- العمل السياسي وشروطه
- مشكلة الفقه مع العمل السياسي

- الحركة الإسلامية بين القُطرية والعالمية

- واقع العمل السياسي الإسلامي وآفاقه


العمل السياسي وشروطه

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله. مرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقةٍ جديدة من برنامج الشريعة والحياة. عبر أكثر من قرنٍ من الزمان قُدّمت مشاريع إصلاحيةٌ عديدة، بعضها طرح الإصلاح الديني مدخلاً لحل أزمة الأمة وتخلّفها، وآخرون طرحوا العمل السياسي مدخلاً للحل، وبعضٌ ثالث اشتغل على عملية التربية بوصفها الحل الأمثل. وأثناء ذلك قُدّمت مشاريع فكريةٌ عديدة ترسم ملامح الإصلاح والنهضة المنشودة للأمة، منها من يرى احتذاء المسلك الغربي بعُجره وبُجره، ومنها من يرى العودة إلى الأصول والتاريخ الإسلامي، وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ومنها من قدّم حلولاً وسطية جمع فيها بين المسلكين السابقين فعاد إلى الجذور والأصول واقتبس من الغرب. وقد شهدنا خلال العقدين الماضيين ممارساتٍ متنوعة وتجارب متعددة، لها ما لها وعليها ما عليها. فما الحل بعد أن جربنا كل شيء ولم تُحل مشكلتنا؟ وهل نعتزل العمل السياسي ونعود للتربية كما يطالب البعض؟ وإلامَ انتهت علاقة الإسلاميين بالدولة الوطنية؟ وهل تحولت الحركات الإسلامية إلى حركاتٍ قطرية؟ ولماذا غابت قضايا الأمة الكبرى عن برامج عمل الإسلاميين؟ مشاهدينا الكرام، العمل الإسلامي السياسي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الأستاذ منير شفيق المفكّر الإسلامي. مرحباً بكم أستاذي الكريم.

منير شفيق: أهلاً بك، أهلين.

عثمان عثمان: دائماً وبدايةً تتحدثون في مجالسكم، في حواراتكم عن أن الحل لمشاكل الأمة يكمن في العمل السياسي، كيف تفسرون ذلك؟

منير شفيق: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. في الحقيقة بدايةً لي تعليق عام على المقدمة. أنا أرى أن المشكلة التي ارتطمت بها معظم محاولات الإصلاح في الأمة ذات أبعاد ذاتية وموضوعية. فمعظم ما ورد في ملاحظاتكم، سواء من ناحية الإصلاح الديني أو من ناحية التربية أو من ناحية العمل السياسي، كل هذا تركّز على الجانب الذاتي. ولا شك في أن هنالك نواقص عديدة ومشاكل عديدة وسلبيات عديدة في الجانب الذاتي في الأمة.

عثمان عثمان: طبعاً نحن سندخل خلال الحوار إلى الجانب الموضوعي أو الخارجي.

منير شفيق: هلا الجانب الموضوعي ليس فقط الجانب الخارجي. الحقيقة هنالك كل هذه الإجراءات تمّت ضمن موازين قوى مختلة في غير مصلحة الأمة. هذه الموازين القوى كان هناك قوى عالمية تمتلك القدرات العسكرية وبالتالي كان الوضع صعب جداً على التغيير وكان يحتاج إلى شروط أخرى من أجل التغيير. حتى الذين قالوا نحن نفعل ما فعله الغرب وحاولوا أن يقلّدوا الغرب ويقتبسوا منه وأخذوا من شعارات النهضة الغربية ومن شعارات ما يُسمى renaissance الغربي، أرى أن هؤلاء أيضاً أخطؤوا في فهم أسباب النهضة الغربية لأنهم أوعزوها للجوانب الذاتية، هؤلاء لو درسوا التاريخ.. أو إذا درسنا التاريخ الحديث للنهضة الأوروبية نجد أن الفتوحات والاكتشافات الجغرافية سبقت النهضة الفكرية والنهضة العلمية، يعني أوروبا عندما بدأت تتحدث بنهضتها الفكرية، كانت تقوم على حالة من الهيمنة العالمية، على حالة من تدفق الثروات إلى الداخل، على حاجة لتثبيت هذه الهيمنة وتثبيت هذه السيطرة، التي بدأت عالمياً، يعني بدأت باتجاه الغرب في البداية.

عثمان عثمان: لنبدأ أستاذي الكريم بالأسباب الذاتية في مشاكل الأمة.

منير شفيق: طيب، حتى أعود بس فقط لهذه النقطة، أنا أراها... لذلك البعض يقول أنه في الغرب لأن هنالك إصلاح ديني حدثت نهضة، وبالتالي يصرّون ويقولون، ما لم يحدث إصلاح ديني إسلامي لن تنهض الأمة. في الغرب ليست المشكلة كانت مشكلة الإصلاح الديني، كان في هناك مشكلة، ولكن الإصلاح الديني جاء ليخدم حالة السيطرة الغربية، حالة جديدة يُراد تعبئة البلد، تعبئة الوضع كله ليخدمها. كذلك قضايا الديموقراطية، قضايا الحرية، قضايا القضاء على الإقطاع، كل هذه المساومات التي جرت في أوروبا جاءت لتخدم الظروف الجديدة التي هي السيطرة والنهب العالمي، ثم أخذت هذه التجالي. الآن الذين أرادوا أن يقتبسوها، أرادوا أن يقتبسوها دون أن يلاحظوا أنهم تحت السيطرة الخارجية وأنهم تحت الضعف الخارجي، وأن هنالك قوى لا تتوفر لها ما تتوفر للنهضة الغربية. من هنا أنا أقول أنني لا أستطيع أن أفصل بين الظروف وموازين القوى والظروف الموضوعية وبين المحاولات الذاتية والفكرية إلى آخره. الآن ندخل إلى الموضوع الذي تريد أن تركّز عليه.

عثمان عثمان: يعني نتحدث عن العمل السياسي الإسلامي، أين موقعه في حل مشكلات الأمة؟

منير شفيق: بالنسبة للعمل السياسي، أنا أعتقد أنه.. أولاً خلينا نفهم ما هو المقصود بالعمل السياسي. البعض يعتبر أن العمل السياسي هو العمل في الصراع من أجل السلطة، والعمل السياسي هو التنافس للوصول إلى السلطة. هذا جانب فقط من العمل السياسي وربما يكون الجانب الأضعف والأقل في العمل السياسي، العمل السياسي.....

عثمان عثمان: ولكن ألا ترى أن هذا الجانب الأضعف والأقل، الذي تعتبره كذلك، قد سيطر واستحوذ على هم الحركات الإسلامية هذه الأيام؟

منير شفيق: لأ، يعني إذا أردنا أن نبسط بسطة حول العمل السياسي، يجب أن نفهم ما المقصود بالعمل السياسي. إذا حصرنا العمل السياسي بالسعي للسلطة أو للتنافس على السلطة، هذا مجال معيّن. ولكن إذا تسأل عن العمل السياسي عموماً والحركة الإسلامية وعلاقتها بالعمل السياسي، أنا أعتقد، وهذا شيء يكاد يكون بديهي، أن كل عمل له طابع سياسي، ولا يوجد عمل غير سياسي. يعني حتى لو قال شخص أنا أريد أن أعتكف وأتعبد أو أن أعتزل المجتمع أو أن لا علاقة لي بالسياسة، أنا رياضي، أنا مثقّف، لا أريد أن أتدخل بالسياسة، هو يقوم بعمل سياسي. حتى العمل السلبي هو عمل سياسي، كما عمل المعارضة، كما عمل التأييد. فبالتالي، برأيي أن الإنسان في المجتمع هو إنسان سياسي. هلا، عندما ندخل إلى السياسة كسياسة، ما هو مشروعنا السياسي؟ ما هو المشروع السياسي الذي تشتغل عليه هذه القوى أو تلك؟ فهو يدخل في القضايا العامة، كل ما يتعلق بالشأن العام يدخل في السياسة. فأنت عندما تقول أنا أرى أن نهضة الأمة بالجانب الثقافي، هل تستطيع أن تغضّ الطرف عمّا يحدث في فلسطين؟ هل تستطيع أن تغض الطرف عن عدوان عسكري تتعرض له الأمة؟ أنت لا تستطيع أن تقول أنا فقط أتعاطى مع التربية، أو أتعاطى مع الثقافة، أو أنا لا أتدخل في هذه القضايا. هذه القضايا مفروضة عليك، مفروضة على الأمة، ولا تستطيع حتى وأنت تقول أنه أنا عليّ أن أركز على الجانب الثقافي، على الجانب الإصلاحي، على الجانب الديني، أنا أقول هذا كلام لا بأس به. كل المحاولات التي أشير إليها، بتقديري قامت بشيء إيجابي وأعتقد أن أصحابها مأجورون، ولكن المشكلة أنهم لم يحققوا نهضة الأمة وينتصروا، فالإيجابية تحققت في تغطية جانب معين من السلبيات. ولكن أن يتغير الوضع ككل من خلال العمل السياسي، هذا يحتاج إلى شروط أخرى لم تكن متوفرة.

عثمان عثمان: ما هي أبرز هذه الشروط؟

"
بحث موضوع الإصلاح ومناقشة المواقف السياسية يتطلب وضعها ضمن إطار الظروف العالمية والإقليمية والمحلية ووضع الأمة
"
منير شفيق: فلذلك أنا لا أريد أن أعدم جهودهم لأنهم لم يتمكنوا من التغيير العام. يعني مثلاً الحقيقة حتى... يعني التقدم ببعض التأصيل، أنا أرى ودائماً كان هناك سؤال أفكر به، لماذا جاءت الدعوة ونزل القرآن في القرن السابع للميلاد، في ذلك التاريخ، في تلك الظروف العالمية، ولم يأتِ قبل ثلاثة قرون أو بعد ثلاثة قرون؟ هذا من جهة، يعني العملية النهضوية الأولى التي قام عليها الإسلام وانتشر فيها الإسلام تمّت في ظروف محددة وعملت ضمن سنن لله في الجانب السياسي والاجتماعي إلى آخره. والدليل على ذلك أن الأنبياء أو أكثر الأنبياء عندما عملوا في ظروف أخرى لم يستطيعوا أن يحققوا أو أن ينجزوا ما أنجزته الدعوة، الدين الإسلامي والدعوة الإسلامية وهذا شيء هام لأنه يدخل في سنن الله. وأنا أرى أن سنن الله في الكون هي مثل القرآن مثل آيات الله، لأن هذا وذاك هو متكامل في عملية الخلق. ولهذا أعتقد أن بحث موضوع الإصلاح ومناقشة المواقف السياسية يتطلب وضعها ضمن إطار الظروف العالمية والإقليمية والمحلية، ظروف العالم في ميزان القوى، الظروف الإقليمية ووضع الأمة. هنا ندخل في التقويم الدقيق بالنسبة للحركات الإسلامية وكيف عبّرت عن.. أو غير الحركات الإسلامية عن هذا...

عثمان عثمان: العمل السياسي الإسلامي بشكل عام.

منير شفيق: العمل السياسي. فلذلك أنا برأيي أولاً نقطة خلينا ننتهي منها، أن العمل السياسي هو شيء طبيعي وعادي وكل إنسان يمارسه...

عثمان عثمان: ويتناول كل جوانب الحياة، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، تربوية..

منير شفيق: ويتناول كل جوانب الحياة، وسواءاً أخذت جانب.. بالضبط.. سواء أخذت جانب سلبي أو إيجابي، سواء قلت أنا نشط سياسي، أو أنا معتكف عن السياسة مهتم بالثقافة أنت قمت بالعمل السياسي، هذه نقطة أساسية. هلق، إذا أردنا أن نناقش قضية الصراع على السلطة، والتنافس على السلطة كعمل سياسي وهذا جزء هام في العمل السياسي، بتصوري أن هنالك لا بد....

عثمان عثمان: قبل أن ندخل في هذا الإطار أستاذي الكريم، تحدّثتَ عن شروط لا بد أن تتحق في العمل السياسي، لم تذكر لي أي شرطٍ من هذه الشروط.

منير شفيق: أعطيك مثال.

عثمان عثمان: تفضل.

منير شفيق: نرجع إلى تأصيلنا الأول. عندما جاء الإسلام، جاء في ظرف كانت الدولة الرومانية والدولة الفارسية بدأت بالانهيار والانحلال، ولم تكن بيزنطة التي واجهها المسلمون في اليرموك هي روما التي اكتسحت المنطقة والتي كانت سائدة في زمن المسيح عليه السلام. ففي زمن المسيح كانت روما في عز قوتها وكان هو موجود في منطقة لا تتوفر فيها الاستقلالية، فلذلك كان يعني.. ربنا سبحانه وتعالى رفعه إلى السماء حتى لا يقتلوه وينهوا أمره. وبالتالي الديانة المسيحية نمت بظروف أخرى وبعد 300 أو 400 سنة حتى اشتد ساعدها نسبياً، بما يربط المسألة بفهم سنن الله في الجوانب التي تتعلق بموازين القوى. الدعوة الإسلامية عندما جاءت في تلك الفترة، أنا بتقديري جاءت لتعطي نوع من العلاقة الحية بين النص الإسلامي والجهد الإسلامي والتفاعل مع السنن الواقعية والموضوعية، بما في ذلك سنن الصراع التي تتعلق في الحرب وفي العسكرية وفي التعبئة الثقافية إلى آخره. ولذلك أنا أرى أن الإسلام يمثل شيئاً متكاملاً، منظومة متكاملة تناولت كل هذه القضايا واستطاعت بسبب توفُّر الظروف المناسبة أن تكتمل بهذه الطريقة.

عثمان عثمان: في واقعنا الآن.

منير شفيق: الآن في واقعنا. نحن منذ 200 عام، ليس فقط مائة عام، منذ 200 عام نعيش في ميزان قوى عسكري اختل في مصحلة الغرب، وهيمنة الغرب، ونحن قد دخلنا في تلك المرحلة في شوط، غير قليل أيضاً، من التراجع والانحلال والانحطاط في مرحلة معينة، والضعف، وهذا الضعف يعني سنّة من سنن الله يصيب كل الدول. فبالتالي لمّا تم الصراع تمكّن الغرب من أن يبسط سيطرته علينا وأن يتحكم فينا ويمزّقنا ويقيم حالة التجزئة، خصوصاً في البلاد العربية التي عبّرت عن نفسها في اتفاقات سايكس بيكو وفي ما بعدها. إذاً هذا الظرف هو ظرف من الناحية، موازين القوى غير مؤاتي..

عثمان عثمان: ولكن أستاذي الكريم، يعني دائماً...

منير شفيق: وبالمناسبة بين قوسين بسرعة إذا سمحت.

عثمان عثمان: تفضل.

منير شفيق: هذه الإشكالية لم تكن فقط إشكالية عربية وإسلامية مع الغرب، وإنما كانت إشكالية عالمية. يعني الغرب قبل أن يتمكن من أن يسيطر علينا، سيطر على الهند، سيطر على الصين، سيطر على أجزاء كبيرة من إفريقيا. يعني كان هناك نهوض غربي، وبأساسه قام على نهوض عسكري ثم جاء النهوض العلمي، وبدأ يتغذى منه ويغذيه، ونحن.. وبالتالي كانت مشكلتنا هي جزء من مشكلة عالمية، وهذه نقطة أساسية، حتى لا نظن أنه إحنا فقط المشكلة فينا وإحنا فقط اللي ابتلينا بهالقضية.

عثمان عثمان: ولكن دائماً نحن نجعل الطرف الآخر الغربي هو دائماً الشمّاعة التي نعلّق عليها تقصيرنا، نعلّق عليها تأخيرنا ومشاكلنا.

منير شفيق: والله تعرف يا أخي، أنا كل ما أسمع كلمة الشمّاعة يعني أستغرب كيف تمر هذه المقولة على الكثيرين. يا أخي الشمّاعة شيء سلبي موجود قد تثقله أنت بالثياب، الغرب ليس شمّاعة، الغرب فيه أساطيل، الغرب فيه جيوش، الغرب فيه أموال ضخمة، الغرب فيه إنتاج، الغرب فيه علوم، هذه القوى التي نتحدث عنها ليست شمّاعة، هذه مسيطرة على الوضع العالمي، هذه متغلغلة حتى في داخلنا، متأثرة علينا. الذي لا يلحظ كيف تتصرف القوى الكبرى في مقاديرنا وأقدارنا في هذه الأوضاع لا يستطيع أن يقول عنه شماعة. أنا لا ألقي...

عثمان عثمان: المقصود يعني هو مكانٌ دائماً نعلّق تقصيرنا عليه.

منير شفيق: هلق إنت.. فرضية التقصير.....

عثمان عثمان: أليس هناك من تقصير تمارسه الأمة اليوم أو الحركات الإسلامية أو حتى الطبقة المثقفة والناضجة في هذا المجتمع؟

منير شفيق: لأ، أنا أعتقد كلمة التقصير كلمة خطرة. هناك طبعاً قصور هنا وهناك إلى آخره. ولكن أنا أعتقد أنه ليس هنالك من ظرف موضوعي وذاتي ملائم لحدوث النهضة حتى الآن. هناك ظروف ممكن أن نسد فيها بعض الثغرات، وهذا يحدث، هناك ظروف قد نُحدث فيها بعض الاختراقات وهذا حدث ويحدث، ولكن ما زال الإشكال الكبير فيما يتعلق بميزان القوى متحكم في أوضاعنا. يعني أنت لا تستطيع أن تقول لشخص موجود، لنفترض هيك جدلاً مع أن التشبيه ليس دقيقاً، أنه موجود في حفرة وحول هذه الحفرة رماح أو قوى تضغط عليه وتقول له أخرج من هذه الحفرة العميقة، وبعد ذلك تقول أنت مقصّر. هو الإشكال...

عثمان عثمان: يعني اسمح لي هنا بس أن أطرح سؤال، هل المطلوب أن ننتظر حتى يسقط الغرب أو حتى يضعف الغرب، حتى نقوى تلك القوة المادية والاقتصادية والعلمية والثقافية، حتى ننظر إلى الأفق المشرق؟

منير شفيق: لأ بالعكس. العمل يجب أن يكون في كل الظروف، في كل الحالات، أن تعمل وأن تسعى للإصلاح وأن تحاول. ولكن أنا أقول لا تتصور أن الظروف مؤاتية لتُحدث النهضة الكبرى، النهضة الشاملة هذه غير ممكنة إلا إذا تراجع الغرب وأصبحت هناك موازين عسكرية وسياسية وثقافية واجتماعية في العالم تسمح لك بالانتقال إلى مستوى الدولة الكبرى، الموحّدة الناهضة إلى آخره. أنت تلاحظ مثلاً كل محاولة نهضة جرت في الأمة من 200 سنة إلى اليوم، تمّت محاولة وقامت بجهود ثم تكاثروا عليها واستخدموا القوة العسكرية وأجهضوها. إذاً لا بد من أن تتشكل ظروف شبيهة، من حيث الجوهر وليس بالتفصيلات، للظروف التي قامت فيها الدعوة الإسلامية. أنا في بداية الكلام كنت متوقع أن نأتي إلى هذه النقطة، لماذا أنا قلت أنه يجب أن نرى.. لماذا.. أو نسأل لماذا جاءت الدعوة في القرن السابع؟ يعني جاءت في ظروف ناضجة.

عثمان عثمان: طبعاً أستاذي الكريم هذا سؤال قد يتعلق بالتاريخ، ونحن نريد أن نتحدث عن الواقع. هناك من يقول أو يدعو إلى اعتزال العمل السياسي، يعني من يعتبر أن العمل السياسي هو فقط يتعلق بالسلطة، يدعو إلى اعتزال هذا العمل والالتفات إلى الجوانب الأخرى في حياة الناس، ما ردّكم على ذلك؟ أسمع الإجابة بعد فاصلٍ قصير. فاصلٌ قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود لمتابعة حلقتنا فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد في حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدّث فيها عن العمل السياسي الإسلامي مع الأستاذ المفكر الإسلامي المعروف منير شفيق. أستاذي كما سألت قبل الفاصل، هناك من يدعو إلى اعتزال العمل السياسي بالمفهوم الشائع، كيف تردّون على ذلك؟

منير شفيق: هو حر، يريد أن يعتزل فليعتزل. ولكن أنا أقول له لا تستطيع أن تعتزل العمل السياسي بمعناه الشامل كما حددناه. ولكن....

عثمان عثمان: هو دعوته جاءت من خلال أن العمل السياسي الإسلامي، الحركي ربما، له أكثر من قرن تقريباً ولم يحل مشكلة الأمة.

منير شفيق: لأ أكثر من قرن، كل أنواع الأعمال كانت موجودة، العمل الفكري، العمل الثقافي، العمل الدعوي، العمل العَقَدي، كله موجود من أكثر من قرن، أنا قلت لك المشكلة ليست في عمل بعينه، المشكلة في ظرف وموازين قوى لم تتوفر فيها بعد ظروف النهضة الشاملة، وليس الجزئية ولا بعض الاختراقات. وبالنسبة حتى للعمل السياسي، في الحقيقة أنا برأيي أنه لما الوضع لا يكون مؤاتي لا بد من أن تتعدد أشكال الدخول، {... وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مّتَفَرّقَةٍ ...} [يوسف/67] ، يدخلوا من أبواب متفرقة، البعض يهتم بالجانب الثقافي، يهتم بالجانب السياسي، لكن لا يمكن أن تقول للجميع لا تتدخلوا بالسياسة.

عثمان عثمان: ولكن ما يحصل الآن، كما يقول البعض طبعاً، أن هناك تغليباً للعمل السياسي على سائر الأبواب الأخرى التي تحدثت عنها.

منير شفيق: هذا قد يغلّب أحدهم العمل السياسي أو العمل الجهادي أو العمل الفكري، كل طرف له أولوية يُغلّبها ولكن ليس الجميع يفعلون ذلك، وحتى لو كنت أنت لك عليه اعتراض، عليك أن تقول أي عمل سياسي أنت معترض عليه، ولماذا أنت معترض عليه؟ وإذا كان عندك مشروع سياسي آخر تتقدّم به. وإذا كنت تريد أنت تعتزل العمل السياسي من حيث أتى فأنت مخطئ بالأساس ولا تستطيع أن تطلب من الناس أن تفعل ذلك، وحتى لو طلبت.. ما هذه بالعمل السياسي مثل فرض الكفاية، كل هذه القضايا مثل فروض الكفاية، لا بد من أن ينبري لمواجتها نفرٌ من الناس، بل اتجاهات متعددة، وخصوصاً أن وضع الأمة الآن، وضع الأمة متفرق، أنت لا تعيش في مدينة واحدة ولا تعيش في بلد صغير واحد ولا تعيش في قطر واحد، أنت تعيش الآن في بحر من العالم الإسلامي، فيه على الأقل 1500 مليون مسلم، فيه أكثر من 56 دولة أو أكثر، جماعات إسلامية منتشرة في كل أنحاء العالم، وبالتالي لا بد من أن تتعدد هذه القضايا، البعض سيعمل بالسياسة، البعض سيهتم بالاقتصاد، البعض... ولكن عندما تحين الظروف المناسبة لحدوث تغيير واختراقات ستجد أن الأبواب فتّحت وكثير من المواقف السياسية هي تهرب عندما تأتي لترتطم بالحائط أو ترتطم بظرف قاسي، تهرب من السياسة، التي.. أو سياسة معينة. ولكن في الحقيقة وهذه عملياً سنّة، يعني سنة.. كثير مثلاً من الذين عملوا بالعمل السياسي اليساري تركوا العمل السياسي نهائياً وبعدين انحازوا للطرف الآخر، صاروا يشتغلوا بالسياسة المضادة. هذه القضية أنا لا أراها أنه يأتي واحد ويخطط للجميع، أنه اتركوكم من العمل السياسي يا جماعة وكل واحد يشتغل بالثقافة، أو تعالوا لنشتغل في... هذه أحادية فعلاً لا يمكن أن تمر أو تمشي، خصوصاً أنه بعد 10 ، 15 سنة ستجد أن هذا التطبيق لم يأتِ بالنتيجة المرجوة، إذا كان الهدف هو نهضة الأمة.



مشكلة الفقه مع العمل السياسي

عثمان عثمان: بانتظار تغيّر الظروف أستاذي الكريم، البعض يرى أن مشكلات العمل الإسلامي السياسي أنه ضخّم الشريعة حتى دخلت في كل تفاصيل الحياة بالحلال والحرام، ألا ترى أن الدخول بمنطق الفقه في العمل السياسي مشكلة؟

منير شفيق: لأ هو مشكلة الفقه إذا كان قليل السياسة مش كثير السياسة. يعني مشكلة الفقه إذا فقط يريد أن يطبّق أحكاماً بمعزل عن قراءة دقيقة للواقع، والقراءة الدقيقة للواقع للمسألة التي تُقدّم للفقه، هي التي تؤدي... يعني إذا كان الفقه سيجيب إجابات صحيحة ومطابقة مع الفقه السليم والاجتهاد السليم أو لا. فالمشكلة ليست مشكلة أنه... هلق في ناس يأتون بالنص ويريدون أن يطبّقوه بغض النظر عن كل الظروف التي من حولهم، هؤلاء يفعلون ذلك ولكن كيف تكون نتائجهم؟ هذه المشكلة الأساسية.

عثمان عثمان: يعني أنتم ترون أنه هناك مشكلة فعلية في إنزال الفقه الإسلامي في كل جوانب الحياة، هو إحدى مشاكل العمل السياسي الإسلامي.

منير شفيق: أنا لا أرى أن هناك مشكلة في الفقه، أنا أرى مشكلة في منهج التعاطي بين قراءة الواقع والفقه. الفقه يسأل... أنا أرى الإسلام مثل الصيدلية الكبيرة التي فيها دواء لكل داء، ولكن بشرط أن يأتي الدواء، زي ما جاء في الحديث، مناسباً للداء.

عثمان عثمان: من هو الصيدلي الذي يصف الدواء؟

منير شفيق: الصيدلية موجودة أولاً، مشكّلة من...

عثمان عثمان: الصيدلي الذي يصف الدواء.

منير شفيق: لأ، الصيدلي، إذا فرضنا الفقيه، الصيدلي هو عنده هذه الصيدلية الكبيرة، إذا لم يكن كفرد، مجموع الفقهاء، ولكن يجب أول شيء أن يُحلّل الداء بشكل جيد وأن يطابق الدواء الداء، وهذا شرط وضعته سُنّة، سنّة الرسول عليه الصلاة والسلام. فلذلك أنا أرى أن الإشكال ليس في الفقه وليس في الصيدلية، الإشكال في فهمنا لهذا الواقع، لموازين القوى العالمية، لكيفية إدارة الصراع، كيف نستطيع أن نعمل ضمن هذه الظروف غير المؤاتية؟ ليس لأنها ظروف غير مؤاتية نقعد في بيوتنا أو نرتد على أعقابنا، وإنمّا، وهي ظروف بكل الظروف، يمكنك أن تعمل عملاً دقيقاً وصحيحاً ولكن تخطو خطوة خطوتين إلى الأمام إلى آخره، تُراكم تجربة. أنا أرى تغيير الواقع الإسلامي، تغيير واقع الأمة إلى واقع نهضوي كبير هو عملية تاريخية وليس عملية تحدث في عهد جيل من الأجيال، أو عهد مصلح من المصلحين، أو حركة من الحركات. يعني أنت الآن تحدّثت عن تجارب مئة سنة، يعني مرّت في المئة سنة في الأقل ثلاثة أجيال أو أربعة أجيال، وبالتالي المشكلة ليست في أن نعمل، العمل دائماً يجب أن نعمل.

عثمان عثمان: كيف نعمل؟

منير شفيق: هذا هو الجواب، إذا كان أنت موجود حتى، لنفترض في وضع، لو فرضنا كفرد، أنا إذا كنت مريض لا أستطيع أن أقوم، لو قلت لي ماذا علي أن أعمل؟ يجب أن أقرأ القرآن وأصلي وأظل قاعد، وأصبر وأتحلى بالصبر ولا أيأس ولا أقنط من رحمة الله، هذا يكون الشيء الذي أستطيع أن أعمله. لكن إذا كنت أنا قوي البنية وصحيح وأمامي عمل أشتغل في الحقل أو أشتغل في المصنع وأمامي عائلة، كمان يكون الإسلام هنا دواء العمل، فيه العمل والإنتاج إلى آخره.. إذا كان أمامي غزو استعماري وغزو محتل، ومحتل يكون العمل الذي أمامي أن أجاهد وأحمل السلاح وأقاتل وأجد أفضل....

عثمان عثمان: تبعاً للظروف يكون اختيار القرار الصائب.

منير شفيق: بالنسبة للعمل. وفي.. ما هو دائماً إذا عدت إلى القرآن، دائماً القرآن يبني العمل بالاستطاعة، ولا لأ؟ { لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا....} [البقرة 286] ، وبالتالي الوسع هنا مرتبط بموازين القوى، بالظروف، بالإمكانات، وليس شيء جامد ومُطلق ينطبق على كل الحالات وعلى كل الظروف.

عثمان عثمان: على كلٍّ البعض، أستاذي الكريم، أيضاً يأخذ على العمل السياسي الإسلامي تلوّنه الكثير، تارةً يمالئ السلطة، تارةً يتصارع مع السلطة، ألا ترون فعلاً أن في هذا مشكلة أيضاً؟

"
العمل الإسلامي لا يخرج عن القوانين التي حتّمت العمل السياسي في الأحزاب الأخرى، ولذلك العمل الإسلامي معرّض لكل ما تعرّضت له المحاولات القومية واليسارية والوطنية
"
منير شفيق: أولاً العمل الإسلامي، أنا أراه لا يخرج عن القوانين التي حتّمت العمل السياسي في الأحزاب الأخرى، لأنه يواجه نفس الظروف. والبشر كما خلقهم الله فيهم الصفات نفسها، ولذلك العمل الإسلامي معرّض لكل ما تعرّضت له المحاولات القومية واليسارية والوطنية وغير الوطنية أن يواجهها. ولذلك أنا أرى، مثلاً، أن أخطر ما يواجه العمل الإسلامي ليس أنه كله متقلّب، في بعض الأفراد بيتقلّبوا، بعض الاتّجاهات تتقلّب، هذا شيء طبيعي. يعني في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هناك المنافقون، كان هناك الذين ارتدّوا، كان هناك الذين تخاذلوا، كان هناك الذين قعدوا مع المخلَّفين، يعني هذه قضية طبيعية إنسانية. ولكن المشكلة أين؟ أنا أرى المشكلة الحالية في العمل الإسلامي، أن هنالك كثير من الحركات الإسلامية، عندما قويت واشتدّ ساعدها، بدأت تشم رائحة السُلطة. ولما بدأت تشم رائحة السُلطة، سواء كان النيابة أو المشاركة في الوزارة أو أكثر من ذلك، أصبحت أكثر فأكثر قطريّةً، أنا لا أقول الجميع، ولكن أقول...

عثمان عثمان: طبعاً هذه سنتحدث، سؤال مهم جداً، يعني بعد زوال الخلافة...

منير شفيق: الخطر الرئيسي اللي أراه الآن أنا في الحركة الإسلامية في كثير من الأقطار العربية، خصوصاً في الأقطار العربية، أرى القُطرية والتخلّي عن المشروع الأساسي التي بُنيت عليه الحركة الإسلامية وهو نهضة الأمة، يعني قراءة نهضة الأمة. هنا مشكلة التناقض بين واقع يفرض عليك أن تكون قُطرياً، وهناك أيضاً واقع يفرض عليك أن تكون على مستوى الأمة، أن تكون نهضوياً، عاماً، ليس الواقع له وجه واحد.



الحركة الإسلامية بين القُطرية والعالميّة

عثمان عثمان: يعني حتى على مستوى القُطر، هل تملك الحركة الإسلامية تصوّراً واضحاً للتعامل مع هذا القُطر؟ أم أنها ستسير ضمن قوانين كانت موجودة وربما تتوه في دهاليز هذه القُطرية؟

منير شفيق: لاحظ أنت مثلاً، منذ أن بدأت الحركة الإسلامية الحديثة، هي وُجدت في إطار القطر، الأقطار مجزّأة، أنت وأنا وَجدنا أنفسنا تحت دولة التجزئة، الكل هكذا موضوعياً، ولكن في البداية ربطت الحركة الإسلامية بين عملها ورؤيتها، عملها في القطر مع العمل العام، النهضة العامة، وبالتالي كانت قوة العمل المشترك والرؤية العامة غالبة على رؤية وضعها في القطر، دون أن يكون هناك تعارض صارخ بين الإثنين. عندما تطوّرت الأحداث الحالية هذه وبدأت القطرية تستفحل في الأمة، خصوصاً في العشر، خمسة عشر سنة الماضية بدأ يتغلّب في فكر كثير من الإسلاميين أن أهل مكة أدرى بشعابها، يعني بدؤوا يأخذون من هذا النص أن أهل مكة أدرى بشعابها، حتى يغرقوا بالقطرية.

عثمان عثمان: هل يملك الإسلاميون رؤية لإدارة مكة؟ هل يملكون رؤيةً لإدارة مكة؟

منير شفيق: لأن أهل مكة، إذا طبقنا أهل مكة الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان مشروعهم في مكة وإنما كان مشروعهم العالم كله.

عثمان عثمان: على حساب قضايا الأمة.

منير شفيق: لأ خرجوا إلى العالم كله على حساب مكة، على حساب أهل مكة.

عثمان عثمان: يعني أقصد الآن القُطرية على حساب قضايا الأمة.

منير شفيق: فلذلك عندما تقول أهل مكة أدرى بشعابها من أجل أن تدير ظهرك لمسؤولياتك في قضية فلسطين والقضايا العامة، وأن تغرق في المساومات الداخلية من أجل سلطة أو من أجل فتات، أنت هنا تستخدم نص لم يفعله أهل مكة ولم يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام. وإنما أنا أرى أن هذا التوازن بالموقف القطري والوطني والموقف العام مسألة مهمة جداً، وليس فقط لمصلحة النهضة كلها وإنما أيضاً لمصلحة القطر. لأني أعتقد أن العمل القطري المنغلق الذي لا يربط بين عمل القطر والعمل العام والأمة يقضي على القطر، الذين يريدون أن ينغلقوا على أقطارهم سيجدون أنفسهم مع الضغط الخارجي، مع المخططات التقسيمية التي تكتسح الأوضاع لا يستطيعون أن يحافظوا حتى على الوحدة الترابية لأقطارهم.

عثمان عثمان: ولكن البعض، أستاذي الكريم، يطرح أنه يمكن أن ينطلق من القطر إلى العالمية، إلى الأمة بشكل كامل يعني، أن يوطّن نفسه على مستوى القطر ثم ينطلق لمعالجة قضايا الأمة بشكلٍ شامل.

منير شفيق: شوف، في مَثَل بسيط يقول، الديك الفصيح من البيضة يصيح. لو كان أنه هو يريد أن يعمل في داخل قطره لكي يطل على العالم كله فعلياً، ما كان هناك مشكلة إطلاقاً من البداية، ولا كان قال أهل مكة أدرى بشعابها، لكانت المسألة ماشية بشكل طبيعي، أن يعمل في قطره ويربط مع القضية العامة. ولكن عندما يدير ظهره بشكل أو بآخر واقعياً إلى المشروع العام، يدير ظهره عن المشروع العام وينكبّ ليعقد الصفقات في داخل قطره.. بالمناسبة فكرة القطر وفكرة التجزئة لم تحظَ في الفكر الإسلامي إلى الدراسة الدقيقة الموضوعية الكافية. يعني أكثر الفقه أو أكثر العلماء أو أكثر العاملين انتقدوا الفُرقة، أن الأمة مفرّقة مبعثرة، وأن الوحدة أفضل والاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن هذا المطلوب، يعني النصيحة. وهذا طبعاً صحيح لا أنكره، ولكن أن ندرس ما هي المفاعيل المولّدة أو المتولّدة عن حالة التجزئة العربية بصورة خاصة، كيف نشأت التناقضات نتيجة هذه التجزئة في داخل الأقطار العربية؟ علاقات التنافس، علاقات التنازع، علاقات الشقيق بالشقيق، علاقات الشقيق الأكبر بالشقيق الأصغر وهكذا، نجد أن هناك مفاعيل قد تذهب بالقطر إلى المهاوي، يعني مثلاً تثير الانغلاق على القطر. وأنا برأيي هذا من أخطر ما واجه العربية وواجه المشاريع العربية وليس الحركة الإسلامية فقط. يعني أنا أفسّر فشل التنمية، مثلاً، ازدياد الأميّة في الأمة لأسباب الانغلاق القطري وعدم التعاون العربي، التضامن العربي هذا لا يلغي القطر، أنت تستطيع أن تكون متضامناً مع الأقطار الأخرى، أن يكون هناك سوق مشتركة، أن يكون هناك عمل عربي مشترك دون أن تقول أن هذا يتناقض مع القطر. لكن المشكلة أن الانتفاء القطري والتفكير بالقطر، يعني يصير كل واحد يفكّر برأسه. يعني أنه أنا خلص، أنا بدّي أنجو بنفسي، لماذا أتورّط إذا صار في حرب على العراق أن أقف إلى جانب العراق، أو جانب هذه المقاومة الفلسطينية أو المقاومة في لبنان، أنا زلمة بقدر أنفد، بالعكس، بقدر أساوم الأمريكان، وأساوم المعتدين، حتى أساوم إسرائيل. هذا يدخل في قضايا المصلحة، هذا يدمّر، ودمّر كل النهج الأساسي للسياسات العربية، وأيضاً إذا وصلت إليه الحركة الإسلامية ستجد نفسها تدمّر كل ما بنته. لأن الأمة هذه إذا لم تقم على الأقل على مستوى التضامن، على مستوى التعاون، لاأريد أن أقول لك الوحدة لأنه حتى لا يخاف ويقول لّك أنت إذا تحكي عن الوحدة يعني بدك تقضي على أنظمتنا وأقطارنا، لأ يا أخي إنتم بدكم تحافظوا على أنظمتكم وتحافظوا على خصوصيات أقطاركم، لا بأس، ولكن لماذا لا تدخلون في تضامن حقيقي مع إخوانكم؟

واقع العمل السياسي الإسلامي وآفاقه

عثمان عثمان: ماذا يفعل الإسلاميون لمعالجة هذه القضايا أستاذي الكريم الآن؟

منير شفيق: أنا أعتقد الآن هناك مشكلة في الساحة الإسلامية بضرورة مراجعة هذه القضية وفهمها. إذا تُركت بشكلها العفوي، أن كل واحد يقول أهل مكة أدرى بشعابها وخلّيني أنا أدبّر نفسي، ويرى مصلحة الأمة من خلال ما سيفعله هو بدون تدقيق، أرى أن الحركة الإسلامية ستفقد الجذور التي خرجت منها أو التي هي ممتدة منها وتفقد الأصول التي تشكّلت على أساسها. فبالتالي، وهذه مشكلة كبيرة وهذه تحدث مع الأفراد. يعني أنت عندما تكون شاب وتدخل في العمل الفكري أو السياسي، تكون المبادئ وتكون الاستقامة وتكون استعدادات التضحية موجودة عندك، هلق عندما تكبر قليلاً أحياناً وتكلكل من العمل الجهادي أو السياسي، وتبدأ تنظر إلى مصلحتك كعائلة ومصلحة أولادك، تتزوّج ويصير عندك.. تبدأ بالمساومات وتبدأ بالتراخي وتبدأ بالتراجع.

عثمان عثمان: تتحدث عن إنسان مطلق؟

منير شفيق: هذا يحدث لحركة ويحدث لبلد ويحدث لدولة. يعني ابن خلدون يفسّر نهوض الدول وسقوطها، وهو تفسير قرآني، أنا برأيي، تفسير ينطبق مع القرآن، هو أن البداية تكون كما يسمّيها هو مرحلة التديّن أو مرحلة المبدأ، عندما حركة تغيّر النظام والدولة ثم عندما تصبح في الدولة تدخل في مرحلة اسمها مرحلة القوة والمنعة ومحاولة إثباث الهيبة، هيبة الدولة، المرحلة الثالثة تبتدئ مرحلة الرفاه. أنه نحن تمكّنّا، خلّينا نستفيد من أوضاعنا، بتصير البدلات تطلع والكرفتات تطلع، مش المقصود هيك، والسيارات والبيوت والرفاه... والمرحلة الرابعة يفسق مترفوها ليحق عليها القول...

عثمان عثمان: يعني المشكلة ذاتية أكثر مما هي مشكلة خارجية...

منير شفيق: لأ، لأ مشكلة خارجية، يا أخي كيف؟

عثمان عثمان: أستاذي الكريم أنا عندما أتحدث عن العمل الإسلامي أو الحركة الإسلامية هل تقصدون حركةً بعينها أم مجمل العمل الإسلامي السياسي؟

منير شفيق: أنا أقصد المجمل بصورة عامة، أنا لا أحكم حكماً.

عثمان عثمان: في هذا المجمل يُطرح سؤال، قبل أن يتحدّث الإسلاميون عن علاقتهم بالأنظمة، قبل أن يتحدّث الإسلاميون كيف يسوّون وضعهم مع القوى الدولية، ما هي خطّة الإسلاميين؟ أليس هناك من مبررات كثيرة لإقامة تفاهم وتشارك وتلاقي بين القوّة الإسلامية السياسية العاملة على الساحة؟

منير شفيق: يعني هون الفكرة، أولاً حتى الإنسان يكون دقيق، أنا لا أعمّم وأرفض التعميم، حتى على مستوى الحركة الواحدة أو البلد الواحد. دائماً هناك تنوّع، كما في القرآن {... إلاّ الذين... } {... ومنهم من... }، يعني دائماً في الاستثناء وإلى آخره، حتى لا نصيب الجميع بجهالة دفعة ونضعهم ككتلة واحدة ومنهاجٍ واحد. وحتى في البلد الواحد هذا يحدث، أنه دائماً هناك تيارات، هناك أناس يتمسكون بالمبدأ ويتمسكون بالنهضة العامة وبالأصول وبالجذور لا يتخلّون عنها، وهناك أناس يتعبون وتأخذهم بعض المكاسب، إلى آخره. والأهم من هذا، كمان الوضع القطري يؤثّر. يعني بالمناسبة، مثلاً بلد مثل فلسطين لا تملك ترف أن تنمو فيه عقلية قطرية، ولمّا نمت فيه عقلية قطرية فلسطينية بدأت تنهار، راحت على أوسلو، وبدأت تتدهور الأمور، لأن فلسطين لازم أن تكون دائماً جزء من الأمة العربية، جزء من الأمة الإسلامية، جزء من النضال حتى العالمي.

عثمان عثمان: لم تجبني على سؤالي أستاذي الكريم، علاقة الحركات الإسلامية، العاملين على الساحة الإسلامية، علاقتهم مع بعضهم البعض؟

منير شفيق: إذا بدهم يوقعوا بالقطرية شو علاقتهم؟ بتصير العلاقة واهية.

عثمان عثمان: حتى داخل القطر الواحد أتحدث أنا.

منير شفيق: لأ حتى في القطر الواحد لأنه في القطر الواحد سيختلفون.

عثمان عثمان: حتى نجد ذلك على مستوى الحركات المجاهدة، على مستوى الحركات المقاومة، ربما نرى كثيراً من التصادم، كثيراً من الاشتباك..

منير شفيق: هذا له أسباب أخرى. الداخلية لما نصير نحكي عن الخلافات الداخلية، هذه تدخل في.. يعني بنطبق عليها {... ولا تنازعوا... } { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً...} [آل عمران 103]، وبصير الوضع الداخلي وقد تكون بعض الأحيان أسباب جهوية أو أسباب....

عثمان عثمان: يعني أليس هناك خلل في الرؤية؟

منير شفيق: لأ، لا بد هناك ناس عندهم خلل في الرؤية، وهناك ناس ما عندهم خلل في الرؤية، لأنه في كل حالة هناك انقسامات، هناك خط صحيح يريد أن يوحّد، ويكون الجواب هو دائماً الحوار والوحدة، وأنا لا أيأس، من أنه مثلاً إذا كان هناك خلافات، افرض، في الساحة العراقية بالنسبة لصفوف المقاومة، أن توحّد صفوفها وهذا ممكن، في الساحة الفلسطينية أن توحّد الصفوف كلها، في كل الساحات يمكن أن توحّد الصفوف الداخلية بشكل أو بآخر. هذا شيء طبيعي، يعني، الخلاف ربنا وضعه من سنن الحياة، مش أن هذه هالمشكلة الضخمة، لكن الخطر هو أنه تُفقد الوحدة على النطاق العام، على النطاق العربي العام، تُفقد بالرؤية والبرنامج والالتزام، ويصبح كل واحد قطري يغنّي على ليلاه. أنا برأيي هذا الحذار الحذار منها، أن تُفقد البوصلة.. وهذا عنوانه فلسطين، الموقف من فلسطين، الموقف من فلسطين عندما نراه يصبح واهناً، هذا من مراجعه القطرية لأنه يُراد أن تصير مساومات على المستوى الخاص. ولذلك قصّة التركيز على إقامة علاقة سليمة بين المشروع العام والمشروع الخاص مسألة أساسية، ولا يجوز أن تتفشّى نظرية أنه كل واحد يدبّر حاله في قطره، وأنه هو من قطره هذا سوف يفيد العالم بعدين، لأ، هو إذا بدأ في خط خاطئ سيغرق في هذا الخط أكثر فأكثر، وهذا ما حدث مع غيره من الحركات السياسية.

عثمان عثمان: كيف ترون مستقبل العمل السياسي الإسلامي؟

منير شفيق: أنا متفائل طبعاً، لأني أنا أعتقد أن الأمة فيها خير كثير، ومتفائل أن خصوم العمل الإسلامي وخصوم الأمة هم في حالة تراجع وضعف، وأن الذي أنا أشرت له أنه هناك ظروف غير مؤاتية من الناحية الدولية، هذه الظروف غير دائمة وهناك بوادر كثيرة على ضعفها وانهياراتها. مثلاً أنا حتى خلال الست سنوات الماضية التي هجمت فيها أمريكا وإسرائيل على الأمة، مُنيوا بإخفاقات كبيرة، وبالتالي أنا من هذه الزاوية متفائل جداً، مش شاعر أن الأمة فيها هذا الخراب، وإذا أي سياسة خاطئة... شوف العمل السياسي والعمل الدعوي في الصراع لا يحتمل الخطأ، والذي يرتكب خطأ سيدفع ثمنه وسيظهر أنه هو أخطأ وسيدفع ثمنه في الواقع العملي.

عثمان عثمان: المشكلة أن هذا الثمن تدفعه الأمة وليس الأشخاص ولا الحركات فقط.

منير شفيق: صحيح تتأثر فيه الأمة ولكن هو لا يقضي على الأمة. يعني ما فيش حدا بيقدر بأخطائه يقضي على الأمة. لأن الأمة هناك تعادل في داخلها، هناك أخطاء.. هناك أيضاً خطوط صحيحة وتوازنات، ولكن لا شك أن الذي يرتكب أخطاء قد يعكس ذلك على غيره ويؤخذون بجريرته، ولكن هذا لا يقرر مصير العمل العام والعمل... الذي يخطئ هو الذي يدفع الثمن بصورة أساسية وستنفضّ عنه الأمة، لأنه لا أحد يريد أن أن يسير وراء الخطأ، وراء النهج الخاطئ، لذلك كل التطرف مثلاً، التطرف الذي برز، كله معزول، حتى لو بدا في لحظة من اللحظات أنه عنده شعبية، طريقه إلى العزلة، طريقه إلى الضعف والأمة تحاسبه، ولذلك لاحظ أنت الأمة دائماً كانت تسير ضمن الخط المعتدل، الخط الإسلامي، القوي طبعاً، مش الاعتدال الضعيف..

عثمان عثمان: الوسطية المقصود فيها.

منير شفيق: الوسطية القوية، مش الوسطية الضعيفة، لأن الوسطية كلمة عامة. يعني مثلاً ما هي الوسطية في العراق أو فلسطين عندما يكون هناك احتلال؟ الوسطية هي المقاومة، الوسطية في مكان آخر هي رفض استخدام السلاح في حرب داخلية أو في حرب أهلية داخلية أو في الانقسامات، هذه... الوسطية مسألة لازم تكون أيضاً حكمها دقيق، وليست هي موقف جاهز ومعد سلفاً في كل الحالات. وبالتالي أنا أفهم السلفية هي الخط السياسي والفقهي الصحيح المطابق للواقع القائم. والوسطية ليست هي وسط بين تطرّفين، الذي يحدد التطرفين هو الوسطية والخط الصحيح وليس التطرفان...

عثمان عثمان: إذاً الوسطية القوية، الاعتدال القوي هو المطلوب لنهضة الأمة. لم يتبقَ لي إلا أن أشكر الأستاذ منير شفيق المفكر الإسلامي المعروف على هذه الإفاضة الطيبة.

منير شفيق: بارك الله فيك.

عثمان عثمان: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور طلافيح ومن سائر فريق العمل، هذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.