- ما بين الاستهلاك والترف
- الإسلام وموقفه تجاه الاستهلاك

- ضوابط الإنفاق وما بين الزهد والإسراف

- الإعلانات وأثرها ودور الدولة


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من برنامج الشريعة والحياة يقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم {والَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} وصف أحد الكتاب وسائل الاستهلاك بأنها قوى غاشمة تحاول السيطرة على حياتنا، تفكر بدلا عنا بما يخدم مصلحتها، تهدد العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتحدث آخر رذائل سبعة جديدة لعصرنا من بينها ثقافة المستهلك وقد قال أحد الكتاب البريطانيين إنه رغم المحاولة التي بذلت لتبرير قيام مجتمع استهلاكي مسيحي فإن التعاليم المسيحية وثقافة المستهلك ظلا موضوعين مختلفين وبالتالي غير قابلين للتعايش معا على الأقل من الناحية النظرية هذا عن المسيحيين ماذا عنا نحن المسلمين الذين استشرت بين كثير منا ثقافة الاستهلاك حتى النخاع، ما هي القيم الإسلامية التي تم تهميشها جراء سيادة نمط الاستهلاك وكيف نحقق الاقتصاد في العيش دون إسراف ولا تقطير وما ضوابط وحدود الإنفاق وأين تقف الكماليات والتحسينيات التي تباح لنا، هذه الأسئلة وغيرها نطرحها اليوم في برنامج الشريعة والحياة على فضيلة الدكتور سلمان العودة المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم أهلا بك فضيلة الدكتور.

سلمان العودة - المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم: مرحبا.

ما بين الاستهلاك والترف

عبد الصمد ناصر: مرحبا بك فضيلة الدكتور لو تحدثنا بداية عن معنى الاستهلاك هل هو المقصود به الترف؟

"
الاستهلاك سلوك وثقافة تجعل الإنسان دائما يشترى ويحاول أن يقتني من الأشياء ما لا يحتاجه، بحيث لم يعد الشراء مقصورا على احتياجاته أو ضرورياته وإنما أصبحت عملية التملك بذاتها وملاحقة الجديد أو الموضة، لذلك يجتمع الاستهلاك مع الإسراف
"
سلمان العودة: بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، الاستهلاك لا شك أنه هو أحد القضايا التي يجب أن تتناولها وسائل الإعلام لأنها من الآفات البارزة اليوم في العالم الإسلامي سواء في الدول الغنية ذات الثراء والنفط أو حتى في الدول الفقيرة، فالاستهلاك هو سلوك وثقافة تجعل الإنسان دائما يشترى ويحاول أن يقتني من الأشياء ما لا يحتاجه مأكلا ومشربا وملبسا وأدوات وأجهزة وسيارات وجوالات وتقنيات بحيث أنه لم يعد الإنسان مقصورا على احتياجاته أو ضرورياته وإنما أصبحت عملية التملك بذاتها وملاحقة الجديد أو الموضة أو الماركة أصبحت ميزة بحد ذاتها ولذلك هو يجتمع مع الإسراف {والَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا} والله سبحانه وتعالى يقول {وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} كثير من الناس لا يستطيعون أن يميزوا بين ما يحتاجه الإنسان وبين ما هو حلال أو مباح وبين ما ينتقل إلى أن يكون استهلاكا أو إسرافا أو ترفا لا حاجة له ليس المقصود هو منع الإنسان من أن يشتري أو يتملك أو يقتني هذا أمر فطري حتى في القرآن الكريم مثلا الله سبحانه وتعالى ذكر الأسواق وذكر أن الرسل كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق والعرب والعالم كله كان يعرف في تاريخه عملية البيع والشراء والمقايضة والأسواق الجاهلية مثلا كانت أسواق العرب المعروفة التي كان فيها البيع والشراء إضافة إلى أعمال أخرى قد تكون ثقافية مثل تناشد الأشعار والمفاخرة والمباهات والحوارات إلى غير ذلك ولا يزال هذا موجودا في حياة الناس اليوم إذا {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} ليس المقصود بالاستهلاك هو كون الإنسان يشتري ما يحتاجه ولذلك لو حاولنا أننا نضع حدا فاصلا لما يفصل الاستهلاك عن الاستخدام الطيب العادل أعتقد أن أفضل ما نفعله هو أن نستعير كلام علماء الأصول من الإمام الشاطبي مرورا بالغزالي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم الذين قسموا الشريعة إلى ثلاثة أقسام ونحن نستطيع أن نطبق هذا التقسيم أيضا على موضوع الحاجيات والسلع هناك الضروريات مثلا الأكل والشرب، العلاج، اللباس ضروريات لابد منها، هناك المرتبة الثانية التي أقل منها وهي الحاجيات أشياء يحتاجها الإنسان ولكنه يستطيع أن يستغني عنها يعني يحتاجها في مزيد من أن تسير حياته بنمط ممتاز أو طيب هناك القسم الثالث وهو التحسينيات أمور نعبر عنها بأنها كمالية ولكنها فيها جانب جمال أو تحسين للإنسان فهذه الأشياء الثلاثة ربما كلها داخلة في باب ما لابد للإنسان منه ما لا يلام الإنسان عليه.

عبد الصمد ناصر: يمكن اعتبارها من المقاصد؟

سلمان العودة: تعتبر من مقاصد الحياة.

عبد الصمد ناصر: سنعود إلى هذه النقطة بالذات فضيلة الدكتور ولكن حينما نطرح هذا الموضوع ثقافة الاستهلاك الآن هل يمكن القول بأن حالة المستهلك أو أن هذه الثقافة وصلت إلى مستوى باتت معه حالة مرضية فعلا في هذه المنطقة العربية؟

سلمان العودة: هذا هو الذي نريد أن نؤكده أنه عملية الاستهلاك المجتمعات تنقسم عالميا لقسمين قسم مجتمع منتج ومستهلك ودى المجتمعات الغربية المجتمعات الراقية المتطورة هي مستهلكة ولذلك الأسواق الموجودة مثلا في بلادنا العربية وعواصمنا المول أو غيرها من الأسواق الضخمة والتي يكون فيها كل شيء من الأطعمة إلى الملابس إلى المطاعم إلى ملاعب الأطفال إلى غير ذلك هي عبارة عن نمط منقول أو هي مرتبطة بأسواق عالمية لكن تلك المجتمعات هي أيضا منتجة في الوقت ذاته ولذلك يقع هناك نوع من التوازن..

عبد الصمد ناصر: التوازن نعم.

سلمان العودة: اجتماعية أو يكون داخل المجتمع صراع بين تيارات بين المنتجين وبين المستهلكين، أما القسم الثاني من المجتمعات وهو الذي عليه.. مع الأسف المجتمعات العربية والإسلامية فهو أنها تحولت إلى مجتمعات استهلاكية غير منتجة نسبة الإنتاج للعالم العربي أقل من 5% بالنسبة إلى الإنتاج الدولي وبالتالي نحن مجتمعات مستهلكة، مجتمعات استهلاكية استوردنا مثلا المطاعم السريعة، استوردنا الكثير من الماركات استوردنا كثير من الأماكن الضخمة والأسواق وغيرها وتعودنا كيفي يعني نضخ في بيوتنا ويذهب الإنسان ليشترى حاجة يشترى معها عشرا وكيف يعني يكون عنده ثقافة أنه يغير مدويل سيارته كلما جاء مدويل جديد أو جواله أو موبايله أو غير ذلك لكننا لم نتعلم كيف نكون شعوب منتجة.

عبد الصمد ناصر: يعني هذا طبعا ينطبق أو يسرى هذا الأمر على شعوب معينة في المنطقة العربية والإسلامية التي توصف بالشعوب الغنية أو الثرية ولكن طبعا مناطق أخرى لا تصل إلى هذه الدرجة من الاستهلاك؟

سلمان العودة: حتى الشعوب غير الغنية الاستهلاك هنا ثقافة لما تذهب إلى أي بلد اذهب من الرياض إلى القاهرة إلى الرباط إلى اندونيسيا إلى أي بلد إسلامي تجد ثقافة الاستهلاك موجودة بقدر أو بآخر يعني هذه المحلات مثلا التي هي عبارة عن ترميز للاستهلاك لأنه مثلا لما تأتي إلى هذا المحل الفخم الفاخر في قلب المدينة وتجد هذه الفاترينات الجميلة وهذا العرض الجيد هذا كله على حساب المشترى ولذلك الإنسان يشترى السلعة بأضعاف قيمتها الحقيقية ويتخلص منها أيضا بسرعة.

عبد الصمد ناصر: طبعا هذا له تبعات اجتماعية وثقافية ونفسية أيضا.

سلمان العودة: بالمناسبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنده كلمة جميلة لما في أيام المجاعة والرمادة وأنت تتحدث عن شعوب إسلامية ربما تعاني من الفقر وشظف العيش ومع ذلك عمر رضي الله عنه في أيام المجاعة الرمادة رأى رجلا معه شيء يخبئه وهو يمشي في السوق فأوقفه وهو الخليفة وقال له ما الخطب ما الذي تحمله قال والله يا أمير المؤمنين إن هذا لحم اشتريته لأهلي فقال له عمر رضي الله عنه أكلما اشتهيت اشتريت هذه من إلهامات عمر الجميلة أكلما اشتهيت اشتريت يعني طبعا ليس بأس {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه} لأنه الإنسان يشترى أو يأكل أو يتمتع بما أحل الله لكن عمر هناك كان يتكلم عن ظروف خاصة أيام المجاعة التي يجب أو يتواسى الناس فيها ولكن على وجه العموم العبارة بحد ذاتها بغض النظر عن السبب المجال التي قيلت فيه هي أبلغ تعبير عن ما هو الاستهلاك هي كلمة عمر أكلما اشتهيت اشتريت.

عبد الصمد ناصر: علاقة الاستهلاك بالشهوة.

سلمان العودة: يعني شهوة التسوق أحيانا يسمونها شهوة.

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: أو شهوة الشراء أو شهوة التملك هذا تجده أكثر طبعا عند المرأة في كثير من المجتمعات.

عبد الصمد ناصر: نعم طيب في الحديث "ما عال من اقتصد" دكتور وجاء أيضا الاقتصاد نصف المعيشة كما رواه أحمد نجد الإسراف التبذير الترف في المقابل الاقتصاد التقطير القوام، ما العلاقة بين هذه المفاهيم ومفهوم الاستهلاك دكتور؟

سلمان العودة: نعم الذي أعرفه الحديث ضعيف من حيث الإسناد لكن معناه صحيح وهو من حكم العرب التي تروى عن حكيم بن حزام وعن غيره كانوا يقولون الاقتصاد نصف المعيشة أو "ما عال من اقتصد" من استلهموا هذا المعنى من القرآن الكريم لما يقول الله سبحانه وتعالى {والَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا} ثم قال سبحانه وتعالى{وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} يعني القوام هو قيام الحياة استمرار الحياة إذا المجتمعات الناضجة هي المجتمعات التي تسعى إلى الاعتدال في موضوع الشراء والاستهلاك والإنتاج وأن يتربى أفرادها ليس على ثقافة التملك من خلال مثلا وسائل الإعلام أو غير ذلك مثل ما نجده أيضا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بل وفي غيرها..

عبد الصمد ناصر: نعم

سلمان العودة: يعني مثلا عملية ما يسموه بالتخفيضات الآن هي أبرز نموذج على امتداد الاستهلاك في مجتمعاتنا يعني هذه التخفيضات معناه أن المشترى أن المالك أخذ أرباحا عالية في السلعة وبالتالي خفض بعضها وكثير من الناس يقدمون على هذه التخفيضات دون..

عبد الصمد ناصر: ظنا منهم أن الأسعار زهيدة.

سلمان العودة: زهيدة وكذلك التقسيط الآن هي إحدى الظواهر الموجود في مجتمعاتنا الإسلامية طبعا أيضا التقسيط من الناحية الشرعية له أحكام والتي تكلم فيها أهل العلم وأصل البيع بالتقسيط جائز مع زيادة السلع وداخل في عموم قوله تعالى {إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ولكن ظهور هذه الظاهرة بحيث لا تكاد تجد مواطنا إلا وراتبه يذهب جزء كبير منه أو كله حتى شيء للبنك وشيء للشقة وشيء للأثاث أشياء كثيرة جدا إضافة إلى ظاهرة أيضا ظاهرة ما يسمونه بتشليع القيم..

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: ويقصدون بها الآن أنه شبابنا العربي والإسلامي أصحبت الأشياء الجميلة عنده عبارة عن سلعة حتى يعبر عن معنى الحرية يشترى سلعة حتى يعبر عن معنى أنه متحضر يشترى سلعة وبالتالي يكون مرتبطا بشخص أشخاص معينين رأى هذه الملابس أو هذه الأدوات عليهم أو رائهم يستخدمونها مثل ما يكون في الإعلانات وفى وسائل الإعلام فيتعلق بها ويعتبر أن التعبير عن شخصيته وعن عصريته وحداثته بأنه يقوم باقتناء هذه السلع.



الاسلام وموقفه تجاه الاستهلاك

عبد الصمد ناصر: نعم يعني هذا يختلف تقريبا عن هذه النظرة للاستهلاك بين منطقة وأخرى وهذا طبعا له علاقة بثقافة المجتمع علاقة بعادات وتقاليد المجتمع لكن في المنطقة العربية الاستهلاك ينظر إليه علي أنه متعة، على أنه ترف، على أنه رمز للرقي والتحضر لدى البعض طبعا لكن استهلاك الحضارة الحديثة هو علامة بقدر ما هو على الرفاهية والتقدم أيضا يعني بالمقابل بعض الكتاب الغربيين من نقاد الحضارة وهذا غريب أن رأى أن الاستهلاك رذيلة ما هو الموقف الإسلامي فضيلة الشيخ من هذا الجانب؟

"
الاستهلاك في الإسلام إذا تعدى حدوده يكون رذيلة، بالنسبة للنظريات الغربية التي تنظر إلى الاستهلاك على أنه رذيلة لا تتوافق مع النظرية الإسلامية لأن الأولى تمجده مع كونه رذيلة
"
سلمان العودة: الاستهلاك لا شك أنه في الإسلام يعني إذا تعدى حدوده وأنه يكون هو رذيلة لأنه يعني نوع من الجشع في التملك نوع من بروز الأنا نوع أيضا من الجهل وعدم معرفة قيمة المال وهو ناتج عن كون الإنسان لم يجتهد في تحصيله تجد الإنسان الاستهلاكي غالبا لم يتعب في تحصيل المال أخذه بغير حرب هذا عليه كما قيل من أخذ البلاد بغير حرب هان عليه تسليم البلاد فلذلك تجد مثلا ممكن أن يأخذ السلعة وبمجرد ما يستخدمها كما نجد عند أطفالنا مثلا تشتري له لعبة وفي المساء يفسدها تقول له ليش الأمور طيبة والخير موجود تشتري له بدلها وكأنك تعطيه جائزة على أنه يدمر الأشياء ويتلفها بسرعة فهو بهذا المفهوم لا شك أنه مخالفة حتى لقانون الشريعة ولقانون الواقع {وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} لكن بالنسبة للنظريات الغربية التي تنظر إلى الاستهلاك على أنه رذيلة هذه النظريات لا تتوافق مع النظرية الإسلامية لأنها تمجده يعني هي تقول إنه رذيلة ولكنها تمجده بمعنى أنها في النهاية تريد أن تقول إن الحياة البشرية تكبر وتنمو وتنتعش في جو الرذائل كرذيلة الاستهلاك أو رذيلة الشهوانية أو حتى رذيلة الحقد فهذا من باب الرذائل السبع المذكورة في بعض النظريات الغربية بمعنى تسميه رذيلة ولكنها تمجده يعني وتدعو الناس إلى التعاطي معه بإيجابية.

عبد الصمد ناصر: نعم يعني هذا ورد في كتاب أحد الكتاب البريطانيين الذين استقى هذه الأفكار من كتابات قديمة سابقة رأت بأن الحداثة ما انطلقت في أوروبا إلا بعدما تخلصت من القيم التي حاولت الأديان نشرها بين المجتمع وحينما تخلصت كما قال من قيود هذه القيم الدينية أصبحت الرذيلة هي السائدة والرذيلة أصبحت لها أيضا مرادفات كالحرية وغيرها وأصبحت مرتبطة بمشاريع تجارية جشعة ولهذا هو ينظر إلى الرذيلة كأحد أسباب التطور الاقتصادي والتجاري طيب.

سلمان العودة: وأنا حتى وجدت هذا الكتاب معروضا في الجزيرة نت.

عبد الصمد ناصر: نعم في موقع الجزيرة نت.. هناك من يرى بأن الاستهلاك يا دكتور ما يطلبه المستهلكون في مبالغتهم في الاستهلاك ويعني الإقبال على التسوق هو البحث عن السعادة هل الاستهلاك فعلا يحقق هذه السعادة؟

سلمان العودة: قد يحققها بالنسبة للبعض ولذلك يعني هو الإنسان حينما يفتقد السعادة يبحث عن أشياء كثيرة جدا وخصوصا في أوساط الجنس اللطيف أوساط المرأة فخروج المرأة للتسوق قد يعني لها الكثير من جهة مثلا مشاهدة الأشياء من جهة، الاستمتاع بالمناظر من حولها من جهة الترفيه إضافة إلى التملك يعني القدرة على تملك بعض الأشياء وهذا قد يتحول مع الوقت إلى إدمان.

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: بمعنى أن الإنسان يصبح التسوق هدفا بذاته وقد أجريت يعني مقابلات وأسئلة في مناسبات عديدة في الكثير من الشباب في جدة وفى القاهرة وفى المغرب وفي بلاد إسلامية عديدة فوجدت أن نسبة عالية من الشباب خصوصا في مرحلة الشباب المبكر يعتبرون أن التسوق هو هدف بحد ذاته بالنسبة لهم لا يخرج ليتسوق من أجل أن يشتري أو يبيع أو يتعاطى وإنما عملية السوق وأن الصحبة الموجودة فيه والمشاهدة وأحيانا المعاكسات التي تحصل بين الأولاد والبنات وكل هذه الأشياء وهذا طلبا لما تنظر كم يدمر من الإمكانيات ضياعا للوقت والوقت هو أثمن شيء في حياة الأمة والذي يعول عليه في التربية خصوصا وقت الشباب ونحن أمة شابة ضياع.. أيضا استخدام السيارات المواقف الازدحام..

عبد الصمد ناصر: هل هذه السعادة حقيقة أم سعادة وهمية؟

سلمان العودة: هي سعادة عابرة لأنه يعني ربما هو يسلي نفسه من خلالها أو يحاول أن ينسى بعض الهموم والآلام الموجودة في داخله

عبد الصمد ناصر: نعم يعني في الإسلام نجد الزهد إن كان جسد الابتعاد عن ملذات الحياة الدنيا وغير ذلك لكن في المقابل نقرأ قوله تعالى {ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} هل هناك مشكلة في الاستمتاع بالحياة من وجهة النظر الإسلامية؟

سلمان العودة: ممتاز سؤال جميل يعني أولا من الأخطاء الكبيرة أن بعض المسلمين بعض المتدينين الملتزمين يفهمون المفاهيم الشرعية فهما خاطئا مثل قضية الزهد أو قضية حتى الفقر أو الجوع يعني هذه أصبحت مصطلحات محمودة عند بعض الدوائر السلوكية والصوفية وغيرها وهذا غلط كبير، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالله من الجوع يقول "أعوذ بالله من الجوع فإنه بئس الضجيع" وكان يعوذ بالله من الفقر ومن الكفر فيقرن الفقر والكفر وكان علي بن أبي طالب يقول لو كان الفقر رجلا لقتلته وكاد الفقر أن يكون كفر..

عبد الصمد ناصر: كفرا.

سلمان العودة: إذاً بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ولعل من الأشياء المهمة أن نقول إن الصحابة الجيل الأول الصف الأول من.. النبي صلى الله عليه وسلم كانوا تجار وأثرياء أبو بكر الصديق أو ما بويع بالخلافة حمل البلجة على كتفه وراح يبيع، عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتذكر هذا الحديث قال ألهاني عنه السفق في الأسواق خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان يبيع ويشتري ويسفق.. عثمان معروف ثرائه وتجارته حتى علي رضي الله عنه مع أنه رجل زاهد لكنه آجر نفسه ليهودي يستخرج له الماء كل دلوة بتمرة وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وسعد بن أبي وقاص كلهم أثرياء بل مليونيرات وجمع الله تعالى خير الدنيا والآخرة، إذاً الزهد لا يعني الفرار من الدنيا ولا يعني ترك المال ولا يعني أيضا ترك التمتع بالطيبات بل أستطيع أن أقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة والقدوة ما ترك شيئا من الطيبات قط لأنه طيب ولكنه كان يتكلف مفقودا ولا يرد موجودا إذا وجد الطيب والذبيحة الطيبة والطعام الطيب أكله إذا لم يجده استغنى بالتمر والخبز أو بغيرها وكان يبيت طاويا عليه الصلاة والسلام أحيانا وهذا من المعاني الجميلة الإنسان الذي تعود على الاستهلاك لا يستطيع أن يتكيف مع المتغيرات والظروف وإنما تعود على نمط واحد بينما الإنسان الذي ضبط حياته وفق قانون معتدل ونظام قائم ممكن أن يستمتع بالطبيبات ويستلذ بها في مأكله ومشربه وسكنه ولباسه بل هذه من الأشياء المطلوبة التي لا يلام الإنسان عليها وفى الوقت ذاته لو لم تتوفر له استطاع أن يستغني عن الكثير منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ترك شيئا طيبا قط لأجل أنه طيب ولذلك أقول إن هذه المعاني من الأشياء المهم ونحن نطمح أن نتطلع إلى مشروع وإلى وجود حضاري لهذه الأمة أن تعيد تأهيل وتصحيح هذه المفاهيم الشرعية مثل مفهوم الزهد مثلا أو مفهوم..

عبد الصمد ناصر: إنكار الذات إنكار الجسد.

سلمان العودة: يعني الجسد الموقف منها موقفا سلبيا.

عبد الصمد ناصر: وبالتالي على كل حال سنخصص حديثنا في الجزء الثاني من الحلقة للحديث عن الفواصل بين الزهد والإسراف وضوابط الإنفاق فضيلة الشيخ لكن بعد أن نأخذ هذا الفاصل أعود إليكم مشاهدي الكرام بعد الفاصل ابقوا منعا.



[فاصل إعلاني]

ضوابط الإنفاق وما بين الزهد والإسراف

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد في برنامج الشريعة والحياة وموضوع الليلة حول ثقافة الاستهلاك وضيفنا الشيخ سلمان العودة دكتور الله سبحانه وتعالى يقول {ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ} ما السبيل للعودة إلى السلوك الاستهلاكي المتوازن الشرعي؟

سلمان العودة: سبحان الله لما تتأمل في صياغات القرآن وأسلوب القرآن هذه الآية الكريمة {ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ} يعني الإنسان يده مربوطة إلى رقبته فهو لا يستطيع أن يمدها هذا نمط وهو نمط البخل الذي ربما البعض يظن أن البخل هو نقيض الاستهلاك بحيث أن الإنسان قد يقطر على نفسه وعلى ولده وعلى أهله وعلى الفقراء والمساكين والجمعيات وغير ذلك هذا مذموم والثاني ولا تبسطها كل البسط يعني تطلق يدك بلا ضوابط إذا {يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما} الوسط دائما كما كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول خير الأمور النمط الأوسط إليه يرجع الغالي وبه يلتحق التالي، فالاعتدال في مثل هذه الأمور هو المطلوب والاعتدال هنا تربية ولذلك أنتم سميتم الحلقة هنا ثقافة الاستهلاك لأن مسالة ثقافة بمعنى تربية يفترض بأن الأسرة داخل البيت وأن الشاشة الفضائية والبرنامج التليفزيوني وأن المجتمع المحيط أنه يساعد على تربية القدر من الاعتدال في حصول الإنسان على ما يريد في توسعه بما أحل الله في استفادته من الطيبات بقدر إمكانيته أيضا ولهذا الله سبحانه وتعالى حتى في موضوع الإنفاق الواجب مثل الإنفاق على الزوجة وعلى الأولاد دائما (كلمة غير مفهومة) كلمة بالمعروف إمساك بمعروف المعروف هنا هو بقدر إمكانياته وبقدر حاجتها يعني إذا المعروف هو مفهوم مشترك فلما نتكلم عن الاستهلاك مثلا هنا نتحدث عن قدرة الأب إذا تحدثنا عن أسرة من حيث السعة بمعنى أنه ليس مطلوبا أن يكون وضع البيت الغني الثري مثل وضع البيت الفقير تماما هذا لا يتأتي في سنن الحياة وأيضا بقدر حاجة الأولاد بدون أن يتحول هذا إلى أن يكون هناك بذخ وإسراف وكسر لقلوب الفقراء وإنما على الإنسان أن يعتبر أنه كما ينفق على بيته وعلى ولده أيضا عليه أن يأخذ أهل بيت أو بيتين معه.

عبد الصمد ناصر: أنت يا دكتور أثرت نقطة مهمة جدا وهي مسألة الأسرة ما خطورة أن تنتقل هذه الحالة حالة قاعدة الاستهلاك المبالغ فيها الحالة المرضية من الآباء إلى الأبناء من حيث لا يدري الآباء؟

سلمان العودة: نعم وهذا الذي يحدث غالبا لأن السبب والله أعلم أو من الأسباب فضلا عن تأثير وسائل الإعلام، الإعلان دائما يشد الناس من الأسباب الأساسية أن كثيرا من الآباء خصوصا الأثرياء بين قوسين يكون مشغولا عن أولاده لا يجلس معهم كثيرا ولا يعطيهم عواطف ولا يشبعهم حنانا وبالتالي يكون عنده شعور خفي بالذنب يحاول أن يعوّض عن هذا الذنب أو الشعور الخفي بالتقصير أن يغدق عليهم الأموال فيعطيهم ما يحتاجون وكأنه بذلك يقول لهم أنا أحبكم وأريد أن تحبوني وأن تهتموا بي وأن تبادلوني هذا الشعور.

عبد الصمد ناصر: هذا عن الأب الذي لا يرافق أبناؤه إلى أسواق لكن لما تجي أسرة تخرج إلى الأسواق تقتني حاجتها وأحيانا تسقط في فخ الاستهلاك المبالغ فيه يعني الأطفال الآن يراقبون آبائهم وتصرف آبائهم في الأسواق هذه الظاهرة تصبح متوارثة تنتقل أيضا إلى الأبناء هنا كيف يجب على الأب أن يتعامل مع أبنائه حتى يعلمهم ضرورة التفريق بين الحاجة والرغبة.

سلمان العودة: بالضبط هنا على الأب أن يخاطب وأن الرغبة هذه غريزة بينما الحاجة هي قضية عقلية إذا الجواب هو أن على الأب أن يتعامل مع عقول أبنائه وليس فقط مع أجسادهم مثلا حينما يريد الابن أن يشتري سلعة ولتكن هذه السلعة ضارة لا يكتفي أن يقول له الأب مثلا هذه ليست مفيدة وغالية فيطن الابن أن السبب هو ارتفاع سعرها..

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: لكن حينما يتكلم الأب عن ضرر هذه السلعة ويكون عنده معلومة معينة تصل إلى العقل وهذا تبين أنه ممكن بشكل كبير يقنع الأطفال بأشياء خصوصا إذا ضربت له الأمثلة العملية يعني مثلا لما تريد لأبنائك ألا يبالغوا في استخدام البيبسي كمشروب استهلاكي أصبح مهيمنا مستحوذا حتى تجد أنك محتاج أحيانا إلى أن تعطي أبنائك جوائز حتى يتجنبوه في بعض الحالات..

عبد الصمد ناصر: صحيح.

سلمان العودة: بينما تأتي إلى منتج آخر هو أكثر إيجابية وأكثر ضرورة وحاجة وتيسير وهو له طابع محلي وهو اللبن حتى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يعبر عن الفطرة في قصة الإسراء والمعراج وقال إنه يعني "اللهم زدنا منه" ويعني فيه نصوص كثيرة جدا في القرآن الكريم ذكر الله سبحانه وتعالى يخرج {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} هذا فيما يتعلق بالنحل لكن في اللبن {فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ} فهنا تجد أنه كثير من الناس يزهدون فيه يعتبرونه كأنه موروث قديم أو كأنه شيء يعبر عن التخلف هنا هذه الخطورة ولكن ما آتي لولدي وأشرح له طبيا وعلميا وأنه مثلا كيف إن شراب البيبسي خصوصا حينما يشربه الإنسان بدون أن يأكل الطعام أنه يسبب هشاشة العظام وكيف يمكن أتحدث عن قضية المشكلات التي وقعت في الهند واكتشاف بعض..

عبد الصمد ناصر: لا نريد أن نسمي المنتجات حتى لا ندخل في مشاكل..

سلمان العودة: بعيدا عن الأسماء لكن لما آتي إلى الجانب الآخر وأذكر اللبن مثلا أذكر كلام الأطباء في فائدته وفى جدواه وفى نفعه هنا ليس المقصود بطبيعة الحال أيضا معاندة التيار الواقع الطبيعي حتى مثلا المشروبات الغازية بشكل عام ليس المقصود هو مقاطعتها بشكل كامل وإنما المقصود أن يكون هناك نظام غذائي معتدل يخبر الإنسان حتى الصغير متى يستخدمها وكيف يستخدمها والقدر المعتدل منها.

عبد الصمد ناصر: قبل قليل تحدثنا عن مقاصد الشريعة قلنا بأنها تنقسم إلى ثلاث ضروريات وحاجات وتحسينيات في هذه النقطة بالذات في هذا الجانب هل هناك ضابط أو حد يقف عنده الإنفاق على تلك التحسينيات؟

سلمان العودة: أبدا الضابط يرجع إلى ما ذكرته قبل قليل قدرة الإنسان المالية وحاجته فالقدرة والحاجة هما اللتان تحكمان ما يستخدمه الإنسان وهنا أيضا يجب أن نقول إنه فيه حيز واسع من الخيارات ومن الاجتهادات بمعنى أنه ليس المقصود هنا قصة صارمة في منع أو حجر أو حظر أو ملاحقة قد تكون مؤذية بالناس.

عبد الصمد ناصر: طيب إذا كان الإنسان مثلا غنيا ولديه موارد مالية فائضة ما المشكلة أن يستهلك بشكل زائد عن حاجته؟

سلمان العودة: ليس المشكلة أن يستهلك لكن المشكلة أن يستهلك بشكل زائد لأن الشكل هذا معناه أنه على حساب الآخرين وكان يعني بعض السلف يقول لا ترى سرفا إلا وبإذائه حق مضيع يعني هذا القدر الزائد هو ليس له إما أن يدخره وإما أن يصرفه إلى الفقراء المحتاجين.

عبد الصمد ناصر: في مصارف إحصاء أخرى.

سلمان العودة: مصارف الخير..

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: الآن مثلا في كل بلد ونحن نتحدث على وجه الخصوص عن البلاد الإسلامية أكثر من غيرها تجد أنه في وسط البلد في مركز البلد البنايات الشاهقة وناطحات السحاب والمباني الفخمة وتجد في أطراف البلد غالبا ما يسمى بالأحياء الشعبية وأحياء الصفيح التي ربما السيارات لا تستطيع أن تسير داخل هذه الأحياء وأهلها لا يجدون قوت يومهم؟

عبد الصمد ناصر: نعم طيب دكتور لنستمع إلى مداخله معنا على الهاتف الدكتور مصطفى المرابط وهو باحث في مركز دراسات، دكتور مصطفى المرابط الثقافة الرأسمالية جعلت الإنفاق مرتبطا بالمتعة نفسها وأنت لكم بحث في موضوع قيم الاستهلاك لو تحدثنا عن هذا الجانب؟

مصطفى المرابط - باحث في مركز الجزيرة للدراسات: شكرا الأخ عبد الصمد أظن أن التحية لضيفك الكريم قبل هذا، أظن أن موضوع الاستهلاك هو من أحد وأخطر المواضع التي يجب أن نوليها الاهتمام الكافي، لا أظن أن المشكلة مع الاستهلاك فيما تنتجه يعني في الأشياء التي تمتلئ به أسواقنا ودكاكيننا إنما الأخطر من هذا أن هذه الأشياء هي حاملة لرسائل معينة، لقيم معينة، يجب أن ننبته إلى أن الشيء لم يعد محايدا ولم يعد جامدا كما كان يعرف بل إن الشيء يعني السلعة التي هي معروضة للاستهلاك حاملة لقيم معينة ولرسائل معينة لذلك أعتقد أن المشكلة وأصبع الاهتمام يتجه مباشرة إلى الرأسمالية ليس في جانبها لاقتصادي هذا تجلي الاقتصاد الرأسمالي هو تجلي من تجليات الرأسمالية كفلسفة كنمط حياة تحاول أن تقدم نظرة للكون والحياة والإنسان فالرأسمالية كما عبر وصف أحد المفكرين الفرنسيين جاك دوليير اعتبرها مقاول ألعاب الجديد وهو تحديد العلاقة التي تربط الإنسان بالكون وبالطبيعة وبالحياة لذلك هذه الرأسمالية أتت بمجموعة من القيم تريد أن تشد الإنسان بل أكثر من ذلك تريد أن تحول العالم إلى سوق كبير تحدده قيم الاستهلاك هذا السوق الكبير عبّر عنه أحد الفلاسفة الألمان بحديثه لتهجين الإنسان بمعنى أنه كما أن هناك حديقة للحيوانات الأليفة فهناك حديقة للإنسان أو للكائنات الإنسانية التي تخضع لقيم الاستهلاك فقيم الاستهلاك هي التي تحدد هوية الإنسان بمعنى أن هوية الإنسان المعاصر لا تتحدد بثقافته بدينه إنما تحدد بما يمتلكه من أشياء في علاقته بهذه الأشياء، فمجتمع الاستهلاك يحدد الطريقة التي نكون بها في العالم لذلك نحن انتقلنا الأمر بصفقة أنه في تصنيف الأشياء إلى ما بين الضروريات والكماليات والتحسينيات بل العكس تماما هو أخطر من هذا أن العلاقة بين الحاجة وبين الرغبة يعني الحاجة السلعة أصبحت مختلفة.

عبد الصمد ناصر: شكرا دكتور الفكرة واضحة دكتور مصطفى المرابط الباحث بمركز الجزيرة للدراسات شكرا لك هل لديكم أي تعليق يا دكتور.

سلمان العودة: نعم أنا أشرت إلى مسألة تشريع القيم..

عبد الصمد ناصر: نعم.

سلمان العودة: ولا شك كما أنه واضح الموضوع يستحق يعني جانبا آخر يعني قدر ما نحن نتحدث عن الاستهلاك الذي يعتبر نوعا من البذخ والإسراف والترف وهذه كلها معاني القرآن الكريم جاء بذمها نقدها وبالتالي هذا ينعكس على أداء المجتمع إلا أن ثمة جانب آخر مرتبط بكون الحضارة اليوم حضارة في غالبها حضارة ذات صبغة غربية وبالتالي فإن هذه السلع التي تسوق قد تكون ثوبا أو جهازا أو..

عبد الصمد ناصر: أيا ما كان.

سلمان العودة: أو أي شيء آخر هي مسكونة في الواقع رسالة معينة أو بقيمة..

عبد الصمد ناصر: بسمة حضارية.

سلمان العودة: تحاول أن توصلها إلى هذا المجتمع وطبعا في كثير من الأحيان يصعب الفصل بينها كثير من الشباب يعتبر أنه أبلغ تعبير عن شخصيته هو لبسه مثلا فهو حينما يلبس مثل ما يرى الممثل أو النجم أو اللاعب أو أي شخص أخر كذلك ما يتعلق بالنبات..

عبد الصمد ناصر: في هذه النقطة..

سلمان العودة: يكون هذا تعبير عندهم عن شخصيتهم..

عبد الصمد ناصر: في هذه النقطة بالذات يعني دكتور أصبح الآن المستهلك يتهم برموز السلعة أكثر مما يتحاج إلى السلعة نفسها وهذه السلعة نفسها غالبا ما تكون مستوردة من دول لها أهداف من وراء هذه السلعة إلى أي حد ربما كما تحدث قليل دكتور مصطفى المرابط عن قضية تحديد الاستهلاك لهوية الإنسان تكرس ثقافة الاستهلاك التبعية الثقافية للدول المصدرة لهذه السلع.

سلمان العودة: هذا مؤكد خصوصا في عصر العولمة وإزالة الحواجز العالم الإسلامي دخل في سباق ولم يتهيأ له يعني أين المنتجات الإسلامية، بلاد الإسلام التي هي كانت يعني مثلا السودان قارة مستقلة وكانت سلة الغذاء للعالم العربي والإسلامي بينما تأتي الآن بسبب الظروف والأهواء فتجد أن السلع العادية الضرورية من الطعام وغيرها تباع بأغلى الأثمان وهكذا بقية البلاد العربية والإسلامية فهي تعاني مشكلة صعبة في دخولها إلى سباق العولمة دون أن تكون مهيأ لهذا الأمر بشكل صحيح.

عبد الصمد ناصر: نعم لو أخذنا بعض الأمثلة الواقعية لثقافة الاستهلاك أو الإسراف في الاستهلاك يعني خصوصا هنا في المنطقة العربية نجد بذخ غير مقبول في حفلات الزفاف في مناسبات كهذه وإسراف في فنادق خمس نجوم وأكثر وطعام ربما لا يستهلك منه سوى القليل جدا ويرمى الباقي سلة المهملات ماذا نسمى هذا بالضبط؟

سلمان العودة: يعني هذا اسمه الشرعي اسمه الإسراف هو عدم استضافة النعمة كما يجب إذا كنت في نعمة ترعى فإن المعاصي تزيل النعم {وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وهناك مصطلح شرعي اسمه كفر النعمة {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}، {وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} لاحظ رزق الرغد {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} فأعتقد أن هذه هي أنماط من الاستخدامات التي يعني تدل على ضعف الوعي عند الناس والإحساس بحاجة الآخرين لأن مما يدمر المجتمع هو سيطرة الآنا على الإنسان كون إن الإنسان يقول إذا ما مت ظمأنا فلا نزل القطر لا يعنيه الأخرون بقدر ما يعينه أن يرفه نفسه ومن هنا يعني مثل ما ذكرت وهذه الأشياء توضع وربما أحيانا يكون فيه مسابقات تعمل من أجلها ربما على مقربة منك أسر وبيوتات ربما لا تجد القوت والطعام وبعضهم وهذا تراه اليوم في بلاد إسلامية ترى أن الناس يبحثون عن أقواتهم وطعامهم حتى في أكوام الزبالة مع الأسف الشديد هذا مظهر مؤلم جدا..

عبد الصمد ناصر: هناك نموذج آخر تحدثت قبل قليل دكتور عن موضوع العروض المغرية التي تبدو مغيرة وإن كانت حد ذاتها هي مربحة للبائع أكثر من ما هي مربحة للزبون حينما يشترى الشخص مثلا بدلتين أو ثلاث في إطار يعني هذه العروض هل يعتبر ذلك إسرافا أو استهلاكا كبيرا ماذا نسمي ذلك؟

سلمان العودة: هو الإسراف هو حينما تكون القصة فقط هي لمجرد التملك أو الاستهلاك أو المفاخرة أو أن هذه مثلا ماركة جديدة أو نمط جديد وبالتالي يرمي ما سواه أما أن يكون عند الإنسان مجموعة من الثياب يراوح بينها أو بما تقتضيه أنظمة الناس، الإنسان كائن اجتماعي مرتبط بالناس في عمله وفى وظيفته أو في دوامه أو في المساء أو في أماكن كثيرة وهذا من الأشياء التي يعني وسع الله فيها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون عنده لباس يلبسه للوفود ويلبسه للعيد وللضيوف وغير ذلك إضافة إلى لباسه العادي وكان الرسول الله عليه وسلم يلبس جبة رومية وهكذا أصحابه وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله جميل يحب الجمال"، "الكبر بطر الحق وغمط الناس" ينبغي أنه في ظل حديثنا عن الاستهلاك أن نؤكد على أن هناك قيم إسلامية ينبغي أن نواجه بها مثل هذه الأشياء يعني مسألة العناية بالجمال العناية بالنظافة العناية بطيب الرائحة هذه كلها معاني وقيم إسلامية وذوقية ينبغي توجيه النظر إليها..

عبد الصمد ناصر: تحدثت قبل قليل دكتور عن بعض الأشخاص الذين يسعون نحو تغيير مقتنياتهم بين الحينة والأخرى تجده يغير بين شهر أو شهرين هاتفه النقال أو بين في بضعة شهور تجده في سيارة في فترة أخرى سيارة أخرى جديدة يعني ماذا نسمي هذا؟

سلمان العودة: تجد أصحاب يعني المصانع الذين هم المنتجون يتفننوا في هذا الأمر فكل يعني نمط جديد يأتي تجده فيه إضافات معينة تغري الإنسان بأن يتخلى عن الأول ويحصل على هذا المطور المعدل.



الإعلانات وأثرها ودور الدولة

عبد الصمد ناصر: الإعلانات يعني هل يمكن أن تصبح الآن ربما أصبحت صناعة الإعلانات عدوا لدودا للإنسان؟

"
الإعلان سواء التليفزيوني أو عبر الصحف والجرائد والمجلات، يؤثر في الإنسان وفي عقليته وتفكيره ومن هنا تأتي أهمية صناعة الوعي الاستهلاكي عند الناس حتى لا يتأثروا بهذه الأشياء
"
سلمان العودة: والله هي من أهم أسباب الاستهلاك الإعلان يغير عقول الكثير من الناس وهذا مؤكد يعني سواء الإعلان التليفزيوني أو الإعلان عبر الصحف والجرائد والمجلات وغيرها أو في الأسواق نفسها الإعلان من خلال توظيف المشاهير، الإعلان من خلال استغلال لحظة حماس يعني مثلا لم يكون في حالة الرياضة والمشاهدة والمتابع مشدود الأعصاب جدا هنا يأتي الإعلان الذي يتخلل الإنسان ويؤثر في عقليته وفى تفكيره ومن هنا تأتي أهمية صناعة الوعي الاستهلاكي عند الناس يتأثروا بهذه الأشياء.

عبد الصمد ناصر: قبل قليل تحدثت عن القيم الإسلامية دكتور وقلت بأن السلوك الاستهلاكي للمسلم يفترض أنه سلوك معتدل يستمد أساسه من الثقافة الإسلامية واستعرضنا كثير من النصوص سواء من الكتاب ومن السُنّة النبوية تحض على عدم الإسراف والتبذير من المسؤول إذاً إذا كانت لدنيا هذه القيم من المسؤول عن إشاعة ثقافة الاستهلاك في هذه الأوساط الإسلامية؟

سلمان العودة: هو لا شك أولا أنه الإعلان هو مسؤول مسؤولية كبيرة جدا الإعلانات بدون شك أنها ذات تأثير كبير ولا أدل على ذلك من رواج سوق الإعلانات وكون معظم الشركات يعني تبذل مئات الملايين من الدولارات في سبيل الإعلان بقدر ما تحصل على حصة من الإعلان تكون حصلت على حصة من المتسوقين والمتعاملين معها كذلك الأسرة لا شك أنها مسؤولة مسؤولية كبيرة جدا فأعتقد أن دور الأسرة هنا كبير جدا يمكن أن يقاوم دور وسائل الإعلام التي هي أحيانا تؤثر في المشاهدين أو يقاوم جشع الشاب الذي يرى أصدقائه أو زملائه في العمل ويحاول أن يحاكيهم أو يقلدهم الأسرة هنا هي المحور الذي يمكن أن يكون حصانة ضد كثير من هذه المؤثرات المشكلة إذا صارت الأسرة نفسها تفتقد الوعي ومن هنا يأتي دور مثل هذه البرامج في إعادة تأهيل الناس بالوعي

عبد الصمد ناصر: الإعلان دور الأسرة أين دور الدولة ودور جمعيات حماية المستهلك في هذا الأمر؟

سلمان العودة: هو دور كبير جدا ويجب أن نقول إن الاستهلاك هنا ليس فقط في الأسرة حتى المؤسسات الحكومية يقع فيها جانب كثير من الاستهلاك ومثلا هنا يحدث في الدول الثرية أنك تجد الميزانيات كثيرة وتجد هذه الميزانيات في الغالب أين تذهب ربما جزء منها قد يذهب ذات اليمين وذات الشمال في فساد من الفساد المالي لكن الجزء الأخر قد يذهب في أشياء ربما تكون شكلية أو مظهرية مثلا مكتب فخم إضافي وأشياء يعني لا تحقق رقيا في الأداء ولا تحقق تطويرا في العمل بقدر ما تكون هي أيضا نوع من الاستهلاك وأشياء هي قد تكون بحد ذاتها حديثة فضلا عنه أنه مثل ما تفضلت مسؤولية الدول وزارات التجارة الجهات المختصة في حماية المستهلك مثلا من ارتفاع الأسعار المفرط من الغش التجاري كما يسمونه الخداع..

عبد الصمد ناصر: الماركات المزورة في الأسواق.

سلمان العودة: العملات المزورة أشياء كثيرة.

عبد الصمد ناصر: نعم كيف فضيلة الشيخ يعني لماذا لا نجد في الساحة الإسلامية جمعيات إسلامية لحماية المستهلك تحارب ثقافة الاستهلاك تجارب تجاه حضارتنا من حضارة الأفكار حضارة القيم إلى حضارة الأشياء؟

سلمان العودة: هو الحقيقة أن العالم الإسلامي يعني كفاية أن نتحدث عن السلبيات الموجودة فيه التخلف هذا واقع وبالتالي الوضع الدولي يضغط على العالم الإسلامي فالسلع أبوابها مفتوحة، السلع المنتجة في كل بلاد العالم أبوابها مفتوحة للعالم الإسلامي بينما العالم الإسلامي في غالب دوله لم يستطع أن يسلك الطريق الآخر تجاه التصنيع وباتجاه التقنية وباتجاه الاكتفاء الذاتي إلا في حالات قليلة كما نجد مثلا في ماليزيا وإلى حد ما تركيا فأعتقد أننا بأمس الحاجة إلى أن يوجد ثقافة مقابلة هذا الثقافة يمكن أن يقوم بها أشخاص، مؤسسات، برامج، كتب، جمعيات خيرية حتى خطباء المساجد مثلا الأساتذة المتحدثون الشيوخ الوعاظ أن يكون عندهم تركيز بهذا الاتجاه، دعوة أن الناس إلى أن يكونوا معتدلين في تعاطيهم مع هذه الأشياء وإلى إن يفكروا في أشياء بشكل جدي أيضا كيف نستطيع أن نحول مجتمعاتنا الإسلامية على الأقل إذا كانت ولا بد أن تكون مستهلكة أن تكون منتجة ومستهلكة في نفس الوقت ذاته.

عبد الصمد ناصر: نعم طيب هذه النقطة بالذات كنت أريد أن أختم بها الحلقة يعني المجتمع الغربي حينما يتحدث عن قيم استهلاكية واضحة نجد أنه أيضا يملك قيما إنتاجية عالية المشكلة هنا في أننا نستنسخ قيم استهلاكية فقط دون إنتاجية يعني هل يمكن أن نقول أننا نحن ضحية أو ما نعيشه هو نتائج العولمة والحداثة المغلوطة السلبية التي وصلت إلينا هل المجتمع الإسلامي هو ضحية كل هذا؟

سلمان العودة: لا أظن نحن ضحية جهلنا وتخلفنا والشيطان شخصيا نفسه يقول {ومَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ} أنا أعتقد أنه العولمة قد تكون بالنسبة لنا فرصة بدلا من أن تكون أزمة كان من الممكن أن تكون لنا فرصة كحكومات وشعوب وجماعات وأسر ولو أننا يعني واجهناها بإرادة صادقة أننا نريد أن نستثمر إيجابيتاتها ونطوعها لمصلحتنا وفى نفس الوقت نؤمن بأنه نحن لسنا نعيش لوحدنا نحن جزء من هذا العالم.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور ما أهمية دور التوعية الدينية في كبح الذات ترويد النفس قمع نزعة الاستهلاك المفرط وغير ذلك؟

سلمان العودة: والله أظن أن العالم الإسلامي هو عالم إسلامي والتدين هو أبرز خصائصه ولذلك كل القضايا التي نريد أن نوصلها سواء معالجة الاستهلاك أو التوجه نحو الإنتاج أو غير ذلك من المقاصد ينبغي أن يكون هناك دباجة شرعية يعني استخدام النصوص الشرعية والأحاديث النبوية والقيم الأخلاقية والتذكير بالأجر والثواب عند الله سبحانه بالأدلة التذكير بالبركة والرضا الذي يمنحه الله تعالى في قلوب الناس المعتدلين والذين لا يسرفون وإنما إذا فاض عنهم شيء أعطوه جيرانهم وأعطوه المحتاجين من الأقربين والأبعدين العالم الإسلامي يواجه أزمة في عدد من البلاد في أفريقيا وغيرها الفقر والمجاعة يعني من المنتظر أن يقوم.. بل حتى في العراق وغيره من الدول الإسلامية النفطية من المنتظر أنه يقوم بدعم هؤلاء الناس والوقوف إلى جانبهم في معاناتهم الإنسانية إلا إخوانهم المسلمون.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم جزاكم الله خيرا وشكرا لكم شكرا لكم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم في الختام لكم تحيات منصور طلافيح في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد ومنى عبد الصمد ناصر وبقية الطاقم الفني ونلتقي في الأسبوع القادم بحول الله.