- معنى الخطاب الإسلامي ومن يمثله
- بعض عيوب الخطاب الإسلامي اليوم
- تطوير الخطاب الديني وضوابطه
- التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي اليوم

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم مشاهدينا الكرام في حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم من العاصمة القطرية الدوحة. الخطاب الإسلامي لا يزال فاعلاً في شتى مجالات الحياة ومؤثراً فيها، وفي تكوين تصورات ومفاهيم الجمهور. وهذا الخطاب طرأت عليه تحولاتٌ عديدة، ودخلت في إنتاجه جهاتٌ وأشخاصٌ وجماعاتٌ متنوعة. فمن يمثّل الخطاب الإسلامي اليوم ومن ينتجه؟ وإذا كان كَثُر الحديث عن فكر المراجعات، وخاصةً مراجعات جماعات العنف، التي كان آخرها مراجعات جماعة الجهاد، فلماذا تقتصر المراجعات على جماعات العنف فقط؟ وماذا عن مراجعات الخطاب الإسلامي ككل، ومن يقوم بها؟ وكيف نرسم العلاقة بين الخطاب والواقع؟ وما هي المشكلات والتحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي اليوم؟ الخطاب الإسلامي واقعه وآفاقه موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور سلمان العودة الداعية الإسلامي المعروف والمشرف على مؤسسة الإسلام اليوم. مرحباً بكم دكتور.

سلمان العودة: مرحباً، مرحباً بك والإخوة والأخوات جميعاً.

معنى الخطاب الإسلامي ومن يمثله

عثمان عثمان: يا مرحباً، حياكم الله. بدايةً ماذا نعني بالخطاب الإسلامي أو الخطاب الديني؟

سلمان العودة: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. لا شك، أولاً، هذا موضوع مهم جداً الخطاب الإسلامي هو، في فهمي وتقديري، يعني هو حركة الدعوة. ليس الخطاب الإسلامي هو فقط الخطاب الشفوي كما يتخيل بعض الناس، أو الخطاب الشفهي، وإن كان الخطاب الشفهي جزءاً منه، تمثّل على المنبر أو في محاضرة أو كلمة أو حوار أو نقاش أو برنامج تلفزيوني أو شريط أو أي مادة أخرى. ولكن دائماً الخطاب الشفهي تعتريه اعتبارات كثيرة منها قضية الاستعجال وعدم الدقة في العبارة، منها قضية أن الإنسان يُؤخذ ربما باستطراد معين، منها أن الإنسان قد يتأثّر بتفاعل الناس معه وربما يصعّد خطابه إلى درجة معينة. فهناك الخطاب المكتوب وهو أكثر رصانة وأكثر رزانة الإنسان لمّا يكتب، ولذلك في.. سبحان الله، الله سبحانه وتعالى جعل القرآن سمّاه قرآناً لأنه مقروء وسماه كتاباً لأنه مكتوب، {ذلك الكتاب لا ريب فيه..}[البقرة/2] {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ ونزلناه تنزيلاً}[الإسراء/106] بل العجب أن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام {لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}[القيامة/16]، لاحظ كيف السياق هنا، تكلم عنه مقروءاً وتكلم عنه مكتوباً وتكلم عنه متلواً أيضاً {ورتلناه ترتيلاً} {..ورتل القرآن ترتيلاً}[المزمل/4]. الخطاب الإسلامي، في فهمي، لا يعني صيغة محددة، وإنما يعني حركة الدعوة الإسلامية في المجتمع...

عثمان عثمان (مقاطعاً): هذا الخطاب....

سلمان العودة (متابعاً): أود فقط أن أؤكّد، من الخطأ قصر الخطاب الإسلامي، كما هو ظن البعض، على مجموعات إسلامية، يعني جماعات إسلامية أو مجموعات أو مؤسسات....

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني هنا السؤال بالضبط، من الذي يمثّل الخطاب الإسلامي اليوم؟ هل هو الداعية، المفكّر، الفقيه؟ من يمثّله بالضبط؟ أم كل هؤلاء مجتمعين؟

"
الخطاب الإسلامي ليس حكرا على أحد ولا يحق لأحد من الناس أن يفتي في الدين بغير علم، وكل إنسان ينتمي لهذا الدين له حق الدعوة بما يفقهه ويفهم فيه، يجب أن تنتهي خصخصة التدين على فئة معينة دون عامة الناس
"
سلمان العودة: بل وغيرهم. يعني فعلاً، يجب أن يكون مفهوم الخطاب الإسلامي أن يأخذ صبغة أوسع وأشمل. بمعنى أن الخطاب الإسلامي إذا صح أن نقول أنه حركة الدعوة الإسلامية فهنا الدعوة ليست حكراً على أحد، ينبغي أن تنتهي خوصصة الإسلام أو خوصصة التديّن والخطاب الإسلامي لفئة معينة. بل إن كل إنسان ينتمي إلى هذا الدين له حق معيّن، له حق الدعوة، كما يقول النبي صلى عليه وآله وسلم "بلّغوا عني ولو آية"، "نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فربّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، ورُبّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه". أيضاً قضية، أنا لا أقول أن من حق آحاد الناس أن يجتهدوا في المسائل التي لا يحسنونها، هذا لا يقوله أحد، لأنه حتى الطبيب مثلاً هناك درجات ومستويات معينة وشهادات والمهندس والمشتغلون في أمور الحياة كلها، فليس صحيحاً أننا سنقول أن الدين، الكلام في القضايا الدينية يجب أن يكون كلأً مباحاً لكل من هبّ ودبّ ودرج، هذا لا يقوله أحد. ولكنني أقول من حق الناس على الأقل أن يفهموا وأن يسألوا وأن يستوضحوا وأن يراجعوا. يعني كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الدعاة وإمام الهداة وهو مؤسس هذا الخطاب لهذه الأمة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يأتيه الرجل الأعرابي من البادية فيسأله ويقول له يا محمد إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم سل عمّا بدا لك. ويقوم عند النساء فيعظ النساء ويذكّرهن فتقوم امرأة وتسأله أيضاً في أمور كثيرة جداً. وقد يسأله الكبير وقد يسأله الصغير، والعالم والجاهل وقد يراجعونه في مسائل كثيرة جداً.

عثمان عثمان: إذاً الخطاب الإسلامي، فضيلة الدكتور، لا ينحصر بشخصٍ معين أو بفئة معينة، إنما هو عام لجميع المسلمين، وربما نتطرّق في سياق الحلقة إلى ضوابط هذا الخطاب حتى لا ينفلت. ولكن الآن في الخطاب الإسلامي أيضاً كثر الحديث عن مراجعات. البعض يتساءل هل للتيار السلفي أن يراجع خطابه أو يراجع أفكاره؟

سلمان العودة: يجب، الخطاب الإسلامي طبعاً ليس هو الخطاب السلفي، وهذا جزء من حديثنا السابق. حينما نتكلم عن فهم أشمل للخطاب الإسلامي، وأن كل مسلم فهو معنيّ بهذا الخطاب، من شأنه أن يستدرك وأن يصحح وأن يراجع وأن يسأل وأن يستوضح...

عثمان عثمان (مقاطعاً): بهذا الإطار السؤال..

سلمان العودة (متابعاً): بهذا الإطار نعم. فهنا التيارات السلفية كما يُطلَق عليها، لوّحتنا عن سر تسميتها بالتيارات السلفية أو سر تميزها عن غيرها من التيارات على حسب، وفق رؤيتها هي. أعتقد أن التيارات السلفية أكثر ما يميّزها هو الانتماء إلى عصور السلف...

عثمان عثمان (مقاطعاً): وأعتقد أن هناك عدة خطابات في التيار السلفي، ربما..

سلمان العودة (متابعاً): عدة خطابات، عدة تيارات. بل إن تيار العنف، كما ذكرته في صدر حديثك، هو في هذه المرحلة ينتمي في الغالب إلى التيار السلفي، سواءاً كان جماعات العنف في مصر أو في ما يُعرف بتنظيم القاعدة أو في غيرها، هي انبثقت من هذا الإطار العام، فضلاً عن أن هناك تيارات سلفية علمية معرفية، وهناك تيارات سلفية تمثّل اتجاهاً رسمياً، وهناك تيارات سلفية مختلفة ومتنوعة. بل أحياناً من أقصى الطرف إلى أقصاه. أقول أكثر ما يميز الاتجاه السلفي في حقيقته هو الانتماء لعصور السلف رضي الله عنهم، الالتزام بالكتاب والسنّة، نبذ التقليد، ولذلك أحياناً السلفية تُطلق في مواجهة المذهبية عند بعضهم، فيقول لك سلفي في مواجهة المذهبية، مع أننا نرى أن الانتماء المذهبي المجرّد حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي ليس نقيضاً للسلفية..

عثمان عثمان (مقاطعاً): والبعض يقول اللامذهبية هي مذهب..

سلمسلمان العودة (متابعاً): بل يمكن الإنسان أن يكون سلفياً ومتمذهباً ولكنه غير متعصّب، لا يتعصّب للمذهب.فالسلفية ميزتها هي الاعتماد على الدليل، الاعتماد على النص، الرجوع إليه، نبذ التقليد. يعني الحركة الوهابية مثلاً، في الجزيرة هي نموذج لذلك..

عثمان عثمان(مقاطعاً): فضيلة الدكتور نحن نتحدث عن الخطاب، أين المراجعات، أو مراجعات الذاتية في الخطاب السلفي؟

سلمان العودة: فيُفترض أن تكون الجماعات السلفية أو أن يكون التيار السلفي هو أكثر المجموعات الإسلامية ولاءاً لموضوع المراجعة وحرصاً عليها، لأن الواقع ليس دائماً هو ما يمثّل الشريعة. كثيراً ما يتحدث البعض من الإخوة عن الكتاب والسنّة، وكأن الواحد يتكلم أحياناً ويظن أنه هو الذي يمثل الكتاب والسنّة وأن فهمه، وحتى الفروع الفقهية التي يميل إليها والاجتهادات الخاصة، حتى الاجتهادات السياسية أحياناً، تبدو عنده كما لو كانت تمثيلاً ونطقاً للكتاب والسنّة. وهنا أقول، من الخطورة بمكان أن يكون الحديث عن الكتاب والسنّة كأنه فقط خلفية نقدمها أو افتتاحية نقدمها ثم ينهمك الإنسان بعد ذلك في تقرير مزاجه الشخصي ورأيه وقناعته وثقافته الخاصة وأصوله المدرسية التي تلقّاها والإصرار عليها ومحاولة عسف النصوص، أو كما يقول البعض ليّ أعناق النصوص. المراجعة يجب أن تكون داخل التيارات الإسلامية كلها جميعاً، أياً كانت مسميات هذه التيارات ولافتاتها، يجب أن تكون المراجعة شأناً مستمراً، وأعتقد أن الوقت لا يسمح بمزيد من الاستطراد...

عثمان عثمان (مقاطعاً): على كلٍّ فضيلة الدكتور...

سلمان العودة (متابعاً): وإلاّ لتحدثنا عن الرسول عليه الصلاة والسلام...

عثمان عثمان: صلى الله عليه وسلم.

سلمان العودة: وكيف كان هو في شخصه، عليه الصلاة والسلام، يحلف ويقسم بالله أنه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيراً منها إلاّ كفّر عن يمينه وأتى الذي هو خير. وخلفاؤه كيف كانوا أوفياء لهذا المعنى، حتى كان عمر يقول ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي. وكيف كان الأئمة كالشافعي مثلاً.



بعض عيوب الخطاب الإسلامي اليوم

عثمان عثمان (مقاطعاً): دكتور كما ذكرت الوقت لا يسعنا للاستطراد. الخطاب الإسلامي غلب عليه في وقت من الأوقات الجانب العَقَدي، الإيمان والكفر، التفسيق والتبديع. برأيكم إلى أين انتهى هذا الخطاب؟

سلمان العودة: هو لا شك أن هذه إحدى عيوب الخطاب الإسلامي بشكل عام، أنا لا أقول هذه حكر على التيار السلفي كما قد يبدو، لأ. هذه مشكلة مزمنة، قضية الإيغال في إقصاء الآخرين، وهذا نوع من الثقافة الاستبدادية التي تلقّيناها في مجتمعنا وجعلت الإنسان إذا لم يستطع أن يمنع الآخرين، أن يحرمهم من حقهم في الحياة مثلاً بالقتل، ولم يستطع أن يحرمهم من حقهم في الكلام، لأنه لا يملك ذلك، على الأقل حرمهم من حقهم في الإيمان ومن حقهم في الجنة بمحاولة إلقاء ألفاظ التكفير عليهم أو ألفاظ التبديع أو التفسيق. وهذه نوع من محاولة العزل وضعف القدرة على الحوار الموضوعي، لأنه إذا كان عندي قدرة على مواجهة الحجة بالحجة وعلى إظهار الحق لن أكون محتاجاً إلى الوصف بالكفر والفسق والبدعة، وأذهب إلى أكثر من هذا، أقول حتى لو فُرض أنك تعتقد أن هذا الذي أمامك فاسق أو أنه مبتدع، أو حتى أنك تعتقد أنه قال كفراً، هل الشريعة تلزمك بأن تعبّر عن هذا الرأي الخاص؟

عثمان عثمان: هذا السؤال؟

سلمان العودة: ليس كذلك. يعني الإنسان بإمكانه أن يجادل أخاه المسلم، وكما كان عمر رضي الله عنه يقول، التمس لأخيك 70 عذراً. والأصل أن القضايا التي يُكفّر بها، القضايا الكلية والقطعية والضروريات، مواطن الإجماع، مخالفة النصوص الصريحة الصحيحة، هذه لا يُقدم عليها المسلم الذي يعرف ما يقول. لكن إما أن يكون أخطأ في العبارة، أو يكون غاب عنه النص، أو يكون قصد معنى صحيحاً ولكنك أنت فهمت منه معنى آخر خاطئاً، فأن يكون الكفر كأنه كرة يتبادلها الناس فيما بينهم، هذا من أعظم المخاطر وهذا هو الذي يؤسّس للعنف في الواقع.

عثمان عثمان: إذاً منهج التكفير، منهج التبديع، منهج التفسيق مخالفٌ لهدي السلف رضوان الله عليهم ولمنهج النبي عليه الصلاة والسلام. من الجانب العَقَدي إلى الجانب الفقهي، فضيلة الدكتور، نجد أن الطابع الفقهي قد التبس بالشكل، الطابع القانوني البحت، أمر ونهي، حتى نصل في بعض الأوقات وفي بعض الأحيان إلى معانٍ غير معقولة، ما رأيكم في ذلك؟

سلمان العودة: قد يكون هذا صحيح بالنسبة لكثير ممّن أكثروا من جانب الفتوى والتعامل مع الأحوال المفصّلة المفردة، والناس يتحمّلون جزءاً من المسؤولية، لأن كثرة سؤال الناس عن تفاصيل حياتهم، في الطلاق والزواج، وأمور البيع والشراء، وتفاصيل التفاصيل أيضاً، هذا جرّ الفقيه إلى أن يندمج معهم في مثل هذه التفاصيل ويوغل فيها، ويصبح لا وقت لديه إلا للكلمة ومعناها، حلال حرام، حق باطل، خطأ ليس بخطأ، يجوز لا يجوز، نعم لأ، إلى غير ذلك. وغاب، غابت الجوانب الأخرى، جانب مثلاً، النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجمع مع هذا الأمر معاني عديدة، مثلاً لمّا جاءه الرجل وقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا، قال ترضاه لأمك؟ ترضاه لأختك؟ هنا مثلاً خطاب العقل، مخاطبة العقل بالإقناع. مخاطبة القلب والوجدان، بتحريك العواطف والمعاني الإيمانية التي تحفز الإنسان. تعزيز جوانب التفاؤل والإشراق والرغبة في العمل عند الناس، يعني مثل هذه المعاني، أيضاً ربط الناس، بدلاً من أن تربطهم بالمفتي أو المتكلم كشخص، أن يكون ربطهم بقيمتهم الإيمانية والرجوع إلى النصوص الشرعية، كل هذه غابت في حمّى الانشغال بالتفاصيل والمفردات كما تفضلت.

عثمان عثمان: على كلٍّ دكتور، اليوم بالعودة إلى الخطاب الشفهي، الخطاب الديني الشفهي، نجد بعض الخطباء ربما يتشنّجون وهم على المنبر أو في أحاديثهم، وربما يصل بهم الأمر إلى الدعوة على الآخر، الآخر سواءاً كان يهودياً أو غيره. السؤال الآن، ما الموقف الشرعي من الدعاء على الآخرين؟

سلمان العودة: هو أولاً مسألة التشنّج هي، الحقيقة، جزء من كينونتنا في هذا الوقت بالذات في عدد من مواقعنا العربية والإسلامية. يجب أن نبحث لماذا هذا الغضب؟ هذا سؤال جدير بأن نطرحه، لماذا هذا الغضب؟ ليش الناس زعلانين بهذا الحجم؟ قد يكون هذا يرجع في الغالب إلى إحباطات واقعية، إحباط اجتماعي، إحباط سياسي، إحباط اقتصادي، هذا يُوجِد أزمة...

عثمان عثمان(مقاطعاً): هل يجب أن يظهر هذا الإحباط في الخطاب الديني؟

سلمان العودة: لأ، هذا فقط تفسير لما يقع. أما من حيث ما يجب أن يكون، فأنا أعتقد أن الخطيب أو العالم أو الفقيه، يُفترض أن يكون هو مصدر السكينة، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ربّنا سبحانه ذكر السكينة، هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين، {..فأنزل السكينة عليهم..}[الفتح/18] فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّد الناس على الهدوء حتى في أحلك المواقف وأشدها صعوبة، وهكذا أرى أن الخطيب يجب ألاّ يكون مأخوذاً بالروح الانفعالية الغضبية التي يمكن يجاري بها أحياناً الناس. ومن ذلك موضوع الدعاء، سواءاً كان الدعاء.. أولاً الدعاء للناس أنفسهم، لاحظ أنه لمّا تصلّي في رمضان مثلاً أو في غيره، أكثر ما ينفعل الناس إذا كان الدعاء بدأ ينتقل إلى الدعاء على، أما إذا كان الدعاء لِـ، فتجد الناس لا يرتفعون، لا ترتفع أصواتهم بالتأمين، هذا لاحظته في أكثر من مرة، حتى وهو يدعو لهم مثلاً ولأسرهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم وذرياتهم، هنا النبرة هادئة...

عثمان عثمان (مقاطعاً): تفاعل مع الدعاء على الغير...

سلمان العودة(متابعاً): نعم. فإذا انتقل للدعاء على الغير ارتفعت الأصوات وضجّت وكأن هذا هو ذروة الدعاء. النبي صلى الله عليه وسلم لمّا قِيل له يا رسول الله ألا تدعو على الكفار، ألا تدعو على المشركين؟ قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، " إن الله بعثني رحمة ولم يبعثني لعّاناً ". لا ينبغي الدعاء على عموم الكفار، الكفار هم محل الدعاء، الدعوة، محل الدعوة إلى الله، محل التأثير، فيه واحد كافر اليوم وغداً مسلم، وفيه واحد كافر ولكنه قريب من الإسلام والمسلمين متفهّم لقضاياهم. وإنما يُدعى على الظالمين منهم، يُدعى على المحتلين، يُدعى على المعتدين، كما تجده في القرآن الكريم وفي هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

عثمان عثمان: ولكن هذا الدعاء على الظالمين والمعتدين يجب أن يترافق مع عمل ميداني، مع هذا الدعاء، طبيعي، نعم.

سلمان العودة: أكيد.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، كذلك نلاحظ في فترة سابقة، الخطاب الديني قد سيطر عليه عامل التخويف، التخويف من النار، التخويف من علامات القبر، ذكر علامات الساعة. ثم برز دعاة جدد يصوّرون الإسلام الجميل اللذيذ، الإسلام الملائم لملذات الحياة، يعني كيف ترسمون العلاقة بين الترغيب والترهيب في الخطاب الإسلامي؟

سلمان العودة: في سؤالك الكريم عدة نقاط. أولاً قضية في الخوف أو التخويف أو الرحمة. يعني لو طرحنا جزء من السؤال، خلّينا نفصل السؤال إلى جانبين. الجانب الأول، هل الأولى في الخطاب الإسلامي تغليب جانب الخوف، كما تفضّلت، أو جانب الرحمة؟ الذي أراه، وقد وجدت كلام الأئمة والعلماء، كابن عبد البَرّ ومن المتأخرين شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهم الله، يذكرون أن الأولى بالناس، خصوصاً في أزمنة الغفلة وغياب المعرفة الشرعية أن يكون التركيز والعناية بجانب الرحمة وهذا أكثر إلى دعوة الناس، حتى الشاردين، يعني الشارد البعيد إذا خوّفته ربما زاد بعداً ورأى أن خلاصه ميؤوس منه، ولكن إذا فتحت له أبواب الرحمة وأبواب التوبة وذكرت له بعض الآيات والأحاديث في هذا الجانب والفضائل، ربما أن هذا يكون سبباً في أن تنتعش عنده بعض المعاني والإشراقات. ولذلك أقول، الخطاب الإسلامي، خطبةً كان، كلمةً، وعظاً، درساً، ينبغي أن يقدّم أولوية الحديث عن الرحمة والشفقة والعاطفة والبر والجود والكرم، ويتحدث عن الخوف ولكن بطريقة أخرى، وليس أن يكون الخوف هو الجانب الأساسي. وتاريخياً نجد أن الذين كانوا يغلّبون جانب الخوف هم الخوارج، ولهذا قال بعض السلف، مَن عبد الله بالخوف وحده فهو مُرجي ومن عَبَد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبَد الله بالرجاء وحده فهو مُرجي، ومن عبَد الله بالخوف وحده فهو خارجي ومن عَبد الله بهذه المعاني كلها فهو سني مؤمن موحد، إذاً هذا جانب.

عثمان عثمان: الجانب الآخر...

سلمان العودة: الجانب الآخر الذي تفضلت فيه أن ذكرت موضوع الدعاة الجدد وتقديم ..

عثمان عثمان(مقاطعاً): الجُدُد الذين يصوّرون الإسلام بشكل سهل ويرغّبون الناس فيه.

سلمان العودة طبعاً هذه ظاهرة تحتاج إلى تقييم وأنا قرأت فيها مقالات كثيرة جداً، بعضها موغل إما في التأييد أو موغل في الرفض والاستهجان إما من منطلق شرعي أو من منطلق ليبرالي أحياناً.

عثمان عثمان (مقاطعاً): فضيلة الدكتور نواصل في تفصيل هذا المعنى إن شاء الله بعد فاصلٍ قصير. فابقوا معنا مشاهدينا الكرام، نعود إليكم بإذن الله تعالى بعد هذه الوقفة.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الخطاب الإسلامي مع فضيلة الشيخ الدكتور الداعية سلمان العودة. فضيلة الدكتور قبل الفاصل حديثكم كان عن الدعاة الجُدد، وكان لكم حديث، تفضلوا.

سلمان العودة: نعم. فأقول هناك من يعالج القضية من منطلق رفض أو منطلق قبول مطلق وقرأت مجموعة من الدراسات الواقعية المعتدلة، ووجهة نظري الخاصة، أنا أميل دائماً إلى قراءة الجوانب الإيجابية في الأشياء، وهذا أدعى إلى أن نتعامل بتفاؤل مع الظواهر. هذه الظاهرة في جملتها ظاهرة إيجابية، ظاهرة تدل على شباب يتوجهون للإسلام ويغارون عليه، يخاطبون أبناء جنسهم، لديهم قدر من المعرفة في جوانب معينة استطاعوا أن يتحدثوا عنها، استفادوا من معطيات العصر، استفادوا من تقنية العصر، لغة الخطاب البسيطة، هذه كلها جوانب إيجابية. وعلينا ألاّ نكون مأخوذين بنوع من، أحياناً لا قدّر الله، الغيرة التي تجعل الإنسان لا يريد أن يتحقق مثل هذا الأمر. هناك ناس أصلاً هم بعيدون تماماً فأن يكونوا اقتربوا ولو بعض الشيء، تعلموا أن يتردّدوا على المساجد، أن يصلّوا، أن يبرّوا بآبائهم، هذا معنى جميل وإيجابي، وأنت لا تطلب من هؤلاء كل شيء. وفي الوقت ذاته، هذه الظاهرة لا تخلوا من سلبيات معينة، قد يكون مثلاً إما سرعة الخطاب الشفهي، كما تحدثنا قبل قليل، تجعل أن هناك كلمات ليست مدروسة من الناحية العلمية والشرعية والفقهية وقد تكون كلمات مألوفة ولكنها خطأ. أو يكون فيه إيغال في بعض الأمور، في بعض الممارسات والاجتهادات التي لا تُرضى، ليس ضرورياً أن تبصم على هذا الخطاب بالتأييد 100 بالمائة، لكنني أميل إلى أن يحرص أهل العلم والدعوة على تقبّل مثل هذا الخطاب وتأييده وتصحيحه أيضاً وتكميله، كما تكلمنا عن المراجعات في تيار العنف أو المراجعات في التيار السلفي، كما تفضلت، نتحدث عن المراجعات أيضاً في حركة الدعوة والدعاة الجدد وغيرهم وإمكانية تطوير هذا فيما بعد.



تطوير الخطاب الديني وضوابطه

عثمان عثمان: في موضوع التطوير الذي تناولتموه، يعني هذا التطوير كيف يكون؟ هل يكون في المضامين، في المفاهيم؟ هل يكون في الوسائل؟ أم في كل ذلك؟

سلمان العودة: التطوير، الحقيقة، يجب ألاّ يُستثنى منه إلاّ الجوانب الشرعية البحتة. يعني هناك المضمون الشرعي الأصلي، يعني محكمات الشريعة، ضروريات الشريعة، قطعيات الشريعة، ثوابت الشريعة...

عثمان عثمان: الثوابت الشرعية..

سلمان العودة: هذه الثوابت يعني هي المنطلق، وبالتالي كما قال الله سبحانه وتعالى {..كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}[ابراهيم/24]، فهذا الأصل ثابت لأنه إذا انفصل الأصل لم تعد هذه شجرة وإنما أصبحت شيئاً آخر، فالأصل ثابت متصل بالتربة، أما الفرع فهو في السماء، يتحرك يميناً، يتحرك شمالاً، ولكنه متصل بالأصل أيضاً. إذاً مسألة التجديد أو التغيير، أولاً هي سنة نبوية "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها ". التجديد يكون في المضامين الاجتهادية، يكون في الرؤى الشرعية، يكون في....

عثمان عثمان (مقاطعاً): مثل ماذا؟ المضامين الاجتهادية مثل ماذا؟

سلمان العودة (متابعاً): يعني من الأمثلة الجميلة، قضية الآن السياسة، لما نتحدث عن الجانب السياسي. هناك في بعض المراحل إفراط في تناول السياسة، على صعيد، ليس على صعيد الخطاب الإسلامي فقط، على صعيد المجتمع بشكل عام، تجد الناس كلهم يتحدثون في السياسة مع أنهم لا يمارسونها بشكل صحيح، وإنما يتحدثون كمحللين أو كناقدين أو محازبين لهذا الطرف أو ذاك. بينما في العصر الحاضر يوجد نظرية الآن جديدة تُطرح يُسمونها نظرية موت السياسة، وكأن المقصود بهذه النظرية أن السياسة في حقيقتها هي تفاصيل التفاصيل الموجودة في الحياة، يعني الجانب الخدماتي، الجانب الإنساني، جانب هموم المواطن الصغيرة، تناول هذا الجانب أمر مهم جداً في موضوع المضامين. إذا كان هناك وقت ولو دقائق أتحدث فقط عن مثال الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فيه فوجده شاباً جلداً، فقال له هل في بيتك شيء؟ قال نعم في بيتي حِلْسٌ أقعد عليه وقعبٌ أشرب فيه، قال هاتهما. فالنبي صلى الله عليه وسلم باعهما بالمزاد وأعطاه مالاً، وقال له اذهب واحتطب ولا أرينّك خمسة عشر يوماً، فجاء بعد خمسة عشرة يوماً ومعه عشرة دراهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خيرٌ من أن يسأل أحدكم الناس أعطوه أو منعوه أو تأتي المسألة خدوش أو خموش في وجهه يوم القيامة. هذا النص بدون توقف، انظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عالج الهم الشخصي لهذا الإنسان وباشره بنفسه الكريمة، انظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم جعل من نفسه رقيباً على أداء هذا الرجل وتابعه أولاً بأول، انظر كيف حوّله إلى إنسان بدلاً من أن يكون متسولاً يريق ماء وجهه وإنسانيته وكرامته، ليس فقط أعطاه المال، وإنما علّمه كيف يكسب المال وعلمه كيف يكتسب الإنسانية والكرامة ويحافظ عليها. أيضاً هنا تلاحظ كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا غرس أساساً لموضوع التنمية الاقتصادية..

عثمان عثمان(مقاطعاً): فضيلة الدكتور حتى لا يذهب بنا المعنى بعيداً. إذاً هناك ثوابت لا يدخل عليها أي تطوير أو طارئ. وهناك مضامين ووسائل ينبغي أن تتجدد مع تجدد....

سلمان العودة (مقاطعاً): مضامين ووسائل مختلفة، اجتهادات كثيرة تختلف بين وقت وآخر.

عثمان عثمان: في الخطاب الديني من المفترض أن المؤسسة الدينية هي التي ترعى هذا الخطاب، ولكن نلاحظ أن هذا الخطاب الديني مع ضعف المؤسسة الدينية قد ولّد السيولة في المعرفة الدينية والخطاب الديني. يعني أصبح يساهم في إنتاجه أشخاص، وربما رموز مختلفة معتبرة وغير معتبرة. هل تتخوفون من هذا فضيلة الدكتور؟ وكيف يمكن علاجه؟

سلمان العودة: هو، هذا هو الواقع أولاً. وأنا لا أفضل دائماً أن نُعمل جانب الخوف، كما قلت لك قبل قليل، من الظواهر الجديدة. الخوف ينم عن ضعف الثقة بالنفس، وقبل ذلك ضعف الثقة بالله. ثم إن الواقع الموجود، ربما الذي تتحدث عنه الآن، هو جزء من إنتاج وإفراز العولمة، العولمة واقع مفروض علينا، نحن لسنا المؤثرين في واقع الحياة البشرية، بل حتى الجوانب الحضارية في الخطاب الإسلامي ليست حاضرة بما يكفي وهذا جزء من المضامين، أن الخطاب الإسلامي يُفترض أن يكون محفّزاً للبناء والنهضة والحضارة والعمران. فلا أفضّل جانب الخوف وأن نقدمه في مثل هذه الأمور. أما هذا الواقع الموجود فيمكن أن يتحول إلى جانب إيجابي بشرط أن يكن ثمّة قدر من الإنضباط، يعني المؤسسة الدينية، وكأنك تقصد الرسمية...

عثمان عثمان: طبيعي، لما نتحدث عن المؤسسة الدينية، المؤسسة الرسمية نعم..

"
من يقرأ واقع خريطة العالم الإسلامي اليوم يكتشف أن الحاجة ماسة إلى وجود خطاب ديني في كل بلد إسلامي، شريطة أن يكون خطابا محايدا لا حكوميا ولا معارضا، لأن الخطاب السياسي طغى على كل جوانب الحياة
"
سلمان العودة: يعني هي أدت دوراً في جوانب معينة في حياة الناس، في الفتوى وغيرها، ولكن الحاجة ماسة، الذي يقرأ واقع الخريطة الإسلامية اليوم، يكتشف أن الحاجة ماسة إلى وجود خطاب ديني في كل بلد إسلامي، من مصر إلى تونس إلى السعودية إلى دول الخليج إلى العراق إلى المغرب، هذا الخطاب الإسلامي الذي يمكن أن يشكّل أساساً، إن صح التعبير، للمصالحة بين كل التناقضات الموجودة داخل المجتمع، بشرط أن يكون خطاباً محايداً، ليس خطاباً حكومياً يمثل صوت الحكومة، ولا خطاباً معارضاً يمثل أيضاً صوت المعارضة البحتة ولا يكون منحازاً إلى مثلاً لغة خارجية أو أجنبية، وإنما ينبثق من صميم وعمق هذا المجتمع، لو استطعنا أن نوجد مثل هذا الخطاب نكون ساهمنا كثيراً في بناء أساس لنهضة حضارية للأمة.

عثمان عثمان: وماذا عن المؤسسات الدينية غير الرسمية؟

سلمان العودة: لها دور كبير جداً، مساند لهذا الخطاب، مستقل وأكثر تعبيراً في الواقع، لأن الموقف، ممكن يكون موقفك أحياناً متوافقاً مع الموقف الرسمي، يعني مثلاً الموقف من العنف، معظم الإسلاميين والمؤسسات الإسلامية رفضت العنف وأعلنت إدانته بكل مناسبة، هذا الموقف يتوافق مع وجهة نظر رسمية، فلما يكون منطلقاً من منطلق ذاتي وبعيداً عن أي مؤثر رسمي يكون أكثر مصداقية وأكثر تأثيراً.

عثمان عثمان: لو أردت أن أحدد ضوابط عملية للخطاب الديني، للذين ابتعدوا عن المؤسسة الدينية، ما هي أبرز الضوابط هذه؟

سلمان العودة: والله أبرز الضوابط، أولاً، طبعاً هناك ضوابط أو هناك مرجعية، إن صح التعبير، مرجعية نظرية أو علمية، مثل الالتزام بالثوابت كما تحدثنا عنها قبل قليل، لأن هناك أحياناً خطابات خارجة عن الإطار الشرعي. والبارحة كنت أقرأ كتاب لأحد الدكاترة عن الكتاب والقرآن فتجد فيه شروحات وتفسيرات للقرآن فيما يتعلق بقضايا المرأة، اللباس، الحجاب، العورة، لم تُعرف طيلة التاريخ الإسلامي، يعني خارجة بالكلية عن المفهوم الإسلامي، المفهوم الشرعي، وكأنها تصل إلى حد أن المطلوب ستره في المرأة هو فقط أن تستر السوأة المغلّظة كما هو معروف. فلا بد من المرجعية الشرعية، إن صح التعبير، الرجوع إلى الكتاب والسنّة، وهذا يتحقق من خلال وجود قدر من الاختصاص، المختصين الذين من شأنهم أن يعطوا حكماً في هذه المسائل.

عثمان عثمان: لاحظنا فضيلة الدكتور، في السنوات الأخيرة بروز لحضور لرموز الخطاب الإسلامي، خطاب الإعجاز العلمي، أو الدعاة الجدد الذين تحدثنا عنهم منذ بعض الوقت، كيف تقيّمون مساهمة هؤلاء في الخطاب الإسلامي؟

سلمان العودة: هذه أيضاً، هذا مثال جميل، يعني موضوع الإعجاز، أو ما يُسمى بالتفسير العلمي للقرآن. نحن نجد مثلاً في القديم الفخر الرازي صاحب مفاتيح الغيب، وهو كتاب الحقيقة مليء بالفوائد ومليء أيضاً بالقضايا الأجنبية عن التفسير، حتى قال فيه بعضهم أنه فيه كل شيء إلا التفسير. نجد أيضاً طنطاوي جوهري في تفسيره جواهر القرآن، سلك هذا المسلك، فحشا كتاب التفسير مثلاً بموضوعات الفلك والأمور المادية والفيزياء والجيولوجيا والكيمياء والأحياء، لكن ليس فيه جانب التفسير، فهذا جانب.

عثمان عثمان (مقاطعاً): ولكن الخطاب...

سلمان العودة (متابعاً): ولكن ما يتعلق بالإعجاز العلمي، يعني يحتاج أن يرخّص....

عثمان عثمان (مقاطعاً): لكن هناك إعجاز وهناك تفسير...

سلمان العودة(متابعاً): نعم، هناك إعجاز وهناك تفسير علمي، عند بعضهم يسمونه التفسير العلمي. فجانب الإعجاز فيه أشياء صحيحة، سواءاً كان هذا الإعجاز يتعلق بالإعجاز، أنا أسميه بالإعجاز الثبوتي، يعني مخطوطات القرآن التي وُجدت وأُعلِن عنها في تركيا من خلال مراكز، مخطوطات القرآن من الصدر الأول متوافقة مع المصحف الموجود عندنا {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر/9]. الإعجاز التشريعي، الإعجاز الأخلاقي، الإعجاز المعرفي أو العلمي..

عثمان عثمان: هذا الإعجاز كيف يساهم في تطوير الخطاب الإسلامي؟

سلمان العودة: إذا كان منضبطاً. يعني لا يتقحّم، لا يعتمد على ظنون ونظريات وإنما على حقائق علمية، لا يتعسّف أيضاً التفسير، بمعنى أنه لا ينبغي يكون عندنا شهوة أنه كلما اكتشف العلم جديداً قلنا هذا موجود عندنا في قرآننا، وإنما إذا كانت أشياء واضحة جليّة يعرفها أهل الاختصاص، مثل ما يتعلق مثلاً بموضوع الأجنّة، بدون شك أن هذا قدر كبير جداً من الإعجاز، أو الفضاء فيه جانب كبير من الإعجاز. لكن أن يأتي إنسان ويقول مثلاً، يتكلم عن، كما حصل لأحد العلماء تكلم عن حديقة الحيوانات وقال أن الله سبحانه وتعالى يقول {وإذا الوحوش حُشرت}[التكوير/5] مثلاً، هذا لا تستطيع أن تسميه إعجازاً أو تفسيراً وإنما هو نوع من إقحام القرآن.

عثمان عثمان: يعني هنا عندي سؤال، نلاحظ معظم من يخوضون في موضوع الإعجاز العلمي أو التفسير العلمي، أو الإعجاز العلمي بالضبط، أنهم أتوا من خارج إطار الدراسات الإسلامية أو الشرعية.

سلمان العودة: هذا لا يضر بحد ذاته. لأن المتخصص بطبيعته غالباً إذا استطاع أن يصل إلى نتائج، يصعب عليه أن يجمع بين تخصصات عديدة، لكن هذا يمكن حلّه عن طريق المؤتمرات. والمؤتمرات عُقدت في القاهرة وفي جدة وفي أكثر من مكان، بحيث يحضر المختصون ويحضر الفقهاء والمفسرون الشرعيون، ويكون هناك مدارسة لهذه القضايا.

عثمان عثمان: سؤال يطرح نفسه، فضيلة الدكتور، الآن الخطاب الإسلامي مع الآخر الإسلامي، كيف تقيّمونه؟

سلمان العودة: أقيّمه أنه ليس في أحسن حالاته ولا أريد أن أكون أكثر تشاؤماً. لا زلنا نعيش حالة من الإقصاء مع الآخرين، ولا أفسر هذا إلا بالتعصب ونقص التربية ونقص الإيمان، لأن اعتباري أنني أنا الناطق باسم الكتاب والسنّة وبالتالي أقصي الآخرين وأركلهم وأبعدهم باسم الكتاب والسنّة أيضاً، هذا خطأ. ولذلك لا بد أن ندرك أن الميدان يتسع للجميع وأن هناك، إن صح التعبير، نظرية بل هي قاعدة شرعية، سميتها في أحد كتاباتي، الخطوط المتوازية، يعني ليس بالضرورة أن أكون أنا نسخة منك أو أنت نسخة مني، وأن نتفق على كل شيء، ولكن هناك خطوط متوازية وهناك قواعد مشتركة نجتمع عليها وقضايا نختلف فيها، بل حتى الناس الذين هم بعيدون عنك أنت لا تستطيع أن تقصيهم اليوم، فما بالك بالقريب الذي هو معك داخل خيمتك وإيوانك وديوانك يجب أن يكون هناك احترام وبالتأكيد إذا لم نحترم بعضنا بعضاً فلن يحترمنا الآخرون ولن يتقبلوا منا، بل سوف نُخرب بيوتنا بأيدينا وأيدي المؤمنين.

عثمان عثمان: طبعاً يعني هذه نرجو أن يسمعها أصحابها. من مفردات الخطاب الإسلامي، فضيلة الدكتور، ضرورة إقرار الحقوق، المساواة، إنهاء الاستبداد والاستغلال، التخلص من المحسوبية ومن الفساد، رفض التبعية للأجنبي بكافة أشكال هذه التبعية. يعني ماذا تحقق من ذلك؟ وما هو المطلوب من عملية التطوير والتجديد؟

سلمان العودة هو فيما يتعلق بالفقرة الأخيرة التي هي رفض التبعية، قد يكون الخطاب الإسلامي هو الأقوى في هذا الجانب. لأن الخطاب الإسلامي يتميز بالممانعة، وربما نجح فيها أكثر مما نجح في الجوانب الأخرى، لأن الممانعة وحدها لا تكفي. يعني أنت امتنعت مثلاً من قبول نمط حضاري أو من قبول الغازي، هذا جيد ولا بد منه ولو حدث لذابت الأمة، ولكن الناس يطرحون ماذا بعد هذا؟ امتنعت عن هذا النمط، طيب لا بد من بديل، لا بد أن يكون الخطاب الإسلامي يشكل حضوراً وهذا هو التحدي الأكبر، أن يكون الخطاب الإسلامي مثلاً، كما قلت قبل قليل مسألة هموم المواطن العادية، يساهم فيها بقدر المستطاع. أيضاً قضية الجوانب القيمية، الفقهاء والأصوليون مجمعون على مقاصد الشريعة المعروفة والتي يذكرها العلماء، منها الضروريات المتعلقة بحفظ النفس والعرض والمال والعقل والدين، ويمكن أن أضيف إليها ضرورياً سادساً يجمع كل ما قِيل في هذا، وهو جانب المجتمع، أن الدين والخطاب الإسلامي يجب أن يحفظ المجتمع، حفظ المجتمع يعني الحفاظ على الحرية، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. الحفاظ على إنسانية الإنسان وعلى كرامته، أو كما كان...

عثمان عثمان (مقاطعاً): ربما هذا البُعد الإنساني في الخطاب الإسلامي..

سلمان العودة (متابعاً): بالضبط. الخطاب الإسلامي هو كان يقول في القرآن يا أيها الناس قبل أن يقول يا أيها الذين آمنوا. يعني في مكة الخطاب كان يا أيها الناس، في المدينة استمر يا أيها الناس، لكن أضيف إليه يا أيها الذين آمنوا. إذاً الخطاب الإسلامي، من أعظم الأخطاء أن يُظن بأن الخطاب الإسلامي إقصاء للإنسانية أو القضاء عليها. مرة كنت في الطائرة ووجدت شاب يسألني وهو ذاهب إلى إحدى الدول الإفريقية، يقول الناس الذين أذهب إليهم هم كفار، هل يجوز أن أبتسم لهم؟ هل يجوز أن أصافحهم؟ فقلت له والله يا أخي أنا لا أفهم لماذا تذهب إذاً إليهم؟! ولكنني أشعر بألم وحرقة إذا كانت الابتسامة تحتاج إلى فتوى، فمعنى ذلك أننا فعلاً أمام مشكلة حقيقية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، الإسلاميون متهمون اليوم بأنهم لا يحسنون إلا الاحتجاج وإلا الاستنكار، ما رأيكم بذلك؟

سلمان العودة: هذا جزء من الممانعة كما ذكرت. وأرجو أن لا يكون فعلاً...

عثمان عثمان: ألاّ نتوقف عندها...

سلمان العودة: ألاّ نتوقف عندها، وألاّ يكون الموضوع يعني موضوع الرفض. بعض الناس يتقن فن الرفض، كل شيء لا، لا، لا. في النهاية يصبح هذا إغلاق، يعني الأب الذي يرفض أن يقدم لولده كل شيء، في النهاية الولد سوف يتمرد عن سلطة أبيه ويبحث عن حل آخر، وهكذا الإسلاميون إذا لم يستطيعوا أن يتعاملوا مع المستجدات باعتدال وبتفهم، وأن يقرؤوا الجانب الإيجابي. مثلاً وسائل الإعلام هي خير نموذج، تمنّع الإسلاميون عنها طويلاً، ثم أدركوا أن هذه ضرورة حياتية، وأنا أفضل وأحب ألاّ يكون قبولنا بهذه الأشياء هو قبول المضطر

إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً      فما حيلة المضطر إلا ركوبها

ولكن أن يكون قبولاً مبدئياً من منطلق القناعة بهذه الأشياء وأهميتها.

عثمان عثمان: فيما يخص العلاقة بين الخطاب والواقع، فقه الواقع والواقعية في الخطاب، إلى غير ذلك من التعبيرات يعني. كيف ترون، هل المطلوب أن نفصّل الخطاب الإسلامي على قياس الواقع؟ أم المطلوب أن نغيّر الواقع ليلائم الخطاب الإسلامي؟

سلمان العودة: هو هناك علاقة، كما يسمونها أحياناً، علاقة جدلية. يعني الخطاب الإسلامي لا شك أن مهمته إصلاح الواقع، هذه إحدى المهمات، والرسل عليهم الصلاة والسلام كانت هذه دعوتهم {..إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..}[هود/88]، لكن لاحظ أيضاً القيد هذا قوله {ما استطعت}، إذاً قضية مراعاة الاستطاعة لأن الواقع له تبعات. يعني تغيير الواقع ليس مثالياً بمعنى أننا نقول للشيء افعلوا فيفعلوا أو كن فيكون، لأ، هذا هو الله سبحانه وتعالى هو الذي يقول للشيء كن فيكون. الناس، البشر، الواقع أمامهم فيه تناقضات، يعني أنت تريد شيئاً والآخرون يريدون خلافه، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيَّد بالوحي، ترك فعل أشياء وتمناها، لكن ترك فعلها لأن هناك في الواقع ما يمنع من فعلها. إذاً هنا الدعاة والإسلاميون يتوجب عليهم أن يدركوا أنه ليس كل ما يتمنونه أو كل ما يقرؤونه، بل ليس كل صواب يجب أن يتحول إلى واقع، وإنما علينا أن نتعامل مع هذا الواقع بفهم وبإدراك وبرؤية واضحة تجعلنا نعرف ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. ولهذا كان أحد الحكماء يدعو ويقول اللهم امنحنا القوة في تغيير ما يمكن تغييره، وامنحنا الصبر على ما لا يمكن تغييره، وامنحنا الحكمة في التمييز بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. فانظر هذه الثلاثية، القوة الحكمة الصبر.



التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي اليوم

عثمان عثمان: إذاً هناك، يجب أن تكون هناك موازنة بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال الله تعالى في كتابه الكريم. فضيلة الدكتور، الخطاب الإسلامي اليوم، ما هي أبرز التحديات التي يواجهها برأيكم؟

سلمان العودة: والله أنا أعتقد أن أبرز تحدي هو التحدي الداخلي، هذا في الخطاب الإسلامي وحتى في الأمة. من الخطأ أن نكون مسكونين بهاجس المؤامرة دائماً وأننا ضحية مؤامرة من الغرب أو من الشرق أو من اليهود أو من أي أمة من الأمم، أبداً. المؤامرة نُسجت خيوطها داخل نفوسنا وقلوبنا، المؤامرة نحن الذين صنعناها وأحكمناها على أنفسنا، الشيطان نفسه شخصياً يقول {..وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..}[ابراهيم/22]، إذاً أكبر تحدي هو التحدي الداخلي. قدرة الخطاب الإسلامي على الانضباط في الثوابت والمحكمات من الشريعة هذا معنى، قدرة الخطاب الإسلامي على التحرك في منطقة الحركة والإبداع والتجديد، هذا معنى. قدرة الخطاب الإسلامي على التعامل مع القضايا المعاصرة بروح واثقة، هذا معنى. قدرة الخطاب الإسلامي على استيعاب التنوع، لأن الخطاب الإسلامي ليس لوناً واحداً، وإنما هو تنوع وأطياف مختلفة، المذاهب الأربعة كلها نشأت جنباً إلى جانب، وهذا مثال فقط، وهناك عشرات المذاهب الأخرى نشأت ثم انقرضت كما هو معروف. إذاً فكرة أن الخطاب الإسلامي يجب أن يكون نسخة واحدة وبصمة واحدة وطبعة واحدة، هذا من أهم أسباب الانشقاقات الكبيرة التي تعصف بالتيار الإسلامي والخطاب الإسلامي وتقلل من فاعليته. طبعاً هناك تحدي خارجي...

عثمان عثمان(مقاطعاً): يعني هذه تحديات داخلية، ماذا عن التحديات الخارجية؟

سلمان العودة (متابعاً): التحديات الخارجية، طبعاً أيضاً، ربما من أهمها حسب تجربتي، ارتباك الرسالة. بمعنى أن الرسالة الإسلامية، في كثير من الأحيان أقول لأصدقائي، ترى الرسالة ما وصلت بشكل جيد، يعني لا تعتقد أن كلامك عن موضوع مرة أو مرتين أو عشرة، معناه أن الناس فهموك بشكل جيد، تكتشف أن هناك أشياء شوّشت على هذه الرسالة من أطراف أخرى، قد يكونون ناس لم يفهموك جيداً، أو ناس معادين لك، أو قوى حتى خارج الإطار، إطار الإسلام كله، هذا جانب مهم. أيضاً لا شك أن القوى الغربية النافذة في العالم اليوم لها تأثير في موضوع الخطاب الإسلامي، قد تسألني مثل ماذا؟ أقول لك، الخطاب الإسلامي من شروطه يجب أن يكون معتدلاً، يجب أن يكون متزناً متوسطاً. هذا الاعتدال، الاتزان، الوسطية لا يمكن أن تكون إلا في مجتمع هادئ، لكن إذا كان المجتمع يعيش أزمة خانقة، فهنا المطالبة بالاعتدال تصبح ضرباً من المحال، وإن كنا نطالب بها، نعم في كل الظروف، ولكن مع ذلك نحن ندري أن الواقع أقوى من أصواتنا. وبالتالي مثلاً الذي يجري في فلسطين أو الذي يجري في العراق أو الذي يجري في باكستان أو الذي يجري في أفغانستان، الأوضاع المضطرية أمنياً وسياسياً وعسكرياً وتفاقم الأزمات داخل المجتمعات الإسلامية هذا لا يشجع على اعتدال وتأثير الخطاب الإسلامي.

عثمان عثمان: البعض ربما يطرح وحدة الخطاب الإسلامي، أو توحيد الخطاب الإسلامي. ما رأيكم بهذا الطرح؟

سلمان العودة: هو يمكن توحيد الخطاب الإسلامي حول الأسس العامة. مثلاً الوحدة في الدعوة إلى الكتاب والسنّة، هذا مبدأ مشترك، ويجب على كل داعية أن يعرف أن المرجعية عند الاختلاف هي إلى القرآن والسنة كما قال ربنا سبحانه {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله..}[الشورى/10] {..فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً}[النساء/59]. كذلك الرجوع إلى الإجماع، وقضايا الإجماع أرى أنها من القضايا التي يجب الاتفاق عليها، بمعنى أن القضايا التي اتفقت الأمة عليها عبر العصور، هذه القضايا يجب أن تكون تراثاً مقدساً لا يُسمح لأحد أن ينتهكه ما دام أنه هناك إجماع حقيقي، وليس مجرد نقل للإجماع، وإنما هناك إجماع حقيقي، وكثير من معاني الدين الأصلية إنما تثبت بمثل هذه الطريقة. أما فكرة توحيد الخطاب الإسلامي، بمعنى التوحيد المطلق، فأنا أختلف مع هذه الدعوة. الخطاب الإسلامي التنوع هو ميزة فيه...

عثمان عثمان: التنوع الإيجابي..

سلمان العودة: التنوع.. هو التنوع الإيجابي. يعني سواءاً كان تنوعاً مثلما يقولون اختلاف تنوّع، يعني هذا يعمل في مجال الوعظ وهذا يعمل في مجال الفقه وهذا يعمل في مجال التعليم، هذا تنوع. ولكن هناك تنوع آخر....

عثمان عثمان (مقاطعاً): بصيغة الخطاب...

سلمان العودة(متابعاً): بصيغة الخطاب، يعني بين مثلاً، الواعظ وبين الخطيب وبين الداعية. هناك تنوع ثالث فيما يتعلق أيضاً بقضية بالاجتهاد، اختلاف الاجتهاد الذي هو قد يكون تضاد في ظاهره، يعني إنسان يرى طريقه وآخر يرى أن هذه الطريق خطأ، ويسلك غيره، هذا تضاد ولكنه ليس تضاداً لا يمكن حسمه، وإنما يمكن ما دام أن المسألة ليس فيها حسم شرعي، أنا ما خالفت نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولا من إجماع أهل العلم، وإنما أخذ بقول بعض أهل العلم اجتهاداً، أو أخذ برأي في هذه المسألة، فهذا اجتهادٌ داخل الرأي كما هو معروف عند الفقهاء.

عثمان عثمان: البعض أيضاً يتحدث، فضيلة الدكتور، عن خطاب إنساني إسلامي، كيف ذلك؟

سلمان العودة: هذا أيضاً، هذا جانب مهم. أعتقد أن الجانب الإنساني من أعظم عوامل تعزيز ونجاح الخطاب الإسلامي. بمعنى أن البعض يظنون أن الخطاب الإسلامي كأنه خطاب تصحيحي فقط، أو خطاب ملاحقة. هذا يبرزه كما لو كان خطاب تسلط على الآخرين، لماذا تفعل كذا؟ ولماذا أنت كذا؟ وهذا ترسل له خطاب تنتقده على شيء، وهذا تخاطبه وهذا تهمس في أذنه. يوماً من الأيام قال لي أحد الإخوة، حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول " المؤمن مرآة أخيه "، قلت له نحن كثيراً ما نستخدم هذا الحديث إذا أردنا أن ننتقد أحداً، إذا أردنا أن ننصح أحداً عمّا نعتقد خطأ، قل لنا المؤمن مرآة أخيه، وكأن المرآة لا تكشف إلا الجوانب السلبية وجوانب الخطأ، بينما المرآة تكشف أيضاً جمال صورتك وتكشف ابتسامتك الجميلة وتكشف ملامحك البريئة المعبرة، وتكشف أشياء كثيرة جداً، فلماذا لا تكون الصورة أيضاً شمولية ومعبرة؟ أقول إن فكرة أن يكون الخطاب الإسلامي في نظر البعض هو فقط خطاباً للتصحيح والملاحقة سواءاً كان في مجال السياسة أو في مجال المجتمع أو السلوك الفردي أو العبادة، أو حتى تصحيح الألفاظ، بعضهم يلاحق الناس مثلاً بالكلمة التي قالها أن هذه الكلمة خطأ أو لا تجوز أو تجوز، هذا جزء من الخطاب الإسلامي، ولكن الخطاب الإسلامي ينبغي أن يراعي الجوانب الأخرى. هذا الإنسان الذي تواجهه عنده جوانب كرامة إنسانية إذا استطعت أن تخاطبها، ولذلك مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام لما يقول "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لماذا جعل مكارم الأخلاق كأنها الهدف الأعظم من البعثة؟ لأن مكارم الأخلاق تعزيز للقيمة الإنسانية، إذا قابلت إنسان فابتسم في وجهك، وصافحك بحرارة، وسألك عن اسمك، وعن ظروفك، وعن وضعك، وعن الوالد، وعن الزوجة والأولاد، هنا هو أعطى اعتباراً لإنسانيتك ورفع من قيمتك عند ذاتك، وبالتالي تحبه لهذا المعنى، الخطاب الإسلامي يجب أن يعتني بهذا الموضوع.

عثمان عثمان: نعم، "تبسمك في وجه أخيك صدقة" كما قال عليه الصلاة والسلام. أشكرك الدكتور سلمان العودة، المفكر الإسلامي المعروف، والمشرف على موقع الإسلام اليوم، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب، ومن المخرج منصور الطلافيح ومن سائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.