- علاقة الفقه بالهدنة والسلام والسياسة
- تعريف الهدنة وشروطها وسقفها الزمني
- الهدنة وفرض الجهاد
- مدى شرعية معاهدات السلام مع إسرائيل

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بسم الله الرحمن الرحيم {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} صدق الله العظيم، لا تزال قضية فلسطين اليوم تشكل قضية مركزية للأمة على اختلاف فئاتها أو لجمهورها على الأقل وقد درج العلماء قديما أو الفقهاء خاصة على اعتبار الصلح لا يجوز شرعا على أرض مغتصبة، قالوا لأن الصلح إقرار للغاصب على غصبه ورد المغصوب واجب، إلا أن اعتبارات السياسة اليوم ليست بتلك الحدود الواضحة والجازمة ومن هنا مزاوجة قلة من الفقهاء منذ كامب ديفد وحتى الآن بين الفقه والسياسة بل وأفتوا بجواز الصلح لاعتبارات ذكروها، في حين يرى بعض ثالث أن مسائل الحرب والسلم والصلح مسائل سياسية لا دخل للفقهاء فيها، فما علاقة الفقه بموضوع السلم أو السلم والهدنة؟ وهل يجوز عقد هدنة طويلة الأمد مع العدو؟ وما الفرق بين الهدنة والسلام؟ وكيف يكون شكل العلاقات أثناء ذلك؟ إذا الهدنة والسلام موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الفقيه الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية الدولية وصاحب موسوعة التفسير المنير وموسوعة الفقه الإسلامي وأدلته وموسوعة أصول الفقه، أهلا بك فضيلة الدكتور.

وهبة الزحيلي - عضو المجامع الفقهية الدولية: شكرا بكم أهلا بكم حياكم الله.

علاقة الفقه بالهدنة والسلام والسياسة

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم ومرحبا في البرنامج.. فضيلة الدكتور قبل أن نخوض في موضوع الهدنة والسلم ما رأيك لو جعلنا مدخلنا للحديث عن هذا الموضوع إيضاح صلة الفقيه والفقهاء بهذا الموضوع لأن الكثيرون ربما قد يتساءلون ما دخل أو شأن الفقهاء بالهدنة والسلام وهما من اختصاصات السياسي والعسكري؟

وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فلا يسعني في بداية هذه الحلقة ألا أن أوجه خالص الشكر وجزيل التقدير والامتنان لدعوة الجزيرة لهذا.. للكلام في هذا الموضوع، كما أقدر عاليا فارس هذا البرنامج الأستاذ العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، فله الفضل في نجاح هذا البرنامج أطال الله في عمره، قضية الفقه والفقهاء هذا جزء أساسي من هذه الشريعة والله سبحانه وتعالى يقول {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} فمصادر التشريع الإسلامي الممثلة في المصدرين الأصليين وهما القرآن والسُنّة لابد من استنباط الأحكام الشرعية الواردة فيهما ولا يحسن ذلك إلا كبار المتخصصين والذين بلغوا رتبة الاجتهاد، فلذلك يكون للفقهاء دور في فهم هذه الأحكام على وجه صحيح ودقيق بحيث لا يكون هناك تعطيل لمفهوم النص ولا لإجماع العلماء ولا إخلال بمقاصد الشريعة الإسلامية، فإذاً يكون دور الفقيه والفقهاء أساسيا في فهم هذه الشريعة ونقلها إلى الآخرين وهم أكثرية هذه الأمة، فلذلك يكون العلماء متميزين بهذا الدور والذي يحدد معالم الحياة التشريعية سواء في الفقه العام وهو السلم والحرب والمعاهدات أو في الفقه الخاص وهو المعاملات المدنية أو العبادات أو الأحوال الشخصية، فإذاً وجودهم ضروري في إغناء هذه المفاهيم، فأكثر الأحكام التشريعية وردت بصيغ مجملة لأن القرآن الكريم بالذات هو كتاب الله الخالد إلى يوم القيامة ورد في أكثره بعبارات مجملة تحتاج إلى تفصيل فجاءت السُنّة النبوية مبينة ما سكت عنه القرآن وكل ذلك لا يمكن لأحد إدراكه إلا من طريق الفقهاء.

عبد الصمد ناصر: طيب فيما يخص موضوعنا لهذه الليلة تحديدا السلم والحرب أو الهدنة والسلام ما علاقة الفقهاء بشكل مباشر بهذا الموضوع؟

وهبة الزحيلي: نحن أريد أن أقول أولا نحن دعاة سلم لا دعاة حرب ونطمح إلى إقرار ونشر السلام في أنحاء العالم وفي المجال والنطاق الداخلي لأنه يتحقق بذلك صفاء الحياة ودفء الأمان وازدهار العمران، كما يتحقق بذلك تنمية العلاقات والأحوال الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق رسالة بناء هذا الكون وتقدمه في هذه الحياة، فلذلك حينما نتحدث عن السلام في واقع الأمر ينبغي أن ننطلق من هذه المعايير لإغناء الحياة الإنسانية وندخل في مجال الحوار وتبادل الحب والوئام وتحقيق التعايش السلمي وتحقيق متطلبات الفرد والجماعة، فلذلك يكون هذا الهدف الأساسي من شريعة الإسلام هو مهمتنا الأساسية ولذلك كان لابد من الكلام في هذا الموضوع من هذه الجماعة.

عبد الصمد ناصر: لابد من هذه التغطية.. تغطية الموضوع، طيب هل موضوع الهدنة والحرب هنا قائم على نصوص قطعية أو واضحة أم أنه ربما مبني عن موازنة بين المصالح والمفاسد وفقه الواقع وفقه الأولوية وغير ذلك؟

وهبة الزحيلي: نعم فإذاً دور الفقهاء أساسي وليس مجرد قضية طارئة أو أنهم غرباء عن هذا الموضوع، فلا يختلف حقل السلم والحرب عن حقل أي بقية الأحكام الشرعية المختلفة، فيكون حينئذ دور الفقهاء في هذا الموضوع دور بناء ودور نقل لكل مسلم سواء أكان مختص في قضايا أخرى حربية أو سياسية أو غيرها لابد من أولا بيان الأحكام الشرعية الأساسية في هذا الموضوع ليس غرباء عنه ولا يمكن أن تدرَك أصول الشريعة إلا من خلال الفقهاء، فإذاً وجود الدور الفقهي والفقهاء في هذا يعد أساسي وليس مجرد سياسة أو مجاملة أو غيرها أو غير ذلك لأن السياسة لها دورها في التطبيق وأما دور الفقهاء فدورهم في التأصيل وهم وفي كل أنحاء العالم هناك مستشارون هم يقررون المسار الأساسي الذي ينبغي أن تسير عليه السياسة ويُترك للساسة والخبراء والعسكريين والمختصين حركة في مجال فهم هذه القضايا وتطبيقها سواء بالزمان أو المكان أو المناسبات والملائمات مع أصول الشريعة وأحكامها الأساسية..

عبد الصمد ناصر: طيب لو فسرنا موضوع الهدنة والسلام من خلال ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة؟

وهبة الزحيلي: لا شك أنه وردت نصوص واضحة الدلالة على أن الهدنة في كثير من الآيات وردت تقر مشروعية الهدنة منها الآية الكريمة {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} التي بدأتم بها البرنامج هذه الأمسية {فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} وهناك سورة براءة {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى الَذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} فهذا الحد الأدنى الذي بدأت به مدة الهدنة وجاءت السُنّة النبوية في صلح الحديبية مقررة جواز الهدنة إلى عشر سنوات، بعض الفقهاء التزام بأن هذه هي المدة القصوى ولكن..

عبد الصمد ناصر: سأعود إلى موضوع المدة وتوقيت الهدنة ولكن كنت أتحدث هنا على أن العلماء يقولون بأنه لا يجوز عقد هذه الهدنة إلا أن يكون فيها مصلحة المسلمين بناء على آيات ونصوص وبناء على شواهد من السيرة النبوية، من يقرر اليوم ويقدر تلك المصالح والمفاسد التي على أساسها نقرر أن نعقد هدنة أو لا نعقدها؟

"
اتفق الفقهاء على أن عقد الهدنة والمعاهدات العامة لابد فيه من مراعاة المصلحة الإسلامية وأن تكون هذه المصلحة تعود على المجتمع الإسلامي بالخير
"
وهبة الزحيلي: كل عقد في هذا العالم سواء كان معاهدة أو عقد مدني لابد فيه من أن تكون هناك مصالح متبادلة بين الطرفين المتعاقدين، فاتفق الفقهاء على أن عقد الهدنة والمعاهدات العامة لابد فيه من مراعاة المصلحة الإسلامية وأن تكون هذه المصلحة تعود على المجتمع الإسلامي بالخير وإلا كانت هذه الهدنة أو هذه المعاهدة ضرر واضح بهم فلذلك المصلحة بالإجماع ينبغي أن تكون ملحوظة قد لا نصل إلى كامل تحقيق المصلحة وإنما إلى بعض جزيئاتها ولكن لابد من مراعاتها وإلا كان ذلك ضرر واضح بالاتجاه الإسلامي وبالطرف الإسلامي الذي يدخل في هذا العقد فلذلك المصلحة أساسية ومن هنا ينبغي أن تلاحظ عمل بالآية الكريمة وآية أخرى تكملها {ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} والله معكم هذه تقيد آية {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} تقيدها يعني لابد من أن نراعي هذه المصلحة..

عبد الصمد ناصر: حتى نبقى في إطار السؤال يعني من يقدر هذه المصالح الفقيه، السياسي، العسكري، أم عمل هؤلاء مجتمعين؟

وهبة الزحيلي: مجموعة أهل الخبرة وأهل الذكر {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} مجموعها الهيئة الاستشارية من الفقهاء والخبراء والسياسيين والعسكريين وولي الأمر الحاكم، كلهم يتناقشون، يتذاكرون في تحقيق هذه المصلحة ومدى ملاءمتها وتحقيق الأهداف المرجوة منها، فلذلك هذه المصلحة تكون من اختصاص أهل الخبرة وأهل الذكر وهذا يشمل كل هؤلاء على قدم المساواة..

عبد الصمد ناصر: يعني الأمر ليس مقصور على الفقهاء وحدهم؟

وهبة الزحيلي: لا على الفقهاء وحدهم ولا على السياسيين والعسكريين وحدهم وإنما الكل يجتمعون في هيئة عامة، يتذاكرون فيما بينهم وهذا هو الوضع الطبيعي والمعقول حتى أي طرف آخر في هذه المعاهدة من الأعداء يلاحظ هذا كله..

عبد الصمد ناصر: لكن دكتور السؤال هنا هل كل فقيه مؤهل لأن يخوض في موضوعات وقضايا كبرى كهذه أم أنه لابد لهذا الفقيه أن يكون متوافر فيه شروط؟

وهبة الزحيلي: أيوه بارك الله فيك سؤال في غاية الدقة..

عبد الصمد ناصر: كإلمام بفقه الواقع وغيره..

وهبة الزحيلي: بارك الله فيك، هناك أناس دخلاء على الفقه والعلم وسذج ومجرد عندهم ثقافة دون الوسط..

عبد الصمد ناصر: سطحية..

وهبة الزحيلي: بل يعني في حدود الدنيا للعلم والمعرفة ويدعون أنهم قادرون على الاجتهاد والفقه وهم لم يصلوا إلى هذه الرتبة، شرط الفقيه أن يكون عنده قدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بأن تتوافر عنده الملكة.. ملكة الاجتهاد بمعرفة أحكام القرآن والسُنّة والإجماع ومقاصد الشريعة والقدرة على فهم أصول ودلالات اللغة العربية من مفردات وجمل وتراكيب ومجاز واستعارات، فإذاً الفقهاء هذه مرتبة عالية لا يصلها إلا القليل النادر جدا من أهل العلم..

عبد الصمد ناصر: فقه الأولويات وفقه الواقع..

وهبة الزحيلي: كل هذا يدخل في اختصاصهم ويتذاكرون فيما بينهم لأن هذا قرار خطير يحقق أو إما أن ترتفع الأمة وترتقي وإما أن تنحدر، فقضية مصير.. هذا المصير لابد أن يكون العلماء فيه على مرتبة عالية من الاختصاص وهي مرتبة الاجتهاد وإدراك الأمور إدراكا صحيحا وواقعيا.

عبد الصمد ناصر: ولكن مع نشوء علوم السياسة الحديثة ووجود خبراء عسكريين فضيلة الدكتور هل تعتقد دكتور أنه لا زال ربما للفقيه دور في مسائل الحرب والسلام؟

وهبة الزحيلي: كما أشرت سابقا لابد من ذلك لأننا نحن ملتزمون بتطبيق أحكام هذه الشريعة {وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} فإذاً هنا بما أراك الله هذا اجتهاد النبي والعلماء هم ورثة الأنبياء يتبعون منهج النبي في فهم النصوص وتقدير المصالح فيكون دورهم أساسي وليس مجرد وضع طارئ لكن فتكتمل خبرتهم بأهل الاختصاص من الحربيين وقادة السلاح والذين يخوضون المعارك يكون لهم دور واضح في التطبيق والالتزام بهذه النصوص والأحكام الشرعية دون خروج عنها أو مصادمة لها وإلا عطلوا الشريعة، هذا جانب من جوانب الأحكام الشرعية لابد من مراعاته باكتمال هذه الهيئة..

عبد الصمد ناصر: بعض الساسة عطلوا أصلاً دور الفقيه.

وهبة الزحيلي: هم آثمون، مخطؤون، خارجون عن أصول هذه الشريعة، بل عطلوها في كثير من الأمور حينما استوردوا القوانين الوضعية الغربية وطبقوها القانون المدني والجنائي والدستوري والإجراءات والتجاري وغير ذلك فهم آثمون..

عبد الصمد ناصر: أيضاً بعض الفقهاء..

وهبة الزحيلي: {ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ}..

عبد الصمد ناصر: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}.

وهبة الزحيلي: فهم حين يعطلون يرتكبون آثم..

عبد الصمد ناصر: لكن بعض الفقهاء أيضاً رضخوا للسياسي وأصبحوا يباركون فقط كل خطواته..

وهبة الزحيلي: مع الأسف الشديد أن التورط في مجاملة الحكام ومنهم طائفة سموا بعلماء السلطة يحاولون أن إما بحسن نية أن يقربوا الإسلام من المفاهيم الحديثة ويتنازلوا عن أصول هذه الشريعة وبعضهم بسوء نية يريد مجرد إرضاء الحاكم بما يتجه إليه.

عبد الصمد ناصر: لأنهم مجرد موظفين..

وهبة الزحيلي: مجرد موظف ولذلك كلا الاتجاهين خطأ وخطر، ينبغي على الفقيه أن يكون هو السيد في هذه الأمور وأما الحاكم هو المنفذ لأصول الشريعة وأحكامها، فينبغي أن يأتمر بأمر هؤلاء العلماء {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، أولي الأمر في السياسة والحكم هم الحكام.. لا نتدخل في قضاياهم التكتيكية والاستراتيجية والملائمات للظروف القديمة والحديثة، لكن فيما مجال العلم..

عبد الصمد ناصر: فيما لا يخص ذلك الشريعة..

وهبة الزحيلي: هم العلماء المتخصصون.

تعريف الهدنة وشروطها وسقفها الزمني

عبد الصمد ناصر: طيب لو دخلنا في صلب الموضوع الآن في موضوع الهدنة والسلام وأحكامها في الفقه الإسلامي، في القانون الدولي تُعرف الهدنة على أنها وقف للقتال بصفة مؤقتة وقد تكون مؤقتة بين قوات متحاربة ولكن الهدنة باعتبارها إحدى مفردات الفقه الإسلامي، كيف عرفها الفقهاء؟

وهبة الزحيلي: من المعلوم بداهة أن الهدنة أو الصلح نوعان.. إما صلح مؤقت أو صلح مؤبد..

عبد الصمد ناصر: إذاً الهدنة والصلح هنا بمعنى واحد؟

وهبة الزحيلي: الصلح والهدنة بمعنى واحد إذا كان مؤقتاً، فالهدنة تماماً كما ذكرت في القانون الدولي وهو اتفاق كل اتفاق له أهمية سياسية وأساسية بين القوات المتحاربة لوقف القتال بصفة مؤقتة، نفس هذا التعريف سبق إليه فقهاء الإسلام فقالوا الهدنة هي اتفاق بين مع أهل الحرب لإنهاء القتال مدة مؤقتة بعوض أو بغير عوض، إذا كان نحن في حالة من الحرج والضعف ممكن أن ندفع مقابل.. هذا عوضاً وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ومعاوية عرض على الروم هذا..

عبد الصمد ناصر: فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في صلح الخندق أعتقد.

وهبة الزحيلي: أيوة في واقعة الخندق أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة..

عبد الصمد ناصر: لم يقع الصلح.

وهبة الزحيلي: لكن هذا الاتجاه بيدل على الجواز وهو استعداد من أجل أن ينزح قريش وغطفان والقبائل التي جاءت لاستئصال وجود المسلمين في المدينة، عرض عليهم أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، فجاء سعد بن معاذ.. سعد بن عبادة وقالوا والله لا نعطيهم إلا الدنية والسيف، كنا لا نعطيهم شيئاً منها من ثمار المدينة في الجاهلية أفنعطيهم بعد أن أعزنا الله بالإسلام، فلم يأخذوا به وبرأي النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن المصلحة والسياسة في هذه الحالة ألا يعطوا شيئاً من.. لكن إذا اقتضت المصلحة ذلك لدفع الضرر.. الضرر يزال والضرورة تبيح المحظورات فلا مانع من ذلك.

عبد الصمد ناصر: إذاً الهدنة بالمفهوم الشرعي لا تعني اتفاق سلام بالمفهوم القانوني الآن؟

وهبة الزحيلي: لا هي تعني نفس المفهوم.

عبد الصمد ناصر: دائم، المقصود دائم هنا.

وهبة الزحيلي: لا إذا كان السلام مؤقتاً والهدنة أو الصلح مؤقتاً فيتفقان، أما إذا كان هناك إرادة تحقيق سلام دائم فهذا لا تنطبق عليه قضية الهدنة وإنما يحتاج لمقومات أخرى.

عبد الصمد ناصر: متى تجوز الهدنة؟ وهل هناك ضرورة للتكافؤ بين المهادَن والمهادِن؟ تكافؤ في القوة؟

وهبة الزحيلي: الهدنة تجوز إذا كانت هناك إما مصلحة للعدو بأن أحس بضعفه وأن يتسرب إليه الوهن والضعف والانهزام فعرض علينا الهدنة فنجيبه إليها عملاً بالآية الكريمة {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} وكذلك نحن إذا وجدنا أن المصلحة تكون في قبول هذه الهدنة أيضاً نبادر إليها ولا نتلكأ إطلاقاً لأننا نحن كما قلت لكم طلاب سلام وإحقاق حق والوصول إلى تهدئة الأوضاع لأن الحروب تقضي على الأخضر واليابس وتلحق الضرر بالطرفين..

عبد الصمد ناصر: الآية تقول وإذا جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا..

وهبة الزحيلي: {وإن جَنَحُوا}..

عبد الصمد ناصر: {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} لكن هنا..

وهبة الزحيلي: إن مالوا للسلم يعني السلم الجدي والذي فيه مصداقية والسلم الذي يقوم على رعاية الحقوق وتحقيق المصالح فإن جنحوا يعني مالوا إلى هذا فمل إليه إذا تحققت هذه الأوضاع المتكافئة.

عبد الصمد ناصر: إن جنحوا هم ولكن هل يجوز ابتداء المسلمين بطلب الهدنة؟

وهبة الزحيلي: طبعا يجوز، إذا كان نحن نفس الظرف الذي يمر به العدو إن كان حالة المعركة والظروف فيها مضايقة وإلحاق ضرر وخطر علينا يمكن أن نطلب السلام إذا كنا في مثل هذه الحالة ولا يشترط حينئذ كما تذكر في السؤال حضرتكم إنه أن يكون هناك تكافؤ بين الطرفين في القوة والضعف لا يلزم وإلا لن تقع هدنة، لابد أن يكون أحدهم أضعف من الآخر والآخر أقوى منه فالتكافؤ..

عبد الصمد ناصر: ربما أحياناً العدو قد يرى العدو مصلحة في الجنوح نحو السلم ولكن إذا طلب هذا العدو أو غير المسلم الهدنة وكان فيه مضرة للمسلمين هل يجاب أم لا يجاب؟

وهبة الزحيلي: بعض الأحوال لا نجيبه، مثلاً كنا نحن قرب الوصل إلى انتزاع النصر وتحقيق الفوز عندئذ يكون طلب الهدنة خداعاً ولذلك الآية الثانية كما قلت لك تقيد هذه الآية {فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} يعني نحن نطلبها إذا كنا في حالة نقترب فيها من الانتصار ويكون طلب الهدنة كما حدث في خديعة التحكيم يكون نوعاً من الخداع والإساءة لنا، فنقدر الأمور بحسب ما نحقق المصلحة والموضوعية ونكون حذرين {ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} هذه أمور كلها تكمل الوضع الإسلامي وتحقق أهداف الأمة الإسلامية.

عبد الصمد ناصر: نعم، تحدثت قبل قليل على السقف الزمني أو المدة التي يفترض أن تقوم عليها الهدنة، سننتقل إلى هذه النقطة ولكن بعد أن آخذ فاصل، دكتور بعد الفاصل نواصل.. بعد الفاصل مشاهدينا الكرام فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة، حلقة اليوم حول الهدنة والسلام مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي، فضيلة الدكتور هل يضع الفقه الإسلامي سقفا زمنيا أو حدودا زمنية للهدنة لا يمكن ولا ينبغي تجاوزه؟

وهبة الزحيلي: أيوة، هناك ظروف تقتضي تحديد مدة الهدنة، أقل مدة نص عليها القرآن {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وهادن النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية من زعماء قريش على مدة قوامها كان أربعة أشهر ومع ذلك جاءت قضية صلح الحديبية وكان هذا الصلح مشتملا على مدة للهدنة عشر سنوات، فهنا للعلماء اتجاهان في هذا الموضوع.. اتجاه يقول هذا هو الحد الأقصى ولكن..

عبد الصمد ناصر: أربعة أشهر؟

وهبة الزحيلي: لا عشر سنوات..

عبد الصمد ناصر: عشر سنوات الأقصى..

وهبة الزحيلي: عشر سنوات الحد الأقصى ولكن الاتجاه الأكثر الذي عليه العلماء قالوا هذا لا يدل على تحديد المدة القصوى وإنما يجوز صحيح أن تكون مدة عشرة سنوات ولكنها قابلة للتجديد..

عبد الصمد ناصر: قابلة للتجديد..

وهبة الزحيلي: وحينئذ نوفق بين الاعتبارين وهذا يؤدي إلى أن نكون في غاية الحذر والحساسية من معاملة الأعداء لأن قد يتخذون من الهدنة سبيلا إلى التقوية وإلى الإعداد وإلى وضع الخطط ووضع كل الإمكانات التي تمكنهم..

عبد الصمد ناصر: قد تكون الهدنة استراحة محارب كما يقال..

وهبة الزحيلي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: قد تكون مناسبة لكي يعيد العدو أوراقه.. قراءة أوراقه من جديد..

وهبة الزحيلي: فحين إذا هذا يتطلب منا إذا ثبتوا واحترموا بنود الهدنة فنحن نحترمها، يقول الله تعالى {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} {فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ} ولكن إذا برزت بوادر وقرائن تدل على تحركاتهم العسكرية عندئذ ينبغي أن نكون ملاحظين هذا التقدير ومن هنا يمكن أن تنهى الهدنة لقوله تعالى {وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}، يعني انقض الهدنة لأن هم بدؤوا بالإعداد لمعركة أخرى اشد وأشرس من المعركة السابقة.

عبد الصمد ناصر: طبعا نقض الهدنة لا يكون هكذا فجائيا يعني إنما بإبلاغ العدو أن الهدنة قد انتهت..

وهبة الزحيلي: لابد من إبلاغ العدو ليكون هو على سواء، يعني بأن تستوا أنتم وهم بالعلم بنقض الهدنة فتكون الطرفان على قدم المساواة بأن هناك ظروف جديدة وحربا تُعلن أو حالة حرب تكون بيننا وبينهم..

عبد الصمد ناصر: قلت قبل قليل قلتم فضيلة الدكتور ظروف تقتضي تحديد المدة الزمنية للهدنة ولكن ما أصل هذا التحديد الزمني للهدنة وما وجه الإلزام به؟

وهبة الزحيلي: لا شك كما قلت لك هي نصوص واضحة من القرآن الكريم في تحديد هذه المدة وفي السُنّة النبوية..

عبد الصمد ناصر: هناك اختلافات بين الفقهاء حول هذا الموضوع..

وهبة الزحيلي: حول فقط في التجديد، هل هي حد أقصى؟ الرأي الراجح أنها حد ليست حدا أقصى هذه المدة وإنما قابلة للتجديد..

عبد الصمد ناصر: أيضا هناك من قال باختلاف حال المسلمين أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء؟

وهبة الزحيلي: ضعفا.. نعم هذا ما قرره الفقهاء سابقا، إذا كنا في حال ضعف يكون الوضع كذا وإذا كنا في حال قوة يكون كذا، هذه قضية ملائمات..

عبد الصمد ناصر: طيب بالنسبة لحال المسلمين الآن مثلا الفلسطينيين هم الآن في حالة ضعف أم قوة؟

وهبة الزحيلي: لا شك في حال ضعف ولو كانوا في حال قوة لما وصلوا إلى هذا النحو من التردي.. تردي الأوضاع ولكن ينبغي أن ندرك أن العدو الصهيوني نقض الهدنة ولم يعد لها وجود لأن الهدنة ينبغي أن تحترم من الطرفين، فحينما نقضوا الهدنة ومنذ نشأة الكيان الصهيوني هم نشؤوا على العدوان ونشؤوا على الظلم فقتلوا وطردوا وشردوا وأساؤوا إساءة بالغة وصادروا الأراضي وقطعوا الأشجار وأخلوا بكل أنظمة الحياة المدنية والحضارية وقتلوا الأطفال والرجال والنساء وشردوا الجميع ويعني وإلى الآن نجد هذه السياسة العدوانية مستمرة في الكيان الصهيوني لم ينكفوا عنه بحال من الأحوال وأنا عشت هذا الصراع منذ سنة 1948 إلى الآن.. أتمنى أن يمر أسبوع أو يوم إلا ويكون للعدو الإسرائيلي نقض واضح لكل معالم الاتفاقات والهدن وبالتالي إلحاق الضرر بالفلسطينيين وغيرهم.

عبد الصمد ناصر: طيب في الحالة الفلسطينية ما الفرق بين الهدنة والسلام؟ يعني هل يعتبر مثلا صلح الحديبية هدنة أو سلام يمكن أن ينسحب عليه الوضع اليوم؟

وهبة الزحيلي: نفس الاعتبارات واضحة لأنه الهدنة هي اتفاق مع طرف آخر من الأعداء فهي هدنة وليست سلام دائم، السلام الدائم هو الذي له مقومات هذا السلام وذكرتم في مطلع هذه الندوة أن هذا يتعلق بوضع الأعداء فيه بديارهم، أما إذا اغتصبوا ديارنا وأصبحوا ظلمة في هذا الاحتلال والاغتصاب فحينئذ لا تنطبق عليهم قواعد السلم الدائم وإنما يمكن أن تُعقد معهم عقود هدن وصلح مؤقت..

عبد الصمد ناصر: هدن مفتوحة؟

وهبة الزحيلي: لا مؤقت..

عبد الصمد ناصر: بعض العلماء أجازوا الهدنة المفتوحة..

وهبة الزحيلي: هذا غير صحيح ومثل هذه الفتاوى كلها شاذة، نحن دائما مع الأسف الشديد نتعرض لمثل هذه الآراء الجانحة ومنها هذا التوجه وجعلها هدنة مفتوحة يعني سلم دائم وهذا خطأ.

الهدنة وفرض الجهاد

عبد الصمد ناصر: هل يعني ذلك إلغائنا الجهاد أو المقاومة؟

"
الجهاد وُجد لرد العدوان ولا يمكن أن نعطل الجهاد بأي حال من الأحوال. يقتضي بقاء الجهاد لأن العدو لا يفهم إلا هذه اللغة
"
وهبة الزحيلي: إطلاقا الجهاد وُجد لرد العدوان ولا يمكن أن نعطل الجهاد بحال من الأحوال، النصوص القرآنية الكثيرة التي تحمي عزة الأمة وكرامتها وصون استقلالها وحرياتها والحفاظ على أمنها ووجودها يقتضي بقاء الجهاد لأن العدو لا يفهم إلا بهذه اللغة.. لغة القهر ولغة الحرب ولغة القتال، فإذاً كيف نعطل الجهاد؟ الجهاد ماض إلى يوم القيامة، يعني ماض لا يعني أننا نبدأ العدوان وإنما الجهاد له ضوابط وله قواعد وله أصول لا نلجأ إليه إلا ضمن أحوال منها مثلا رد الاعتداء كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} وكذلك أيضا يكون هذا الجهاد باقي من أجل نصرة جماعة مستضعفة مثل إخواننا في فلسطين عملا بقوله تعالى {ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ}..

عبد الصمد ناصر: لكن المشكلة فضيلة الشيخ..

وهبة الزحيلي: وأيضا الحال الثاني أن يكون دفاع عن النفس وهو أول آية نزلت في شأن تشريع الجهاد {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وأرجو أن تعلم ويعلم السادة السامعون أن جميع الحروب والوقائع التي خاضها المسلمون بدأ من العهد النبوي إلى تاريخنا اليوم كان المسلمون هم المُعتَدى عليهم سواء في الغزوات التي كانت بين المسلمين والعرب وبقي المسلمون خمسة عشرة سنة صابرين على أذى الآخرين حتى أُذن بهذه الآية برد العدوان..

عبد الصمد ناصر: والجهاد هنا فرض عين؟

وهبة الزحيلي: لا الجهاد إذا كان هناك استنفار عام، {انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً} بأن طلب الإمام العادل أن يكون هناك استنفار لكل القوى من أجل دفعة شر عدو شرس ويحاول اجتياح البلاد الإسلامية عندئذ يكون فرض عين، لكن الحكم الغالب أنه فضل كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقيين.

عبد الصمد ناصر: لكن ماذا لو اختلفت مثلاً في فلسطين والفصائل الفلسطينية أو فصائل الجهاد في وطن محتل كفلسطين بين مواقف مؤيدة ومعارضة مثل الهدنة والجهاد وغير ذلك؟

وهبة الزحيلي: الأمر كل اختلاف يا حضرة الأستاذ عبد الباسط مرده إلى شرع الله {ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ} والتنازع {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ} أي إلى القرآن والسُنّة، فمرد المختلفين إلا القرآن والسُنّة وإجماع الأمة..

عبد الصمد ناصر: المشكلة هنا قد يقول قائل حكم الله هنا ليس واضحاً؟

وهبة الزحيلي: لا واضح كل الوضوح وتقدير المصلحة يعني لو أتينا بناس من متوسطي العقل والذكاء والخبرة وقلنا لهم ما المصلحة في هذا يقولون المصلحة كذا وكذا، الشمس لا تُحجب عن الأعين التي تراها في كل وقت وكذلك المصلحة واضحة في هذا.

عبد الصمد ناصر: طيب من ينوب هنا عن الأمة في الهدنة عندما تكون الأرض محتلة؟

وهبة الزحيلي: الإسلام دين نظام ودين انضباط، فلا يسمح بأن تتسرب الفوضى إلى هذه العقود الخطيرة والحساسة، فدائماً يربط تطبيق العقوبات مثلاً على الناس بالحاكم أو نائبه، كذلك أيضاً الهدنة وكل العقود والمعاهدات العامة مرتبطة أساساً بالحاكم بأنه أوعى ويقدِّر الظروف والمصالح للاستعانة طبعاً بالخبراء والمستشارين فهو الذي يتعلق به هذا الأمر تعلقاً أساسياً ولا يجوز لأي إنسان أن يقدم على إبرام عقد معاهدة دائمة أو مؤقتة إلا بتوجيه من الحاكم.

عبد الصمد ناصر: أحياناً قد يكون الحاكم متعلقاً بالكرسي أكثر من تعلقه بمصالح الأمة.

وهبة الزحيلي: هذا إذا كان الحاكم مخالفاً أو شاذاً أو يسير بأهوائه الشخصية ويصادم أصول الشريعة ولا يرعى مصالح الأمة فهذا عزله يكون واجباً.

عبد الصمد ناصر: نسمع بعض الآراء من السادة المشاهدين، معي.. نبدأ بالأخ عبد الباسط أبو الكامل من الإمارات، تفضل أخ عبد الباسط.

عبد الباسط - الإمارات: السلام عليكم.

وهبة الزحيلي: وعليكم السلام.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عبد الباسط: أحيي أستاذنا ودكتورنا الدكتور هبة الزحيلي على هذا ما تفضل به وأظن ما تفضل به يدخل في رسالته الجامعية التي نال فيها رسالة الدكتوراه التي هي أثار الحرب في الفقه الإسلامي وحقيقة أريد أن أقول إن هناك بعض الدول وبعض الساسة يلجأ إلى إيهام شعبه كما حدث وكنا نسمع من خطابات السادات عندما بدأ بكامب ديفد عقد الصلح كان يبدأ خطاباته بقوله تعالى {وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} وتعلمنا من فضيلة الدكتور أنه في القرآن الكريم ما من مطلق إلا وقد قُيد وما من عام إلا وقد خُصص، فهل يجوز لحاكم أن يعقد صلحاً دائماً مع العدو ويورط الأمة في ذلك ويكون هناك تبادل في السفارات ومثل هذا الأمر؟ أرجو..

عبد الصمد ناصر: شكراً لك عبد الباسط، هل لك سؤال آخر؟

عبد الباسط: نعم سيدي.

عبد الصمد ناصر: هل لديك سؤال آخر؟

عبد الباسط: أيضاً هناك بعض الحكام يتصرف سلوكاً معيناً ويطلب من الحكام تأكيد هذا من الأدلة.. يطلب منهم أدلة من الشرع على سلوكه، فهل يجوز ذلك أم هنالك يجب أن يكون العكس في ذلك؟ وكذلك الدكتور هل يرى أن المجامع الفقهية هي صورة من صور الإجماع الواقعي التي يمكن أن تتحقق في الشريعة الإسلامية؟

عبد الصمد ناصر: شكرا لك أحمد عبد الباسط، إلى أحمد علي من سويسرا.

أحمد علي - سويسرا: نعم، السلام عليكم أخي عبد الصمد وعلى ضيفك الكريم.

عبد الصمد ناصر: شكرا.

أحمد علي: أخي عبد الصمد أرض فلسطين وكل بلاد المسلمين المغتصبة هي ملك لجميع المسلمين والدفاع عنها واجب على جميع المسلمين وبالتالي لا مجال للقول بأن أهل فلسطين في موقف ضعف لأن الواجب هو على جميع المسلمين والأمة قادرة على إزالة إسرائيل إذا توفرت فيها الإرادة السياسية ونحن ما زلنا.. أخي عبد الصمد لحظة ونحن ما زلنا نعقد الآمال كل الآمال على جيوشنا وننتظر منهم تحرك يرضي الله ورسوله كي يزيحوا عن صدر الأمة ما يمنع وحدتها وإيجاد القيادة التي تأمر بإزالة إسرائيل وشكرا.

عبد الصمد ناصر: شكرا لك أحمد على، محمد ظاهر من فرنسا، تفضل أخ محمد.

محمد ظاهر - فرنسا: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

محمد ظاهر: نعم أخيك أخ عبد الصمد..

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك.

محمد ظاهر: وأحي العلامة الشيخ وهبة..

وهبة الزحيلي: بارك الله فيك، شكرا.

محمد ظاهر: نعم في الحقيقة أنا أريد أن أقول إنه من الغرابة أن الحاكم يقوم أولا بطبعا الاستسلام وعقد معاهدة مع إسرائيل ثم يطلب من المفتي أو الشيخ بإيجاد محاكمة أو فتوى تركب على الشيء القائم ويعرف أن الشيء القائم هو مخالف للتعاليم الإسلامية ومع ذلك يطلب من الشيخ وهذا الشيخ قد يكون محنك ويأتي بآيات قرآنية يلعب بها ويقنع الشعب..

عبد الصمد ناصر: السؤال واضح محمد وهو نفس السؤال تقريبا السؤال نفسه الذي طرح عبد الباسط، شكرا لك أخ محمد من فرنسا، كمال شكري من ألمانيا، تفضل أخ كمال.

كمال شكري - ألمانيا: تحية لك يا أخ عبد الصمد وتحية خاصة للدكتور وهبة الذي يعني تعلمت الكثير منه حاليا في هذه الجلسة التي كنت أصغي بما قال بها وما قام به..

وهبة الزحيلي: شكرا.

كمال شكري: سؤالي الأول ما موقف الإسلام.. وأنا عايز إجابة حادة وصارمة من معاهدة كامب ديفد التي قام بها للأسف بعد النصر العظيم للقوات المصرية على الجبهة وتحرير سيناء مع الجانب الصهيوني؟ ما موقف الإسلام منها تماما؟ هل هذه المعاهدة ثابتة إلى مدى الحياة أو ما الموقف الإسلامي لأنني أنا لا أعلمه؟

عبد الصمد ناصر: شكرا لك.

كمال شكري: السؤال الثاني أخ عبد الصمد بسرعة..

مدى شرعية معاهدات السلام مع إسرائيل

عبد الصمد ناصر: شكرا لك يا أخ كمال لضيق الوقت فقط.. السؤال واضح، بارك الله فيك، فضيلة الشيخ لو لديك بداية تعليق على ما قاله عبد الباسط هل يجوز للحاكم أن يعقد صلحا دائما مع العدو ويورط الأمة في ذلك؟ وهو ينسجم مع سؤال كمال شكري الذي قال ما موقف الإسلام من معاهدة كامب ديفد التي وقعتها مصر في عهد أنور السادات؟ هل هي معاهدة ثابتة ملزمة لمن بعد أنور السادات وغيره؟

وهبة الزحيلي: نعم، إذا كان الأمر مقصورا على قضية العدو الإسرائيلي فلنا جواب وإذا كان متعلقا بأي عدو آخر في بلاده فلنا جواب آخر، يجوز للحاكم الأعلى وإمام المسلمين أن يعقد مع أي عدو في خارج البلاد الإسلامية صلحا دائما بحسب ما يتحقق به الخير للإسلام والمسلمين..

عبد الصمد ناصر: صلحا دائما؟

وهبة الزحيلي: نعم يجوز أن يُعقد وعُقدت واتفق على أن بعضها يقف على الحياد، صلح دائم في معاهدات تكون دائمة كالبلاد التي فُتحت عنوة وتم فيها الاتفاق على إبقاء الأرض بأيديهم ووضع الخراج عليها.. هذا جائز..

عبد الصمد ناصر: قبل قليل قنا المدة القصوى للهدنة..

وهبة الزحيلي: لا أما الصلح الدائم يجوز..

عبد الصمد ناصر: عشر سنوات يتم التجديد..

وهبة الزحيلي: بأن تكون.. عفوا هذا في بلاد الأعداء، إذا كان المصلحة الإسلامية قد تحققت وكانت السيادة للمسلمين في هذه البلاد أصبحت تابعة لنا عندئذ يجوز الصلح الدائم، أما موضع علاقتنا مع العدو الإسرائيلي هذا لا يجوز بحال من الأحوال لا لحاكم ولا لغيره سواء أكان في دول النظام الإقليمي اللي الآن نحن نعيش في الأسرة الدولية على نظام الدول الإقليمية، هذا الانفراد الذي يقوم به بعض الحكام من إبرام مثل هذا الصلح باطل شرعا ولا يجوز..

عبد الصمد ناصر: إذا وهذه المعاهدات الأبدية باطلة؟

وهبة الزحيلي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: هذه المعاهدات الأبدية باطلة؟

وهبة الزحيلي: باطلة ولا يجوز العمل بها، ثم إن العدو نقضها ولم يعد لها وجود من العدو قبلنا، نحن قبل أن نقول هي باطلة هي باطلة منذ نشأتها..

عبد الصمد ناصر: نحن الآن لسنا في زمن كما كان في عهد الدولة الإسلامية كان هناك حاكم وخليفة وكانت البلاد الإسلامية موحدة، الآن نحن في زمن القطرية، كل دولة مستقلة ولها سيادتها ولها أراضيها ولها شعبها يعني وكل اتفاقية ملزمة لها ولأهلها حسب وضعها هي..

وهبة الزحيلي: لا يجوز..

عبد الصمد ناصر: هل مصر مثلا ملزمة مثلا بأن تعيد النظر في اتفاقيات السلام التي وقعتها مع إسرائيل..

وهبة الزحيلي: نعم بلا شك..

عبد الصمد ناصر: بالنظر إلى ما يجري في فلسطين؟

وهبة الزحيلي: نعم هذا..

عبد الصمد ناصر: أو الأردن أيضا..

وهبة الزحيلي: واجب على أي حاكم بعد أن تورط الرئيس السادات في هذا الأمر يجب أن ينظر في هذا الأمر نظرة عاجلة وهذا الحكم يخالف الأصول الإسلامية والتعليمات والإرشادات والقواعد التي نصت عليها شريعتنا.

عبد الصمد ناصر: هناك فتوى كانت صدرت من جاد الحق يعني أصدرها من دار الإفتاء بإباحة الهدنة والصلح مع إسرائيل وهي عكس فتاوى أخرى مثل فتوى الشيخ حسن مأمون مفتي مصر الأسبق الذي أفتى بعدم جواز السلام مع إسرائيل، كيف تنظرون هذا التضارب في الفتاوى؟ هل هناك أصول لهذا الاختلاف؟

وهبة الزحيلي: نعم إذا أحسنا الظن وقررنا الأمور بعين الحقيقة والصواب ففضيلة الشيخ حسن مأمون وهو رجل عالم وتقي وجليل وجريء ففتواه هي التي تمثل الفتوى الصحيحة والمطابقة للأصول الإسلامية، أما فتوى الشيخ جاد الحق وهو رجل صديقي.. الواقع إذا قلنا لأن فتوى الشيخ حسن مأمون قال لا يجوز عقد سلام، فالسلام إذا قصد به السلام الدائم هذا لا يجوز بالاتفاق..

عبد الصمد ناصر: دكتور اسمح لي..

وهبة الزحيلي: عفوا ولكن فتوى جاد الحق هي يقصد بذلك يجوز الهدنة والصلح.. يقصد الصلح المؤقت، فالصلح المؤقت جائز أما عقد سلام دائم واعتراف لأن السلام الدائم يتطلب الاعتراف والإقرار.. إقرار الغاصب على ما اغتصبه وأن يكون له الشرعية في هذا الأمر.. هذا بالإطلاق وبالاتفاق صلح باطل ولا يجوز شرعا..

عبد الصمد ناصر: دكتور أحمد الريسوني وهو عضو في مجمع الفقه الإسلامي بجدة كان قد أدلى برأي.. قال بأنه ليست فتوى بجواز هدنة مفتوحة مع إسرائيل يمكن أن تتحول إلى اتفاق سلام.

وهبة الزحيلي: أولا أريد أن أقول للأخ الدكتور الريسوني أولا ينبغي علينا ألا ننجر مع التنازلات السياسية فتكون هناك تنازلات في الفتاوى.. هذا أول شيء، الشيء الثاني أن المعايير التي اعتبرها وهي قضية الضرورة وغير ذلك أؤكد له أن معايير الضرورة وضوابطها غير منطبقة، حينما تتعرض الأمة لهلاك محقق أو موت زؤام حينئذ يأتي معيار الضرورة ولكن هذه الأمة الآن وفي المستقبل وفي كل زمان لن تموت أمتنا وستظل عالية الرأس، يشرفها انتمائها لهذا الإسلام ورسالته القرآنية فلا تنطبق عليها ما قال على هذا الوضع في بالنسبة لحماس وحتى حماس كانوا في غاية الوعي هم ملتزمون التزما دقيقا بعدم الاعتراف وعدم الإقرار واتفاق مكة الأخير هو قالوا لا مانع من احترام الاتفاقات السابقة التي أجراها الرئيس السابق عرفات فهذا يعني من قبيل الاحترام ولكن اعتراف وإقرار لا يجوز..

وهبة الزحيلي: كان يفترض الدكتور الريسوني أن يكون معنا عبر الهاتف ليرد ويوضح موقفه لكن للأسف تعذر عن ذلك لا أدري لماذا؟

عبد الصمد ناصر: فيه سؤال أخير فضيلة الشيخ دكتور، كيف يكون شكل العلاقة.. للأسف الوقت ضيق جدا تنظر للساعة، كيف يكون شكل العلاقة أثناء عقد الهدنة والسلام بين المسلمين وغير المسلمين؟ طبعا نتحدث اليوم عن علاقات اقتصادية وثقافية وتجارية مع إسرائيل من قبل بعض الدول التي وقعت اتفاقيات سواء اتفاقيات سلام أو اتفاقيات خاصة؟

وهبة الزحيلي: أولا كل ما بني على باطل فهو باطل ومع ذلك نحن دعاة إنسانية ودعاة حضارة ودعاة بناء ودعاة احترام لحقوق الإنسان ووجوده، فأيا كان انتمائه أو دينه أو مذهبه لأنهم جميعا خلق الله فلا يصح لنا أن نتجاوز هذا الخط الأحمر ولكن بالنسبة لوضعنا مع إسرائيل.. أولا هذه الاتفاقات هم بادروا إلى نقضها وهدمها فلم يعد لها وجود وحينئذ إذا كان قد بادروا إلى احترام هذه المعاهدات ولعل قادمات الأيام يعني تستيقظ عندهم يعني القضايا الإنسانية والدوافع الإنسانية فيكون هناك اتفاق دائم اتفاق بهدنة طويلة.. ففي هذه الحالة لا مانع من وجود علاقات بينية واقتصادية واجتماعية وثقافية بشرط التزامهم بمقتضى هذه الهدنة وبمقتضى الاتفاقات المبرمة وألا يكون فيها إخلال بشيء منها وبشرط أيضا آخر ألا يكون منا موقف يؤدي إلى دعم العدو من ناحية تقديم السلاح والذخائر وإمدادهم بكل المقومات التي يتقوون بها علينا.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك يا فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية الدولية وصاحب موسوعة التفسير المنير وموسوعة الفقه الإسلامي وأدلته وموسوعة أصول الفقه، بارك الله فيك..

وهبة الزحيلي: صدر لي موسوعة رابعة موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر..

عبد الصمد ناصر: فقه إسلامي معاصر؟

وهبة الزحيلي: أيوه.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الدكتور، مشاهدينا الكرام شكرا لمتابعتكم ولكم في الختام تحيات منصور الطلافيح في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد ومن باقي الطاقم الفني ومني عبد الصمد ناصر، نلتقي في الأسبوع القادم بحول الله.