيخ الإسلام علشان يكون المفتي الأكبر، فابتدأ نوع من أنواع السيطرة على سلطة التشريع بهذه الطريقة من الدولة...

عثمان عثمان (مقاطعاً): والسلطة السياسية تمارس دورها على سلطة التشريع.

طارق البشري: نعم، بس ده بأوقات متأخرة من التاريخ الإسلامي وليس في فترات ازدهاره الأولى الحقيقة.

عثمان عثمان: ماذا ترتب على ذلك؟

طارق البشري: ترتب على ذلك مصادرة الدولة، وهي هيئة سياسية، لسلطة الإفتاء. وأيضاً أنا في هذه لا أقول أن سلطة الإفتاء وأن المرجعية الإسلامية بعيدة عن الإسلام بعيدة عن السياسة، إنما لا تحتكرها الدولة، هذا الذي يجب أن يكون مرجعية كاملة.. الإسلام للإفتاء ولسياساتنا المختلفة، لا يجوز أن يكون حكراً للدولة فقط ولا لحزب من الأحزاب وحده.

عثمان عثمان: ألا تعتقد أيضاً أن ممارسة السلطة السياسية، دورها وتأثيرها على السلطة الدينية، فقدان لمصداقية الجانب الديني أو السلطة الدينية؟

طارق البشري: أحياناً يؤدي إلى هذا المعنى فعلاً، لكن الذي يزكّي العكس، يعني نجد أقوال أخرى تصدر من آخرين من فقهاء المسلمين، هناك متحررين من سلطة الدولة، ويقولون كلمة الحق، موافقة وعدم موافقة لما قيل من قبل، عندنا عدد ضخم من الفقهاء العظام جداً، وفي عهدنا الحاضر يقولون كلمة الحق ويجتمع الناس للاستماع إليهم في هذا الشأن دون أن يكون لهم مناصب رسمية يعني.

عثمان عثمان: لو أردنا أن نتحدث عن قيم عامة تحكم العمل المؤسسي، ما هي هذه القيم؟

طارق البشري: الجماعية، التعدد..

عثمان عثمان: بعيداً عن الفردية.

طارق البشري: بعيداً عن الفردية، التعدد بعيداً عن الواحدية بالنسبة للهيئات..

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني الخمسة الذين ذكرتهم أو التي ذكرتها سابقاً.

طارق البشري: هم، والتداول لا بد من التدوال، لأن التداول هو الطريقة التي تعزل الشخص عن وظيفته، أنا لما أقوم بوظيفتي طول عمري فيها بنفس العمل، يؤدي هذا إلى نوع من أنواع الشخصنة، لا بد ينتهج الشخصنة اللي هي توحد الشخص مع الوظيفة التي يقوم بها، ويستبد بها. فلا بد من التغيير، والتغيير يعطي إمكانية،لأن تراكم خبرات الآخرين في ذات العمل المؤدى مع تجارب أخرى على مدى طويل، وأنا أحكم ممارساتي للعمل، عندما كنت أمارس العمل الفعلي لا أجد أحد في قمة خبرته يستطيع أن يعطي بكل قمة الخبرة اللي عنده أكثر من خمس سنين أو ستة سنين، وبعدها يتولى ذوي خبرة أخرى متجددة ويحلّون محله ويجدّدون من هذه الأوضاع، مستفيدين بخبراته هو وبخبرات السابقين عليه أيضاً.

عثمان عثمان: سعادة المستشار ذكرتم شروط خمسة للقيم التي تحكم العمل المؤسسي، يبقى هذا كلاماً ، أحلاماً أو تطلعات أو مثاليات لأقل، كيف أحوّل هذه المثاليات إلى الواقع، يعني كيف أجسدها في حياتنا؟

طارق البشري: هنا تبدو ثقافة المؤسسات، نشيع هذه الأفكار ولا نمّل من إشاعتها ونمارسها بقدر ما نستطيع من ممارسات حتى في الأعمال العادية، في أي جمعية ننشئها، في أيّ تكوين نقابي ننشئه، في أي ممارسة من ممارساتنا، نشيع هذا الأمر، لأن الدعوة مهمة لأي مبدأ طيب. إنما أيضاً الأكثر أهمية منه، في تقديري، ممارسة هذا المبدأ الطيب في التطبيق، هو أكثر من الدعوة وأهم من الدعوة ويؤدي نتائج بين الناس أكثر منها لأنه يشكل قدوة في هذا الشأن، ويشكل عادة عملية يحس بها الناس ويتبعونها.

عثمان عثمان: هناك من يدعو، هناك من يشيع هذه الثقافة. كيف ترون تحول المؤسسات الإسلامية باتجاه ثقافة المؤسسات؟

طارق البشري: نشيع بينها هذا التفكير ونؤكده.

عثمان عثمان: يعني هل ترون تجاوباً مع هذه الطروحات أو هذه الإشاعة لهذه الأفكار..

طارق البشري: نعم، لا بد، لا بد منها.

عثمان عثمان: بمدى جيد..

طارق البشري: نعم.

عثمان عثمان: نعم، سعادة المستشار يعني العمل المؤسسي غالباً ما تصادره الجماعات، يعني تكون هناك مؤسسة معينة ومن ثم تصادره جماعة من الجماعات، أين الإشكالية هنا؟ وباختصار شديد، لم يبق إلاّ القليل من الوقت معي.

طارق البشري: يعني المشكلة هنا تتعلق.. إذا يئسنا من هذا الأمر فيكون هذا فشل ذريع لنا، علينا أن نؤكد على هذا المعنى، معنى العمل المؤسسي الجماعي في كل ما يتعلق بممارساتنا، وأنا لسه أقول الممارسة أهم من الدعوة الشفهية، الممارسة فعلاً تؤدي إلى دور هام جداً بالنسبة للناس في كل أعمالهم، الحقيقة. النقطة اللي عايز أقولها أن التأقيت مهم والتداول مهم، وقديماً كان سلاطين آل عثمان، كان يجعلوا ولاتَهم في بلادنا، لا تتجاوز مدة الوالي سنتين أو ثلاثة ويغيّره، حتى يستطيع أن يضمن ألا تتشخصن الولاية في يد الوالي، الذي يستمر فيها مدة طويلة يعني. يعني نحن إذا قلنا أن السلطان أصبح هيئة وأصبح يمثل الشعب، وأن سلطة الشعب هو السلطان، وأن الجماعة السياسية هي السلطان، وكل جماعة في مكانها هي سلطة في هذا المكان، فعليها أن تُؤقّت من تندبه للعمل العام، وتجعله دائماً دورياً ومؤقتاً ولا يستمر مدد تتشخصن فيها هذه الأعمال.

عثمان عثمان: لانتهاء الوقت أشكرك سعادة المستشار على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام لحسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور طلافيح. وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله عز وجل على أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم بإذن الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.