- قصة حِلف الفضول وأصل نشأته
- الفرق بين مناصرة المظلوم والتحزُّبات
- تداعيات ضعف المؤسسات الإسلامية الرسمية
- سُبل التعاون مع منظمات المجتمع المدني

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، بسم الله الرحمن الرحيم {وتَعَاوَنُوا عَلَى البِر والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} صدق الله العظيم، في أواخر القرن الثالث الميلادي قبل الإسلام تداعت قبائل من قريش أو بطون من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار بالله بن جدعان فتعاقدوا وتعاهدوا أن لا يدعوا ببطن مكة مظلوما من أهلها أو من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى تُرَد له مظلمته وسُمي ذلك العهد بحلف الفضول وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا "لو دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت" والآن في ظل التوترات الطائفية والأهلية، هل نحن بحاجة إلى حلف فضول جديد؟ وكيف يمكن ذلك؟ وما هي وجوه التعاون المطلوب في ظل التغيرات التي طرأت على مفهومي الأمة والدولة؟ إذاً نحو فضول جديد موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيَّه وزير العدل الموريتاني سابقا ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مرحبا بك فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بيَّه: الله يبارك فيك والله يحفظك.

قصة حلف الفضول وأصل نشأته

عبد الصمد ناصر: أهلا وسهلا، لو بدأنا بالآية الكريمة التي افتتحنا بها الحلقة وهي أصلا في عقد التحالفات على فعل الخير، ما هي أوجه التعاون المطلوبة في واقع المسلمين فضيلة الشيخ؟

عبد الله بن بيَّه – نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليما، كل أوجه الخير يُطلب التعاون فيها لأن الآية تدل على العموم {وتَعَاوَنُوا عَلَى البِر} وأل للاستغراق، أي كل أنواع البِر، ثم إن الآية لم تكتفِ بالبِر بل ذكرت شيئا خاصا من البِر وهو التقوى، ثم ذكرت نقيض ذلك وهو الإثم والعدوان، فالآية أكدت، معروف أن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده ولكن مع ذلك ذكرتها الضد بالإثم {وتَعَاوَنُوا عَلَى البِر والتَّقْوَى} تقتضي ألا تتعاونوا على سوى ذلك، لكن مع ذلك صرحت الآية بأن لا تعاونوا على الإثم والعدوان، هذه الآية أصل في كل عون يقدمه شخص لشخص عليه دائما أن ينظر في مآلات هذا العون هل مآلاته إلى البِر والتقوى أم مآلاته إلى الإثم والعدوان وانطلاقا من ذلك فإن التعاون مطلوب لكنه مطلوب على البِر والتقوى وليس مطلوبا ولا مرغوبا على الإثم والعدوان.

عبد الصمد ناصر: نعم، طيب ما هو الإثم والعدوان المنهي عنه أو عن التعاون عنه؟

عبد الله بن بيَّه: الإثم هو كل عمل أو قول ملوم شرعا، أي يلام شرعا فاعله أو يُلحق ضرا أو يمنع نفعا هذه كله إثم وهو ما حاك في صدرك وكرهت أن يُطَّلع عليه كما قال النبي صلي الله عليه وسلم "ولهم حجاج الصدور"، فالإثم يشمل كل هذه الأنواع لأن أل كما قلت للاستغراق، العدوان عُطف عليه اهتماما لأن العدوان هو نوع من الإثم، لكن لمَّا كان العدوان هو اعتداء على الناس وهو طغيان عليهم وهو إلحاق الضرر بهم عُطف على الإثم من باب عطف الخاص على العام للاهتمام.

عبد الصمد ناصر: أود أن يكون هذا توطئة لموضوعنا نحو حلف فضول جديد، ذكرنا في المقدمة قصة هذا الحلف، نسأل هنا ما أبرز المعاني التي يجب الوقوف عندها حينما نتذكر هذه القصة التي باركها النبي صلي الله عليه وسلم؟

عبد الله بن بيَّه: أولا دعني أذكر لك قصة حلف الفضول، حلف الفضول نشأ لمّا ظُلم شخص إلى اليمن من زبيد..

عبد الصمد ناصر: تاجر..

عبد الله بن بيَّه: جاء وباع إلى العاصي بن وائل وماطله العاصي بن وائل فالرجل سأل الناس هل يمكن أن أجد حلا؟ لكنه في النهاية وقف على جبل أبي قبيس وكانت قريش في أنديتها عند طلوع الشمس ثم نادى يا آل فهرٍ لمظلوم بضاعته.. ببطن مكة نائي الدار والنفر.. ومُحرم أشعثٍ لم يقضِ عُمرته.. يا للرجال وبين الحِجر والحَجر.. إن الحرام لمَن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغُدَري، فقال الزبير بن عبد المطلب..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: طبعا هذا، عفوا على المقاطعة، هذا الكلام قاله بعد أن جال على رجالات قريش وطلب العون ولم يُعنه أحد..

عبد الله بن بيَّه [متابعاً]: قاله بعد أن.. نعم، بعد أن ذهب إلى الحلفاء وامشوه نحو مخزوم..

عبد الصمد ناصر: امتنعوا عن مساعدته..

عبد الله بن بيَّه: فثبروه.. ثبروه أي انتهروه، قال له كيف تتكلم عن هذا الرجل، عن العاصي بن وائل وهذا رجل له مكانته في مجتمع قريش، لكن لمَّا قال هذا وثب الزبير بن عبد المطلب هو عم النبي صلي الله عليه وسلم وقال لا مَترك لهذا، ثم قام مع رجال إلى دار بن جدعان من تيم وزهرة قبائل.. بطون تسمى بالمُطيَّبين، قريش تعد اثني عشر بطنا، منها المُطيَّب ومنهم زُهرة وتيِّم وبني هاشم، فهؤلاء القبائل هم المُطيَّبون، هبَّ هؤلاء القبائل لنصره في دار بن جدعان وبالتالي تحالفوا ألا يبقى في مكة مظلوم وأن.. وفي بعض الروايات وأن يتأسوا في المعيش، بمعنى أن يُفرِّقوا المال على المحتاجين إليه، فكان هذا الأصل أصلا عظيما جدا، لكن أود أن أقول إن هذا الحلف لم يُولَد مع هذه الحادثة، قريش خرجت من حرب هي حرب الفِجار قبل ذلك بثلاثة أشهر وهذه الحرب أول حرب تدخلها قريش كطرف منذ وقت طويل، حرب الفِجَّار هذه أدت إلى أن تصبح قريش.. أن تشعر قريش بأنها أصبحت تخالف حُرمة الحرم لأن حرب الفجار انتُهكت فيها الأشهر الحرم وانتُهكت فيها حرمة الحرم، فلهذا كانت قريش حساسة من الظلم حتى قال الزبير بن عبد المطلب، قال وأفسد بطن مكة بعد أُنس كرا دِبَةٌ كأنهم اللصوص، هؤلاء اللصوص انفلات أمني في مكة مع حروب بدأت مع القبائل الأخرى، قريش وكنانة من جهة وقيس من جهة أخرى..

عبد الصمد ناصر: لو نبقى في صلب الموضوع، المعاني التي نستفيد من هذا الحلف، المعاني السامية، القيم التي يدافع عنها هذا الحلف، المبادئ التي يُستخلص من تحالف هذه البطون؟

عبد الله بن بيَّه: يدافع عن الضعفاء، يدافع عن المظلومين مهما كانت جنسيتهم، مهما كان بلدهم، من أي مكان وفودا ومن أي أرض خرجوا، لا يفرق بين مظلوم ومظلوم..

عبد الصمد ناصر: على هذا الأساس..

عبد الله بن بيَّه: ولا يفرق بين ظالم وظالم أيضا..

عبد الصمد ناصر: على هذا الأساس ماذا يمثل ذلك الحلف؟ وماذا تمثل العودة إليه علما بأن أحد أهداف الإسلام السامية الكبرى حماية المستضعفين ونصرتهم؟

عبد الله بن بيَّه: كما تفضلت هو يسامح للمستضعفين ونوَّه بذلك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ}، {ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}، حتى الحروب يمكن أن يكون سببها الدفاع عن المستضعَفين، فأمر المستضعفين أمر مهم جدا في الإسلام وبالتالي فإن هذا الحلف ينسجم مع أهداف الإسلام ولذلك زكَّاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال "ما أحب أنال به حُمْر النعَّام" وقال صلى الله عليه وسلم "لو دُعيت إلى مثلي بالإسلام لأجبته"، لو دُعي إلى هذا الحلف في الإسلام لأجابه ولهذا بقِي هذا الحلف وهو قائم حتى دعا بها الحسين مرة فكان في ذاكرة المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم زكَّاه هذا الحلف ولأنه ينسجم وتعاليم القرآن..

عبد الصمد ناصر: رغم أنه حلف أنشأه زعماء بطون قريش من المشركين، ماذا يعني ذلك؟ ماذا يعني أن يبارك الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحلف ويزكيه؟

"
الإسلام يزكِّي الفضيلة مهما كان مصدرها والحكمة وبضاعة الحكمة مهما كان مُصدِّرها فالفضيلة والحكمة هما مطلب إسلامي
"
عبد الله بن بيَّه: يعني ذلك لأن الإسلام يزكِّي الفضيلة مهما كان مصدرها والحكمة وبضاعة الحكمة مهما كان مُصدِّرها فالفضيلة والحكمة هما مطلب إسلامي، لا يهتم بمصدر، المصدر هنا، كما تفضلت، هم من المشركين لكنهم قاموا بعمل جيد والله سبحانه وتعالى يقول {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} فالإسلام زكَّى هذه الفضيلة..

عبد الصمد ناصر: نعم، يمكنك تناول الماء إذا أردت..

عبد الله بن بيَّه: نعم؟

عبد الصمد ناصر: السؤال هنا، القيم التي يخدمها حلف الفضول كما تفضلتَ فضيلة الشيخ هي إحدى القيم الكبرى أو الكثيرة والمعاني السامية التي جاءت بها رسالة الإسلام، إلى أي حد هنا يكشف لنا ذلك المبادئ الإنسانية العظيمة للإسلام على الصعيد العالمي، نشدد على مسألة الصعيد العالمي وعلى صعيد تنظيم العلاقات الإنسانية على المستوى الدولي؟

عبد الله بن بيَّه: هو من خصائص الإسلام أنه يساعد البشرية كافة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الأحمر والأسود" والله سبحانه وتعالى يقول {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً}، فهذه العالمية لا شك أنها تُرجمت بأن كل القيم الإنسانية وكل القيم التي تدعو إلى الفضيلة وتحث على ترك الرذيلة وكل القيم التي من شأنها أن ترتفع بالإنسان، كل هذه القيم مدعوة للإسلام، فهي قيم إسلامية، مهما كان مصدرها كما قلت ومهما كان مُصدِّرها هذه السلعة..

عبد الصمد ناصر: نعم، إذاً الإسلام يدعو إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما قلت قبل قليل بناءً على ما جاء في الآية بغض النظر عن دين المظلوم وعرقه وفكره ومبادئه وغير ذلك، أليس في ذلك فضيلة الشيخ دعوة صريحة للمسلمين للانخراط في المنظمات الإنسانية، غير الحكومية طبعا المقصود هنا، التي تعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف؟

عبد الله بن بيَّه: وهذا ما نحث عليه مسلمينا في أوروبا وفي العالم الغربي، أن ينخرطوا في هذه المنظمات، يبحثوا عن المشترَك مع هذه المنظمات، فكل مَن يدعو إلى الفضيلة، يدعو إلى المؤازرة، يدعو إلى صيانة حقوق الإنسان، يدعو إلى احترام الإنسان، إلى احترام حقوقه، إلى احترام خصوصياته إلى تجنيب البشرية المرض أو الحروب، كل هؤلاء..

عبد الصمد ناصر: ولكن الأمر ليس مقتصرا فقط على المسلمين المقيمين في بلاد غير بلاد الإسلام، يعني البعض يزعم غير ذلك، يقول إن مبدأ التحالف مع الكفار منسوخ لا يجوز اللجوء إليه وقد نُهينا، كما يقولون عن موالاة غير المؤمنين، هل هذا صحيح فضيلة الشيخ؟

عبد الله بن بيَّه: هذا الكلام فيه لَبْس كبير، التعامل مع الكفار في نطاق المصالح أمر جائز، فقد يكون مطلوبا، هذا النبي صلى الله عليه وسلم تحالف مع خزاعة مؤمنها وكافرها حسب عبارة السيرة فدخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت بكرة بن كنانة، دخلت في حلف قريش وهذا كان سبب الفتح، لما اعتدى قريش على خزاعة مع بني بكر فالنبي صلى الله عليه وسلم هبَّ لنصرتهم لما جاء عمرو بن مسالم يستنجد ويقول يا ربي إني ناشد محمد حلف أبينا وأبيَّه ولطالما فعلت فيهم قريش.. إن قريشا بيَّتونا هُجَّدا وقاتلونا رُكَّعا وسُجَّدا فهداك الله نصر.. وأدعو عباد الله يأتوكَ مددا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لا نصر إلا بالله وإنما أنصرك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليناصره، خزاعة ما كانت مسلمة.. ما كانت مسلمة بمعنى أنها لم تكن كلها مسلمة، بل كان بعض أفراد منها من المسلمين لكنها دخلت في حلف مع النبي صلى الله عليه وسلم ولأِثر ذلك الموالاة التي يتحدث الناس عنها فيها موالاة ومبالغة، الموالاة في أفعال الخير وفي المعاشرة المعروفة في هذه الدنيا جائزة وقد تكون مطلوبة، الموالاة على الإثم والعدوان ليس جائزة مع المسلم ولا مع الكافر، موالاة الكافر على الكفر هي كفر..

عبد الصمد ناصر: حتى ولو كانت الموالاة لنصر الكافر على المسلم الظالم؟

عبد الله بن بيَّه: نعم.

 



الفرق بين مناصرة المظلوم والتحزُّبات

 

عبد الصمد ناصر: طيب، فضيلة الشيخ كما قلت ليس هناك ما يمنع أن ينخرط المسلمون في عمل إنساني الهدف منه إعادة الحقوق للمظلومين وردَّ المظالم، لو نظرنا إلى واقع اليوم في العالم بأثره لوجدنا أن هناك تحالفات عالمية وحركات لمناهضة الحرب، مناهضة العولمة ومناصرة المستضعفين، لكن هناك ملاحظة يعني يكاد المسلمون أن يكونوا شبه غائبين على مثل هذه الحركات وعن هذه المؤسسات والمنظمات وهذه التحالفات، لماذا لا تُدرِج، هنا السؤال وإن كنت قلت فضيلة الشيخ فإنكم تدعون مسلمي أوروبا للانخراط، لكن لماذا لا تُدرِج الحركات الإسلامية هذه الأهداف ضمن برامجها العملية؟

عبد الله بن بيَّه: هو والله يعني جوانب القصور موجودة، لكن مع ذلك لا يوجد مانع من أن تتطور هذه المنظومات الموجودة في أوروبا وفي الغرب وفي كل مكان إلى منظومات دولية وهي منظومات فعلا دولية ومنظومات حقوق الإنسان المنظومات التي تطالب بتجنب الحروب، التي تدعو إلى إيقاف الحروب هذه كلها أهداف سامية وأهداف مشتركة..

عبد الصمد ناصر: طبعا، هنا نتحدث عن التحركات الخارجة عن إطار التحركات الرسمية المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، نتحدث عن تحركات النخبة تحركات المجتمع المدني المؤسسات غير الحكومة والمنظمات غير الحكومية طبعا؟

عبد الله بن بيَّه: هو يعني حتى المنظمات تبع الأمم المتحدة هي منظمات أممية وبالتالي منظمات يمكن التعاون معها في هذا المجال..

عبد الصمد ناصر: نتحدث عن هذه المنظمات لأن لها سياقات.. سياقاتها السياسية الخاصة ويبقى تحركها محدودا..

"
أدعو كل المجتمع المدني والتجمعات الإسلامية أن تنخرط في الحركة العالمية التي يمكن أن تناهض التمييز العنصري والحروب والظلم
"
عبد الله بن بيَّه: في هذا المجال يجب أن لا تستبعد أحدا، بمعنى أن تبحث فقط عن الهدف وبالتالي كل شيء يحقق هذا الهدف وكل تحرك وكل سياق يمكن أن يندرج في هذا الهدف يمكن أن ينخرط فيه المسلمون، يعني سياسة المقعد الفارغ هي سياسة سيئة وبالتالي أنا أدعو، كما تفضلتم، أدعو كل المجتمع المدني والتجمعات الإسلامية أن تنخرط في الحركة العالمية التي يمكن أن تناهض التمييز العنصري، أن تناهض الحروب أن تناهض الظلم، هذا كله من صميم الإسلام وكما قلت فإن النبي صلى الله عليه وسلم حارب خزاعة على قريش وخزاعة لم تكن كلها مسلمة..

عبد الصمد ناصر: قلت بأن هناك قصور فعلي في هذا الشأن..

عبد الله بن بيَّه: نعم.

عبد الصمد ناصر: إلى ماذا نعزو هذا القصور؟ هل لأننا نعوز الحيلة والوسيلة؟ هل لأن هناك ربما عراقيل من داخل البيئة يعني الداخل العربي الإسلامي هناك عراقيل من داخل.. تضعها الحكومات مثلا أمام تحركات كهذه، هل هناك عراقيل ثقافية عَقَدية؟

عبد الله بن بيَّه: هو يعني هناك ربما بعض الأحكام المسبقة وهناك أيضا أحيانا الحاجز اللُّغوي، هناك الحاجز المكاني إلى حد ما، هناك اختلال في هذه العوالم، إلى الآن الاندماج ليس منسابا في هذه العوالم وبالتالي يمكن أن يُعزى لذلك، أما الدين الإسلامي فلا يمكن أن يُحمَّل هذا، مع أن بعض الناس غُلاة يشتطون كثيرا في فكرة الولاء والبراء ويجعلون من الولاء والبَراء حاجزا قائما جدارا بين المسلمين وبين غير المسلمين وهذا خطأ وقد قسَّمت الولاء إلى ثلاثة أقسام كما يرى فخر الرازي رحمه الله تعالى وهذا هو مذهب العلماء المحققين.

عبد الصمد ناصر: هل يمكن أن يكون من المشاكل ربما التي تقف حاجزا وراء تفعيل هذا النشاط أن الكثير من البِرامج، الكثير من المخططات والأفكار في الأمة الإسلامية تكون مرتبطة بأشخاص وبالتالي متى ما غاب هذا الشخص أو هذه الشخصية التي تتبنى هذه الأفكار تضمحل أو تخبو هذه الأفكار وربما تموت بموت صاحبها؟

عبد الله بن بيَّه: هو ربما يكون الأمر كذلك بأن المؤسساتية أو العمل المؤسسي ليس عريقا الآن في هذه الفترة في العالم الإسلامي، في مجال متعددة، في الأوقاف مثلا العمل المؤسسي ضعيف وإن كان الآن بدأ بشيء من النشاط وبشيء من الحيوية، في كل المجالات العمل المؤسساتي ضعيف، بمعنى الفردية مازالت غالبة على الجمعية، مع أن ديننا هو دين جمعي..

عبد الصمد ناصر: هل تتحدث عن المؤسسة العامة.. المؤسسة الرسمية؟

عبد الله بن بيَّه: لا، أنا أتحدث عن العمل المؤسسي غير الرسمي وهو الذي نتحدث عنه هنا، ما يسمى بالمجتمع المدني وإن كان مسألة المجتمع المدني هي مسألة غائمة وليست يعني واضحة، هذا ما يعني الهيئات الطوعية لأن التحالفات أو التعاقدات هي عبارة عن عقْد طوعي يدخل فيه الناس بناءً على قناعاتهم الشخصية لتحقيق أهدافها رغم أنها نبيلة..

عبد الصمد ناصر: أحدهم سأل، يعني يقول حينما تكون لدينا الجرأة لقول كلمة الحق الخاصة بحقوقنا الضائعة، حينها يمكن أن نتداعى لنؤسس حلفا لنصرة حقوق غيرنا، هل تتفق مع هذا الكلام؟

عبد الله بن بيَّه: هو نسبيا، يعني أقول قول الحق مطلوب، لكن أنا أخاف أن يتحول هذا الحلف أيضا إلى حزب آخر وإلى تحزُّب وبالتالي نقع في نفس الإشكال الذي فررنا منه، هو يجب أن يكون عبارة عن عقد طوعي فضفاض مفتوح لكل شرائح المجتمع وبالتالي ليس أمرا ضيقا وكل تحالف وكل عمل كإنشاء مؤسسات ثقافية مثلا موضوع ثقافي ممكن أن يكون حلفا، بمعنى أنه في اللغة الحلف مشتق من الملازمة أو من الحليف وبالتالي هو شيء من التعاهد، ممكن أن يتفق بعض الناس على إنشاء مؤسسة ثقافية تخدم المجتمع، أن يتفقوا على إنشاء مؤسسة خيرية، كل هذا يدخل في نطاق عمل البِر، أن يتفقوا على نشر الثقافة، ثقافة التسامح ثقافة قبول الآخر ثقافة تحجيم الخلاف بين المسلمين، أن يشيعوا بين الناس ثقافة..

عبد الصمد ناصر: الوقوف في وجه الظالم..

عبد الله بن بيَّه: الوقوف في وجه الظالم، طبعا هذا من هذا، لكن الذي أتحفظ عليه هو أن يتحول هذا أيضا إلى عمل آخر حزبي وأن يكون هذا الوقوف هو عبارة عن..

عبد الصمد ناصر: ليس بالضرورة فضيلة الشيخ، ليس بالضرورة، يعني أنت ترى مثلا في الدول الغريبة قبل كل مؤتمر للقوى الكبرى في إطار العولمة هناك حركات دولية يعني عناصرها تأتي من كل مكان من العالم يشكِّلون حاجزا أو دروعا بشرية أمام كل.. أمام أماكن عقد هذه المؤتمرات وتكون أصواتهم مسموعة فعلا، يعني هنا لسنا أمام حركة يمكن أن تتحول إلى حزب أو..

عبد الله بن بيَّه: هو الدول الغربية لها تقاليد كثيرة في هذا وهذه الحركات بعضها ينتمي إلى حزب الخضْر غالبا إلى أحزاب وإلى مؤسسات لكن الذي أخافه أن يأخذ قالبا صلبا وبالتالي هذا القالب الصلب يصادم.. يصدم الاتجاه الآخر، هنا ندخل في صدام ونحن نريد أن نفر من الصدام، يعني أن يرتفع..

عبد الصمد ناصر: هل نخشى الصدام؟

عبد الله بن بيَّه: يرتفع بالمجتمع إلى مستوى فكري، يمكن المجتمع به أن يذيب كل هذه..

عبد الصمد ناصر: ولكن فضيلة الشيخ يعني الخشية من الصدام هل يمكن أن تبرر رفض قبول الرضوخ والخنوع والسكوت عن الظلم؟

عبد الله بن بيَّه: هو من شأن المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهون عن المنكر، هذا أساس وهذا أصل من أصول..

عبد الصمد ناصر: أين نحن من هذه الآية {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أين نحن من هذه الآية؟

عبد الله بن بيَّه: نعم، هذه الآية يعني نحن نُطبقها ممكن جزئيا، لكن ليس بالكمال، الأمة كلها لا تطبق هذه الآية..

عبد الصمد ناصر: نطبقها على أنفسنا فقط؟

عبد الله بن بيَّه: لا ونطبقها على غيرنا أيضا، الدعوات على المنابر في المساجد والدعوات في الإذاعات والتلفزة، هذا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني لا ترى فقط القسم الفارغ من الكوب..

عبد الصمد ناصر: لكن هذه، عفوا فضيلة الشيخ هذه أصوات يعني وكأن أحدهم أغلق على نفسه غرفة ويسمع نفسه فقط، لا نُسمع غيرنا أصواتنا، لا تصل إلى الآخرين ونحن نذهب للآخرين لإسماع صوتنا، نحن كمسلمين لنا مواقف ولنا مبادئ..

عبد الله بن بيَّه: يجب أن نبذل جهدا من خلال قنوات الاتصال ومن خلال إنشاء المراكز الفكرية التي من شأنها أن تؤصِّل هذا العمل الجماعي، نحن المراكز الفكرية غائبة في العالم الإسلامي..

عبد الصمد ناصر: طيب، أنت فضيلة الشيخ بصفتك نائب لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وبصفتك هذه بالتحديد رئيس لجنة الحوار والاتصال في اتحاد العالم للعلماء المسلمين، يعني أريد هنا أن أسأل هل لديكم.. هل تجرون اتصالات مع هذه المنظمات العالمية والمؤسسات والحركات التي تناهض الحرب والعولمة وغير ذلك؟ هل لديكم أي تواصل؟ هل هناك قنوات فتحتموها قنوات اتصال مع هذه المنظمات؟

عبد الله بن بيَّه: نحن لا مانع لدينا من الاتصال بهذه المنظمات..

عبد الصمد ناصر: هل فكرتم فيها أصلا؟

عبد الله بن بيَّه: لكن.. يعني كانت لاتصالات أخرى بالجهات الرسمية بالجهات الدينية في أوروبا، بمنظمات مسيحية بالمنظمات التي تهتم بالحوار..

عبد الصمد ناصر: نحن نتحدث هنا ليس على الحوار، إنما على المنظمات التي لها فعل على الميدان هناك، التي صوتها مسموع وفعلها واضح وملموس؟

عبد الله بن بيَّه: لا هو هذا الحوار دعوة خير، إحنا لما نجتمع بهؤلاء قبل شن الحرب على العراق ودعونا هذه المنظمات في روما إلى أن تتجنب، أن تساعد على تجنيب العالم الحروب والكوارث، هذه دعوة أعتقد أن هذا صميم العمل الذي نتحدث عنه هو حلف الفضول وعمل البحث على.. يعني حلف الفضول نحن يوجد من عناصره المظلوم والظالم، هذا أكيد، لكننا نحن نبحث الآن عن العناصر الأخرى وهي المجتمع الراشد، العاقل الذي له الإرادة وله القوة على أن يقوم بهذا العمل..

عبد الصمد ناصر: هنا الخلاف مع حلف الفضول بين عملكم وحلف الفضول، سنواصل لأن هنا حلف الفضول كأنه أداة لتنفيذ ما يقرره لرد الظالم، على كل حال سنواصل فضيلة الشيخ، مشاهدينا الكرام نواصل بعد هذا الفاصل، فابقوا معنا..



[فاصل إعلاني]

تداعيات ضعف المؤسسات الإسلامية الرسمية

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في الشريعة والحياة، حلقة اليوم حول موضوع نحو حلف فضول جديد وضيفنا هو الشيخ عبد الله بن بيَّه وزير العدل الموريتاني السابق ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ كنا نتحدث عن دوركم أنتم في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأسألك بأن الفرق بينكم وبين تلك المنظمات الأخرى التي تعمل أو حتى حلف الفضول القديم أن هذا الحلف كان له أداة تنفيذية لقراراته، المشكلة نحن في العالم الإسلامي ليس لدينا حلف يمكن أن يؤدي هذا الدور؟

عبد الله بن بيَّه: بسم الله الرحمن الرحيم، العالم الإسلامي فيه تجمعات يمكن أن لا تسميها حلفا، منظمة المؤتمر الإسلامي هي نوع من هذه التجمعات..

عبد الصمد ناصر: نحن حددنا من الأول أن لا نتحدث عن الرسميين، العمل الرسمي يعني يئسنا منه بصراحة، بكل صراحة الشارع العربي الأول يئس من الرسميين..

عبد الله بن بيَّه: منظمة المؤتمر الإسلامي هي يعني رابطة العالم الإسلامي هي منظمات إسلامية ومنظمات شعبية، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو اتحاد حديث النشأة وبالتالي قام بأعمال لا بأس بها في مجالات متعددة لكنه قبل شهرين عيَّن لجانه لمحاولة تحريك العمل وإعطاء العمل حيوية جديدة حتى.. وسيفكر في كل هذا..

عبد الصمد ناصر: تفعيله ميدانيا..

عبد الله بن بيَّه: أنا أعتقد أن الإشكال الكبير بالاتحاد وفي غيره من المؤسسات الإسلامية هو عدم وجود مراكز موجِّهة، مراكز التوجيه لأن الحلف اليوم لن يقوم بنفس الأدوات التي قامت بها الأحلاف القديمة، اليوم نحن في عالم معقد وهذا العالم المعقد يحتاج إلى مراكز بحثية هذه المراكز التي تحكمها أميركا الآن يسموها حياض البحث أو مراكز البحث وهي التي تقدم كل النصائح وكل الإرشادات التي يسير عليها العالم اليوم، نحن في العالم الإسلامي نفتقد هذه المراكز ونفتقر إليها افتقارا شديدا لأنه بدون أن تدرس هذه الأوضاع لا يمكن أن تتعامل معها، الحكم على شيء فرع عن تصوره، كما تتعامل مع أوضاع لم تُنضج دراسةً، لم تُطبَخ طبخا شديدا، الظاهرة العراقية، قضايا معقدة جدا اختلط فيها الطائفي والخارج بالداخل والإقليمي بالدولي..

عبد الصمد ناصر: والسياسي بالديني..

عبد الله بن بيَّه: وأصبح الناس ضلٌ على أبالة، يعني عبارة عن أمر بَليَّة على بَليَّة وهو أمر، فنحن نفتقر إلى هذه المراكز التي تقدم نصحا، الأعمال التي نقوم بها أكثرها هي أعمال تعنّ للخاطر عفو الخاطر تعنّ للخاطر، طبعا لا شك أن المجموعة التي في قمة هذا الاتحاد لها رؤيتها المميزة ولها فكرها الواضح وعلى رأسه رئيس الاتحاد حفظه الله تعالى، لكن المسألة تحتاج إلى دراسة وأنا أدعو دائما إلى قيام مؤسسات دراسية تقدم توجيها لهذه المجتمعات وحتى للحكومات، لِمَ لا؟ تقدم توجيها للناس لتعرفهم أين..

عبد الصمد ناصر: كيف يعني.. كيف فضيلة الشيخ حتى نفهم أكثر أن هناك مراكز.. دراسات مراكز بحوث ولكن ما المقصود بالمراكز هنا؟

"
مراكز البحوث هي عبارة عن مراكز لتقديم دراسات مُعمَّقة سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو عسكرية
"
عبد الله بن بيَّه: مراكز البحوث هي عبارة عن مراكز تقدم دراسات مُعمَّقة سواء كانت اجتماعية وسواء كانت سياسية أو ثقافية أو عسكرية، كل عمل يراد أن يقدَم عليه يجب أن تسبقه دراسة وافية تبين نتائج هذا العمل وما هي المآلات التي يؤول إليها، هذا الذي نفتقره.. نفتقده في العالم الإسلامي، غيرنا له مراكز متقدمة جدا يعرفنا يعرف كل واحد منا يعرف خلفياتنا يعرف نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا، لماذا لا تكون هذه المراكز، يعني أنا في الحقيقة فكرة المراكز بالنسبة لي فكرة في غاية الأهمية ولهذا أدعو دائما قيام هذه المراكز..

عبد الصمد ناصر: هل نحن نحتاج إلى مراكز تشخيص أمراضنا؟

عبد الله بن بيَّه: بالضبط..

عبد الصمد ناصر: أليست أمراضنا معروفة؟ أليست واضحة تحتاج فقط.. نفتقر فقط إلى البحث في الحل؟

عبد الله بن بيَّه: الواضح ومن شدة ظهور الخفاء، قد تكون واضحة يعني نحسها لكن هذا الإحساس لا يمكن أن نقدمه بشكل واضح وأن نقدم حلولا، لماذا نحل مشاكلنا؟ لأننا لم نتصور تصورا كافيا ولم نقف على الآليات والوسائل التي بإمكانها..

عبد الصمد ناصر: ربما قد يعاكسك القول.. الكثيرون بالقول المشكلة ليست في تشخيص..

عبد الله بن بيَّه: المشكلة فقد الإرادة؟

عبد الصمد ناصر: لا ليس في ذلك، إنما المشكلة في تجزئة عملنا، هناك عمل يتم ولكن مجزأ ليس هناك عمل جماعي هناك ثنائيات ثنائية السلف والصوفي ثنائية الإسلامي والعلماني ثنائية الإنساني والإيماني وغير ذلك؟

عبد الله بن بيَّه: هذا كله يخضع للدراسة، مسألة الاختلاف القائمة في العالم الإسلامي تخضع للدراسة، علينا أن ندرس ظاهرة الاختلاف وعلينا.. الاختلاف كان قائما لكنه لم يجرنا إلى البلاوى التي جرَّ إليها، يمكن أن نُحجِّم هذا الاختلاف أن ننسبه.. أن نمد الجسور بواقع الاختلاف، يقول الشافعي ألا يتفق أن نختلف في مسألة ونكون إخوانا؟ يقول للربيع، فقال ما رأيت أعقل من الشافعي، يقول الإمام أحمد ما عبر الجسر أعلمه إسحاق ويمكن أن نختلف فما زال الناس يختلفوا..

عبد الصمد ناصر: هنا قد يقول البعض بأن المرحلة ومقتضيات هذا الحلف إذا شُكِّل أن يتم تنحية الخلافات السياسية جانبا والتركيز أو تنحية الخلافات الفكرية جانبا والتركيز على المسائل السياسية.

عبد الله بن بيَّه: هو فقط الذي يمكن أن نتكلم عنه الآن هو توجهات عامة، كيف نضع نوعا من التنوعات كيف نحث الناس على أن يكوِّنوا مجموعة من الروابط الثقافية الفكرية غير العسكرية طبعا وهنا أقول العسكرية للقيام بعمل جاد، أما أن يكون هناك حلف واسع متسع الأرجاء في أنحاء العالم فيجب عليّ أن أغمض عينيّ وأن أنظر إلى عالم المثاليات حتى أرى ذلك وبالتالي فما أظن أني أنا وأستاذ عبد الصمد بإمكاننا أن نكوِّن هذا الحلف..

عبد الصمد ناصر: لكن برأيك ما هي الوسائل التي يمكن أن نلتقي عليها لتشكيل هذا الحلف؟ ما هي الأرضية المشتركة على الأقل المشتركات التي بيننا مهما كانت اختلافاتنا مهما كانت يعني توجهاته، المكونات التي تشكل هذا المجتمع الإسلامي؟

عبد الله بن بيَّه: هو هناك مشترَك عام بين المسلمين وهناك مشترَك إنساني عام بين المسلمين وغير المسلمين فهذه المشترَكات التي يمكن أن نستكشفها ويمكن أن نبحث عن خطوط التماس وخطوط التلاقي والتقاطع لنجعلها في المقدمة ونؤخر مسائل الخلاف لنجعلها في المؤخرة، نحجمها نُنسِّبها، نجعل أن الخلاف يجب أن لا يقف عائقا دون تحقيق الأهداف الكبرى، نقدم للأمة أملا وعملا ولا نقدم لها قتلا وسحلا، يعني هناك مُثل ومبادئ كل الناس يتفقون عليها..

عبد الصمد ناصر: نعم، أريد فقط أن أُشرك هنا مداخلة للمفكر الإسلامي راشد الغنوشي وهو معنا الآن على الهاتف، شيخ راشد الغنوشي برأيك كيف يمكن أن نشكل حلف فضول جديد؟ وهل هذا قابل للتحقق؟

راشد الغنوشي - مفكر إسلامي: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أحيِّي شيخنا العلامة ابن بيَّه وأحيِّيك أخي عبد الصمد وكل السامعين والمشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الله بن بيَّه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

راشد الغنوشي: موضوع مهم هذا الذي تتناوله هذه الحصة، موضوع كيف يمكن أن يدار الاختلاف إذا كان الناس قد فطرهم الله سبحانه على الاختلاف.. على الحرية، كون الناس أحرارا، معناها أنهم سيختلفون، لكن لا يمكن لاجتماعهم أن يتم إلا بقدر ما ينشأ بينهم تحالف، إلا بقدر ما يكون لهم أساس لاجتماعهم، فكيف التوفيق بين ما يفتقد الاجتماع من قاعدة اشتراك وبين.. ثِق أن الناس فطروا على الاختلاف أي فطروا على الحرية، هنا حضارتنا لئن نجحت في المستوى الفكري إلى حد كبير في الإدارة الاختلاف سلميا فكانت مجتمعاتنا زاخرة بكل المذاهب وكل الآراء وبكل الطوائف ومما تفخر بهذه الحضارة أنها لم تعرف الحروب الدينية ولم تعرف حروب التطهير العرقي لكن في المستوى السياسي الاختلاف ظل بعد الخلافة الراشدة يدار عموما بالسيف ومن ظهرت شوكته وجبت طاعته، كيف يمكن لنا في أن نحل هذه الإشكالية أي أن نحول شورانا من مستوى القيمة والموعظة إلى مستوى نظام سياسي يتسع لكل الآراء ويتسع لكل المذاهب ولكل الاختلافات وتدار فيه شؤون المجتمع شؤون الأمة شؤون السلطة تدار بطريقة حرة يدار الاختلاف سلميا كما يحصل اليوم، أوروبا نجحت في هذا المستوى عندما اعتبرت أن الدين سببا للاختلاف ولذلك أحالته على المجال الخاص واعتبرت أن المجال العام تقدير المصالح لا دخل للدين فيه، بمعنى أن العلمانية هي التي دارت في إطارها الديمقراطية الغربية، كيف يمكن لنا نحن ونحن متمسكون بديننا أن يكون الإسلام فعلاً هو الحل وليس العلمانية هي الحل، يكون الإسلام هو الحل عندما يحتسب..

عبد الصمد ناصر: طيب، شيخ راشد ما هي الوسائل لتشكيل هذا الحلف برأيك؟

راشد الغنوشي: النطق باسمه جهة من الجهات والحمد لله ليس في الإسلام كنيسة، مشكلتنا اليوم الاستبداد، إننا نعيش استبداداً علمانياً أو استبداداً باسم الإسلام، كيف يمكن أن تكون لنا مشتركات قاعدة اشتراك بيننا والقيم الإنسانية هذه مشترَك بيننا، الأوطان مشترك بيننا ينبغي كما أن وثيقة المدينة المنورة الصحيفة أدارت الاختلاف في مجتمع المدينة بين كل الفرقاء، كذلك في زماننا هذا نحن نحتاج إلى وثيقة مشابهة تقر بحقوق المواطنة لكل المواطنين مهما اختلفت آراؤهم سواء كانوا متدينين أم غير متدينين فالوطن مِلك لنا جميعاً والإسلام يتسع للاختلاف وفي إطاره..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ، نعم، شيخ راشد هل تسمعني؟

راشد الغنوشي: ممكن أن تتعايش كل المذاهب وممكن أن تتعايش كل الديانات، اليوم ما يدور من صراع مثلاً في العراق دموي باسم الطوائف طبيعته سياسية في الحقيقة وصراع بين أحزاب ولكن هذه الأحزاب تريد أن تعطيه بُعداً دينياً على حين أن العراق بيئة اتسعت وكانت أزخر بالحضارة الإسلامية وتعايشت في إطاره الدول العظام التي نشأت في العراق، كل هذه المذاهب السنية والشيعية وحتى الصابئة والوثنية، فكيف اليوم يفضل العراقيون في إدارة هذا الاختلاف إلا أنه زجوا بالدين وبالمذهب عنصرا لتحقيق أغراضٍ سياسية..



 



سُبل التعاون مع منظمات المجتمع المدني

 

عبد الصمد ناصر: شكراً لك شيخ راشد الغنوشي المفكر الإسلامي تحدث إلينا من لندن، معي من مصر أحمد أبو جهاد تفضل وباختصار، محمد أبو جهاد تفضل، باختصار من فضلك، محمد أبو جهاد، عبد الكريم من الدانمارك تفضل.. تفضل أخ عبد الكريم..

عبد الكريم - الدانمارك: سلام عليكم يا أخي.

عبد الصمد ناصر: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عبد الكريم: يا أخي الكريم الآية التي ذكرتها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فالله سبحانه وتعالى وصفنا كخير أمة تُخرج للناس فلابد من هذه الأمة أن تعيش من أجل الشروط التي قررها الإسلام وقررها الله سبحانه وتعالى، لابد أن نعيش من أجل الأحكام الشرعية حتى نصل إلى ميزان القرآن والسنة..

عبد الصمد ناصر: طيب، عبد الكريم هل لديك سؤال لأن الوقت ضيق لا نريد مداخلات مشاركة فسؤالك من فضلك.

عبد الكريم: سؤالي فكيف يا أخي الكريم ترجع إلى ما قبل الإسلام والله سبحانه وتعالى يقول {وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} وأنت ترجع إلى ما قبل الإسلام.

عبد الصمد ناصر: هل تقصد العودة إلى حلف الفضول؟

عبد الكريم: أيوة ولكن ما قبل الإسلام.

عبد الصمد ناصر: لكن هذا الحلف لا نقصد الحلف بذاته وإنما المعاني التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وباركها وهي جزء من معاني ومبادئ كثيرة، الحمد لله نحمده على كل حال، شكراً لك عبد الكريم صلاح صادق من الأردن، تفضل، صلاح صادق.

صلاح صادق - الأردن: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: باختصار صلاح من فضلك، لا نسمع الصوت صلاح، هناك خلل في الصوت، فضيلة الشيخ فقط إجابة لعبد الكريم نقول بأننا ما أثرنا موضوع حلف الفضول إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك هذا الحلف وقيمته من هذه المباركة وهذه التزكية، أليس كذلك؟

عبد الله بن بيَّه: اتفق العلماء على أن هذا الحلف أنه حلف تبناه الإسلام بأن الرسول صلى الله عليه وسلم زكاه قال "لو دُعيت إلى الإسلام لأجبته" وهذا يكفي، ثانياً الإسلام لم يرضِ كل ما كان بالجاهلية بل زكى القيم كإكرام الضيف والوفاء القيم التي كانت الجاهلية وألغى القيم الفاسدة كعبادة الأوثان والمعاملات الفاسدة الربا وعدَّل في بعض القيم كمسألة السلام، عدَّل في بعض القيم وفي نوع من المعاملات..

عبد الصمد ناصر: صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال "جئت لأتمم مكارم الأخلاق".

عبد الله بن بيَّه: نعم، أتمم مكارم الأخلاق وقال إنه، صلى الله عليه وسلم "هول تلك اللبنة التي بقيت لبناء الرسل فهو تلك اللبنة"..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ في يوم..

عبد الله بن بيَّه: لكن أود أن أقول.. يعني له بأن يعني نحن لا نخشع إلى عصر الجاهلية عندما نتكلم عن هذا، النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا حلف في الإسلام وكل حلف.. وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة" وهذا حديث صحيح، ما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، العلماء فسروا ذلك بأنه هذه الأحلاف التي كانت على الفضائل بين الإسلام..

عبد الصمد ناصر: الجاهلية كانت حالة وليس فترة تاريخية فقط.

عبد الله بن بيَّه: نعم، هي فترة تاريخية وكانت حالة موصوفة بالجهل وموصوفة بالخروج عن الحد المقبول، بالنسبة لفضيلة أخينا الدكتور راشد، هو في الحقيقة الدكتور راشد يعمل على قضية التوفيق طويلاً ونحن نشاطر رأيه بأنه لابد من عملية ترتقي بالناس، ترتقي بالخلاف لتجعله ثروة.. إثراءً وانسجاماً وجمالاً، كما قاله الله سبحانه وتعالى في اختلاف المخلوقات واختلاف الكائنات {اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ومِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وغَرَابِيبُ سُودٌ (27) ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} هذا الاختلاف هو اختلاف متلاقي هو اختلاف متكامل واختلاف منسجم، المسألة هي كيف نحجم الخلاف؟ كيف نُنسِّب الخلاف، كيف نجعل الخلاف ظاهرة مقبولة، الاختلاف لا يمكن تجنبه وما قاله بحق إذا كرهوا.. العلاَّمة ابن القيِّم قال الاختلاف يدل على اختلاف الإيرادات لابد أن يختلف الناس.

عبد الصمد ناصر: هناك أسئلة أريد أن تكون أجوبة في خلال هذه الدقائق الأربعة الأخيرة باختصار إذا كان يمكن فضيلة الشيخ، في عام 2003 قرر مؤتمر ناشطي السلام الدوليين إيفاد بعثة شعبية إلى فلسطين تمثل المجتمع العالمي لحماية الفلسطينيين وفي سبيل ذلك كما نذكر قُتل عدد منهم أمثال راشيل كوري هذه المواطنة الأميركية الشابة عام 2003، هنا السؤال كيف يجب على المسلم أن يتعامل مع مثل هذه الحركات والتحركات؟ وماذا يجب علينا بالمقابل تجاههم؟

عبد الله بن بيَّه: يعني أن نتعامل معهم باحترام وبوفاء، أن نحترم هذا العمل وأن نكون أوفياء لمَن ضحَّى في سبيل..

عبد الصمد ناصر: هنا السؤال، كيف يمكن أن نكون أوفياء؟ هل بالحديث؟ هل بالبيانات؟

عبد الله بن بيَّه: أن نقدِّر هذا العمل الإنساني، أن نقدم بيانات في وسائل الإعلام، أن ننوِّه بهذا العمل الإنساني..

عبد الصمد ناصر: أن يبقى تحركنا كالعادة على المستوى اللفظي المشكلة أننا أصبحنا أمة التحرك اللفظي أو البيانات أو ما..

عبد الله بن بيَّه: أمة الكلام كما سماها أحد الفلاسفة الغربيين، قال أمة الكلام لكن كلمة..

عبد الصمد ناصر: أو ظاهرة صوتية كما يحلو للبعض مثل زميلي فيصل القاسم، البعض يسأل هنا أيضاً هل نحن المسلمين، الاختصاص، على استعداد للقيام بما يقوم به الآخرون حيالنا وحيال قضايانا أو أيِّ من قضايا النضال تخص نصرة المستضعفين بغض النظر عن كونهم مسلمين أو غير مسلمين وأياً كان الظالم مسلما أو غير مسلم؟

عبد الله بن بيَّه: هو هذا أمر لا شك فيه، الإسلام يزكي الفضيلة ويزكي الفضيلة أياً ما يكن مصدرها والله سبحانه وتعالى يقول }ولا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً{ فهذا نزلت في مسلم مقابل يهودي، بمعنى أن هذا المسلم اغتال نفسه وبالتالي فالإسلام مع الحق حيث ما وُجد ومع الفضيلة حيثما وُجدت وهذا الأمر لا إشكال فيه لكن لا نقول يعني لا نصل إلى حد نقول كالشعار الماركسي القديم يا عمال العالم اتحدوا، يا أيها الأمم اتحدوا، نعم نحن نساند المظلومين في كل مكان نحن نساند..

عبد الصمد ناصر: لا نتحد معهم، إذا كنا نحن من الأمم الأوائل المظلومة الآن المستضعفة المنتهكة حقوقها ومقدراتها وما إلى ذلك.

عبد الله بن بيَّه: منطقتنا هذه منذ ثلاثين سنة هي أكثر المناطق حروباً وهي أكثر المناطق قتلى مع الأسف الشديد فهذه ظاهرة حقيقية وبالتالي الطغيان وجد نفسه متوجهاً إلى هذه الأرض..

عبد الصمد ناصر: دعني أسألك هنا فضيلة الشيخ هل ننحاز ونحن مسلمين في مواقفنا إلى القيم وندور معها حيثما دارت؟ وأينما كانت أم يا ترى ننحاز فقط للمسلمين؟

عبد الله بن بيَّه: لا، نحن ننحاز للقيم، نحن ننحاز للقيم لكن هذا لا يماثل انحيازنا للمسلمين، كما قلت النبي صلى الله عليه وسلم حارب عن خزاعة.. خزاعة لم يكونوا كلهم كما قلت وهذا مؤكد وموجود بكل المراجع، لم يكونوا كلهم مسلمين، دخلوا هذا الحلف تعاقداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن المسلمين ننحاز للقيم وانحيازنا للقيم هو انحياز لديننا يعني لا يوجد تناقض بين الاثنين حتى يكون الخيار إما هذا وإما ذاك.

عبد الصمد ناصر: سؤال أخير ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم والإعلام لإعادة بناء ثقافة نصر العدل في الأرض والاستعداد للتضحية من أجلها.

عبد الله بن بيَّه: هو في الحقيقة هذه مسألة في غاية الأهمية لأن الوسائل هي وسائل ثقافية أو وسائل دعوية والإعلام اسمح لي أن أقولها مع الأسف أحياناً يكرر الإنتاج، ينتج نفس العقلية الموجودة عندنا عقلية الصخب عقلية عدم العقلانية.

عبد الصمد ناصر: الإثارة.

عبد الله بن بيَّه: الإثارة، ينتجها الإعلام وبالتالي يزيد الطينة بلَّة، يعني الأوضاع الآن تقتضي أن تكون هناك رؤية واضحة هادئة يمكن أن تقدم شيئاً للناس والتعليم أيضاً هو مدخل لجامعات عقيمة، يجب أن يولد من هذه من رحم هذه الجامعات ما يؤيد الأفكار العاقلة التي...

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ عبد الله بن بيَّه وزير العدل الموريتاني السابق ونائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وفي الختام لكم تحيات وائل زعبيم في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد ومنِّي عبد الصمد ناصر وباقي الطاقم الفني، شكراً لكم وإلى اللقاء بحول الله.