- ماهية أمراض النفس من المنظور الديني
- مراتب النفس وأنواعها

- محاسبة النفس والتعادلية بين الروح والجسد


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الشمس بسم الله الرحمن الرحيم {ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} صدق الله العظيم، ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله إن مرض القلب نوعان نوع لا يتألم به صاحبه في الحال كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم لأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم وهذا أخطر المرضين وعلاجه يكون بالشرع فقط ومرض مؤلم له في الحال كالهم والغم والحزن والغيظ وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه أو العلاج بما يضاد تلك الأسباب، فما هي العلاقة بين علاج أرباب السلوك من المتصوفة وغيرهم وعلاج أطباء النفس؟ وما هي مراتب النفس؟ وكيف يمكن محاسبة النفس لترقيتها دون أن نقع في جَلْدها وكبتها؟ إذاً أمراض النفس موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أهلا بك فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي - داعية ومفكر إسلامي: مرحبا بك أخ عبد الصمد.

ماهية أمراض النفس من المنظور الديني

عبد الصمد ناصر: أعتقد في ضوء الأحداث الأخيرة في المنطقة ربما لديك كلمة فضيلة الشيخ قبل أن نبدأ في الموضوع.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأذكى صلوات الله وتسليماته على رحمته للعالمين وحجته على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد فقبل أن ندخل في موضوعنا ونجيب عن الأسئلة المطروحة لابد لنا من كلمة نقولها عما يجري في أرض النبوات والمقدسات أرض الإسراء والمعراج أرض فلسطين إذا كان يجوز لنا أن نسكت أو نؤجل الحديث بعض الوقت عما يجري في أرض العراق وما يجري في أرض لبنان وما هو بجائز فإنه لا يجوز لنا بحال أن نسكت أو نؤجل الحديث عما يجري في أرض فلسطين لا يقبل مسلم بحال أن يقتتل الفلسطينيون بعضهم مع بعض أن يوجه رصاص الفلسطيني إلى صدر فلسطيني آخر هذا ما يرفضه الإسلام وهذا ما يرفضه المنطق وهذا ما يرفضه العقل وهذا ما ترفضه الوطنية وهذا ما ترفضه رفقة السلاح بأي منطق يعني نظرنا إلى الموضوع؟ لا يجوز لنا بحال أن نسمح باقتتال الأخوة بعضهم مع بعض كيف يتفق الأخوة وبعد يوم أو يومين نرى الاتفاق قد نقض ونرى عدوانات ونرى اقتتالات هذا أمر لا يجوز بحال من الأحوال لابد أن يُعرف مَن المتسبب في هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم في حرب الجمل المعروفة كلما اتفقوا على أمرٍ كي لا يحدث قتال ولا كذا يأتي هناك بعض الناس يرمون بعض السهام من هذا الجانب على هذا الجانب أو من هذا الجانب فتنشب المعركة هناك أناس من أمثال هؤلاء لا يحبون الخير للفلسطينيين ولا لأمتهم ولا هؤلاء ناس يستقوون بالأجانب على إخوانهم لا يرقبون في مؤمنا إلا ولا ذمة هؤلاء الناس هم الذين يحبون أن تشتعل المعركة دائما وأن يكون الاشتباك مستمرا وأن لا يهدأ الأمر وهذا ليس لمصلحة أحد قط هذا لا يستفيد منه إلا الصهيونية وإلا إسرائيل وإلا أعداء الإسلام وأنا أنادي الأخوة الفلسطينيين أنادي الأخوة في فصائل المقاومة الإسلامية المختلفة أنادي العلماء من أبناء فلسطين أنادي الدول العربية المختلفة التي لها يعني القدرة مثل مصر والسعودية وغيرهما وقد دعا العاهل السعودي خادم الحرمين الطرفين إلى اللقاء بجوار الكعبة المشرفة ولكن هذا كله لا يُجدي إذا لم يكن هناك مَن يُلزم هؤلاء الذين يخونون العهود وينقضون الوعود ويتعدون الحدود لابد أن يكون هناك من يلزم قد اقترحت منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون هناك لجنة تحكيم من خمسة، قاضي تختاره فتح وقاضي تختاره حماس وثلاثة قضاة تختارها البلاد الإسلامية أو العربية خمسة وهذه اللجنة تبحث وتحقق وتحكم والتحكيم شريعة قرآنية وشريعة إسلامية لابد من تدخل ولا يجوز لنا أن ندع الحبل على الغارب للذين يعبثون بمقدسات الأمة ولا يرعون لأحد حرمة ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفق الأخوة ويوفق العرب والمسلمين إلى تدخل حاسم في هذه القضية المهمة.

عبد الصمد ناصر: وبالتأكيد فضيلة الشيخ إن هذا الموضوع لا يمكن أن نخرجه عن سياق موضوع حلقتنا اليوم فلا إلزام إلا أن تكون نفس سوية سليمة لأنه لا يعقل أن يكون صاحب نفس سليمة صاحب قلب سليم.

يوسف القرضاوي: من غير الإلزام الخلقي والإلزام الديني إذا لم يكن عند الشخص ضمير..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: ضمير حي..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يرجو الله ويخافه ويحسب للآخرة حسابها إذا لم يكن هذا يعني الإنسان يفعل ما يشاء سيدنا عمر يقول مَن اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يريد ولولا يوم القيامة لكان الأمر غير ما ترون، كان كل واحد يعمل ما يشتهي وكل واحد اللي عنده قدرة ينفذ ما في قدرته ولا يبالي بقانون ديني ولا أخلاقي ولا شرعي إنما هناك حساب وهناك رقابة ذاتية من الضمير أو النفس اللوامة هذا الإيمان هو أصل كل شيء.

عبد الصمد ناصر: نعم لماذا سألتك لأن لا يُعقل أن يوجه مسلم الرصاص إلى صدر أخيه المسلم أيا مَن كان الفاعل من هذا الطرف أو من ذاك فضيلة الشيخ إلا إذا كان صاحب قلب قاسي وهنا في التعبير العامي قسوة القلب هي تعبير عن مَن لا يرحم ولا يعطف شرعا ما هي قسوة القلب ما هي علاماتها في الجانب الديني؟

"
قسوة القلب تعني جموده وعدم لينه وتعد عقوبة من الله وصف بها بني إسرائيل
"
يوسف القرضاوي: قسوة القلب جموده وعدم لينه وعدم استجابته للمؤثرات الله تعالى وصف بني إسرائيل بقوله {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} إلى آخره وقال في سياق آخر {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} يعني قسوة القلب هذه عقوبة من الله الله لعناهم مع لعنة الله جعل قلوبهم قاسية وقسوة القلب تظهر في أمرين أو أحد أمرين قسوتها على الإنسان وعلى المخلوقات بحيث لا يرحم الإنسان ولا الحيوان إنسان يعني قاسي لا يبالي بمَن يقتل لا يبالي بمَن يريق دماءه لا يبالي بشيء قلب حجر فهذه أول ما تظهر القسوة تظهر قسوة الإنسان على الإنسان يعني كابن آدم الأول الذي طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله وكما نرى الناس الذين يقتلون بالآلاف ويقتلون وكأن البشر دول صراصير ولا نمل ولا.. حتى يعني هذه الحشرات لا يجوز لنا الشرع أن نقتلها إلا بسبب من الأسباب فالقسوة تظهر على البشر وعلى المخلوقات حيوانات رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يقول "دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" تشوف رزقها فهذا من قسوة القلب دخلت النار..

عبد الصمد ناصر: في هرة..

يوسف القرضاوي: فهذا المظهر الأول من مظاهر القسوة المظهر الثاني من مظاهر القسوة أن لا يتأثر القلب بالمواعظ والمؤثرات يموت الميت من حوله لا يتأثر بالموت لا يتأثر برؤية الجنازة يزور القبور ويرى الذين كانوا معه بالأمس أصبحوا تحت التراب يرى الأغنياء والكبراء والأمراء قد طواهم الثرى وأكلهم الدود ولا يتأثر بذلك هذا أيضا ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من عين لا تدمع ومن قلب لا يخشع القلب الذي لا يخشع الله تعالى يقول {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} سيدنا أبو بكر سمع أناس جدد دخلوا الإسلام من جديد وسمعوا هذه الآية فذرفت عيونهم الدموع فقال سيدنا أبو بكر هكذا كنا حتى قست القلوب شوف أبو بكر يقول عن نفسه كنا مثل هؤلاء الذين يتأثرون حتى قست القلوب..

عبد الصمد ناصر: كأنه قسي القلب..

يوسف القرضاوي: فماذا نقول نحن وماذا يقول هؤلاء القساة الذين لا يبالون بشيء الذين يعذبون الخلق قبل أن يقتلوهم واحد قبل ما يقتله يعذبه عذاب شديد؟ أي قلب هذا..

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ يعني هذا من أمراض النفس وهي أمراض كما قلنا في حلقة سابقة متعددة وكثيرة ويسعى العلم الحديث طب النفس لعلاجها ولكن هنا نسأل هل تعتقد بأن مثل هذه الأمراض لها علاج في الدين؟

يوسف القرضاوي: أولاً أنا أفضل بالمنطق الديني أن أسميها أمراض القلب بدل أمراض النفس أمراض القلب لأن دي أمراض النفس دي تدخلنا في أمور أخرى وفي سياق آخر سياق علم النفس والقلق والاكتئاب واليأس وهذه الأشياء ونحن نريد أن نتكلم عن أمراض القلوب التي هي أساس معاصي القلوب وهي شر المعاصي.. المعاصي هناك معاصي ظاهرة ومعاصي باطنة وشر المعاصي وأخطرها على البشر هي المعاصي الباطنة التي لا تُرى بالحس ولكن تضمرها الصدور الكبر الغرور العجب الرياء الحقد الحسد البغضاء حب الجاه حب المال حب النفس هذه هي أمراض القلوب الخطيرة والقرآن إذا ذكر المنافقين فقال يعني {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِين (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} مرض القلوب هنا هو مرض النفاق مرض الشك المرض يعني الذي يجعل الإنسان صاحب شخصية مزدوجة له شخصية في العلن وشخصية في السر شخصية يلقى بها الناس وشخصية يعيش بها في بيته ذو الوجهين أو ذو اللسانين يعني { إذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ} {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ ولا إلَى هَؤُلاءِ} هذا مرض النفاق هناك القرآن يذكر لنا مرض الشهوة في قوله تعالى {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} يخاطب النساء {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} المرض هنا مرض الشهوة.. شهوة الغريزة الجنسية هذا مرض عند بعض الناس أمراض القلوب هذه هي الأمراض الخطيرة وهي التي ينبغي أن يتوافر أطباء القلوب على علاجها لأنها إذا تُركت استفحلت وحادت بالإنسان عن طريقه المستقيم وجعلت منه عبد لشهواته وأسير لأهوائه لم يعد أسير للحق ولا عبد لله..

عبد الصمد ناصر: طيب عفوا للمقاطعة فضيلة الشيخ لحد الآن لم أسمع جواب على موضوع العلاج بالدين هل لهذه الأمراض علاج بالدين أمراض القلوب وكيف؟

يوسف القرضاوي: العلاج بالدين ليس لها علاج إلا بالدين أمراض القلوب هذه أمراض الشرْك وأمراض النفاق وأمراض الشك..

عبد الصمد ناصر: البغض والحسد حقا..

يوسف القرضاوي: وأمراض الشبهات وأمراض الشهوات وأمراض الأحقاد وهذه الأمراض القلبية لا علاج لها إلا في ضوء الدين وتحت راية الدين ولا يمكن أن يستطيع حتى علماء النفس يعني الذين حاولوا أن يعالجوا الأمراض النفسية المعروفة خصوصا في أميركا.. أميركا من أكثر بلاد العالم عيادات نفسية لأن الأمراض النفسية فيها القلق والاكتئاب والحزن واليأس وهذه الأشياء يعني بالملايين..

عبد الصمد ناصر: منتشرة..

يوسف القرضاوي: والأطباء النفسيين وجدوا أن خير علاج لهذه الأدواء هو الدين هو الإيمان حتى إن يعني عالم نفسي شهير وطبيب نفسي كبير اسمه هنري لينك ألّف كتاب منذ أوائل الخمسينات يعني طُبع ونقله إلى العربية الدكتور ثروت عكاشة قال في ذلك الوقت هذا الكتاب طُبع 47 طبعة في أميركا في عدة سنوات..

عبد الصمد ناصر: ونفذ من السوق..

يوسف القرضاوي: يقول فيه الكتاب سماه العودة إلى الإيمان الرجل يقول فيه أنا وجدت إن أعظم طريق لعلاج الأمراض النفسية التي يشكوا منها الناس في عصرنا هو الإيمان..

عبد الصمد ناصر: الفراغ الروحي..

يوسف القرضاوي: والإيمان هو كما وصفه هو إن الإنسان يؤمن بأن هناك خالق فوق الجميع يدبر أمر هذا الكون ويضطلع على حال الإنسان وهو صاحب القدرة وصاحب الحكمة وصاحب كذا وعلى الإنسان أن يثق به يعني إيمان فطري مش الإيمان المسيحي لا الإيمان لو نظرت إلى ما ذكرته تقول الإيمان الإسلامي لأنه هو الفطرة فعلماء النفس يقولون نستعين بالدين ونستعين بالإيمان..

عبد الصمد ناصر: هل هذا ربما يدخل في قوله تعالى {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}؟

يوسف القرضاوي: آه هذا {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} ترسم للمسلمين منهج في يعني علاج مشاكلهم سواء كانت المشاكل النفسية المشاكل الأسرية المشاكل الاجتماعية المشاكل السياسية أو الاقتصادية المشاكل العامة الكبرى كثير من الناس يريد أن يفر من مواجهة هذه المشاكل ويعرف أسبابها الحقيقية ويعرف علاجها فأحيانا نفر ونضع المسؤولية على غيرنا فنقول هذا سببه تخطيط الأجانب وكيد الأميركان ومكر الصهاينة وتحالف الصليبيين وكذا ونلقي التبعة..

عبد الصمد ناصر: لكن هل هذا..

يوسف القرضاوي: لابد لكي نواجه العلاج الصحيح أن نعترف بأن إحنا المسؤولين الأُوَل قد يكون هناك أشياء أخرى يعني لا يمكن أن ننكر أن هناك سباب خارجية وأحيانا تشتد هذه الأسباب في بعض الأماكن وتكون هي الغالبة ولكن لابد إذا أردنا أن نعالج أنفسنا أن نقول نحن الذين..
عبد الصمد ناصر: العيب فينا كما يقال..

يوسف القرضاوي: كما قال ربنا ذكر الدعاء الربيين أصحاب الأنبياء {ومَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ} لماذا قالوا ربنا اغفر لنا ذنبونا؟ اعترفوا إنهم أخطؤوا إن في أخطاء من عندهم ولذلك يطالبون قبل أن يطلبوا النصر والتثبيت يطالبوا من الله المغفرة يعني اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا وهكذا قال القرآن غزوة أحد المسلمون في غزوة أحد قدموا سبعين شهيد من أمثال حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عُمير وعبد الله بن دحش وغيرهم من أبطال الإسلام وكانوا في غزوة بدر قد قتلوا سبعين من صناديد الشرك في قريش وأسروا سبعين فبعد أُحد يعين سألوا إيه اللي حصل لماذا حدث هذا؟ فالقرآن قال لهم {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} أصابتكم مصيبة في أُحُد قد أصبتم مثليها في بدر لأن في أُحُد يعني قدمتم سبعين وفي بدر قتلتم سبعين وأسرتم سبعين قلتم أن هذا من أين حدث هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} فهذا منهج مهم في علاج المشاكل سواء كانت مشاكل نفسية أو مشاكل خارجية..



مراتب النفس وأنواعها

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ لو انتقلنا إلى المحور الثاني مراتب النفس في الحلقة الماضية تحدثنا عن النفس وقلنا أن هناك نفوس كبيرة وأخرى صغيرة وقلنا أن هناك نفوس عالية ونفوس منحطة وبالتالي فإن النفوس متعددة وبأصناف كثيرة القرآن الكريم أشار إلى أنواع من النفوس نفس أمارة بالسوء نفس مطمئنة نفس راضية ما هي هذه المراتب فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: هو هذه النفس الإنسانية الإنسان هو نفس واحدة ولكن النفس تتوارد عليها أحوال أحيانا تهبط وأحيانا تعلو أحيانا تقوى وأحيانا تضعف أحيانا تسود وتقود وأحيانا يعني تمشي وراء الشيطان أو شياطين الأنس أو الجن مراتب النفس تكلمنا في المرة الماضية..

عبد الصمد ناصر: النفس اللوامة..

"
النفس الأمّارة بالسوء هي أعدى أعداء الإنسان لأنها بين مكامن الهوى والشهوات والغرائز عنده
"
يوسف القرضاوي: النفس الأمّارة بالسوء وهذه هي التي يقول المتصوفة وأرباب السلوك ويقول الإمام الغزالي إنها أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين مكامن الهوى والشهوات والغرائز عند الإنسان ويقول إن هذه النفس علاجها شديد جدا لماذا؟ هي عدو ولكن قال هناك أمران أولاً إنها عدو محبوب وإذا كان العدو محبوب يعني.. والشيء الثاني إنها عدو من الداخل لما يكون اللص من الخارج تقدر تغلق الباب وتحكمه إنما إذا كان اللص داخل البيت ولذلك يقول الشاعر الصالح نفسي إلى ما ضرني داعي تهييج آلامي وأوجاعي كيف احتيال من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي، فهذه النفس الأمارة بالسوء شوف الأمارة يعني كلمة أمارة دي بنقول عليها صيغة مبالغة يعني كثيرة الأمر بالـ إيه؟ بالسوء إلا ما رحم ربي هذه النفس أحيانا ترتقي إلى منزلة أخرى وهى منزلة النفس اللوامة كما قال القرآن {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ (1) ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} النفس اللوامة أيضا كثيرة اللوم لصاحبها مش تلومه مره واثنين وبعدين تنام لا صاحية إنها نفس مستيقظة يعني للإنسان إذا فرط في مأمور أو ترك مأمور أو فعل محظور أو في الجذع من المقدور أو في أي شيء من هذا النفس بالمرصاد هي كنترول رقابة ذاتية تحاسبه وحسابها حساب داخلي تؤلم الإنسان أن يشعر كأنما يُلذع لذعا كأنما يكوى كيا من داخله ما فيش حاجة من الخارج إنما هذا يعني من الداخل العقوبة عقوبة ذاتية داخلية هذه هي النفس اللوامة تقول للإنسان لماذا تركت كذا؟ ولماذا فعلت كذا؟ لماذا فرطت في حق الله أو في حد الله؟ لماذا أكلت حقوق الناس؟ لماذا ضيعت كذا؟ دائما تلوم صاحبها وهذه النفس مهمة جدا وعلى حياتها تكون حياة الناس أو موتهم إذا ماتت هذه النفس مات البشر وإذا حيت هذه النفس حيت ضمائر البشر وأخلاق البشر فكما يقول شوقي وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا ويقول صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوِّم النفس بالأخلاق تستقم فالنفس من خيرها في خير عافية والنفس من شرها في مرتع وخم، فهذه النفس وبعدين هناك قد ترتقي هذه النفس فتصبح النفس المطمئنة والنفس الراضية المرضية وهىالتي خاطبها الله تعالى في كتابه {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وادْخُلِي جَنَّتِي} اطمأنت إلى الله وإلى ما عند الله وإلى اليقين بلقاء الله وبحساب الله فأصبحت تقف على أرض صلبة نفس مطمئنة تشعر بالاطمئنان بالسكينة {هُوَ الَذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَّعَ إيمَانِهِمْ} {الَذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} هذه النفوس المطمئنة وهى نفوس قليلة جدا يعني أكثر النفوس للأسف أمارة بالسوء وقليل منها النفس اللوامة وأقل منها النفس المطمئنة نسأل الله أن يرزقنا إياها.

عبد الصمد ناصر: اللهم آمين اللهم ارزقنا نفسا مطمئنة إن شاء الله نعود إلى هذه النقطة فضيلة الشيخ ولكن بعد أن نأخذ هذا الفاصل نعود إليها بالتفصيل أكثر مشاهدين الكرام نعود إليكم بعد الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله في هذه الحلقة نعالج موضوع أمراض القلوب فضيلة الشيخ تحدثنا قبل قليل عن مراتب النفس وتحدثنا عن أنواع هذه المراتب الأمارة بالسوء واللوامة والمطمئنة هل يمكن من خلال وصفكم للنفس اللوامة أن نقول بأن هذه النفس هي التي تقف وسطاً بين الخير والشر تقوم بالخير وتحبه وتقدم على المعصية وتكرهها في الآن نفسه هل هكذا يمكن أن نصف هذه النفس؟

يوسف القرضاوي: النفس اللوامة النفس الحية اليقظة التي يعني تحاسب ذاتها حساباً شديداً كما قال ميمون بن مهران من التابعين يقول المؤمن أشد حساباً لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح يعني حساب دقيق يقعد يحاسبه على كل ما يفعله إذا فيه خير تركه لماذا تركت هذا الخير ولم تعمله؟ إذا أقدم على الشر لماذا فعلت هذا؟ هذه النفس ويقول سيدنا عمر حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا واسألوا أنفسكم قبل أن يصير السؤال إلى غيركم وازنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وفي الحديث الذي ذكرناه في الحلقة الماضية الكيِّس يعني الحكيم والعاقل "الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق أو العاجز من أتْبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" يتبع هوى النفس ويتمنى الأماني يقول ربنا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: غفور رحيم يعني..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: سيغفر لي كما قال الله تعالى تلك أمانيهم {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} كما حكى الله عن اليهود {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى} يعني المتاع الأدنى في هذه الدنيا {ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} شأن المؤمن يعمل الحسنات ويقول أخشى أن لا تُقبل مني وشأن المنافق يعمل السيئات ويقول أطمع أن تغفر لي.

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ سنعود لموضوع محاسبة النفس ولكن أريد أن أنتهي من هذا المحور النفس اللوامة يعني نفس مدحها القرآن الكريم ولكن ربما لسؤال كيف يمكن لهذه النفس أن تقف عند حدود اللوم الإيجابي ولا تتجاوزه إلى جلد النفس الذي قد يقعد المرء عن العمل أو يولد لديه يأس؟

"
الإسلام في كل مواقفه وفي كل مجالاته دائما يدعو إلى النهج الوسط، لا يدعو إلى غلو ولا إلى تفريط
"
يوسف القرضاوي: الإسلام في كل مواقفه وفي كل مجالاته دائماً يدعو إلى النهج الوسط لا يدعو إلى غلو ولا إلى تفريط من الغلو أن يزداد الإنسان في محاسبة نفسه حتى يعني كما يقول علماء النفس الآن إنه يجلدها اللي يسموه جلد الذات لا ينبغي هذا يعني كما ذكرنا في الحلقة الماضية المؤمن بين الخوف والرجاء يخاف ويرجو يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه لا يغلب الخوف حتى ييأس من روح الله وخلاص أنا رايح إلى جهنم لا لا يقبل الإسلام هذا إنه {لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ} {قَالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ} ولا يبالغ في الرجاء والأمل حتى يأمن نكر الله {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ} ولكن كما قال سيدنا علي رضي الله عنه ألا أنبئكم بفقيه كل الفقيه؟ مَن لم يُوئس عباد الله من روح الله ولم يؤمنهم من مكره، الفقيه الحقيقي والداعية الموفق هو الذي لا يبلغ بالناس يعني يخوفهم لحد ما ييئسهم من روح الله أو يرجيهم حتى يؤمنوا نكر الله لا هي منزلة بين المنزلتين فلا يجوز المبالغة يعني في تأنيب النفس وجلدها كما يقال فهذا مرفوض يعني إسلامياً..

عبد الصمد ناصر: ولكن لا يركن إلى النفس..

يوسف القرضاوي: نعم..

عبد الصمد ناصر: المؤمن لا يركن إلى نفسه..

يوسف القرضاوي: لا إيه؟

عبد الصمد ناصر: لا يركن إلى نفسه..

يوسف القرضاوي: لا لا يركن إلى نفسه..

عبد الصمد ناصر: طيب هنا السؤال فضيلة الشيخ..

يوسف القرضاوي: يركن إلى الله عز وجل..

عبد الصمد ناصر: هنا السؤال لأن كما ذكرت قبل قليل هناك قول مأثور أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك لكن في الأيام الحديثة الأطباء نفسهم يقولون بضرورة أن يصادق الإنسان نفسه أن يحترم نفسه ويقبل بها كما هي حتى يتمتع بالسكينة الروحية النفسية هل هناك تعارض أو تناقض بين النظرتين؟

يوسف القرضاوي: لا هو يرضى عن نفسه يعني عن ذاته يعني إنما لا يرضى عن نفسه النفس اللي هي مكمن الأهواء والشهوات دي لا ينبغي يكون حذر دائماً منها إنما الإنسان لا يسخط هناك أناس يسخطون على أنفسهم ويسخطون على أسرتهم ويسخطون على أمتهم ويسخطون على الأرض ويسخطون على السماء ويسخطون على الخلق ويسخطون على الخالق لا هذه آفة هذا مرض لأنه من يعني من خصال الإيمان الرضا وفي بعض الآثار إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في السخط والشك يعني آفتان الإنسان يسخط ويشك يسخط على يومه ويشك في غده يسخط على الناس ويشك في الله إنما المؤمن لا لا يسخط.. الرضا واليقين فالرضا معناه الرضا عن الكون من حوله الرضا عن صنع الله عز وجل الرضا عن قدر الله سبحانه وتعالى هذا أمر مهم جدا في سكينة النفس وهي أساس من أسس السعادة أن السعادة ليست في اكتساب الجوانب المادية قد يكون عند الإنسان الملايين أو البلايين ولكنه تعيس وشقي السعادة تنبع من ها هنا من النفس من السكينة من الطمأنينة من داخل النفس لا من خارجها.



محاسبة النفس والتعادلية بين الروح والجسد

عبد الصمد ناصر: وهذه السكينة يقول البعض فضيلة الشيخ أنها لا تتحقق إلا بضرورة مخالفة هذه النفس التي ربما تحثه على طلب الدنيا على الاستمتاع بشهواتها هل يعني ذلك عزوفا كليا عن متع الدنيا؟

يوسف القرضاوي: لا.. لا هناك فلسفات ثلاث هناك فلسفة مادية حسية تدعو إلى الاستغراق في متع الحياة لا تؤمن بأن وراء الدنيا آخرة ولا تؤمن بأن وراء هذا الجسد روحا ولا تؤمن بأن هناك حسابا أو ثوابا أو أن هذه الدنيا مزرعة لا تؤمن بذلك فتستغرق في المتاع الحسي هذا هي الفلسفات المادية يعني مثل فلسفة مزدك في فارس من قديم ومثل الحضارة الغربية الحديثة إنها حضارة مادية حسية حضارة المتع والشهوات تتيح للناس أن يعبدوا شهواتهم ولا يعني لن يشبعوا لأن الإنسان إذا استغرق في شهواته لم يحس بالشبع أبدا كلما ازداد منها شربا ازداد عطشا هذه فلسفة.. فلسفة أخرى تحرم على الناس المتاع المادي تماما فلسفات الزهدية يعني مذهب ماني في فارس من قديم الذي يرى أن العالم شر يجب التعجيل به وفلسفة الرواقيين عند اليونانيين فلسفة البوذيين والبراهمة في آسيا فلسفة الرهبانية المسيحية هذه فلسفة ترى أن كلما عذبت الجسم كلما ارتقت الروح هذه فلسفة الفلسفة الثالثة هي التي توازن بين الأمرين لا تعادي المادة ولا تعادي الروح وإنما تعطي للمادة حقها وللروح حقها للعقل حقه وللقلب حقه للدنيا حقها وللآخرة حقها كما حكى القرآن الكريم عن الناس في موقف الحج قال {مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} ما لوش أي نصيب في الآخرة {ومِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ} هذا هو.. خذ حدث من الدنيا لا تنسى نصيبك من الدنيا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "اللهم ما أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي وأجعل الحياة زيادة لي في كل خير وأجعل الموت راحة لي من كل شر" وكان يأكل من طيبات الدنيا والقرآن يقول {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ويقول {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} أنكر على أصحاب الأديان الذين كانوا يحرمون الطيبات يقول مَن حرم هذه مَن حرم زينة الله؟ شوف كلمة زينة الله الزينة تمتع الإنسان بالجمال جمال الحياة سماها زينة الله أضافها إلى الله تشريفا {والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} فهذا هو الموقف الإسلامي وهذه الفلسفة الصحيحة..

عبد الصمد ناصر: في ضوء هذه الفلسفات التي ذكرت المادية والروحية هل من حدود فاصلة لدى الإنسان يمكن أن يعني أن يتخذها بين لجم النفس وتعذيبها بمنعها عن متع الدنيا؟

يوسف القرضاوي: الشرع أن يقف عند حدود الشرع هناك حلال وهناك حرام الإنسان يتمتع بما أحل الله..

عبد الصمد ناصر: في حدود..

يوسف القرضاوي: في حدود أيضا..

عبد الصمد ناصر: شرعية..

يوسف القرضاوي: قال النبي صلى الله عليه وسلم "كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة" بحيث لا تبلغ حد الإسراف هناك قيد معنوي وقيد مادي القيد المادي لا تسرف لا تتجاوز الحدود المعقولة والقيد المعنوي المخيلة الاختيال لا تختل على غيرك الاختيال يعني الاستعلاء على الآخرين وده من أمراض القلوب وده اللي نقول عليه أن أمراض القلوب هي أخطر الأمراض العجب بالنفس الإنسان أن يعجب بنفسه ويرى أنه أفضل من الآخرين دولة إيه هو يعني فاحتقار البشر النبي صلى الله عليه وسلم يقول "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" ويقول "ثلاثة مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" هذه المهلكات الإمام الغزالي عمل في كتاب الإحياء الربع الأخير الربع الثاني سماه ربع المهلكات الأخلاق المهلكة للبشر وهي اللي بنسيمها أمراض القلوب هذه الشح البخل حب الدنيا حب المال حب الذات حب الجاه حب الظهور الرياء في العبادات الغرور العجب الحقد الغضب الحسد إلى آخر هذه الآفات المهلكة..

عبد الصمد ناصر: وتمني الزوال نعمة أنعمها الله على غيره نعم..

يوسف القرضاوي: هذا هو الحسد..

عبد الصمد ناصر: نعم الحسد وليعاذ بالله..

يوسف القرضاوي: الحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب..

عبد الصمد ناصر: وهذه من أكثر الآفات المنتشرة وليعاذ الله..

يوسف القرضاوي: ويقولون أول معصية في السماء وأول معصية في الأرض كان سببها الحسد لأن معصية إبليس حينما رفض أن يسجد لآدم ويطيع أمر الله كان سببها أنه حسد آدم على ما أتاه الله من فضله وأول معصية وقعت في الأرض قتل ابن آدم أخاه ده حسده لأنه ربنا تقبل يعني منه القربان ولم يتقبل منه..

عبد الصمد ناصر: المبتلى بهذه الآفة الحسد أن يتمنى زوال نعمة أنعمها الله بها على أخيه المسلم أنه يشعر أنه يحسد هذه المشكلة يا فضيلة الشيخ..

يوسف القرضاوي: لا يشعر..

عبد الصمد ناصر: لا يشعر أنه يحسد الآخر أنه يتمنى زوال نعمته عليه فيه غفلة..

يوسف القرضاوي: لا يشعر ويشعر يعني ولكنه يعني طبعا زي ما قال ابن القيم في الكلام اللي أنت ذكرته في المقدمة إن كثير من أمراض القلوب لا يحس أصحابها بوجعها وألمها يعني هذه الأمراض الصعبة هذه والشديدة كثيرا ما يحس أصحابها بهذا إنما الإنسان مش عارف لما ينظر للشخص وقلبه يغلي كده ما يعرفش أنه هو يحسده فرق بأن الإنسان يرى الحمد لله والله هذا رجل يستاهل كل خير ربنا يزيده من نعمه وواحد ينظر له يعني عايز ربما يأخذه أو ربنا يزيل النعمة عنه..

عبد الصمد ناصر: يقول لك هذا لا يستحق هذه النعمة..

يوسف القرضاوي: وهذا لا يجوز إلا إذا كان إنسان يستعمل نعمة الله في إيذاء خلق الله أو في معصية الله يبقى وجود النعمة شر عليه وعلى البشر فيتمنى أنه ربنا يزيل عنه النعمة إذا كان واحد مثلا عنده نعمة السلطان ويستخدم هذا السلطان في إيذاء الناس في ظلم الناس في حبس الناس في كذا نقول يا رب يعني يزيل عنه السلطان ربنا يأخذه..

عبد الصمد ناصر: بل هناك مَن يتوسط لدى الآخرين لإزالة نعمة أنعمها الله به عليه..

يوسف القرضاوي: يتوسط..

عبد الصمد ناصر: لدى آخرين لكي تزول هذه النعمة عن عبد الله على كل حال..

يوسف القرضاوي: يسعى في إزالتها بطريق من الطرق كل هذا من الفساد القلبي من فساد القلوب وأمراض القلوب وليعاذ بالله..

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ الوقت ضيق جدا موضوع شيء يعني لو عدنا إلى موضوع محاسبة النفس ما أهمية محاسبة النفس وثمار محاسبة النفس؟

يوسف القرضاوي: محاسبة النفس هذا يعني بند عظيم من بنود تزكية النفس ومجاهدة النفس لا يمكن مجاهدة النفس والوصول بها إلى الزكاة المطلوبة {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} كيف يزكي النفس الطرق الأساسية في تزكية النفس هو محاسبتها ما معنى محاسبة؟ محاسبة النفس يعني لها مراحل..

عبد الصمد ناصر: كما تزكية النفس لها مراحل أيضا..

يوسف القرضاوي: محاسبة النفس جزء من تزكية النفس محاسبة النفس فيه محاسبة قبل العمل مشارطة أنه يشارط نفسه أني علي أن أعمل كذا وكذا وكذا ألتزم بأن أصلي كل صلاة في وقتها أن أصلي مثلا صلاتين في المسجد في كل يوم أن أقرأ شيئا من القرآن كل يوم أن أمتنع عن غيبة الناس الكلام عن فلان أو علان يعني حتى بعض الناس..

عبد الصمد ناصر: قبل العمل هذا..

يوسف القرضاوي: بعض الناس يعمل حاجة يعني ورقة اسمها ورقة محاسبة النفس أو ورد محاسبة النفس يكتب هذه الأشياء هل عملت كذا؟ هل صليت اليوم الصلوات في وقتها؟ ويعطي لنفسه إذا كان صلى ثلاثة في وقتها يعطي لنفسه مثلا ستة من عشرة إذا كان صلى الخمسة في أوقاتها يعطي نفسه عشرة من عشرة هل اغتبت إنسان اليوم يعمل في الصفحات السيئات أيوه يعطي لنفسه يعني سيئة من السيئات هل وصلت رحمك؟

عبد الصمد ناصر: هل نويت هذا العمل لله؟

يوسف القرضاوي: يعمل ورد بعض الناس يعمل هذا ويحاسب نفسه ويشوف كل يوم كم كسب وكم خسر هل يعني وصل للنهاية الصغرى حتى على الأقل 50% أم نزل عن 50% يبقى راسب وليعاذ بالله أو يأخذ درجة جيد أو جيد جدا أو امتياز هكذا ففيه محاسبة قبل العمل محاسبة..

عبد الصمد ناصر: بعد العمل..

يوسف القرضاوي: بعد العمل محاسبة أثناء العمل هل يؤديه كما ينبغي وبعدين محاسبة بعد العمل هل أدى العمل الصالح كما يحب الله تعالى ورسوله وكما يرضاه الله هل عمل عملا سيئا؟ هل ارتكب مخالفة؟ أَخّر الصلاة عن وقتها؟ هل قام بالوقيعة بين مسلم ومسلم؟ هل اغتاب مسلما في غيبته وذمّه بسوء؟ إلى آخره..

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ إلى أي حد هذه المحاسبة تحدثنا قبل قليل عن الضمير الحي هذه المحاسبة حينما يقوم بها المؤمن لأعماله سواء قبل عمله أو بعده إلى أي حد تربي لديه الضمير الحي داخل نفسه؟

يوسف القرضاوي: هي هذه هي معنى الضمير الحي الضمير الحي هو الذي يحاسب صاحبه إذا سقم ضمير الإنسان أو مات فهو لا يحاسبه يعمل الأعمال الشريرة يعني ويرتكب الموبقات ولا يحس بأي وخز ولا بأي ألم لأنه ليس عنده نفس تحاسبه ليس عنده نفس لوامة ليس عنده ضمير بالتعبير الأخلاقي العصري ليس عنده هذا فهذه المحاسبة هي دليل حياة هذه النفس دليل أنها نفس يقظة وليست نائمة فهي نفس لوامة وليست نوامة..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ في الدقيقة الأخيرة خطورة إهمال محاسبة النفس ما الذي يترتب على هذا الإهمال؟

يوسف القرضاوي: إذا أهمل الإنسان نفسه ولم يراقبها ولم يحاسبها معناها أنه ضيع نفسه لأنه في هذه الحالة لم يحرص على خير يقوم به ولم يعني يمتنع من شر يفعله سيسير في ركاب الشيطان ولعياذ بالله لأن الشيطان سيوسوس له ويجد نفسه طيعة {مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} فهذه وسوسة لا تجد لها مانع الذي يقف ضد هذه الوسوسة هو النفس اللوامة النفس المحاسبة النفس الحية التي تراقب صاحبها وتحاسبه وتؤنبه وتعاقبه قبل عقاب الله في الآخرة..

عبد الصمد ناصر: وإلا أصبح أسير شهوته بارك الله فيك فضيلة الشيخ ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا نفسا مطمئنة راضية مرضية ولكم مشاهدينا الكرام أيضا، في الختام شكرا لك فضيلة الشيخ وشكرا لكم لمتابعتكم ولكم تحيات منصور الطلافيح في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد ومنّي عبد الصمد ناصر ونلتقي في الحلقة القادمة بحول الله.