- العدل أساس المُلك
- العدل أساس العمران والنصر

- العلاقة بين العدالة والحرية

-  السياسة والشريعة والعدل


عثمان عثمان:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم مباشرة من الدوحة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}[المائدة/8] إن القرآن الكريم تحدث في أكثر من ثلاثمائة آية عن العدل وإذا عددنا الآيات التي حثّ الله تعالى فيها على العدل وحذّر من الظلم وأمر بالحق لوصل العدد إلى قرابة ألف آية، لكن لماذا يغيب العدل عن تعاملات الناس فيما بينهم؟ وكيف يمكن تحقيق العدل في شتى مناحي الحياة؟ ولماذا لا نجد جمعيات لحفظ العدل وتطبيقة في المجتمعات؟ وهل الأولوية للعدل أم للحرية؟ العدل وسبل تحقيقه، موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة، مع العلامة يوسف القرضاوني بعد طول غياب، فأهلاً بعودتكم فضيلة الشيخ وأدام الله تعالى الصحة والعافية عليكم ونفعنا والأمة الإسلامية بعلمكم إن شاء الله.

يوسف القرضاوي: شكر الله لكم وجزاكم خيراً.

عثمان عثمان: بدايةً فضيلة الدكتور، العدل أساس الملك، ما المقصود بالعدل هنا؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته نتم الصالحات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله وأزكى صلوات الله وتسليماته على رحمته المسداة، على رحمته المهداة ونعمته المسداة البشير النذير والسراج المنير سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنّته وجاهد جهاده إلى يوم الدين. خير ما أحييكم به أيها الإخوة والأخوات، تحية الإسلام وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

يوسف القرضاوي: وقبل أن أجيب عن سؤالك أخ عثمان، لا بد لي من كلمات في بداية هذه الحلقة.

عثمان عثمان: تفضلوا.

يوسف القرضاوي: الكلمة الأولى هي الشكر للإخوة الذين غمروني بفضلهم وأطالوا السؤال عني مدة غيبتي وأقلقهم..يعني ما أصابني من مرض، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ذلك في ميزاني وأن يجعل ذلك طهوراً، نحن عادتنا عندما نعود المريض نقول له طهور، أي نرجو أن تكون هذه الأسقام والآلام تطهيراً وتكفيراً، لأنه قد ثبت في الصحيح أن ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّرها الله  بها من خطاياه..

عثمان عثمان: ورفع للدرجات إن شاء الله.

يوسف القرضاوي: شكر الله للإخوة والأخوات الذي سألوا عني وأسأل الله تبارك وتعالى أن يديم نعمته علينا اللهم آمين.

عثمان عثمان: آمين.

يوسف القرضاوي: الكلمة الثانية هي أنني أنعَى إلى الأمة الإسلامية واحتسب عند الله تبارك وتعالى رجلاً، والرجال قليل، رجلاً من رجالات الأمة العربية والإسلامية فقدته بالأمس، ذلكم هو الشيح عبد الله بن حسين الأحمر، شيخ قبائل حاشد ورئيس مجلس النواب اليمني ورئيس حزب التجمع للإصلاح ونائب رئيس مؤسسة القدس الدولية ونصير كل عمل خيري ودعوي وجهادي على المستوى الوطني والمستوى العربي والمستوى الإسلامي، عرفته من أكثر من ربع قرن مجاهداً في هذه الميادين كلها، أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل هذا الرجل الكبير في الصالحين من عباده وأن يسكنه الفردوس الأعلى وأن يلهم أهله وذويه والشعب اليمني والشعب العربي والإسلامي جميعاً الصبر والسلوان وأن ينزل عليهم سكينته وأن يغفر له ويرحمه ويخلُفَه في أهله وذريته بخير ما يخلف عباده الصالحين.

عثمان عثمان: آمين.

يوسف القرضاوي: الكلمة الثالثة هي تهنئة للحجاج الذين عادوا بعد أن حجّوا بيت الله الحرام، عادوا بحجٍ مبرور وسعي مشكور وذنبٍ مغفور وتجارة لا تبور إن شاء الله، عادوا إلى أوطانهم جميعاً إلاّ حجّاجاً فقط هم الذين لم يعودا إلى ديارهم كما يعود الناس، هم إخواننا حجّاج فلسطين المساكين، كل سهل عند الناس صعب على هؤلاء، كأنما كُتب على هؤلاء المعاناة حتى في العبادة، حتى في الفريضة التي يتساهل فيها الناس ويتسامح فيها المختلفون والمتحاربون، ما أدري ماذا تريد إسرائيل من هؤلاء الناس ومعظمهم من الشيوخ والمرضى وكبار السن، لماذا لا تُفتح لهم الأبواب ويعودوا إلى ديارهم؟ لماذا لا يُفتح لهم معبر رفح؟ لماذا لا تتدخل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والدول الإسلامية والدول الأوروبية وكل ذي شأن يتدخل في هذا الأمر؟ عيب على البشرية أن يحدث فيها في القرن الحادي والعشرين مثل هذا الأمر ويترك هؤلاء ويموت منهم من يموت، ماتت بالأمس إحدى الحاجّات وهذا أمر لا يليق أن يستمر هكذا. الأمر الأخير هو ما حدث في باكستان، اغتيال بي نظير بوتو، هذا أمر لا يُقرُّه الإسلام ولا يقرّه العقل ولا يقرّه القانون، ولا تقرّه الأخلاق، ونحن..أنا قد لا أتفق مع منهج بي نظير بوتو، ولكني لا أقر الاغتيال كأسلوب، هذا الاغتيال جرّبه الناس قديماً وحديثاً، ما حل مشكلة ولا أسقط نظاماً ولا غيّر حكومة، ولا غيّر نهج حياة، إنما هو دماء تسيل وتُهدر باستمرار. آن للأمة أن تقف وقفة مع نفسها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سُبلنا وينير لنا الطريق ويجعل يوم هذه الأمة خير من أمسها، وغدها خيراً من يومها. أعود إلى سؤالك  يا أخ عثمان..

 

العدل أساس المُلك

 

عثمان عثمان: (مقاطعاً): يعني فضيلة الدكتور تعوّد المشاهدون الكرام اهتمامكم، أن يروا اهتمامكم بقضايا الأمة وإعطاء الرأي الشرعي في هذه القضايا وتحدثتم عن الكثير من المظالم، سواء على حجّاج فلسطين أو حتى ما يجري من عنف في باكستان، حديثنا اليوم إذاً فضيلة الدكتور عن العدل، العدل أساس المُلك، ما المقصود بالعدل هنا.

يوسف القرضاوي: هو العدل اللي خلانا نتحدث عن هذه الأشياء، لأنه ليس من العدل أن يلقى هؤلاء في الطريق ولا يمكّنوا من العودة، ليس هذا من العدل، ليس من العدل اغتيال الناس، كل هذا ليس من العدل في شيء. نعم، قلت السؤال..

عثمان عثمان: العدل أساس الملك، ما أساس ذلك؟

"
العدل السياسي هو أساس المُلك، المُلك لا يقوم ولا يعمّر، لا تعمّر الأرض ولا تعمّر الحياة ولا تطيب الحياة ولا يعيش الناس حياة آمنة مطمئنة، إلاّ إذا توفَر العدل

"

يوسف القرضاوي: هذا في العدل السياسي، العدل السياسي هو أساس المُلك، المُلك لا يقوم ولا يعمّر، لاتعمّر الأرض ولا تعمّر الحياة ولا تطيب الحياة ولا يعيش الناس حياة آمنة مطمئنة إلاّ إذا توفَر العدل، ما معنى أن يتوافر العدل؟ أن يقوم كل إنسان بما يجب عليه، وأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، لعلَّ أقوى تعريف للعدل وأضبط تعريف للعدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه، بلا.. يعني وَكْسٍ ولا شطط، بلا طغيان ولا إخسار، لا تزويد عليه ولا تنقص منه، لأن هذا يكون على حساب مَن؟ الغير. فلو أن كل إنسان أُعطي.. لقام المُلك وازدهر الملك، وازدهرت الحياة، الملك يخرب متى؟ إذا قام الظلم وانتشر الظلم وساد الظلم، ولم يجد من يقوّمه، أخطر من الظلم أن يُسكَت على الظلم، أخطر من الظلم أن يُمالأ الظلم، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث "إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب من عنده" يعني المشكلة لا تقف عند الظالمين وحدهم، حتى الساكتين على هذا، والقرآن الكريم يقول {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..}[الأنفال/25] لأن الظالمين يأخدون في طريقهم الآخرين ويقول عليه الصلاة والسلام "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تُودِّع منهم" يعني لا خير فيهم، استوى وجودهم وعدمهم. لأن الظالم يعني يعمل ما يشاء ولا يجد حتى من يقول له عيب، حرام، منكر، لا يجوز. هذا هو الخطر. إذا ساد هذا في الأمة.. جاء في بعض الروايات، وبطن الأرض خيرٌ لهم من ظهرها، يعني موتهم خير من حياتهم، فـ..

عثمان عثمان (مقاطعاً): فضيلة الدكتور، يعني تحدثتم عن الظلم الذي هو سبب لزوال الملك كما أن العدل هو أساس الملك،  ولكن مقاومة هذا الظلم كيف تكون، ما هو أو ماهي أشكالها؟

يوسف القرضاوي: مقاومة؟

عثمان عثمان: هذا الظلم الذي تتحدثون عنه.

يوسف القرضاوي: أول شيء هو التوعية، توعية الناس، لا بد أن يعي الناس بالعدل والظلم، نعرّفهم ما هو العدل وما هو الظلم،  وأن يتعوّدوا على إقامة العدل كلٌّ في حياته. يعني لازم أنا قبل ما أطالب الناس بالعدل، أقيم العدل في حياتي، أقيمه على نفسي، أقيمه على أهلي، أقيمه على من حولي، وأطالب الناس بهذا، وأربي الأمة على حب العدل وكراهية الظلم، التربية مهمة هنا جداً، إنما إذا الناس تربوا على أن هذا هو.. هي دي الحياة كلها كده.. خلاص، حتى بعضهم يريد أن يبرر هذا دينياً يقول لك، يا أخي دع الخلق للخالق، اترك الملك للمالك، أقام العباد فيما أراد، أنت حتنظم ملكه، هو ملكه ماشي على كده. كأن الظلم أصبح شيئاً أساساً وأصبح شيئاً أصلياً في الحياة. لا يجوز أن ينظر الناس إلى الظلم من هذه الحقيقة، يجب أن يظل الظلم استثناء، الأصل إقامة العدل، القرآن جعل العدل هدف الرسالات السماوية جميعاً، كل رسالات السماء أرادت إقامة العدل، يسميه القرآن القسط، يقول الله تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..}[الحديد/25] كل الرسل وكل الكتب، كل كتاب أنزل وكل نبي أرسل، كان الهدف أن يقوم الناس بالقسط بالعدل، أن يحققوا العدل في الحياة.

عثمان عثمان: القسط، العدل، تحقيق هذا العدل، هل هناك من شروط معينة لتحقيقه؟  متى يحصل هذا العدل؟

يوسف القرضاوي: أول شرط أن يعرف الناس ما هو العدل، لذلك العلم مهم جداً، المعرفة، أول شيء في الإسلام أن يَعلم الناس حقائق الأمور، نُعلّم الناس ما هو العدل، لأن بعض الناس تظلم وتظن أنها تعدل، لازم نعرّف العدل وبعدين نرغّب الناس في إقامة العدل، نوفّر شروط موضوعية، مناخ إيجابي، هذا المناخ الإيجابي ليقوم العدل فيه، نهيئ هذا المناخ حتى يستطيع أن يوفر هذا للعدل، أن يقوم العدل في هذا، إنما إذا كان الجو مش سامح للعدل، مافيش.. لأ، لازم نحاول أن نهيئ مناخ للعدل، فهذه شروط يعني أساسية، أن نوجد الأسوة الصالحة، وتبدأ الأسوة الصالحة برأس الناس، يسميه الإسلام الإمام العادل، يعني الحاكم العادل، الرئيس العادل، الملك العادل، الأمير العادل، السلطان، سميه ما تسميه، هذا أمر مهم، جاءت الأحاديث بالإمام العادل.. أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. إمام عادل. الثلاثة الذين تستجاب دعوتهم الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم. الإمام العادل اللي هو يعطي القدوة الأسوة للناس، إذا عدَل الإمام الناس يتعلمون منه. سيدنا عمر بن عبد العزيز زار إحدى البلاد فسألهم كيف ولاتنا فيكم، فقالوا يا أمير المؤمنين إذا عَذُبَ المنبع طابت الفروع، إذا كان المنبع ماؤه عذبة يبقى كل الفروع اللي تاخد منه.. فالأصل أنت الأصل، فلمّا عدلت عدلوا ولو ظلمت لظلموا، فمن الأشياء الأساسية أن يوجد هذا.. فيه بيت شعر يقول:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً      فشيمة أهلِ البيت كلِهم الرقص

إذا كان  رب البيت بيضرب، يبقى كل أهل البيت حيبقوا.. كذلك إذا كان الحاكم الذي هو الأسوة للناس، الأصل في الحاكم في الإسلام مش بس يصدر الأوامر، لأ، هو معلم يعلم الناس كيف يكون العدل، العدل في الإسلام قيمة عظيمة، من القيم العليا مثل الرحمة مثل الخير مثل التقوى مثل الإحسان، يعني هذه قيم عليا، جاءت كل النبوات، كل الرسالات الأخلاقية، جاءت تُثْبت وتُثبّت هذه القيمة في الحياة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني حتى نبحث عن الينابيع العذبة إن شاء الله، البعض يطرح أن هذا الحاكم إنما هو جاء من هذا الشعب، والقول، مثلما تكونون أو كما تكونوا يولّى عليكم، ما الردُّ على هؤلاء؟

يوسف القرضاوي: هو صحيح، يعني فيه تداخل بين تأثير الشعب في الحاكم، والحاكم في الشعب، ولكن قد نجد الحاكم العادل مع شعب فيه تظالم ويأتي هو فيقيم العدل، جاء في الحديث "يوم من والٍ عادل خير من عبادة ستين سنة) يعني ليس من الشرط أن يكون الشعب شعب مستقيم حتى يظهر منه حاكم..قد يكون الشعب نفسه فيه انحرافات وفيه كـ.. يأتي حاكم يقوّم هذه الانحرافات ويقيم العدل ويزيل المظالم. معروف أن عمر بن عبد العزيز جاء في عهد بني أمية وكان بني أمية جاءوا بعد الخلفاء الراشدين واعتُبر حكمهم غير راشد لأنهم عملوا وراثة، لم يكن فيه وراثة، وولاية العهد، وخرجوا عن سنن الراشدين، وارتكبوا بعض المظالم، فلما جاء عمر بن عبد العزيز أراد أن يعيد الحكم إلى نهجه الراشدي إلى عهد أبي بكر وعمر وأراد أن يردَّ الحقوق إلى أهلها ويردع الظالم حتى من بني أمية، وعمل أشياء كثيرة في هذا الأمر، حتى أن ابنه، كان له ابن من الاتقياء المتحمسين، يعني أشبه بشباب الصحوة الإسلامية الحاليين اسمه عبد الملك، عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فجاء مرة وقال له يا أبتِ ما لي أراك تتباطأ في إنفاذ الأمور؟ فوالله ما أبالي أن تغلي بي وبك القدور في سبيل الله. يعني لو قطعونا ووضعونا في القدور لحماً تغلي بنا القدور، ما يهمنا، قال له يا بنيّ إن الله ذمَّ الخمر في آيتين ثم حرّمها في الثالثة _ما حرّمش من أول آية_ وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة فيكون من وراء ذلك فتنة. فعمر بن عبد العزيز وضع خطَّة لإقامة العدل، أما يسرُّك أنه لا يأتي على أبيك يوم إلاّ وأقام معدلة ورفع مظلمة أو أحيا سنّة وأمات بدعة، فهذا ممكن ولذلك لم تمض ثلاثون شهراً مدة حكم عمر بن العزيز وولايته للخلافة ثلاثين.. سنتين ونصف، إلا وأغنى عمر بن عبد العزير الناس، ساد الرخاء وساد.. لأن العدل هو أساس الرخاء..



 

العدل أساس العمران والنصر

 

عثمان عثمان: (مقاطعاً): وأساس العمران، يعني المؤرخ الكبير ابن خلدون يقول، أو اعتبر أن العدل أساس العمران، بما يعنيه العمران من الحضارة والمعرفة وغير ذلك. برأيكم فضيلة الدكتور، هل فساد عمراننا، هل فساد دولنا سببه غياب العدل؟

يوسف القرضاوي: لا شك، ما قاله حكيم المؤرخين وفيلسوف التاريخ ومؤسس علم الاجتماع اللي هو العلامة ابن خلدون، ما قاله كلام صحيح، وهو مبني على معرفة حقيقية وخبرة بالمجتمعات، أن العدل أساس عمارة الأرض..

عثمان عثمان: (مقاطعاً): كيف نفهم هذا الربط؟

يوسف القرضاوي: لأنه ما معنى العدل؟ العدل أن تُعطي كل ذي حقٍ حقه، يعني الإنسان الذي يزرع يحصد، والذي يجِّد يَجد والذي يُحسن عمله يُكافأ عليه، إذا زرع الزّارع وغرس الغارس، أو أحسن التاجر في تجارته، وذو الحرفة في حرفته، وكل واحد عمل عمله، هذا إلى ماذا يؤدي؟ ازدهار الحياة. حتى اقتصادياً، علم الاقتصاد يقول، فيه دوره متكاملة متداخلة بعضها مع بعض، تعمل شيء يزيد الإنتاج، الاستهلاك أيضاً يزيد، يزيد الإستهلاك يبقى عايز تنتج عشان تستهلك وهكذا.. فإذا قام العدل شجّع الناس على العمل وشجع الناس على الإنتاج لأنهم يلمسون أثر ذلك في حياتهم، إنما حين يعمل الناس ولا يجدون ثمرة ذلك ملموسة عندهم، يشتغل يقول لك يا عمي نحن قاعدين نشتغل طول النهار ولا ينالنا شيء، ناس يعني بتاخد البلح وناس بيصيبها النوى، ويقول لك والذين يعملون لا يجدون، والذين يجدون لا يعملون، ناس ما بتشتغلش ويجيلها الملايين، وناس تشتغل ولا تجد الملاليم، هذه..المظالم هذه، تدفع الناس أنه ما يحسن عمله، وما دام مايحسن عمله الحياة تضطرب كلها. فالعدل أنك تُعطي كل ذي حقٍ حقه وتشجع الناس أن يعملوا، ومادام عمل الناس ازدهرت الحياة وقام العمران.

عثمان عثمان: يعني بإعطاء الحقوق لأصحابها، إعطاء كل ذي حقٍ حقه، تشجيعٌ للناس على العمران والمسير بالحياة نحو التقدم..

يوسف القرضاوي: أمر طبيعي ومنطقي تماماً.

عثمان عثمان: يعني بموازاة ارتباط، فضيلة الدكتور، بموازاة ارتباط العدل بالعمران، هناك حديث عن ارتباط العدل أيضاً بالنصر، فالإمام ابن تيمية رحمه الله يقول، إن العدل أساس النصر. فرأى ابن تيمية أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، على الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، كيف ذلك؟

يوسف القرضاوي: هذا كلام صحيح، والإمام ابن تيمية نقله عمّن قبله، يعني هذه حقيقة مقررة قالها علماء الإسلام من قبل ابن تيمية، إن الله ينصر الدولة العادلة حتى ولو لم تكن دولة مسلمة، بالعدل، لكن دولة تعطي كل ذي حق حقه، يعني الإسلام، القرآن ذكر لنا مثل، بلقيس ملكة سبأ، وهي كانت ملكة وثنية، يعني وجدتها.. كما قال الهدد  لسليمان، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، ومع هذا كانت أمرأة عادلة، قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري، ما كنت قاطعةً أمراً حتى تشهدوا، أنا لا أنفذ أمر حتى تحضروا وأشاوركم، هذا هو العدل، يعني الشورى من العدل، فهذه لم تكن مسلمة إنما كانت وثنية إنما أقامت العدل، فالدولة حتى وإن كانت كافرة، ولكن إحنا نجد الغربيين، ما الذي أقام الغرب إلى الآن رغم أن هناك أشياء تنخر في عظام المجتمعات الغربية؟ الإباحية والمادية والفلسفات النفعية وهذه الأشياء لم تؤثر في الغرب، ليه؟ لأن الغرب يقوم على العدل. العدل يعني مبثوث في هذه البلاد ويجد له أنصاراً في كل حين، في العدل السياسي والعدل الاجتماعي و العدل بصفة عامة..

عثمان عثمان: سنطرق إنشاء الله في هذا الموضوع.

يوسف القرضاوي (متابعاً):  في داخله، وخصوصاً في العدل فيما بينهم، يمكن هم لو حكموا بلد آخر يعني لا يعدلون، يعني الإنجليز في بلادهم عدول جداً، ولكن في البلاد المستعمَرة  لأ، وكذلك الفرنسيين. فالعدل في البلاد الغربية نجد أثره واضحاً، فهذا ما قاله ابن تيمية نقلاً عن العلماء من قبله، أن الدول المسلمة إذا كانت ظالمة لا تنتصر، الرسول أشار إلى هذا في حديث في صحيح البخاري حديث سعد بن أبي وقاص (هل تُرزقون وتنصرون إلاّ بضعفاءكم) يعني الرزق اللي هو نحن نعبّر عنه بلغة الاقتصاد بالإنتاج، يعني عدة الإنتاج في السلم هم الضعفاء وعدّة النصر في الحرب هم الضعفاء، الضعفاء يعني الطبقات التي لا يبالي الناس بها، العمال والفلاحين والحرفيين وصغار التجار، هم يعني عدّة الإنتاج في السلم وعدة النصر في الحرب، فهؤلاء إذا حقوقهم كانوا مخلصين عندما.. هم يكونوا في الجيوش، إنما لم يكن الناس في الجيوش يشعرون بأنهم في بلد حقوقهم مضيعة ولا ينالون حقوقهم..يقولك يا عمي هذه بلدنا بلد الباشوات والباكوات والرأسماليين والإقطاعيين، كل شيء لهم ونحن ما لنا إلا الفتات ويمكن ما نلاقي الفتات، الواحد منهم  عايش في قصر كذا وكذا، ونحن عايشين الواحد منا هو وزوجته وأولاده وأمه وأبوه في بدروم في كذا.. شعور الإنسان بهذا الظلم يجعله لا أعلم.. كيف يحارب بإخلاص، دي مش بلده، لازم يعرف أن هذه بلده أنه يحارب عن قضيته، ولذلك هذا الكلام اللي قاله الإمام ابن تيمية، إن العدل أساس النصر، كلام صحيح لأنه مبني على حقائق اجتماعية بيّنة وسليمة وأصيلة.

 عثمان عثمان:إذاً تحدثتم فضيلة الدكتور عن إعطاء الحق لأصحابه وأن يشعر الجندي والعامل أنه غير مظلوم وبالتالي يمارَس عليه العدل، هذا يقودنا للحديث عن كبْت الحريات الفردية، هل تُعتبر ناقضة للعدل؟ هل تُعتبر سبباً للظلم؟ وبالتالي هل نستطيع أن نعتبر ذلك سبباً لفساد العمران؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله تعالى بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام، ثم نعود وإياكم لمتابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



 

[فاصل إعلاني]

 

العلاقة بين العدالة والحرية

 

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور، كنت سألت قبل الفاصل عن كبت الحريات الفردية وما يسببه ذلك من ظلم وفقدان للعدل وبالتالي من إفساد للعمران، ما رأيكم بذلك؟

يوسف القرضاوي: كبت الحريات الفردية لا شك أنه لون من الظلم، لأنه كما قلنا العدل أن تُعطي كل ذي حق حقه، ومن حق الإنسان أن يتمتع بحريته، والمقصود بالحرية المشروعة لأنه لا توجد حرية مطلقة، في بعض الحلقات قلنا ما فيه حرية مطلقة، حتى الطائرات في السماء لا تذهب يميناً وشمالاً كما ترى، والبواخر في المحيطات، الحرية مقيدة بحقوق الآخرين ومقيدة بقيم معينة وبشرائع..

عثمان عثمان: وبنظام البلد.

يوسف القرضاوي: (متابعاً): فنحن نتكلم عن الحرية المشروعة، كبت الحريات يعني كما هو للأسف في بلادنا العربية والإسلامية هي بلاد الكبت بلاد القيود بلاد الأغلال، اللسان مكبّلة عن حرية التعبير، لا يستطيع أن يعبّر، الرأي لا يستطيع أن.. حرية تكوين الأحزاب، الحرية السياسية، يعني معظم الحريات، فهذا بالحقيقة يعني ضد الحقوق الإنسانية، حق الإنسان معناه أنا لي الحق في هذا ولكني بالقهر مُنعت من حقي فهذا هو الظلم، فهذا داخل في الظلم الإنساني، الظلم الذي يقع على الإنسان من أخيه الإنسان، فالمسألة كلها ترجع إلى العدل والظلم. إذا أقيم العدل كما ينبغي وفي الحدود التي تنبغي، وفي الإطار الذي ينبغي، ساد الخير وساد الازدهار وعمّت السعادة الناس، إذا اعتدي على هذا لم يكن إلاّ الشر والإساءة والعدوان.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور أنتم تتحدثون عن الحريات المقيّدة بالعدالة الاجتماعية. المتتبع للتشريع الإسلامي يجد، فضيلة الدكتور، أن محوره قائم على مراعاة العدل كقيمة عليا، لكن كذلك عندما كان يتم الحديث عن الديكتاتورية، عن التسلط، كان يكون في مقابل كل ذلك العدالة، لماذا نجد المحور اليوم في الحديث يتركز على الحرية وليس على العدل؟

"
المجتمع الإسلامي يركّز أكثر ما يركّز على الواجبات، والمجتمع الغربي يركز أكثر ما يركز على الحقوق
"
يوسف القرضاوي: هو يعني أنا أريد أن أقول أن للحرية دخل في العدل، هي جزء من العدل، ولذلك نجد حقوق الإنسان، لجان حقوق الإنسان، مجالس حقوق الإنسان، سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، كثير من البلاد فيها مدارس لحقوق الإنسان على المستوى الوطني المحلي، فيه على المستوى العربي، فيه على المستوى الدولي، حقوق الإنسان هذه تبحث في ماذا؟ على المظالم التي تقع على الإنسان، التعذيب الذي يقع في السجون، لجان العفو الدولية، لجان العفو بتبحث ..كلها بتبحث في هذا، المظالم التي تقع على الإنسان، فكلها تدور حول معنى واحد، بس لا تتخذ عنوان العدل. يمكن للأسف يعني المفاهيم الغربية والعناوين الغربية يعني أصبحت تجعل الحرية أهم من كل شيء، إنما نحن المفروض، نحن عندنا العدل هو القيمة الكبرى والقيمة الأساسية، يعني تجد القرآن حينما يأمر بالثلاثة أشياء يكون العدل أولها، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرى، ثلاثة أشياء أولها ماذا؟ العدل. عندما يأمر بأمرين يكون العدل أيضاً أحدهما، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إذا أمر بأمر واحد يبقى هو العدل، قل أمر ربي بالقسط، فالعدل قيمة كبيرة. لكن نحن للأسف لتأثرنا في الثقافة الغربية، سلطان الثقافة الغربية على مجتمعاتنا جعلنا نهتم بالحرية وبالحقوق أكثر مما نهتم بالعدالة وبالواجبات، طبعاً نحن لما ننظر الفرق بين فلسفة المجتمعات الغربية وفلسفة المجتمع الإسلامي، المجتمع الإسلامي يركّز أكثر ما يركّز على الواجبات، والمجتمع الغربي يركز أكثر ما يركز على الحقوق، يعني الإنسان في نظر الغرب مطالِبٌ سائل، والإنسان في نظر الإسلام مُطالَب مسؤول, يعني نسميها التكاليف، الحياة قائمة على التكاليف، أنه مكلف مسؤول، فلذلك الإنسان هناك يقول ماذا لي، والإنسان في أمتنا وفي مجتمعاتنا يقول ماذا علي. ولو روعِيت الواجبات لأبديت الحقوق، فمن أجل هذا نجد الناس تطالب بالحرية، لأن يطالب بالحق، العدل واجب فما يهتم بالعدل لأنهم لا يهتمون بالواجبات، لو أعدنا تقييم الأشياء ورددنا الأشياء إلى أصولها لكان الواجب أن نطالب بالعدل لأنه من أوجب الواجبات، ولو أدى الناس هذا الواجب لصينت الحريات.

عثمان عثمان: يعني عندما يطرح موضوع الحرية والعدل، يطرح أن التركيز على الحرية في المفهوم الغربي، يعني الحرية المرتبطة بالليبرالية الغربية..

يوسف القرضاوي: لأنها ظل الحقوق، وهم مهتمون بطلب الحقوق أحسن من أداء الواجبات.

عثمان عثمان: نعم، وماذا عن المستبد العادل، فضيلة الدكتور؟ يعني قد يكون هناك حاكم مستبد ولكنه عادل.

يوسف القرضاوي: السيد عماد الدين الأفغاني سُئل عن هذا، حكاية القائل، لا ينهض بالشرق إلا مستبد عادل، فقال، إن المستبد لا يكون عادلاً وإن العادل لا يكون مستبداً. لو كان هذا الشخص عادل، لا يمكن أن يستبد، لأن الاستبداد ليس من العدل. من الظلم. السيد عبد الرحمن الكواكبي له كتابه الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وبيّن أن العدل.. أن الاستبداد ضد العدل في شؤون الحياة المختلفة، فالاستبداد هو من أشد أنواع الظلم. فكيف يكون المستبد عادلاً وكيف يكون العادل مستبداً، لو الإنسان عادل لا يستبد، بل من شؤون الإنسان العادل أن يستشير الناس، ولذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، والخلفاء الراشدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المؤيَّد بالوحي يستشير في كل أموره، فالعادل لا يستبد، العادل يريد أن يضيف عقول الناس إلى عقله، بدل أن يفكر هو بعقله وحده، يضيف عقول الآخرين، يستفيد منها ويستشيرها، ولا يستبد بأمرهم.



 

السياسة والشريعة والعدل

 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، يعني ابن القيّم، رحمه الله، يقول، لا نقول أن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي وإلاّ فإذا كانت عدلاً فهي من الشرع. فهل يمكن القول حيثما وجد العدل وجد شرع الله؟

يوسف القرضاوي: الكلام ده، يعني ابن القيم رحمه الله، ذكره في أكثر من كتاب له، ذكره في كتاب (أعلام الموقَّعين) الشهير، وذكره في كتاب (الطرق الحُكمية) وهو يتحدث عن البينة، يعني يقول البينة، بعض الناس يجعل البينة فقط الشهود، هو يقول لأ، البينة كل ما أبان الحق وأظهره، ممكن يكون شهود، ممكن يكون قرينة من القراءن، ممكن يكون علامة من العلامات، يقول كل ما أبان الحق وأظهره فهو بيّنة وحيثما ظهر الحق وأسفر صبحه فثمّ شرع الله ودينه. في هذا النطاق يقول هذا الكلام، وهو يتكلم عن السياسة أيضاً، وهل الشريعة شيء والسياسة شيء، يقول لأ السياسة جزء من الشريعة، بس تكون السياسة عادلة، إنما السياسة الظالمة ليست من الشريعة إنما السياسة العادلة هي جزء من الشريعة، وتسميتنا لها سياسة نوع من الإصطلاح، إنما السياسة هي جزء من الشرع، أما القول في أنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله، لا تقال هذه بإطلاقها، لأن بعض الناس يريدون أن يقيموا قوانين وضعيّة لا تمت إلى الشريعة بصلة أو تعارض الشريعة معارضة مطلقة، ولكنها في ظنهم أنها تحقق العدل، فيقولون حيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله، هذا يُقال فيما لا نص فيه، أما ما فيه نصٌّ قاطع، يعني إذا القرآن قال {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله..}[المائدة/38] هذا نصٌّ صريح قاطع، إذا وجدت سرقة واستوفت شروطها ووجِد المجرم السارق الذي لا عذر له، ينبغي أن.. لا تقول لأ أنا عندي عقوبة أفضل من القطع وهي السجن، وتقول لي.. هذه السياسة عادلة، هذه العقوبة عادلة، وإذا وجد العدل فثمّ شرع الله، لأ لا يوجد شرع الله، يعني إذا كان هذا ضد النص، إنما إذا لم يوجد نص فطبعاً أقول حيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله، ولذلك عندنا أشياء عملها المسلمون بمقتضى المصلحة، يعني سيدنا عمر له أشياء سموها أولويات..أوليات، أنه أول من وضع التاريخ، أول من مصّرَ الأمصار، أول من دون الدواوين أول ما.. أشياء عملها بمجرد المصلحة، إنما أنا أقول، بالعكس حيثما وجد شرع الله فثمّ المصلحة، إذا وجد شرع الله بنصِّه القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، هنا المصلحة، وإن كان بعض الناس ربما لا يظنها مصلحة، يعني ربما بعض الناس يعجز عن تحقيق النص، إذا.. أمريكا حرّمت الخمر وعملت في ذلك أشياء عجيبة ووجدت في أن الخمرة دي مضِرَّة بالأجسام ومضرة بالعقول ومضرة بالأخلاق ومضرة بالأسر ومضرة بالأموال ومضرة بالمجتمعات، وأصدرت تحريمها وبعدين فشلت فيه، فأصدرت بعد التحريم تحليلاً. نحن نقول إذا كان هناك نص يقيني يقول، اجتنبوا.. إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس.. فاجتنبوه.. هذا هو المصلحة، إذا وجد شرع الله فثم المصلحة.

عثمان عثمان: يعني هل تعتبرون أن العدل أو أن مفهوم العدل يختلف من ثقافة إلى ثقافة أخرى؟

يوسف القرضاوي: طبعاً يختلف ، فيه ناس ترى الإباحية من العدل، إنك ترى.. تطلق العنان للشواذ يفعلون.. أنا كنت في لندن من ثلاث سنين، وعملوا يعني معي مشكلة كبيرة هناك اللوبي الصهيوني عمل ضجة كبيرة حولها، وكان من الأشياء التي وجهوها إليّ أنني أقف موقفاً عدوانياً من الشواذ، موقف ظالم من الشواذ، ليه؟ لأنني أنكر الشذوذ الجنسي. فلمّا سألوني السؤال قلت لهم أنا هذا ليس موقفي وحدي، هو موقف اليهودية والنصرانية والإسلام، موقف التوارة والإنجيل والقرآن، موقف حاخامات اليهود وآباء النصارى وعلماء الإسلام. وهذا الموقع لو أن البشرية أقرّت هذه الرذيلة وتوافق الناس عليها لكانت النتيجة أن تفنى البشرية بعد جيل واحد، لأنه كيف يتناسل البشر ويبقى النوع الإنساني على هذه الأرض، بالزواج، ارتباط الذكر بالأنثى عن طريق الزواج المشروع، لو لا الزواج هذا استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فيكون ماذا؟ فناء البشرية. فهذا عندهم أنه ثقافتهم أنه من العدل أن تضع الحرية لاستغناء الذكور بالذكور والإناث بالإناث، فالثقافات تختلف من أمة إلى أمة من غير شك.

عثمان عثمان: استطراداً فضيلة الدكتور، تحدثتم عن عدل الحكام وضربتم مثلاً بعدل سيدنا عمر بن عبد العزير رضي الله تعالى عنه، كيف أنه كان أو أُلحق بالخلفاء الراشدين، عمر رضي الله عنه يقول لو أن.. والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسؤولاً عنها أمام الله لماذا لم أعبد لها الطريق، الآن الأمة كلها تتعثر والحكام ليس لهم هم سوى الحفاظ على كراسيّهم وتَوْرِيثها من جيل إلى آخر، لماذا هذا الفرق الشاسع بين سلف الأمة وبين حكام الأمة اليوم، برأيكم؟

يوسف القرضاوي: لأن سلف الأمة كانوا مسلمين ملتزمين بالإسلام تربوا على الإسلام وعاشوا بالإسلام وللإسلام، فلذلك فعلوا ما فعوا من أجل هذا أنشؤوا أمة إسلامية كبرى، أنشؤوا حضارة إسلامية يعني واقعية مثالية عالمة ربانية أخلاقية إنسانية جمعت بين العلم والإيمان، بين الإبداع المادي والسمو الروحي، هكذا.. نحن الآن عالة على غيرنا، لا نحن مسلمين ولا غير مسلمين، نأخذ من الإسلام شيء ونأخذ من غيرنا شيء، نتمسك بالإسلام في جزئية ونضيّع الإسلام في أمور كثيرة، ليس الإسلام وحده هو الذي يوجه حياتنا، هناك موجهات كثيرة، لن نكون مسلمين حقّاً إلاّ إذا كان الإسلام هو الموجه الأول لحياتنا والمؤثر الأول في حياتنا. الله تعالى يقول لرسوله {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك..}[المائدة:49] عن بعض ما أنزل الله إليك، جزئية، لازم لكي تكون مسلماً تاخد الإسلام كله. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ إنما نحن نأخذ من الإسلام الصلاة والصيام، ولا نأخذ من الإسلام إقامة العدل، توزيع الثروة بالعدل، إعطاء الضعفاء والفقراء حقوقهم، إيتاء الزكاة، طيب نحن عندنا الإسلام أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، لماذا نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة؟! مع أن سيدنا أبو بكر يقول والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حقُّ المال، حينما مات النبي صلى الله عليه وسلم وبعض قبائل العرب، قالوا نصلي ولا نزكّي،ربنا قال للرسول خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، ده كلام للرسول، من بعد الرسول ليس لهم الحق، فأرادوا..قالوا نحن لا نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، سيدنا أبو بكر قال لأ، لازم أقاتل هؤلاء والله لو منعوني عناقاً، يعني عنزة صغيرة، وفي روايةٍ لو منعوني عقالاً، حمل بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، فإن الزكاة حق المال، كما أن الصلاة حق الله، الزكاة حق المال. فهؤلاء يعني انتصروا وسادوا وحققوا الإسلام الصحيح لأنهم كانوا يؤمنون بالإسلام كله وتربّوا على هذا الأساس، نحن في حاجة أن نربي الأمة على الإسلام الصحيح، الإسلام الحقيقي، الإسلام المتكامل، الذي يشمل العبادة والشريعة، العبادة والمعاملة، الدعوة والدولة، الحق والقوة، نريد الإسلام المتكامل المتوازن حتى نُطبِّقه في حياتنا ونستن بسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، لماذا الرسول قال سِنوا سنة الخلفاء الراشدين، اهتدوا بهديهم، لماذا؟ لأنهم كانوا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن إذا أردنا أن ننجح في حياتنا علينا أن ننهج هذا النهج النبوي والنهج الراشدي، فنأخذ الإسلام كما أخذوا فهماً، حُسن فهم وحسن تطبيق.

عثمان عثمان: بالنهج النبوي والخلفاء الراشدين، العصر الراشدي، كيف كانوا يحثون بالعدل؟ حيث النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض جسده ليقص منه، وكذلك فعل سيدنا عمر رضي الله عنه، وكذلك فرض على عامله عمرو بن العاص في مصر. والآن فضيلة الدكتور، يعني نجد في العالم الغربي ربما بعضاً من هذه العدالة حيث القانون فوق الجميع، لكن أين العالم الإسلامي من هذا الآن وفي دقيقة واحدة من فضلكم؟

يوسف القرضاوي: أنا قلت لك من قبل أن هؤلاء عندهم العدل، انتصروا، لماذا ينصرون علينا و..؟ لإنهم أقاموا العدل، فربنا مكّنهم، نحن ضيّعنا قيمنا وضيعنا شرائعنا وضيّعنا منهاجنا، فأصبحنا أمة بلا منهاج، أصبحنا مسلمين بلا إسلام حقيقي. إذا أردنا أن ننتصر حقاً ونقيم حياتنا كما يحب الله تعالى ويرضى علينا أن نطبّق الإسلام في حياتنا ونطبّق الإسلام عبادة ً ومعاملة، وأول معاملة ينبغي أن نقيم عليها حياتنا، هي العدل، قيمة العدل، العدل مع أنفسنا والعدل مع غيرنا،ولعل الآيات التي ذكرتها، {..كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين..}[النساء/135] {..ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا..}[المائدة/8] فالعدل مع من تحب والعدل مع من تعادي وتكره.

عثمان عثمان: العدل أساس الملك فضيلة الدكتور يعني أشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. وألفت الانتباه إلى أننا سنتابع إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة موضوع العدل، فنتحدث عن العدل ومجالاته مع فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي. أشكر لكم حسن المتابعة ولكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن منصور الطلافيح مخرج البرنامج، واستودعكم الله أنا عثمان عثمان، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.