- العلاقات السنية الشيعية تاريخياً
- حول المنهج والموضوع
- إشكاليات في الحوار
- تأثيرات الأزمة العراقية
- دور إيران في العلاقة الشيعية السنية

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقةٍ جديدة من برنامج الشريعة والحياة، والتي تأتيكم على الهواء مباشرةً، وهذه المرة من العاصمة اللبنانية بيروت. الحدث العراقي وما تلاه من أحداثٍ ألقى بثقله على الخطاب الإسلامي وتنويعاته المختلفة، وبقدر ما طرح من التحديات طرح مشكلاتٍ جديدة كنّا نظنّ أننا تجاوزناها لآفاقٍ أرحب وأوسع بعد فيضٍ عن الحديث عن الأمة الإسلامية الواحدة. فمّما خلّفه الحدث العراقي انقساماتٌ وطنية وإسلامية تجاه جملةٍ من القضايا كالموقف من المحتل ومن مسائل التكفير والفتنة المذهبية. بل الأهم الموقف من حرمة الدم تحت أي لافتةٍ كانت استباحته، وطنيةً كانت أو سياسيةً أو مذهبيةً أو غيرها. يبدو أن الأحداث كشفت عن هشاشةٍ في خطاب الوحدة والتقريب الذي ساد عبر عقودٍ من الزمن، حتى أننا كدنا أن ننسى فكرة المواطَنة عراقيةً كانت أم لبنانية. فكيف نستعيد فكرة المواطنة في ظل الاصطفاف المذهبي والطائفي؟ وما شروط إثمار الحوار الإسلامي الإسلامي على المستوى الشعبي؟ وكيف نتجاوز ما خلّفه الحدث العراقي من إشكالاتٍ في الداخل الإسلامي؟ الحوار الإسلامي الإسلامي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع المرجع الشيعي البارز والمفكّر الإسلامي السيّد محمد حسين فضل الله. مرحباً بكم سماحة السيد.

محمد حسين فضل الله: أهلاً بكم وسهلاً.

العلاقات السنية الشيعية تاريخياً

عثمان عثمان: بدايةً سماحة السيد، تجربة العلاقات السنية الشيعية الممتدة في التاريخ منذ زمن ما زالت تراوح مكانها، ماذا يقدّم السيد محمد حسين فضل الله في هذا الموضوع؟

محمد حسين فضل الله: بسم الله الرحمن الرحيم. إنني أقدّم في البداية التجربة الرائدة التي عاشها الصحابة في بداية حركيّة المشكلة التي امتدت وخلقت الكثير من التراكمات التاريخية في الذهنية الإسلامية. فنحن نجد أن المسلمين اختلفوا في مسألة الخلافة والإمامة، فهناك من يرى الشرعية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهناك من يرى الشرعية للخليفة أبي بكر رضوان الله عليه. ولكن عندما انطلقت المسألة في بداياتها الأولى والتي ربما خلقت بعض الإشكالات هنا وهناك، لكننا نرى أن المسلمين جميعاً هناك بما فيهم الذين عاشوا السلطة أو ابتعدوا عن السلطة كانوا يدرسون المسألة من ناحية ما هي المصلحة الإسلامية العليا، وهذا ما عبّر عنه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في تجربته مع الخلفاء. فنحن نقرأ في نهج البلاغة أنه كان يقول فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه فأمسكت يدي، حتى إذا رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يريدون محق دين محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلّم فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم هذه، التي إنما هي متاع أيامٍ قلائل يزول منها ما زال كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه...

عثمان عثمان (مقاطعاً): هذا من التاريخ الذي يجب أن نستضيء به...

محمد حسين فضل الله (متابعاً): وكان يقول لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جورٌ إلاّ عليّ خاصة. وعاش مع الذين تقدّموه وكان يعطيهم النصيحة والمشورة حتى أنه كان يحافظ على حياتهم بكل ما يملك من قوة. لذلك نحن نعتقد أن البداية كانت بدايةً إيجابيةً منفتحةً على الإسلام كله، ولكن عندما تحوّلت الخلافة إلى ملكٍ عضوض انطلق الواقع الإسلامي ليسجّل الكثير من التراكمات التاريخية التي عصفت بالواقع الإسلامي.

عثمان عثمان: ربما سماحة السيد سنأتي إلى بعض التفصيلات في هذا الإطار. ولكن من التاريخ إلى الواقع، لا نرى فرقاً نوعياً في الخطاب الإسلامي الممتد لعقودٍ ماضية، مع أن التحديات ربما اختلفت والمسائل تغيّرت، لماذا برأيكم؟

محمد حسين فضل الله: مشكلة المسلمين بشكلٍ عام أنهم لم يكونوا موضوعيين في دراستهم لنقاط الخلاف فيما بينهم وأنهم عاشوا مع التأريخ أكثر مما عاشوا مع الواقع، ولم يأخذوا بقول الله سبحانه وتعالى {تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [البقرة/141]. للتاريخ في الإسلام قاعدة وهي أننا لا نعيش في داخله ولكننا نأخذ منه العبرة والدرس الذي يمكن أن يحتاجه حاضرنا ولكن المسلمين استغرقوا في التاريخ وتحرّكوا في كل خصوصياته وخصوصاً في الجانب السلبي الذي تلتزمه هذه الجهة أو تلك الجهة، وعلى ضوء هذا عاشوا في تراكماته ولم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما يوحّدهم وهو الإسلام الرحب الذي يمكن أن يعيشه المسلمون على أساس كتاب الله وسنة نبيه، لأن الله سبحانه وتعالى قال للمسلمين جميعاً {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ} [آل عمران/103] وقال للمسلمين إذا اختلفوا في أي شأنٍ من شؤونهم {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ} [النساء/59] ولكن المسلمين لم يأخذوا بذلك نتيجة التعقيدات التي كانت تحدث من خلال طبيعة الأوضاع المعقدة التي كان الواقع الإسلامي يتحرك فيها، وبذلك انفصل المسلمون عن بعضهم، حتى أنّ مساجد المسلمين تعدّدت، فأصبح هناك مسجدٌ للشيعة لا يأتي إليه السنّة ومسجدٌ للسنّة لا يصلّي فيه الشيعة، مع أن المسجد إنّما انطلق من أجل أن يوحّد المسلمين حتى يقفوا جميعاً بين يدي الله سبحانه وتعالى ليعبدوه على أساس عبادة الإله الواحد.



حول المنهج والموضوع

عثمان عثمان: إذاً إغراقٌ أو استغراقٌ في التاريخ واستجلابٌ لتلك الفتن التي لم يكن أحدٌ من المسلمين في الزمن المعاصر طرفاً فيها. سماحة السيد، الحوار الإسلامي الإسلامي، برأيكم، من أين يبدأ، هل يبدأ من العَقَدي أم من السياسي أم من الوطني؟

محمد حسين فضل الله: أولاً أن يكون هناك لدى المسلمين وخصوصاً المثقفين الذين يتركون تأثيرهم على الواقع الشعبي، أولاً أن تكون لديهم روحية الحوار لأن الحوار ليس هو أن أحدّثك عمّا أرى وتحدّثني عمّا تراه.

عثمان عثمان: بشكل مناظرة.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): ولكن أن الحوار يقتضي أن نتفاهم على الحقيقة الضائعة فيما بيننا حتى نستطيع أن نصل إليها ونكتشفها معاً. وأستذكر في هذا المنهج قوله تعالى{وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [سبأ/24] فهذه الآية تتحدث عن منطق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يخاطب به الكافرين بطريقة حوارية موضوعية وليست ذاتية، قد أكون أنا على هدى وقد أكون على ضلال، وقد تكونون على هدى وقد تكونون على ضلال، هناك حقيقةٌ ضائعةٌ فيما بيننا فتعالوا ننطلق في حوارٍ موضوعيٍ عقلانيٍ حتى نكتشف هذه الحقيقة الضائعة معاً في هذا المقام.

عثمان عثمان (مقاطعاً): انطلاقة عَقَدية.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): لقد كان النبي هو الصادق الذي جاء بالصدق وصدّق به، ليس عنده شك ولكنه عندما يحاور الآخرين يطرح الأسلوب الذي يجعل من الحوار رحلةً في اكتشاف الحقيقة لا عملية مغالبةٍ بين هذا وذاك على طريقة كرة القدم.

عثمان عثمان: ولكن سماحة السيد اسمح لي، أنت ذكرت الآية وهذا الخطاب أو الحوار من النبي عليه الصلاة والسلام مع الكافرين، حتى الآن أنا لم أصل إلى الإجابة التي أريدها، من أين يبدأ الحوار الإسلامي الإسلامي، من العَقَدي، من السياسي؟

محمد حسين فضل الله: هذا ليس حواراً مع الكافرين من خلال خصوصية كفرهم، ولكنه منهجٌ للحوار. لأن الإسلام أساساً فرض منهج الحوار على أساس البحث عن مواقع اللقاء {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت/46]، إننا نأخذ من هذه الآية أن على المسلمين وعلى كل من يريد أن يحاور إنساناً آخر فيما يختلف فيه معه، أن يبحث عن مواقع اللقاء وأن يكون الحوار حركةً من أجل السير في اكتشاف الحقيقة، هذا هو المنهج الحواري ولا يختص به حوارٌ مع كافرين أو مع أهل الكتاب، بل لا، هو حوارٌ مع كل.. حوار الإنسان للإنسان.

عثمان عثمان (مقاطعاً): إذاً هذا هو المنهج، سماحة السيد، ولكن ما هو الموضوع؟

محمد حسين فضل الله (متابعاً): هذا هو المنهج الإسلامي الذي يقول إن الحوار إنما هو وسيلة الوصول إلى النتائج الإيجابية التي يختلف فيها الناس، فهناك حوار الإنسان مع نفسه، وهناك حوار الإنسان المسلم مع المسلم، وهناك حوار السني مع السنة، والشيعي مع الشيعة، وحوار المسلمين مع المسيحيين وحوار المتدينين مع العلمانيين. هذا هو حوارٌ.....

عثمان عثمان (مقاطعاً): يعني سماحة السيد...

محمد حسين فضل الله (متابعاً): هذا هو المنهج، منهج الحوار الإنساني الإنساني فيما يختلف الناس فيه مع بعضهم سواءاً كان ديناً أو كان سياسةً أو كان شيئاً آخر.

عثمان عثمان: يعني سماحتكم شرحتم هذا في كتابكم عن الحوار، الحوار الإسلامي الإسلامي غالباً ما يأخذ طابع العموميات، حتى من خلال المؤتمرات يأخذ طابع العموميات، طابع المناظرات، كيف ننتقل بهذا الحوار الإسلامي إلى القضايا التفصيلية..؟

محمد حسين فضل الله (مقاطعاً): لقد كان النداء هنا في الحوار الإسلامي الإسلامي أن يلتقي المسلمون المختلفون في بعض خطوطهم المذهبية، أن يلتقوا بشكلٍ مباشر وأن يبحثوا كل مواقع الخلاف بشكلٍ مباشر وأن يدخلوا في التفاصيل وأن تكون الصراحة هي العنوان الذي يمكن أن يتحرّك الحوار فيه. بحيث أنه عندما يحمل السنة فكرةً معينة في الجانب المذهبي للشيعة، سواءاً في جانب العقيدة أو في جانب الفقه أو في الجوانب الأخرى، فإن عليهم أن يقولوا إنكم تقولون بكذا وهذا يخالف الإسلام أو يوافقه، وإن عليكم أن تفتوا بكذا وهذه الفتوى فتوى خاطئة وما إلى ذلك، بحيث ندخل في كل خصوصيات الفقهية والكلامية وحتى في التفسير القرآني وفي توثيق ما يرد إلينا من السنّة، هل هذا حديث موثّق أو غير موثّق وما إلى ذلك، لأن الحوار في العموميات لا يستطيع أن يحقّق شيئاً بل يتحوّل إلى ما تحوّلنا إليه من المجاملات في المؤتمرات التي يخطب فيها الخطباء ولكنهم يخرجون وكل إنسانٍ يعود إلى مواقعه سالماً أو غير سالم {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة/14].



إشكاليات في الحوار

عثمان عثمان: والبعض سماحة السيد، وصف هذه الحوارات أو اللقاءات بحوار الطرشان. هناك إشكالية في موضوع الحوار الإسلامي الإسلامي، أنه دائماً تقفز إلى الواجهة ما يُسمى بالمقدّس الديني أو المقدّس المذهبي، برأيكم سماحة السيد هل هناك فعلاً مقدّس...؟

محمد حسين فضل الله (مقاطعاً): أنا أعتقد أنه لا مقدّسات في الحوار، وأن الحوار لا بدّ أن ينفتح على كل العناوين وقد كنت أقول على طريقة الطرفة أن الله حاور الملائكة وحاور إبليس وأن القرآن الكريم حاور.. يعني أن الله في القرآن الكريم أدار الحوار مع الكافرين ومع المشركين ومع المنافقين، ممّا يعني أنه ليس هناك أيّ مشكلةٍ في أي عنوانٍ من عناوين الحوار، تصوّر أننا نتحاور مثلاً في أن الله موجود أو ليس موجود، في أن النبي هل هو عاقل أو هو مجنون، هل هو ساحر وشاعر أو هو رسولٌ من قِبل الله سبحانه وتعالى؟ إن القرآن هو الذي خلّد لنا ما أثاره المشركون ضد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مستوى اتهامه بالجنون وبالسحر وبالشعر وما إلى ذلك، هذا يعني أننا نأخذ من ثقافة القرآن بأنه لا مقدّسات في الحوار وأننا يمكن أن نتحاور حتى مع المقدّس لندرس هل يملك هذا المقدّس، هل يملك صفة القداسة أو أنه لا يملك صفة.. عمق القداسة أو لا يملك عمق القداسة؟

عثمان عثمان: سماحة السيد ذكرتم أن مجمل اللقاءات أو المؤتمرات أو الحوارات تكون بين نخبةٍ من السنّة والشيعة أو غير ذلك، كيف يمكن أن ننتقل بالحوار من هذه الفئة أو من هذه النخبة ليتحوّل من قناعات نخبة إلى قناعات شارع إسلامي عام؟

محمد حسين فضل الله: أولاً أن يكون الحوار بين النخب حواراً مباشراً وأن ينطلق من خلال أن هذا الفريق يحاور الآخر ليقتنع بما عنده أو ليتفهّم ما عنده كوسيلةٍ من وسائل الاقتناع. أما مسألة تحوّل الحوار النخبوي إلى حوارٍ شعبي فإننا نلاحظ أنه لا يزال مشكلةً يعاني منها الواقع الإسلامي لأن الكثير ممّن يُطلق عليهم اسم النخبة، يعني سواءاً من بعض المشايخ أو من بعض الخطباء أو ما إلى ذلك، يحاولون تثقيف الشعب بالسلبيات التي يحملها كل فريقٍ عن الآخر، وهذا ما نلاحظه عندما تصدر هناك بعض الكلمات، بعض الفتاوى في تكفير هذا المذهب أو تكفير ذاك المذهب أو ما إلى ذلك. إنّ المشكلة في الواقع الشعبي الذي يحرّكه الذين يعيشون العصبية المذهبية لا يزال هو المشكلة التي يمكن أن يعبث بها الاستكبار العالمي أو يعبث بها الذين يريدون أن يعبثوا بمصير الأمة وبمقدراتها، لأنهم يستغلّون هذه الطيبة الشعبية وهذه السذاجة الشعبية، وهذه العصبية الشعبية التي ثقّفها بعض المشايخ هنا وبعض الخطباء هناك على أن الفريق الآخر هو فريقٌ غير إسلامي في هذا المقام.

عثمان عثمان: سماحة السيد أنتم منذ فترة قريبة أطلقتم دعوةً للحوار، ليس بين السنة والشيعة، إنما تجاوزتم ذلك إلى التيار السلفي أو ما أسميتموه بالوهابية، نريد منكم، كيف كان صدى هذه الدعوة؟

محمد حسين فضل الله: لقد جاءتني بعض الإيجابيات من بعض العلماء السلفيين وقد التقيت ببعض العلماء السلفيين من الشمال، من شمال لبنان، ومن رابطة علماء الشام في الأردن وفي سوريا وفي لندن وما إلى ذلك، ولكن لم تكن بالمستوى الذي كنت آمله.

عثمان عثمان: سماحة السيد أنا سمعت مِن بعض مَن حضر إليكم أنه يعتبر الدعوة إلى مثل هكذا حوار إنما هو دعاية أو لها توظيف سياسي ما.

"
أميركا تحاول إثارة الفتنة بين السنة والشيعة، لذلك نحن عندما نطلق الحوار فإننا نطلقه من ناحية إنقاذ العالم الإسلامي سياسياً
"
محمد حسين فضل الله: نحن عندما نستمع إلى هذا الكلام فنحن نتساءل ما هو الجانب السياسي الذي يُوظَّف هذا الحوار لخدمته ومصلحته. نحن نعلم، حقيقةً يعرفها الجميع، أن أمريكا، حسب ما ذكر لي بعض كبار المسؤولين العرب، أنها تريد تدمير الإسلام، كما أننا نعرف أن حلف الأطلسي عندما اجتمع بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، كان أعضاؤه يتساءلون من هو العدو الذي يجب أن نحاربه، وكانت رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر قالت الإسلام، لأنه يمثّل خطراً على المصالح الغربية، وهكذا وافقها أمين عام حلف الأطلسي. ثم نحن نلاحظ في حركة أمريكا في هذا المجال أنها في أكثر من تجربة تحاول إثارة الفتنة بين السنة وبين الشيعة، لذلك نحن عندما نطلق هذا الحوار فإننا نطلقه من ناحية إنقاذ العالم الإسلامي سياسياً من خلال إنقاذه فكرياً وإسلامياً من الخطة الأمريكية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد واللوبي الصهيوني.

عثمان عثمان: سماحة السيد، هناك التلاقي الإسلامي الإسلامي دائماً يقوم على أمرين، فكرة التقريب وفكرة الملاءمة. حول هذا الموضوع نتابع إن شاء الله تعالى بعد فاصلٍ قصير. انتظرونا مشاهدينا الكرام لمتابعة هذا الحوار الشيّق بإذن الله تعالى بعد هذا الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي نتناول فيها الحوار الإسلامي الإسلامي. سماحة السيد، الحوار، التلاقي الإسلامي الإسلامي دائماً يكون على فكرتين فكرة التقريب وفكرة الملائمة، على اعتبار أن هناك أعداء مشتركين. كيف نتجاوز هذه أو هاتين الفكرتين؟

محمد حسين فضل الله: لقد نشأت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر، من خلال الشيخ محمد تقي القمّي ومن خلال أكثر من عالمٍ من علماء مصر ومن بينهم الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد الغزالي وغيرهم. فقد لاحظ هؤلاء أن هناك أفكاراً خاطئة يحملها السنة عن الشيعة والعكس صحيح، ولذلك حاولوا أن يؤسسوا دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ويُصدروا رسالةً بعنوان رسالة الإسلام، يكتب فيها علماء الشيعة وعلماء السنة، وهذا ما أدى في نهاية المطاف إلى أن يُصدر المرحوم الشيخ محمود شلتوت الفتوى في أن المذهب الشيعي هو يمثّل الشرعية في التعبّد، في تعبّد المسلم به تماماً كما هي المذاهب الأخرى.

عثمان عثمان: هل من فتوى مقابلة من المرجعيات الشيعية في مقابل هذه الدعوى من الشيخ محمود شلتوت؟

محمد حسين فضل الله: هناك بالنسبة إلى المرجعيات الشيعية، هناك نوع من أنواع الحديث عن بعض الخطوط العامة، فنحن نعتبر على أن الإخوان من أهل السنة يلتقون مع الشيعة في أصول الدين، في التوحيد، وفي النبوّة، وفي المعاد، وإن اختلفوا في الإمامة وفي بعض الجوانب الكلامية كالحسن والقبح العقليين وما إلى ذلك. كما أن هناك في الفقه الإسلامي الشيعي والسني هناك ثمانين بالمائة ممّا يتّفق فيه السُنة مع الشيعة سواءاً مع هذا المذهب أو مع ذاك المذهب.

عثمان عثمان: سؤالي بالتحديد سماحة السيد، هل أنتم الآن تُعطون فتوى للشيعة في مقابل فتوى الشيخ محمود شلتوت؟

محمد حسين فضل الله: نحن نقول في هذا المجال...

عثمان عثمان (مقاطعاً): طبعاً على الفئة.. على مستوى الشعب..

محمد حسين فضل الله (متابعاً): نحن ندعو إلى أن نعتبر أن الإسلام هو الشرعيّة وأن هناك اجتهاداً لدى المسلمين السُنة ولذلك اختلفت مذاهبهم، وهناك اجتهادٌ لدى المسلمين الشيعة ولذلك اختلفت اجتهاداتهم في تقليد هذا المرجع أو ذاك المرجع.

عثمان عثمان: يعني هل يجوز التعبد بالمذهب السُني عند الشيعي؟

محمد حسين فضل الله: عندما تنطلق المسألة من الخطوط الاجتهادية التي تمثّل الحقيقة الأصيلة في الاجتهاد الشيعي، فنحن نقول لا فرق بين السنة والشيعة في هذا المجال.

عثمان عثمان: على مستوى خطابنا مع بعضنا البعض وفي مستوى خطابنا مع الآخر، كيف نجسّد عالمية الإسلام؟

محمد حسين فضل الله: نحن عند.... يعني، أن الإسلام عندما نحرّكه في الواقع فإننا نجد أن هناك عناوين كبرى أكّد عليها القرآن وأكّدت عليها السُنة، وهي اعتبار العقل حجةً بين الله وبين عباده، وأن العقل هو الحجّة التي يمكن لها أن تؤكّد هذه الفكرة أو تلك الفكرة، وقد ورد عندنا في الحديث الشريف، أن الله لمّا خلق العقل قال له أقبِل فأقبَل ثم قال له أدبِر فأدبَر، ثم قال وعزّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أعزّ عليّ منك، إيّاك آمر وإياك أنهى وبك أُثيب وبك أُعاقِب. ثم الآن نلاحظ أن الإسلام أكد مسألة قيمة العلم وقد جاء في قوله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر/9].

عثمان عثمان(مقاطعاً): سماحة السيد يعني أنا أعتذر من سماحتكم لضيق الوقت ولكثرة الأسئلة في بعض المحاور.

محمد حسين فضل الله(متابعاً): نعم، تفضّل. فلذلك أنا أقول عندما نطرح العقل والعلم للعالم كعنصرين أساسيين، فيما يطرحه الإسلام على العالم، وعندما نطرح حقوق الإنسان في الإسلام فإننا نستطيع أن نقدّم الإسلام للعالم كله.



تأثيرات الأزمة العراقية

عثمان عثمان: بالانتقال، سماحة السيد، إلى الجرح النازف في العراق. الحدث العراقي، بكل ما فيه، خلّف مشكلات كثيرة وعديدة كان من نتائجها التكفير، القتل، حتى استُبيحت المساجد وهُدّمت، ما موقفكم من كل ذلك؟

"
العراق من خلال الاحتلال أصبح ساحة مفتوحة لكل مخابرات العالم وأصبح ساحة معقّدة للدول المجاورة في العراق، لأنها اعتبرت نفسها في موقع الخطر من خلال وجود الجيش الأميركي على حدودها
"
محمد حسين فضل الله: نحن أكّدنا منذ البداية أن مشكلة العراق هي مشكلة الاحتلال، وأن أمريكا هي سر المشكلة في العراق، كما كانت سر المشكلة في أفغانستان. ولذلك فإن أمريكا التي دخلت العراق من موقع القوّة، للسيطرة على مقدّرات العراق، وقد قال بعض جنرالاتها أخيراً وهو جون أبو زيد، بأننا دخلنا العراق من أجل النفط. لذلك فإن المشكلة أن العراق من خلال الاحتلال أصبح ساحةً مفتوحةً لكل مخابرات العالم وأصبح أيضاً ساحةً معقّدةً للدول المجاورة في العراق، لأنها اعتبرت نفسها في موقع الخطر من خلال وجود الجيش الأمريكي على حدودها.

عثمان عثمان (مقاطعاً): بعيداً عن التوصيف السياسي، سماحة السيد...

محمد حسين فضل الله (متابعاً): لذلك نقول دخل المتطرّفون، الذين أعلنوا منذ دخولهم، بأن لنا هدفين، الهدف الأول قتل الشيعة، والهدف الثاني هو مواجهة المحتل. وهذا نُشر بكل الإعلام في ذلك الوقت، هذا، وهو ما تعبّر عنه ذهنيّة القاعدة في هذا المجال. لذلك وقد... وبهذا ابتدأت المجازر التي تحرّكت بشكلٍ وحشي ..

عثمان عثمان (مقاطعاً): البعض يتحدّث عن مجازر متبادلة، سماحة السيد.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): جاءها بيّن الحد.. ثم وقد أصدر علماء مراجع الشيعة في النجف، أصدروا فتاوى تحرّم على كلّ مسلمٍ شيعيٍ أن يقوم بردّ فعلٍ، بأن يقتل سنياً بريئاً في هذا المقام، في قِبال شيعيٍ كأنه قُتل من قِبل سُنةٍ هنا أو هناك. ولكن عندما حدثت مسألة هدم مقام الإمامين العسكريين، حدثت هناك حالة جنون وبذلك انطلق البعض من الشيعة كردّ فعلٍ في هذا المجال، فقاموا ببعض الأعمال التي استهدفت السنّة في هذا المجال، ولكن لم يصدر من أية جهةٍ شرعيةٍ، أو أية جهةٍ سياسيةٍ من الأحزاب السياسة، سواءاً كان ذلك في حزب الدعوة أو المجلس الأعلى، في إعطاء الضوء الأخضر لقتل المسلم السُنّي أو تهجيره. إن المسألة في العراق أن الاحتلال بكل تعقيداته وتداعياته حوّل العراق إلى فوضى.

عثمان عثمان: سماحة السيد أنتم تحدّثتم وأسهبتم في شرح موقفٍ ما، نتيجة تدمير المرقدين صار فيه ردّة فعل..

محمد حسين فضل الله (مقاطعاً): طبعاً هناك جنون.

عثمان عثمان (متابعاً): هيئة علماء المسلمين تقول كلاماً، ربما قريب من هذا الكلام، الذي تتحدثون عنه من الشيعة باتجاه السنة وتهديم بعض المساجد. على كلٍّ لن ندخل في هذه التفاصيل.

محمد حسين فضل الله: لا، أنا أحب أن أركز على نقطة في هذا المجال وهي أن هناك كثيراً مما ينسبه الشيعة إلى السنة أو السنة إلى الشيعة ليس واقعياً.



دور إيران في العلاقة الشيعية السنية

عثمان عثمان: طيب، سماحة السيد هناك فئةٌ عراقية تعتاش على فكرة مظلومية الشيعة، سواءاً في العراق أو في بعض البلدان، هل تعتقدون فعلاً بوجود مظلومية؟

محمد حسين فضل الله: أنا لا أعتقد.. لقد كانت مسألة مظلومية الشيعة تتحرك في دائرة الحكم السابق في العراق في هذا المجال، لأن أسلوبه في طريقة الحكم كانت تنطلق في هذا الاتجاه. أما الآن فالمسألة أخذت الجانب السياسي، وهو الجانب الذي دخلت فيه أكثر من جهة سياسية، عربية وغير عربية، والتي تتحدّث عن مسألة حكم الشيعة للعراق في هذا المجال، ممّا قد يؤدي إلى نتائج سلبية على الواقع العربي، وخصوصاً أنهم يحاولون أن يتهموا الشيعة بأنهم يسيرون في الخط الإيراني ممّا يعني أن إيران سوف تسيطر، كأنّه، على العراق وعلى بعض البلدان العربية. إنني أعتقد أن القضية ليست بهذه الدقة، نحن نعتبر أن الحكومة العراقية ليست حكومةً شيعية، وأن فيها شيعة وفيها سُنّة وفيها أكراد، غاية ما هناك أن بعض السنة أخيراً انفصلوا عن الحكومة، ولكن الحكومة لم تُؤسَس لتكون حكومةً شيعية، بل هي حكومة تنطلق من المجلس النيابي الذي يضم كل الفئات.

عثمان عثمان: سماحة السيد، على ذكر إيران، طبعاً ممّا خلّفه الحدث الإيراني انقسام إيراني عراقي، أو إيراني عربي حتى ربما، كيف نخرج من هذه الفتنة؟

محمد حسين فضل الله: نحن عندما نريد أن ندرس الانقسام العربي الإيراني، فمن أين حدث هذا؟

عثمان عثمان: من أين؟

محمد حسين فضل الله: لقد حدث هذا من خلال الحركة الأمريكية التي حاولت أن تُثير الواقع العربي حول الملف النووي الإيراني باعتباره يمثّل خطراً على العالم العربي، في الوقت الذي نجد فيه أن إيران تتحرك مع كل دول الخليج وحتى مع مصر لتعبّر لهم عن استعدادها لإيجاد علاقات طبيعية بينهاوبينهم. وقد لا حظنا كيف أنها تتعاون الآن مع السعودية في قضية مسألة مواجهة الفتنة السنية الشيعية. وكيف أن رئيس الجمهورية زار البحرين الذي كانت هناك مشكلة إلحاق البحرين بإيران بحسب دعوى بعض الإيرانيين...

عثمان عثمان (مقاطعاً): ولكن سماحة السيد هناك من يتّهم إيران بأنها سببٌ في هذه المشكلة أيضاً.

محمد حسين فضل الله: أي مشلكة؟

عثمان عثمان: مشكلة العراق.

محمد حسين فضل الله: الكلام.. أنا أتساءل...

عثمان عثمان (مقاطعاً): أو لنقل المشكلة السنية الشيعية حتى ربما..

محمد حسين فضل الله (متابعاً): أنا أتساءل كما تساءلت..

عثمان عثمان (مقاطعاً): أنا لا أتساءل، إنما أطرح تساؤلات الآخرين.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): أنا أتساءل كما تساءلت، أنه لماذا لم يُتحدّث عن أن مشكلة العراق هي أمريكا وبريطانيا؟ ولماذا يُتحدّث عن مشكلة العراق بأنها تنطلق من إيران أو من سوريا؟ إن المسألة هي أن وجود الجيش الأمريكي والبريطاني في العراق جعل الدولتين معاً، وربما تركيا إلى حدٍّ ما، جعلهما يشعران بالخطر على وجودهما نتيجة المشكلة السياسية التي تعيش في العلاقات الأمريكية الإيرانية أو العلاقات الأمريكية السورية. لذلك أنا أستغرب حتى من بعض المسؤولين العرب كيف لا يتحدّثون عن التدخل الأمريكي ويتحدّثون عن التدخل الإيراني. نحن نرفض، أنا صرّحت في خطبة الجمعة، نحن نرفض أيّ تدخلٍ في العراق...

عثمان عثمان (مقاطعاً): بعيداً عن السياسة سماحة السيد...

محمد حسين فضل الله (متابعاً): سواءاً كان تدخلاً عربياً أو إيرانياً أو أمريكياً أو أوروبياً أو ما إلى ذلك. نريد للعراقيين أن يمارسوا هم تقرير مصيرهم بأنفسهم.

عثمان عثمان: طبعاً نحن، برنامج الشريعة والحياة ربما لا يتناول الجوانب السياسية بشكلٍ كبير، لننتقل إلى موضوع فقهي، سماحة السيد. من الإشكالات التي تطرحها ولاية الفقيه، إشكالية العلاقة بين ولاية الفقيه والمواطَنة. كيف نفهم أن يكون وليّ الفقيه إيرانياً والمقلّدون أن يكونوا مثلاً، سعوديون أو عرب أو غير ذلك، السؤال، ألا يطرح هذا الأمر إشكالاً وطنياً؟

محمد حسين فضل الله: علينا أن نعرف أن مسألة المرجعية، سواءاً عند الشيعة والسنة، لا تخضع لقوميّة معيّنة. فنحن نجد أن...

عثمان عثمان (مقاطعاً): نحن لا نتحدّث سماحة السيد عن المرجع، نتحدّث عن ولاية الفقيه بالذات.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): دقيقة، دقيقة.. أما ولاية الفقيه فهي نظرية اجتهادية، يؤمن بها بعض علماء الشيعة ولا يؤمن بها البعض الآخر، ونحن ممّن يتحفّظ على هذه النظرية، من خلال بعض الجوانب في هذا المجال. لكن علينا أن ندرس المسألة دراسة علميّة، الولي الفقيه، أساساً، يُنتخب من قِبل مجلس الخبراء، ومجلس الخبراء يُنتخب من خلال الشعب الإيراني، في هذا المجال. أما مسألة أن ولاية الفقيه تنفي المواطَنة فنجد أنها لم تنفِ المواطنة بالنسبة للإيرانيين. تقول هذا...

عثمان عثمان (مقاطعاً): لأ، المقصود الآن...

محمد حسين فضل الله (متابعاً): وأما بالنسبة إلى لبنان، فالقضية لا بدّ أن نعرف طريقة ولاية الفقيه في إدارة العلاقة مع اللبنانيين الذين يؤمنون بها. هناك من يقول _ممّن يؤمن بولاية الفقيه_ أن الولي الفقيه، حسب مصطلحهم، أنه لا يتدخّل في شؤونهم التفصيلية في هذا المجال، وإنما يستشيرونه كما يستشيرون أيّ مجتهدٍ في القضايا الشرعية الاجتهادية التي قد تتعلّق بالقضية السياسية. ولذلك نجد أن الذين يؤمنون بولاية الفقيه، مثلاً، انطلقوا كمواطنين لبنانيين، سواءاً في الانتخابات التي دخلوها أو في التحالفات التي جرت، فنحن نعرف أنهم كانوا في عملية، في الانتخابات الماضية، في تحالف مع تيار المستقبل ومع الحزب التقدمي الاشتراكي في هذا.. وهكذا واجهوا إسرائيل وحرّروا لبنان مرتين، في سنة 2000 وفي سنة 2006، ولذلك فإنهم كانوا، لعلّه، يمثّلون المواطَنة كأفضل ما تكون المواطَنة، ولم تتدخّل ولاية الفقيه في هذه المسألة.

عثمان عثمان: سماحة السيد، الآن إيران تقف موقفاً في وجه الأمريكان والصهيونية، هذا الموقف، طبعاً هي منسجمة، أو هذا الموقف منسجم مع البعد الديني، أو الخلفية الدينية والعقائدية، والسياسة تتغيّر بين يوم وآخر، ماذا لو كان هناك، مثلاً في وقت من الأوقات وجدت إيران مصلحتها في أن يكون هناك توافق مع الجانب الأمريكي، كيف سيكون موقف المرجعيات الدينية في هذا النطاق؟

محمد حسين فضل الله: المرجعيات الدينية ليست متعبّدة بالسياسة الإيرانية. الموقف ضد أمريكا هو موقفٌ شرعيٌ، استراتيجيٌ، بحيث لا يمكن لأيّ مرجعيةٍ إسلاميةٍ أن تعتبر أنه الموقف الإيجابي في هذا المجال. نحن نعتقد أن أمريكا التي أيّدت إسرائيل تأييداً مطلقاً، وحتى أنه في سنة 2006 كانت أمريكا تخطّط مع إسرائيل للعدوان على لبنان. لذلك نحن عندما نتحدّث عن المرجعيات الإسلامية الشيعية فإننا لا نجد أنها تخضع للسياسة الإيرانية سواءاً كانت مع أمريكا أو لم تكن مع أمريكا.

عثمان عثمان: سماحة السيد، في الوقت المتبقي، الوضع العراقي خلّف أزمةً طائفيةً ومذهبيةً حادة في العراق، في الختام ما هي الكلمة وما هي الموعظة التي توجهونها للشعب العراقي؟

محمد حسين فضل الله: أولاً أنا لا أعتقد أن هناك فتنةً طائفيةً في العراق بين السنة والشيعة. هناك بعض المشاكل الموجودة.

عثمان عثمان: (مقاطعاً): ولكن هناك حالة طائفية موجودة.

محمد حسين فضل الله (متابعاً): هناك بعض المشاكل. هناك سُنّة وشيعة ولكنهم تعايشوا على مدى مئات السنين، من دون أن يحصل، حتى في أيام الحكم الملكي، من دون أن تحصل هناك أي مشاكل في هذا المقام. ونحن قلنا منذ البداية، ولا نزال نقول، للعراقيين إن عليكم أن تأخذوا بأسباب الوحدة الإسلامية التي تحتضن غير المسلمين في العراق، وبأسباب الوحدة الوطنية، وألاّ تعتبروا بأن أمريكا يمكن أن تحقّق لكم أيّ انتصارٍ أو أيّ حلٍّ لمشاكلكم، كما أنه ليست هناك أية دولةٍ أخرى يمكن أن تقلّع الأشواك التي يزرعها الآخرون في أرضكم، إنّ عليكم أن تقلّعوا أشواككم بأظافركم وأن تكونوا، وأن تقرّروا مصيركم، وأن تلتقوا على أساس كلمة الإسلام وكلمة الوطن، وأن عليكم أن تشعروا بأن كلّ هذا الخلاف، وكلّ هذه المجازر، وكل هذه الحساسيات، وكل هذه العصبيات، لن تستطيع أن تحقّق عراقاً جديداً موحداً. إن المسألة لا تزال في ملعبكم.. إن السُنّة ليسوا مشكلة الشيعة، والشيعة ليسوا مشكلة السُنّة وأن مشكلتهم هو الاحتلال وعلى الجميع أن ينطلقوا من أجل انسحاب الاحتلال ليبقى الشعب العراقي في بلده، ليبني بلده ولينطلق حراً مستقلاً أبياً.

عثمان عثمان: شكراً لكم سماحة السيد محمد حسين فضل الله على هذه الإفاضة الطيبة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام لحسن المتابعة. لكم تحية من معدّ البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج طوني عون، وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد حسين فضل الله: وعليكم السلام.