- مفهوم الطائفية وأثر الفرقة على المسلمين
- فرص التآخي بين أهل المذاهب وسُبل تحقيقه
- سُبل تفادي الفرقة والوقوع في التجزئة
- دور علماء الدين في التصدي للتطرف المذهبي

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات، بسم الله الرحمن الرحيم {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} ويقول أيضا في سورة هود {ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} صدق الله العظيم، موضوع الطائفية والتقريب بين المذاهب الإسلامية من أكثر الموضوعات المصيرية حساسية في هذه الآونة ومن أشدها خطورة وتأثيرا على مستقبل الكيان الإسلامي العربي من حيث الوجود والهوية فضلا عن أنه يحيل إلى وقائع ومآسي حصل فيها الكثير من الشحناء والبغضاء والصراعات التي وصلت إلى حد الاقتتال وسفك الدماء، فلماذا تنامى الحس الطائفي؟ وما الدور الذي كان من المفترض أن تلعبه فكرة التقريب بين المذاهب؟ ولماذا فشلت تلك الفكرة في الحيلولة دون ذلك الاقتتال الذي عايناه في بلدان إسلامية؟ وكيف نحول دون تكراره في المستقبل؟ وهل يمكن أن نتجاوز أطروحة التقريب إلى أطروحة التآخي بين المسلمين أنفسهم بما يجنبنا الدخول في منطق الصراع والتوترات والتكفير أيضا؟ وما دور الدولة والعلماء في إرساء دعائم الوحدة والتآلف بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم؟ هذه الأسئلة وغيرها نطرحها اليوم في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة عن موضوع الطائفية والتقريب مع الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دكتور محمد سليم أهلا بك.

محمد سليم العوا- الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أهلا وسهلا بكم يا سيدي.

عبد الصمد ناصر: مرحبا دكتور.

محمد سليم العوا: مرحبا بكم يا سيدي.

مفهوم الطائفية وأثر الفرقة على المسلمين

عبد الصمد ناصر: دكتور يعني الحرب على العراق والآن على لبنان كما تابعنا واكبها نقاش من قبل البعض حول العلاقة بين الطائفية والمقاومة وهذا يدعو لربما إلى ضرورة إنعاش الجهود الإسلامية الرامية إلى تقريب أو التقارب بين المذاهب الإسلامية، بداية ماذا نعني بالتقريب بين المذاهب؟

"
الطائفية بالمعنى الديني مصطلح حديث يرمي إلى تحديد الجماعات السياسية المستندة إلى أصل ديني، والإسلام لا يعرف هذه الطائفية السياسية أصلا لأن المسلمين في المسألة السياسية متساوون
"
محمد سليم العوا: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فاسمح لي يا أخ عبد الصمد أن أبدأ هذه الحلقة بتحية المقاومة اللبنانية الصامدة في وجه عدو متوحش لم يرع للمدنيين حرمة ولم يقصف معسكرات المقاومين ولا أماكن تجمعهم وإنما قصف البنايات السكنية والشوارع والطرق والجسور ومحطات الكهرباء إلى آخر ما نعرفه وعلى الرغم من ذلك كله فإن المقاومين اللبنانيين الأبطال صامدون في مواجهته ويكبدونه خسائر فادحة في أطول حرب عرفها تاريخ هذا الكيان الصهيوني في منطقتنا، نحن اليوم في اليوم الحادي والثلاثين من الحرب وهم صامدون بحمد الله فيستحقون منا كل تحية وكل تقدير، الأمر الذي نبحثه في هذا اللقاء وهو موضوع الطائفية والتقريب يحتاج أولا إلى أن نحرر المصطلح، كلمة الطائفة والطائفية تتعلق بالوضع السياسي ولا تتعلق بالقسمة المذهبية، نحن في الإسلام نعرف الفرق، عندما تختلف العقائد والتصورات العقائدية ونعرف المذاهب عندما تختلف الآراء الفقهية، فنقول هذا المذهب المالكي وهذا المذهب الزيدي وهذا المذهب الجعفري وهذا المذهب الإباضي لأن هذه مذاهب في الفقه ونقول هذه فرقة الشاعرة وهذه فرقة الماتوريدية وهذه فرقة المرجئة وهذه فرقة القدرية، عندما تكون المسألة متعلقة بالعقائد وما يتصل بها من أمور وأحوال، أما مصطلح الطائفة والطائفية بالمعنى الديني فهو مصطلح حديث يرمي إلى تحديد الجماعات السياسية المستندة إلى أصل ديني، فالطائفة هي جماعة سياسية مستندة إلى أصل ديني تأخذ حقوقها باعتبارها جماعة ذات دين واحد أو جماعة ذات ملة واحدة أو ذات عقيدة واحدة ولا يعرف الإسلام هذه الطائفية السياسية أصلا لأن المسلمين في المسألة السياسية متساوون، "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم"، يعني هذا دليل قطعي من السنة النبوية الصحيحة على أن الأصل في المسلمين من الناحية السياسية.. هذه المساواة، ففكرة الطائفة السياسية المبنية على الدين فكرة جديدة علينا زرعها الاستعمار بعد أن جاء نظام الملل ونظام الطوائف من الدولة العثمانية، استغله الاستعمار وزرع فكرة الطائفية في عدد من بلداننا منها طبعا لبنان وسوريا والعراق الآن كما نرى فيه صراع مبني على الطائفية إلى حد كبير، لكن هذه الفكرة فكرة أصلا ليست إسلامية، الفكرة الإسلامية هي فكرة الفرقة والمذهب ونحن نتعامل الآن مع مسألة أخرى، مع منهج آخر، مع تفكير مختلف، مع تفكير سياسي يقوم على أن الطائفة لها حقوق سياسية باعتبارها ذات أصل ديني واحد، التقريب ليس بين الطوائف، التقريب الذي جرى منذ أكثر من نصف قرن ولا يزال مستمرا حتى اليوم هو تقريب بين أهل المذاهب، تقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة، بدأ في القاهرة بالحركة التي أسسها الشيخ محمد تقي القمني وشاركه من القاهرة أو من علماء السنة الكبار الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد المدني رحمة الله عليهم، الشيخ أبو زهرة، الشيخ محمد عبد الله دراز وشاركهم من الشيعة آية الله محمد حسين الكاشف الغطاء والسيد محمد صدر الدين شرف الدين والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ هبة الدين الشهرستاني وغيرهم، هذه الحركة تأسست سنة 1947 ميلاديا وأصدرت مجلة رسالة الإسلام أصدرت منها ستين عددا وكان صاحب فكرة تسمية مقر الجمعية في القاهرة بدار التقريب هو حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين لأنه كان أيضا أحد مؤسسي جماعة التقريب، فأدت هذه الجماعة دورا ثقافيا هائلا وانقطع سنة 1972 بوقف صدور المجلة وبهجرة الشيخ القمني إلى باريس التي لقي فيها ربه مقتولا رحمة الله عليه، ثم عادت إيران إلى إنشاء المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الذي يصدر رسالة جديدة.. مجلة جديدة بعنوان رسالة التقريب تقوم بنفس الدور أو بدور قريب جدا من الدور الذي كانت تقوم به رسالة الإسلام الصادرة من القاهرة والتي أصدرت كما قلت ستين عددا، قضية التقريب قضية فكرية، قضية صفوة، قضية نخبة وليست قضية عامة ومن هنا يأتي التفاوت بين الدعوة إلى التقريب والعمل له والرغبة فيه والفكر الذي يحمله وبين الواقع العملي الذي لا نشاهده متفقا تماما مع الفكر التقريبي الصحيح.

عبد الصمد ناصر: نعم، هناك سؤال من مشارك عبر الإنترنت إبراهيم عرب يسألك هل تعتقد بأن مسألة التقريب بين المذاهب سهلة؟ وإلى أي حد يمكن أن نقرب بين المذاهب؟ وأية مذاهب هي الأقرب لبعضها؟ ومن المستفيد من هذه الفرقة بين المسلمين؟ مشارك إبراهيم عرب من لندن.

محمد سليم العوا: شكرا للأخ إبراهيم، لكن نحن لا نقرب بين المذاهب، نحن نقرب بين أهل المذاهب، فيه فرق كبير بين المصطلحين، مصطلح التقريب بين المذاهب يعني نغير في كل مذهب شيئا ما لتلتقي المذاهب أو ليلتقي المذهبان الجاري بينهما التقريب، أما التقريب الذي نقوم به ونسعى إليه وندعو له وورثناه عن مشايخنا وعلمائنا فهو التقريب بين أهل المذاهب، بمعنى أن يتفق الناس على ما هو محل اتفاق بينهم ويتعاونوا فيه وأن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه وألا يطلب السني من الشيعي أن يتحول إلى سني أو يطلب الشيعي من السني أن يتشيع وإنما يبقي الشيعي شيعيا والسني سنيا ويستمر العمل بين الفريقين لمصلحة الإسلام ولمصلحة المسلمين، نحن ندعو إلى التقريب بين أهل المذاهب والتقارب بين أهل المذاهب وليس إلى التقريب بين المذاهب، المذاهب مطلقات وهي أوضاع تاريخية سواء من ناحية العقائد أم من ناحية الفقه، هي أوضاع تاريخية وليست أوضاع متجددة حتى نغير فيها ونقربها، هذه الأوضاع التاريخية ينبغي أن تبقى وينبغي أن يكون لها احترامها لكن أعضائها وأتباعها والمنتمون إليها يتعاونون طبقا للقاعدة الذهبية التي صاغها رشيد رضا رحمة الله عليه.. السيد محمد رشيد رضا، نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه وبين السنة والشيعة المتفق عليه كبير جدا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نعم، طيب إذا كان التقريب كما تقول هو ليس بين المذاهب وإنما التقريب بين أهل المذاهب وهذا يعني هذه المهمة يتصدى لها أهل الاختصاص العلماء والتقريب ربما يقتصر على النخبة فبالتالي من الذي سيقوم وينهض بمهمة إحالة هذا الجهد إلى فكر، إلى ثقافة، إلى نمط حياة بين الناس؟

محمد سليم العوا: لابد أن يبدأ التقريب بين النخبة طبعا، بين الصفوة من العلماء ذوي العقول الواسعة والصدور التي لا يأتيها الحرج والنفوس التي تتسع للاختلاف وتقبله وتجادل في ظله بالتي هي أحسن ثم ينزل هذا من مستويات هذه النخبة إلى مستويات العلماء والدعاة العاديين الذين ينتشرون في كل المساجد وفي كل الزوايا، نحن مثلا في مصر يا أخ عبد الصمد في الأسبوعين الماضيين عانينا معاناة شديدة جدا من أثار الفتاوى التي صدرت في إحدى البلاد الإسلامية تكفر إخواننا الشيعة وتحرم الدعاء لهم وهما فتويان صدرتا من شيخين في إحدى البلاد الإسلامية، ذهب الأئمة في المساجد إلى تكرارهما وأنا رأيت شبابا كثيرين ورجال كهولا يقولون لي ماذا نفعل؟ الخطيب كان يكفر الشيعة وأنت تقول الشيعة مسلمون، الشيعة مسلمون من أهل القبلة ومن أهل الملة والذي بيننا وبينهم من خلاف كالذي بين كثير منا نحن معشر أهل السنة وبين بعضنا بعض من خلافات آخر فقهي أو عقيدي أو فلسفي أو فكري، فيبدأ التقريب بين أهل المذاهب من الصفوة لكنه ينزل ويتدرج إلى أن يصل إلى الدعاة الذين يتعاملون تعامل يوميا مع الناس في المساجد ونحوها من الزوايا وما إليها.



فرص التآخي بين أهل المذاهب وسُبل تحقيقه

عبد الصمد ناصر: طيب البعض يريد أن يجاوز أطروحة التقريب بين أهل المذاهب كما تقول دكتور محمد سليم العوا إلى الحديث عن التآخي بين أهل هذه المذاهب، هل هذا ممكن تحقيقه في ضوء ما يجري وكيف؟

محمد سليم العوا: هاتان فكرتان مختلفتان، فكرة الأخوة الإسلامية {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الأخوة الإنسانية والأخوة الإيمانية الإسلامية هذه ثابتة بالنصوص الصحيحة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية، لكن التقريب يقوم على أمر آخر، الأخوة مبنية بالنسبة للإنسانية على أصل الخلق {إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى} وبالنسبة للمؤمنين مبنية على عقيدة الإيمان وعقيدة التوحيد {وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً} فهاتان الأخوتان مبنيتان على حقائق إما كونية في أصل الخلق وإما عقيدية أو عقائدية متعلقة بعقيدة الناس وإيمانهم، أما التقريب فبين أفكار ظاهرها التباين ولو جزئيا والمطلوب ألا يؤدي هذا التباين إلى فرقة بين أهلها، إلى فرقة أو نزاع أو صراع بين أتباعها كما يحدث في كثير من بلاد العالم الآن، لكي تحول هذا التنوع الفكري والفقهي والمذهبي إلى عامل قوة ينبغي أن يعرف كل إنسان أن الآخر لا يفترق عنه بباطل يعتنقه وإنما برأي يراه وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول رأيي عندي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري عندي خطأ يحتمل الصواب والعلاقات بين أئمة السنة والشيعة القدامى علاقات عظيمة، كان أبو حنيفة يقول لولا السنتان لهلك النعمان، السنتان اللتان صحب فيهما أبو حنيفة لمن جعفر الصادق، فهذا النوع من العلاقة القوية بين أئمة أهل البيت وبين أئمة السنة يدل على أن الفرقة حادثة وأنها مصطنعة وأن العوامل التي تغذيها ليست من أصل الدين وإنما من خارجه.

عبد الصمد ناصر: طيب هذه العلاقة التي تتحدث عنها الواقع الآن يعني يناقضها تماما، لماذا اختفت هذه العلاقة وهل يمكن أن نتحدث عن فشل أطروحة التقريب بين المذاهب؟

محمد سليم العوا: لا أنا أختلف معك، الواقع لا يناقضها تماما، الواقع يؤيدها انظر مثلا إلى لبنان التي هي محط أنظار العالم الآن، في لبنان القيادات الشيعية الكبرى من أية الله محمد حسين فضل الله، السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة الذي يلقبه كثيرا من مشاهديكم بسيد المقاومة في الحلقات التي تعملونها مع الناس مباشرة، المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي كان يرأسه الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمة الله عليه، هؤلاء الثلاثة الكبار في الزعامات الشيعية الدينية في لبنان بينهم خلافات داخل المذهب الشيعي، خلافات فقهية وفكرية وبعضها يمكن يسمى مع تجاوز خلافات عقدية ومع ذلك هؤلاء الثلاثة مجمعون على علاقة طيبة جدا مع أئمة السنة في لبنان، علاقة طيبة جدا مع علماء السنة خارج لبنان من الأزهر ومن غير الأزهر، علاقة طيبة جدا مع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي معظم علمائه سنة وإن كان في شيعة وإباضية وزيدية ومنهجية..

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور..

محمد سليم العوا: فهذه الملحوظة التي ذكرتها غير صحيحة، الواقع لا يكذب التقريب..

عبد الصمد ناصر: نعم، حينما أقول الواقع.. نحن لا نتحدث عن جهود أفراد، جهود شخصيات شيعية أو سنية، لكن البعض قد يستشهد بأنه حينما نُشرت فتاوى بخصوص المقاومة اللبنانية تخذل من مستنداتها كما قلت وأنت من الذين أنكروا هذه الفتاوى سمعنا تعليقات وفتاوى كثيرة ترد عليها، لكن حينما هُدمت المساجد في العراق بأثر من الشحن الطائفي على أيدي بعض الفئات من الشيعة لم نسمع سوى القليل من الأصوات التي أدانت هذا العمل من مراجع الشيعة والأمر يتعلق بهدم بيوت الله.

محمد سليم العوا: أرى.. أنا لا أقر هدم بيت عبادة سواء أكان سنيا أم شيعيا أم كان بيت عبادة لغير المسلمين لأن الله تبارك وتعالى يقول في سورة الحج {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} فسوى بين بيوت العبادة كلها..

عبد الصمد ناصر: يعني أنا لا أتحدث عن مبدأ هدم مساجد دكتور، لا أتحدث عن مبدأ هدم مساجد وإنما مبدأ رد الفعل..

محمد سليم العوا: اسمح لي أستاذ عبد الصمد..

عبد الصمد ناصر: تفضل.

محمد سليم العوا: يا أستاذ عبد الصمد أنا أفهم ما تتحدث عنه، لكن هذا أصل ضروري، إذا لم نؤصله لا يفهم لماذا استنكرنا نحن الفتاوى ضد الشيعة ولماذا لم يستنكر إخواننا العلماء هدم المساجد؟ الذي يجري في العراق حتى اليوم من تبادل الهدم بين المساجد والحسينيات، بين مساجد السنة ومساجد الشيعة، من يومين كان في تفجير أمام مرقد الإمام علي في النجف وحصل قتل على المنبر لآية الله محمد باقر الحكيم وغيره من الأحداث وأنا لا أتهم أحدا معينا لأنه ليس لدي دليل، لكن كما تفضلت كانت الأصوات الشيعية قليلة جدا وهذا خطأ ونحن نلوم إخواننا الشيعة الذين لم يستنكروا هدم مساجد السنة ونقول لهم إن من واجبهم أن يتقدموا بمثل ما نتقدم به إن لم يكن أكثر من استنكار هدم مساجد الشيعة وحسينياتهم، لكن قعود آيات الله الكبار، قعود المراجع الشيعية عن انتقاد هدم المساجد السنية ومهاجمة المصلين فيها لا يصوغ لنا أن نسكت على الفتاوى الخاطئة أو على التصرفات الباطلة ونحن نؤدي ما علينا وكل إنسان محاسب عم فعل ولا يحاسب عم فعل غيره {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} أنا لا أقر سكوتهم.

عبد الصمد ناصر: يعني يا دكتور أنا سألتك لأنك كنت تتحدث أن فكرة النخبة هي فكرة حية منتشرة.. يعني بين النخبة، لكن السؤال هنا كان عن هذه رد فعل هذه النخبة، رد فعل هذه النخبة لم يكن بحجم الطرح الذي يتحدثون عنه وهو تقريب بين مذاهب أو بين أهل مذاهب كما تقول دكتور؟

"
هناك حاجة إلى رصد أكثر دقة، لأن دور الإعلام في تضخيم بعض التصريحات أو إخفات تصريحات أخرى دور جوهري والإعلام غالبا لا يتمتع بقدر كبير من الحرية وإنما هو في غالبه موجه
"
محمد سليم العوا: أظن كمان يا أخ عبد الصمد أظن هناك احتياج إلى رصد أكثر دقة لأن دور الإعلام في تضخيم بعض التصريحات أو في إخفات صوت بعض التصريحات الأخرى دور جوهري والإعلام ليس بالغ الحرية وإنما هو في غالبه موجه ونحن نحسد الجزيرة على القدر الذي تتمتع به من الحرية ونتمنى أن يتمتع بها كل الإعلام العربي والإسلامي، لكن هذا غير متوفر للأسف الشديد، أنتم مثلا لما فُجر مرقد الإمامين العسكريين كنتم من أوائل من نشر استنكارنا في اتحاد علماء المسلمين ونشرتم كلام الشيخ القرضاوي وكلام غيره من المسؤولين في الاتحاد عن هذا الأمر وكذلك لما نُشرت الفتوى التي تكفر الشيعة، غيركم سكت تماما عن هذا الأمر، فهناك مشكلة إعلامية، لكن أنت تفضلت فقلت لم نسمع إلا قليلا من الإدانة من المراجع الشيعية الكبرى وهذا صحيح، لم نسمع إلا قليلا وهذا كنا نتمنى أن نسمع أكثر منه وندعو إلى ذلك ونشجعه.

عبد الصمد ناصر: الواقع دكتور أن المشكلة ليست مشكلة إعلام ونقل لتصريحات أو تلك على كل حال عن مؤسسة التقريب بين مذاهب ولماذا لم تكن قادرة.. لا أريد أن أقول فاشلة كما تعترض على مواجهة الفرقة وكيف نحول دون الصراع والاقتتال نستمع؟ إلى هذا التعليق من السيد محمد حسن الأمين المستشار في المحكمة الجعفرية في لبنان، فلنتابع.

[شريط مسجل]

محمد حسن الأمين - المستشار بالمحكمة الجعفرية - لبنان: أعتقد أن هذه المؤسسة هي غير موجودة عمليا وحتى لو كانت مثل هذه المؤسسة موجودة لكان من الصعب على مؤسسة واحدة أن تقوم بهذه المهمة، فهي أي حالة التشرذم والانقسام والتفكك الذي يتخذ طابع نمو الطائفية والمذهبية كما أشرت هو مظهر من مظاهر التفكك العام ومن مظاهر تراجع الهوية القومية والهوية الجامعة الإسلامية وهذا كما قلت لا يمكن أن تؤثر فيه مؤسسة واحدة بل لابد من مشروع قومي وإسلامي كبير يستند إلى ركائز التنمية وركائز الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، فتأتي حينئذ المؤسسات المتعددة حينئذ والمتداخلة والمتراكزة لتقوم بهذا الدور الكبير الذي ينبغي أن نجده في مواجهة هذه المخاطر.

عبد الصمد ناصر: سنستأنف نقاشنا في هذه الحلقة حول التقريب بين مذاهب أو أهل مذاهب بعد هذا الفاصل، فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

سُبل تفادي الفرقة والوقوع في التجزئة

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد في برنامج الشريعة والحياة، حلقة اليوم حول التقريب بين أهل المذاهب الإسلامية وضيفنا هو الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهو معنا مباشرة عبر الأقمار الصناعية من استوديوهاتنا في القاهرة، دكتور محمد سليم يعني كيف يمكن أن نتجاوز هذا التنافر والتباعد إذا جاز لنا أن نصف الأمر بين أهل المذاهب بحيث نتفادى أن تجهل هذه الجهة حال الأخرى ونتفادى جهل هذا الطرف الآخر ولا نصل إلى مسألة سيادة العصبية والوقوع في كما يسمى في التوقيا التي تزدهر كلما كانت هناك تجزئة؟

محمد سليم العوا: أنا أولا أحب أن أثني على كلام أخي العلامة محمد حسن الأمين عن عدم وجود مؤسسة تقريب عمليا، مؤسسة التقريب التي كان اسمها دار التقريب بين المذاهب في القاهرة أُغلقت منذ عام 1972..

عبد الصمد ناصر: 1972.

محمد سليم العوا: 1972 ولا تزال دارها مغلفة حتى الآن وقد حاولنا مع أستاذنا العلامة الشيخ محمد الغزالي في عام 1987 و1988 أن نعيد فتحها ولكن لم نوفق ولعل الله يوفقنا في مستقبل الأيام إلى إعادة هذه الدار إلى نشاطها القديم..

عبد الصمد ناصر: ولكن هناك مؤسسة في إيران دكتور.

محمد سليم العوا: سأقول لك، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب في إيران بدأ سنة 1992 وأمينه العام هو الشيخ آية الله محمد على التسخيري..

عبد الصمد ناصر: التسخيري..

محمد سليم العوا: وهو نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فهذه المؤسسة الإيرانية تعمل العمل الذي ذكرناه في أول الحلقة، تعمل العمل الفكري النظري، مثلا أصدرت مجموعة كتب عن الأدلة المستقاة من السنة النبوية فيما يتعلق بالعبادات، وجدنا نتيجة هذا العمل العلمي أن 90% من أدلة العبادات متفق عليها بين السنة والشيعة، المرحلة الثانية من المشروع بدأت الآن في المعاملات، عندما يتم إصدار هذا المشروع كائن في صورة كتب يقرأها العلماء ويتداولها طلاب العلم ويتناولها الدعاة في أبحاثهم وكلماتهم ودعوتهم للناس لابد أن تتغير الصورة، هناك مشروع ثاني تقوم به هذه المؤسسة بالتعاون مع المجمع الدولي للفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هو مجموعة معلمة القواعد الفقهية والأصولية وهذا الموضوع سيؤدي إلى إظهار اتفاق القواعد الفقهية والأصولية السنية والشيعية في معظم الموارد إن لم يكن في كلها، لما يظهر هذا إلى الناس تتعرف كل طائفة على الأخرى كما تفضلت ويعلم الناس من الشيعة أن أهل السنة ليسوا وحوشا ذوي أنياب يأكلون الشيعية ويعلم السنة أن الشيعة ليسوا وحوشا ذوي أنياب يأكلون السنة، هذه المفاهيم الخاطئة الموجودة عند العوام لا يمكن أن تزول بين يوم وليلة، نحن نتكلم عن مشاعر غضب واحتقان داخلي عمرها قرون من الزمان، عمرها حوالي ألف سنة تقريبا، إذا أردت أن تنزع ما ترسخ في ألف سنة لابد أن تعمل وقتا غير قصير، نحن لا نقول الآن نحتاج إلى ألف سنة لا نحتاج الآن إلى 10 سنين إلى 15 سنة مع الإعلام السريع مع تحول العالم إلى قرية واحدة مع تبادل التواصل المستمر بين العلماء من المذاهب كلها مع وجود اتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي نرجو أن يقوم بالدور الكبير المأمول منه في هذا الصدد، نحن مثلا نرتب الآن لاجتماع كبير بين علماء السنة وعلماء الشيعة بالتعاون مع منظمة المؤتمر الإسلامي ونتأكد.. أقول نحن متأكدون من الآن أن هذا الاجتماع سيصدر عنه موقف يقلل جدا من غلواء العوام من الطرفين كل منهما قِبل الآخر، فهذا عمل طويل المدى يا أخ عبد الصمد ويحتاج إلى تراكم الجهود ونزولها كما قلت في أول كلامي من الصفوة والقمة والنخبة إلى المستويات المتوسطة وما دونها من الدعاة.

عبد الصمد ناصر: طيب هذا العمل إلى أي حد يمكن تفعليه فعلا وأن يصبح له وجود على أرض الواقع دون مواكبته بقرار أو بقرارات سياسية برأيك؟

"
أتمنى أن تبتعد السياسة عن المسألة المتعلقة بالمذاهب الإسلامية، السياسة لم تدخل في شيء إلا أفسدته ولاسيما السياسة العربية والإسلامية، الذي يحدث مثلا في العراق صراع سياسي وليس صراعا دينيا
"
محمد سليم العوا:أنا أتمنى أن تبتعد السياسة عن هذه المسألة المتعلقة بالفرق والمذاهب الإسلامية، السياسة لم تدخل في شيء إلا أفسدته ولا سيما السياسة العربية والإسلامية، الذي يحدث مثلا في العراق مما تفضلت وأشرت إليه في أول الحلقة هذا صراع سياسي وليس صراعا دينيا، الناس لا يقتلون الآخرين لأنهم شيعة أو لأنهم سنة وإنما لأن هناك صراعا سياسيا على الثروة والنفوذ وانتقاما من حكم سابق وخوف من حكم آت وهكذا، فأنا أتمنى أن يتم التوفيق وتوثيق عرى الأخوة الإيمانية بين أهل المذاهب المختلفة دون تدخل من السياسيين، خلي السياسيين في همهم اللي هم فيه يا رب يقدروا يؤدوا مهمتهم وهي مهمة بالغة الصعوبة وحسابهم عليها عسير وخلي العلماء يقوموا بدورهم في هدوء وفي تؤدة وفي أناة وشيئا بعد شيء وأنا لا أرى هذا مستحيل ولكن طبعا يزعجنا أن يُقتل الناس على الهوية..

عبد الصمد ناصر: دكتور هذا العمل الديني وإن كان مرتبطا بالحقل الديني لكن له إمدادات واسعة تشمل مناحي سياسية أيضا، الدكتور الحارث الضاري.. الشيخ الحارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق يعني حمل مؤخرا في إحدى تصريحاته إيران مسؤولية ما يحدث في العراق من اقتتال طائفي وغيره وقال بأن إيران رعت لمدة طويلة من الزمن مشروع تقريب بين المذاهب الإسلامية، أنا لا أريد أن يفهمني البعض على أنني أتحامل على إيران ولكنني أنقل هنا تصريح للدكتور الشيخ الحارث الضاري، كيف نفهم هذا التناقض؟

محمد سليم العوا: أنا لا أراه تناقضا، هذا هو بالضبط ما كنت أحاول أن أقوله يا أخ عبد الصمد، السياسة تفسد..

عبد الصمد ناصر: كيف؟ إيران.. عفوا يا دكتور، أريد أن أفسر سؤالي أكثر، إيران هي التي ترعى هذا الحوار وهذه الجهود الساعية للتقريب بين أهل المذاهب.

محمد سليم العوا: أنت زعلان مني يا عبد الصمد ولا إيه؟

عبد الصمد ناصر: لا تفضل، أبدا.

محمد سليم العوا: أنت زعلان مني؟ لا طب خليني أكمل كلامي يا رجل يا طيب، إحنا أصحاب..

عبد الصمد ناصر: تفضل دكتور.

محمد سليم العوا: كنت أقول لك ولا زال أقول إن السياسة تفسد ما يبنيه أهل الفكر وأهل الفقه وأهل الدين، السياسة الإيرانية قد يكون لها أطماع في العراق وفي غير العراق ولكن علماء إيران وفقهاء إيران والمراجع الدينية الشيعية في العراق وفي إيران في وادي وآخر وينبغي أن يكون جهدهم كله موجه إلى الحيلولة بين العمل السياسي وبين إفساد العلاقة السنية الشيعية، ما قاله أخونا العزيز العلامة الشيخ الحارث الضاري وهو بالمناسبة عضو معنا في اتحاد علماء المسلمين.. عضو فاعل ومؤثر، ما قاله قد يكون منطبقا على الواقع السياسي اليوم في العراق، لكن هذا الواقع السياسي ليس إفرازا للتشييع والتسنن، هذا إفراز لعلاقة تاريخية قديمة بين العراق وإيران، علاقة تاريخية قبل أن تأني الثورة الإسلامية من أيام الشاة ومن قبله ومن أيام أبوه قبل أن يأتي صدام حسين، هذه علاقة قديمة تتوارثها الحكومات لأن المصالح السياسية والأطماع السياسية بين قوسين لا تتعلق بالفكرة المذهبية أو العقيدية التي تحكم العمل السياسي، أنا أدعو إلى أن يقوم العلماء بدورهم في إزالة الجفوة بين الفرقتين الكبيرتين من أهل الإسلام.. بين السنة والشيعة وأن تتركنا السياسة في حالنا، تشتغل على الجانب السياسي ولا تشتغل على الجانب الديني، هذه هي دعوتي، التناقض يأتي من هنا، التناقض اللي حضرتك أشرت إليه أو اللي أشار إليه الشيخ حارث يأتي من هنا، يأتي من أن السياسيين في وادي والتقريب في وادي آخر.. العلماء والفقهاء في واد آخر، شيخ تسخيري مثلا أمين عام مؤسسة التقريب.. المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب ماله ومال المذابح التي تجري في إيران، الشيخ محمد سعيد نعماني الذي عاد من إيران إلى العراق رجل تقريبي من رأسه إلى أخمص قدمه، لكن السياسة الإيرانية والسياسة العراقية شيء مختلف تماما عن العمل الفكري والعلمي الذي نمارسه وندعو إليه، السياسة تؤثر تأثير سلبي والعمل الفكري والفقهي يؤثر تأثير إيجابي.

عبد الصمد ناصر: دكتور أنا آسف لمقاطعتك، أريد أن أشرك محمد علي..

محمد سليم العوا: لا.. لا معلش، أنا أحب المزاح، أنا أحب المزاح، نأنا تفضل.

عبد الصمد ناصر: الله يبارك فيك، مقبول منك، دكتور محمد علي آذرشيب وهو عضو المجمع العالمي لتقريب المذاهب، دكتور محمد علي هناك من يتهم أطروحة التقريب بالفشل، ما قولك؟

محمد علي آذرشيب - عضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب- إيران: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله.

محمد علي آذرشيب: تحية لك أخي عبد الصمد ولضيفك الكريم العظيم الدكتور محمد سليم العوا..

محمد سليم العوا: جزاك الله خيرا..

محمد علي آذرشيب: وأما مسألة الفشل التي تفضلت فيها أعتقد أن هذا القول غير دقيق، طبعا يتضح ذلك لو قارنت الوضع الراهن بما كنا عليه في القرن الماضي، يعني قبل أن تنطلق حركة التقريب لوجدت.. لو قارنت لوجدت أن تقدما كبيرا حدث في مسألة التقريب، بداية أسمح لي أن أقول لك أن حركة التقريب لم تبدأ من جماعة التقريب في القاهرة في العصر الحديث بل بدأت مع دعاة النهضة..

عبد الصمد ناصر: جمال الدين الأفغاني..

محمد علي آذرشيب: الإسلامية، يعني كل دعاة النهضة كان لهم عندهم مشروع تقريب ابتدأ من السيد جمال الدين إلى الكواكبي إلى إقبال الله هوري وامتدادا إلى حسن البنا ومحمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم، هؤلاء الذين كانوا يحملون هما لنهضة الأمة كان عندهم أيضا مشروع تقريب، فحركة التقريب بدأت منذ أن بدأ الحادبون على هذه الأمة يفكرون في استنهاضها، كانت التفرقة المذهبية قبل مساعي التقريب في ذروتها، أنا طبعا كتبت كتابا باسم ملف التقريب وثقت فيه كل أعمال جماعة التقريب في القاهرة وأذكر هناك أن البيان الأول لجماعة التقريب بمصر ذكر الأوضاع التي كانت سائدة قبل حركة التقريب وفي هذا البيان بالذات يذكر أنه كان هناك من لا يصلى خلف إماما يخالفه في مذهبه ومن لا يزوج بنته لفلان أو يتردد في أكل ذبيحة فلان أو قبول قضاء فلان لمجرد أنه يخالفه في المذهب..

عبد الصمد ناصر: طيب، اعذرني للمقاطعة أستاذ محمد، يعني هذا على صعيد فكرة تقريب ولكن قد يسأل البعض أطروحة التقريب هذه بين أهل المذاهب لا يبدو أن لها أثرا فعليا بين أهل المذاهب؟

محمد علي آذرشيب: لا أنا في اعتقادي أن لها أثرا كبيرا لأنها أزالت تلك النزاعات التي كانت سائدة في العالم الإسلامي بين أهل السنة والشيعة، يعني أنت ربما تتذكر تلك يعني تلك الحملات أو ذلك الهجوم الذي كان يحدث من البادية على النجف وعلى كربلاء والمذابح التي كانت تحدث بين أهل السنة والشيعة، هذه انتهت ولا بأس أن أقول لك أن في ذلك البيان..

عبد الصمد ناصر: عفوا دكتور لمقاطعتك، أنت تقول بأن لها انتشار، لكن نحن نعلم بأن الأفكار وفعالية الأفكار تظهر وقت الأزمات والشدائد، لماذا لم يظهر فكر التقريب بين المذاهب في العراق الآن وقد استعرضت قبل قليل ما صرح به الشيخ حارث الضاري حول الموضوع؟

محمد علي آذرشيب: أنا طبعا أولا أؤيد ما تفضل به الدكتور محمد سليم بأن الحالة في العراق حالة سياسية وليست حالة مذهبية، هناك تسوية حسابات قديمة، هناك فئة كانت تحتكر السلطة ثم الآن بدأت الأوضاع تتجه نحو المشاركة العامة للسلطة وهذه أثارت حساسيات وأثارت أيضا مخاوف عند الآخرين وأنا طبعا.. اسمح لي أن أعتب على أخينا الشيخ حارث الضاري في تصريحه هذا، أنا طبعا لا أدري هل يعلم الشيخ حارث الضاري أو لا.. هناك وثائق كثيرة عند كل العراقيين يعرفها كل العراقيين بأن الاحتلال هو الذي يثير المشاكل الطائفية في العراق، لا أقول ذلك كعنا وإنما هناك وثائق بالذات موجودة أن الاحتلال هو الذي يحاول أن يثير أهل السنة ضد الشيعة ويثير الشيعة ضد أهل السنة، هناك قتل شيعي باسم السني وهناك قتل سني باسم الشيعة ولكن القاتل ليس سنيا وليس شيعيا، هذه وثائق موجودة كثيرة ولا أدري لماذا يوجه التهمة إلى إيران وإيران دعته.. دعت الشيخ حارث الضاري ليشرفنا إلى إيران ونتحدث معه حول هذه المسألة ونكشف له كل الوثائق وهو أيضا يحدثنا بما عنده من وثائق لنتفاهم معه ولنوضح له كل الأمور ونضع النقاط على الحروف.

عبد الصمد ناصر: على كل حال دكتور محمد علي آذرشيب يعني العراقيون ربما هم أدري بحال واقعهم والكثير يتحدث عن فرق الموت هنا وهناك على كل حال شكرا لك دكتور محمد علي آذرشيب وهو عضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب لو عدت إلى ضيفنا الكريم الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين دكتور يعني حينما نتحدث عن موضوع التقريب بين أهل المذاهب نتساءل هنا إذا كان المسلمون غير موحدي الصفوف إذا جاز لنا التعبير على صعيد المذاهب كيف تتحقق عالمية الإسلام في ظل هذا الوضع في ظل الصراعات الطائفية وماذا عن التكفير بين طائفة وأخرى؟

محمد سليم العوا: دعني أقول أن عالمية الإسلام تتحقق من خلال التعدد المذهبي لأن معنى التعدد المذهبي أن هناك رؤى مختلفة لمعاني النصوص ولتفسيراتها وللأحكام المترتبة على هذا الفهم وذلك التفسير والناس في العالم الناس في الدنيا الخلق كلهم لا يمكن أن يكونوا على مستوى واحد في قبول ما يعرض عليهم أو في رفضه هذا يقبل شيئا وذاك يقبل شيئا أخر وثالث يقبل شيئا رابعا هذا يفهم بقدر وهناك فهم أعمق وهناك فهم أقل إلى آخره ولذلك جاءت الآية الكريمة التي بدأت بها الحديث {ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال العلماء أي للاختلاف.. للاختلاف خلقهم فخلقهم للاختلاف ومن هنا تأتي عالمية الإسلام بأن ينتشر من خلال تنوع المذاهب وتعددها لماذا لأن هذه المذاهب يجمعها التوجه إلى قبلة واحدة والإيمان بالأصول الإيمانية الخمسة بأركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة بعد ذلك يختلف الناس في فقه ما شاؤوا هذا ينفع ولا يضر.

عبد الصمد ناصر: نعم هذا على الصعيد المذهبي ولكن حينما نتحدث الآن عن العالمية لا نتحدث عنها على صعيد المذهبية أو التعدد المذهبي ولكن على صعيد الصراعات الطائفية التي تطحن الكثير من الدول الإسلامية؟

محمد سليم العوا: هذه الصراعات الطائفية لا تؤدي لا إلى عالمية ولا إلى بقاء الإسلام في الأرض التي تقع فيها لأن الدين الذي يؤدي بأهله إلى أن يتقاتلوا عليه يكون قد أخفق حتى في توحيد أهله وبالتالي هناك مشكلة حقيقية متعلقة بالدين نفسه ومن هنا تبدو لك قصة الفرقة الطائفية التي هي محل الحديث قصة متعلقة أساسا بعلماء الدين ودعاته وفقهائه ومن واجبنا نحن وغيرنا من العلماء أن عمل في إطار إبعاد شبح هذه الفرقة الدموية إن صح التعبير إبعاد هذه الفرقة التي تؤدي إلى سفك الدماء لأن هذه لا هي من الإسلام ولا هي من أي دين كان ولكن الفكر والفقه والاختلاف الفقهي والفكري هذا مباح ومشروع وليس فيه شيء طبعا الطائفية المقيتة..



دور علماء الدين في التصدي للتطرف المذهبي

عبد الصمد ناصر: نعم مادمت جئت على ذكر.. مادمت عفوا للمقاطعة دكتور مادمت جئت على ذكر دور العلماء لأن الوقت ضيق جدا ولم يتبق أمامي سوى خمس دقائق تقريبا، ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء في التصدي لاستشراء التطرف والغلو والتباعد سواء عند هذا المذهب أو عند أهل هذا المذهب أو ذاك وما هو الدور الذي يمكن كذلك أن تلعبه الدولة في هذا الإطار؟

محمد سليم العوا: العلماء من واجبهم أن يبينوا دائما حقيقة الإسلام الوسطي، حقيقة الإسلام الذي يخاطب العقول، حقيقة الإسلام الذي يعطى العقل حقه والعاطفة حقها والمادة حقها والروح حقها والعبادة حقها والعمل المنتج في الأرض حقه، هذا الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولنا تجربة في مصر قريبة جدا.. كان بيننا فئة كبيرة من شباب المسلمين أصبحوا الآن كهولا وشيوخا تسمى الجماعة الإسلامية انتهجت منهج العنف وحملت السلاح على الناس العاديين في مصر ووقعت مجازر يعرفها العام والخاص، ثم فاءت هذه الجماعة الكبيرة إلى كلمة الإسلام الوسطي، استجابت لنداء الحق الذي وجهه عشرات العلماء على مدى أربعين سنة هي عمر الجماعة تقريبا وبدأت منذ سنين في مراجعات انتهت الآن إلى إصدار نحو عشرين كتابا مطبوعا غير الكتب التي لم تطبع وقد كانوا على التليفزيون المصري قبل أيام قليلة يقدمون صورة ناصعة مضيئة للمسلم الذي أذنب ثم تاب، الذي أخطئ ثم رجع إلى الصواب، هذا واجبنا يا سيدي أن نرد الناس إلى الصواب ولا نيئس، لا يجوز أن يداخل العلماء اليأس، يجب أن يبقوا على الدعوة إلى الصالح طول الوقت، يأتي واجب الدور.. حضرتك سألت عن واجب العلماء وواجب الدول واجب الدول الأول والأوحد أن تتيح الحريات لأبنائها، أن تتيح الحريات لأبنائها من العلماء ومن الدعاة ومن المفكرين ومن الكتاب، لا تسمح لمن يوافق هواها وتمنع من لا يوافقها لأن هذا الذي لا يوافقها قد يكون هو الذي يحقق المصلحة العامة للأمة والذي يؤدي إلى إذابة هذه الفرقة الطائفية الملعونة التي تؤدي إلى سفك الدماء بغير حق وتؤدي إلى تفريق الأمة التي يجب أن تكون مجتمعة، أنا لا أطالب الحكومات الحالية في العالم العربي والإسلامي إلا بهذا الواجب، واجبها في حماية الحريات والحق في التعبير حتى يتمكن الدعاة والعلماء من الوصول أكبر قدر ممكن من الناس من الخاصة والعامة إذا أتيح للعلماء هذا الدنيا تتغير بسرعة إن شاء الله.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور يعني في ضوء رد الفعل الإيجابي والواعي للشعوب الإسلامية من المقاومة في لبنان ربما اتضح للبعض أن هذه الطائفية مازالت فقط تعشش في أذهان بعض الساسة وبعض النخب الدينية ونشدد هنا على كلمة البعض فقط وحول واجب الأمة بعد انتهاء الحرب في لبنان وسبل مواجهة المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن هذه الأزمة، نستمع إلى التعليق التالي فلنتابع.

[شريط مسجل]

محمد حسن الأمين: كفى بهذه التحديات وهذه الأزمات التي تفكك الأمة وتقهرها.. كفى بها حافزا لقيام الأمة لقيام تعبيرات قوية عن هذه الأمة بغض النظر عن الأنظمة السياسية التي تحكم والتي تمسك بزمام الأمور، فمثل هذه الظروف التي نمر بها اليوم تتطلب عملا يتجاوز ردود الفعل السياسية الضعيفة التي تقوم على أساس من الأنظمة السياسية أن حركة الأمة دائما نحن نطالب بأن تتحرك الأمة ولكن بطبيعة الحال فإن هذه الحركة لا تتحقق إلا من خلال نخبة متماسكة تقدم للأمة منهج تحركها.

عبد الصمد ناصر: نعود إلى الدكتور محمد سليم العوا في دقيقة دكتور.. يعني بعد أن تضع الحرب أوزارها في لبنان إن شاء الله قريبا نتمنى أن يكون ذلك في غضون الساعات القادمة ما واجب الأمة حيال لبنان حيال هذا الموضوع بالذات؟

"
أظن أن الفتنة التي سنواجهها في لبنان بعد أن تضع الحرب أوزارها أشد بكثير من الفتنة التي واجهناها من الفتاوى المنكرة التي صدرت في أوائل الحرب، العدو لن يقنع بما حدث له من هزيمة وسيحاول أن يفتت هذا الوطن بسلاح الفتنة الطائفية
"
محمد سليم العوا: أظن سيدي أنه الفتنة التي سنواجهها في لبنان بعد أن تضع الحرب أوزارها أشد بكثير من الفتنة التي واجهناها من الفتاوى المنكرة التي صدرت في أوائل الحرب، العدو لن يقنع بما حدث له من هزيمة ويسحب أرجله من الوطن العربي ويخرج خارجه، العدو سيحاول أن يفتت هذا الوطن وليس هناك سلاح يفتت به هذا الوطن وتضيع به قوة هذه الأمة وتذهب هباء إلا سلاح الفتنة الطائفية، أنا أتوقع مزيدا من التركيز على هذا الموضوع ولذلك أرجو من الأمة أن تكون على مستوى وقفتها الرائعة الآن تأييدا للمقاومة وتدعيما لها في تأييد العلماء الداعين إلى الوحدة، تأييد العلماء الداعين إلى عدم الفرقة، تأييد العلماء الداعين إلى وسطية الإسلام وإلى أن يعذر كل منا أخاه فيما اختلف معه فيه، هذا هو واجب الأمة القادم وهو واجب سيبدأ من اليوم ولن ينتظر غدا وقف إطلاق النار إذا أوقفت غدا يعني.

عبد الصمد ناصر: دكتور حتى لا نقطع الطريق أمام مخططات التقسيم والتجزئة الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين من القاهرة بارك الله فيك وشكرا لك وفي الختام مشاهدينا الكرام لكم تحيات منصور طلافيح في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد ومني عبد الصمد ناصر فإلى اللقاء في الحلقة القادمة بحول الله.