- وظيفة خطبة الجمعة
- أثر السياسة على خطبة الجمعة

- المحاور الأساسية للخطبة الناجحة

- سمات الخطيب الناجح

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، خطبة الجمعة تلك الفريضة التي أضحت عبئا على بعض المصلين أحيانا فيأتونها متهاونين أو متأخرين حين يقارب الخطيب على الانتهاء من خطبته ليريحوا أنفسهم من سياط كلامه أو من السآمة التي تصيبهم جراء الاستماع إلى موضوعاته المكررة والمجردة التي لا تمس حياتهم، إذ يجمع عليهم همَّا إلى همومهم وآخرون يسارعون إلى أقصر خطبة تُخفِّف عنهم العبء ويسقطون بها عن كاهلهم الواجب المفروض ليريحوا ضمائرهم وبعض ثالث حوَّل الخطبة إلى منبر يدير من خلاله صراعه مع الآخرين فلماذا شُرعت خطبة الجمعة؟ وما وجه القول بوجوبها؟ وهل تؤدي الغاية منها؟ ولماذا يُضيِّع كثير من الخطباء هذه الفرصة الذهبية التي يتجمع فيها الناس كل أسبوع ليصغوا إليهم؟ وكيف ننهض بواقع خطبة الجمعة اليوم؟ خطبة الجمعة إذاً وكيف ننهض بها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة، في هذه الحلقة نستضيف الدكتور محمد عكام أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة حلب والمستشار لشؤون التعليم الشرعي والتوجيه الديني في وزارة الأوقاف السورية، أهلا بك يا دكتور.

وظيفة خطبة الجمعة

محمود عكام: الله يبارك فيك، أهلا وسهلا بكم، حيَّاكم الله.

عبد الصمد ناصر: أهلا وسهلا، يعني موضوع الليلة خطبة الجمعة ربما الوقت لا يكفينا لإتمامه لكن نحن نعلم أن هذه الخطبة كانت ولا تزال منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسيلة للتأثير في الناس وإيصال الكثير من الرسائل إلى القدر الأكبر من الناس، ما الوظيفة التي تؤديها خطبة الجمعة؟ وما الدور المنوط بها؟

محمود عكام- أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة حلب - سوريا: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وأهله وأصحابه ومَن والاه، لا شك في أن خطبة الجمعة كما تفضلتم تحتاج إلى أكثر من حلقة ربما لأنها قضية محورية في حياة المسلمين.. في حياة المسلمين المتدينين المحافظين المصلين، خطبة الجمعة حينما أفرد لها القرآن الكريم أو أُفرد لصلاة الجمعة وخطبتها سورة خاصة تسمى سورة الجمعة كما نعلم، في هذه السورة أعتقد أن الله عز وجل حدد وظيفة خطبة الجمعة حينما قال {إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ} وأنا أفهم أن أمر الله عز وجل إيانا في أن نسعى إلى ذِكر الله يعني أن نسعى من أجل أن نتذكر أن الله عز وجل هو الحاكم علينا وهو الذي نأخذ عنه علمنا وهو الذي نأخذ عنه أحكامنا، في هذه الفترة التي تسبق يوم الجمعة وقد مضى على الخطبة السابقة سبعة أيام الإنسان مال إلى أن ينسى ما قد سمعه في الخطبة السابقة ولعل عدد سبعة أيام يمكن أن يكون هو الوقت الذي يحتاج معه الإنسان إلى تجديد حتى في المجال المادي فأنا أذكر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حسب ما جاء في رواية الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا المسلم.. حقا على كل مسلم، في كل سبعة أيام حق على المسلم.. في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه جسمه فإذا كان سبعة أيام الجسم بحاجة.. يكون الجسم بحاجة إلى أن يُغسل إلى التغسيل إلى الغُسل إلى النظافة فهو أيضا من الناحية المعنوية بحاجة إلى أن يتذكر هُويته {فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي اسعوا من أجل أن تتذكروا هُويتكم، ما هُويتكم؟ هويتكم أنكم عبيد لله عز وجل، إنكم عباد لله عز وجل وبالتالي تتلقون الأوامر منه وعلى هذا تكون وظيفة خطبة الجمعة بك اختصار التذكر والتذكير، تذكر الخطيب وتذكير الخطيب الناس الحاضرين يُذكِّرهم بأنهم عباد لله عز وجل، آمنوا بالله عن قناعة منهم وبالتالي عليهم أن يوافقوا في أعمالهم الإيمان الذي زرعوه في دواخلهم.

عبد الصمد ناصر: إذاً مما لا شك فيه أن لخطبة الجمعة أثر في تشكيل الرأي، في تشكيل الفكر، في تقويم السلوك، كيف يمكن لخطبة الجمعة أن تحقق هذه الأهداف؟

محمود عكام: خطبة الجمعة كما قلنا باعتبار أنها تذكِّر الناس وتذكِّر الخطيب يتحقق الخطيب بالتذكُّر ويقوم الخطيب بالتذكير، عليه أن يُذكِّر نفسه.. الخطيب عليه أن يُذكِّر نفسه وأن يُذكِّر الناس بأنه عبدٌ لله عز وجل وعليه أن يُذكِّر الناس بأنهم عبادٌ لله عز وجل والذِّكر دائما في القرآن الكريم يأتي بمعنى العِلم {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} أي فاسألوا أهل العِلم {وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ ولِقَوْمِكَ} أي عِلما لك ولقومك إلى آخره، على الخطيب أو على خطبة الجمعة أن تقدم عِلما للناس هذا العلم ينفعهم، أن تقدم لهم العِلم النافع أن تقدم لهم العِلم الذي يحتاجونه من أجل أن يقوموا بدنياهم وفق ما يرضي ربهم عز وجل، أنا أتلقى من الخطيب العِلم حياتي حتى تكون حياتي ومفردات حياتي وتصرفاتي موافقة لشريعة الله عز وجل التي آمنت بها شريعة تحكمني في كل تصرفاتي وفي كل سلوكي وفي كل أعمالي.

عبد الصمد ناصر: طيب، هذا الإطار العام لتعريفنا للخطبة لوظيفتها للدور الذي يمكن أن تلعبه خطبة الجمعة، لكن في واقعنا الحالي نشهد وهذا ما يقر به الكثيرون، تراجعا في وظيفة خطبة الجمعة، لماذا هذا التراجع؟

"
خطبة الجمعة عبارة عن مفردة من مفردات المنظومة العامة، فإذا كانت المنظومة العامة للمسلمين متخلفة ومتأخرة فما يسري على المنظومة العامة يسري على خطبة الجمعة باعتبارها مفردة
"
محمود عكام: يعني أنا دائماً أردد أن خطبة الجمعة هي عبارة عن مفردة من مفردات المنظومة العامة وبالتالي إذا كانت المنظومة العامة للمسلمين متخلفة ومتأخرة فما يسري على المنظومة العامة يسري على خطبة الجمعة باعتبارها مفردة، يعني نحن نتحدث عن تراجع دور خطبة الجمعة ونتحدث عن تراجع دور أيضاً التدريس والتعليم في وطننا العربي والإسلامي ونتحدث عن تراجع الثقافة والإعلام، نتحدث عن تراجع عام ومن جملة يعني ما أصابه التراجع العام خطبة الجمعة وهذا من ناحية.. يعني المشهدية كلها متخلفة..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أو الحقل الديني بشكل عام.

محمود عكام [متابعاً]: الحقل الديني بشكل عام والحقل الدُنيوي أيضاً بشكل عام كله متخلف وخطبة الجمعة مفردة من هذه المنظومة وما سرى على المنظومة يسري على خطبة الجمعة.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور محمود وأنت مستشار لشؤون التعليم الشرعي والتوجيه الديني في وزارة الأوقاف السورية، هل إلحاق المساجد بوزارات الأوقاف وفرض خطاب معين على الخطباء مع عدم قدرة هذه الوزارات في مختلف الدول العربية والإسلامية على توفير خطباء قادرين مؤهَّلين على النهوض بهذه المهمة ساهم في هذا التراجع.. في إطار التراجع العام الذي تتحدث عنه؟

محمود عكام: لا، أنا الذي أقوله إن الفرقة التي أصابت المسلمين.. أن التشتت الذي أصاب المسلمين أن جعل الإسلام من قِبل المسلمين بشكل عام حركة سياسية صِرفة بحتة هو الذي أدى إلى تراجع خطبة الجمعة يعني الإسلام الآن يُنظَر إليه على أنه حركة سياسية لا أكثر ولا أقل للأسف الشديد وهذا ما نراه، عندما يقوم خطيب من خطباء العالم الإسلامي بشكل عام يقوم فينتظر منه الناس أن يكون محللاً للقضية السياسية الفُلانية وللقضية السياسية هنا وهناك وبالتالي التشتت والتشرذم للمسلمين في العالم الإسلامي بالإضافة إلى حصر الإسلام في المساحة السياسية وكأن الإسلام حركة سياسية صِرفه هذان الأمران جعلا خطبة الجمعة تتخلف وتتراجع عن أداء دورها ولو أننا بقينا ننظر إلى الإسلام على أنه للحياة بتوازن على أنه للسياسة وللاقتصاد وللعمل وللثقافة وللدراسة بخطوط واحدة إن لم يكن بالنسبة للسياسة بخط أقل لما هو للمجالات الأخرى، لو أننا أعدنا النظر في غاية الإسلام فيما يريد فيما يهدف إليه الإسلام، لو أننا أعدنا النظر فيما يريد الإسلام أن يوجِده على الأرض وفيما يريد الإسلام أن يحققه على الأرض وفيما يريد الإسلام أن يحققه في الإنسان لأدركنا أننا عندما قصرنا الإسلام على ناحية من نواحي الحياة كان هذا القصر.. قصر الإسلام على ناحية من نواحي الحياة هو الذي أدى إلى تراجع خطبة الجمعة فبقيت خطبة الجمعة الآن لا تؤدي دورها لأنها يراد منها أن تكون تابعة للسياسة العامة يعني أن تكون تابعة لسياسة البلد التي يخطب فيها هذا الإمام، أن تكون تابعة للسياسة العامة السياسة المخيفة السياسة المرعبة أحياناً لمَن يُشهر السلاح أو لمَن يُشهر السلاح في وجه هذا الإنسان الذي..

عبد الصمد ناصر: بمعنى أن خطبة الجمعة أصبحت بوقاً من أبواق الدولة.

محمود عكام: يعني ليس على كل.. ليس في كل الدول ولكن بشكل عام لم أقُل أنها أصبحت بوقاً من أبواق الدولة ولكن كما قلت هي أصبحت بوقاً من أبواق المسلمين المتخلفين بشكل عام.. يعني بشكل عام وإن كان هنالك لمعات وإن كان هنالك خطب للجمعة رائعة جداً وتقدم الدور أو تحقق بالدور الذي يتحقق به الخطبة بشمل عام خطبة الجمعة..

عبد الصمد ناصر: يعني هذه أصبحت من فلتات الزمن النادرة الآن.

محمود عكام: هي طبعاً بلا شك.

عبد الصمد ناصر: نعم، طيب..

محمود عكام: شأن خطبة الجمعة شأن أي أمر ثقافي كما قلت.

عبد الصمد ناصر: ولكن ألا تتحمل وزارات الأوقاف في مختلف الدول العربية والإسلامية وِزْر هذا الوضع الذي وصلت إليه خطبة الجمعة حين أصبحت هي التي تتحكم في تعيين الخطباء، في إعدادهم، تتحكم أيضاً في نوعية الخطاب الموجه إلى المستمعين في المساجد وأحياناً تُوزَّع الخُطَب مكتوبة على الخطباء من الخطيب.. من خطيب.. زي رؤية خطيب عالم، خطيب له قراءة للواقع إلى خطيب قارئ فقط.



أثر السياسة على خطبة الجمعة

محمود عكام: يعني تتحمل وزارة الأوقاف كما تتحمل وزارة الإعلام كما تتحمل وزارة الثقافة كل تراجع أصاب بعض الموظفين في وزارة الأوقاف وهم الخطباء مثلاً وبعض الموظفين في وزارة الإعلام وبعض الموظفين في وزارة الثقافة وهكذا كل الوزارات أعني بشكل عام السياسات العامة للدول في عالمنا الإسلامي تتحمل بعض المسؤولية بلا شك لأنها هي المَعنِية؟

عبد الصمد ناصر: بعض المسؤولية فقط؟

 محمود عكام: بعض المسؤولية.

عبد الصمد ناصر: أليس الخطيب موظفا في وزارة الأوقاف ولا يتقاضى أجوراً في الغالب في جميع هذه الدول التي.. الفقيرة لأنها زهيدة، سمعت مؤخراً أن يعني أجر الخطيب في مصر لا يتجاوز ستين جنيها، في مصر وأنا أعلم جيداً قيمة راتب الخطيب هنا في قطر أو في دول الخليج الأخرى، يعني ألم يعد الخطيب موظفاً فقط ينفذ التعليمات والتوجيهات الصادرة إليه من الوزارة؟

"
من المفروض أن يكون الخطيب المصري أكثر تحرراً لأنه لا يتقاضى شيئاً كثيراً من الدولة، بينما الخطيب في إحدى دول الخليج يكون أكثر ارتباطاً بالدولة لأن الدولة تقدم له المال الكثير
"
محمود عكام: يعني هو عندما نتحدث عن العلاقة بين المادة يعني وبين الوظيفة وبين خطبة الخطيب من المفروض أن يكون الخطيب المصري حسب ما ذكرت أكثر تحرراً لأنه لا يتقاضى شيئاً كثيراً ومن المفروض أن يكون الخطيب الذي يخطب في إحدى دول الخليج أكثر ارتباطاً بالدولة لأن الدولة تقدم له المال الكثير، القضية ليست مربوطة أو ليست معادلة.. ليست هنالك معادلة بين ما يتقاضاه الخطيب من أجر وبين ما يحققه الخطيب وبين ما ينتجه الخطيب..

عبد الصمد ناصر: ولكن المقصود هنا أن الخطابة.. أن خطبة الجمعة أصبحت وظيفة أكثر مما هي مهمة، وظيفة يُتقاضى عليها أجر أكثر مما هي مهمة أو رسالة أو أمانة على الخطيب أن ينهض بها؟

محمود عكام: لا شك في أنها أصبحت وظيفة عند كثير من الخطباء لأن الخطيب هو لا يعرف يعني أصبح في حالة.. في حيرة، أيتكلم عن الأمر الفُلاني أم أن الأمر الفُلاني لا يجوز أن يتكلم فيه؟ أن يتكلم في هذه القضية ثم بعد ذلك إن تكلم في هذه القضية سيقول عنه الناس بأنه لا يناقش الأمور الساخنة التي يجب أن يناقشها، إن تكلم في السياسة لِيم من قِبل.. يعني لامه السياسيون، إن تكلم في غير السياسة إن تكلم في الدين قال عنه الناس بأنه لا يتكلم في السياسة وبالتالي خرج من الإطار العام الذي يجب أن يدخل فيه وهو إطار مَن يهتم بأمر المسلمين فمَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، أصبح الخطيب في حيرة لأنه يعني في لحظة من اللحظات لم يتكلم من خلال قناعاته وإنما أصبح يتكلم من خلال ما يمليه عليه الجمهور أصبح الجمهور هو الذي يتحكم بالخطيب وأصبحت الدولة تتحكم بالخطيب هو أصبح ضعيفا..

عبد الصمد ناصر: وهنا السؤال، كيف للخطيب إذاً أن يوازن بين ما يطلبه هذا الجمهور وما ينتظره مَن في كل خطبة وما تفرضه عليه وظيفته باعتباره موظفا تابعا لجهة ما وهي مسؤولة عنه؟

محمود عكام: يعني أنا دائما أقول على الإنسان الخطيب أن يكون موجها وبالتالي هذا الدور دور التوجيه للخطيب يقتضي منهم أن يكون أولا مُلِمّ بأمر الأساس وهي غاية الإسلام وأن يُلِم بالاستراتيجية التي تؤدي إلى تحقيق هذه الغاية، بمعنى آخر على الإنسان الخطيب أن يثير.. أن يكون قادرا على إثارة إشكالية عند الناس الذين يخطب فيهم، أن يكون قادرا على إثارة إشكالية وهذه الإشكالية يجب أن تكون أكيدة واقعة ومن خلال إثارة هذه الإشكالية عليه أن يُشعر الناس بحاجتهم إلى ما سيلقيه عليهم من خطبة فالخطبة يجب أن تُبتدأ بإثارة المشكلة وهذه المشكلة يجب أن تكون حقيقية لا أن تكون مختَلَقَة ويجب أن تكون أيضا هذه المشكلة.. يجب أن تكون ملامِسة للناس حقيقية تلامسهم فما يلامِس مثلا الناس في سوريا من مشاكل ربما قد لا يلامِس الناس..

عبد الصمد ناصر: عامل الزمان والمكان يختلف من خطيب..

محمود عكام: من مكان إلى مكان، من بلد إلى بلد، من دولة إلى دولة، من حي إلى حي حتى أحيانا..

عبد الصمد ناصر: من قِبل سكان معينين إلى أخرى..

محمود عكام: فإثارة المشكلة بأمانة وإعلام وإشعار المستمعين والمصلين بأن هذه المشكلة فعلا حقيقية ثم بعد ذلك عليه أن يشعرهم بأنه سيقدم لهم حلا لهذه المشكلة التي وضَّحها لهم وبيَّنها لهم وأشعرهم بضرورة حلها وبأنها يجب أن تكون في ساحة الحل من قِبل هذا الخطيب أو من قِبل ذاك الخطيب الآخر، هذه المنهجية هي التي نحتاجها من الخطيب من أجل أن يعيد بخطبة الجمعة نقلها أن يثير المشكلة بأمانة، أقول بأمانة لا أن يختلق المشكلة لا أن يتكلم عن مشكلة لا يشعر بها الحاضرون لا يشعر بها الناس لا يشعر بها المستمعون، عليه أن يثير المشكلة وبالتالي هذا يقتضي منه أن يكون مُطَّلعا على مَن يخاطبهم ولذلك أنا أقول دائما الداعية يحتاج إلى ثلاثة شروط، الشرط الأول يجب أن يكون عالِما بالمخاطَبين ويجب أن يكون عالما بالخطاب ويجب أن يكون جريئا.. أن يكون جريئا بمعنى أن لا يكون متحكَّما به من قِبل الجمهور ولا من قِبل السلطة ولا من قِبل السياسة، أن يكون عالما بالمخاطَب وما يحتاجه هذا المخاطَب..

عبد الصمد ناصر: واقعه..

محمود عكام: وأن يكون عالما بالخطاب وأن يكون أيضا هذا الخطيب جريئا على نفسه أيضا وجريئا على أقربائه وجريئا على.. من أجل أن يقدم لهم النصح الكافي..

عبد الصمد ناصر: طيب، أن يقدم لهم النصح الكافي وأن ينهض بأمانة بهذه المسؤولية يتطلب منه ذلك شجاعة وهذه الشجاعة في أحيانا كثيرة قد تعود عليه بعواقب وخيمة، على كل حال سنعود إلى هذه النقطة، دعنا فقط نتوقف عند تقرير لأحد الزملاء من القاهرة لنقف على واقع الخطبة.. خطبة الجمعة في مصر كنموذج من نماذج التراجع الذي شهدته الخطبة في عالمنا العربي والإسلامي في واقعنا هذا.

[تقرير مسجل]

سمير عمر: بارتفاع آذان ظهر يوم الجمعة يتوافد المسلمون على المساجد لأداء الصلاة وسماع الخطبة التي هي ركن من أركان صلاة الجمعة فالمسلمون مأمورون بحضورها والإنصات إليها لينالوا ثواب الصلاة كاملا كما أن خطبة الجمعة هي أكثر أنواع الدعوة تأثيرا فهي المؤتمر الأسبوعي الذي يجدر به مناقشة أحوال العباد والبلاد، لكن الملاحَظ أن عددا كبيرا من الدعاة يبتعد بالخطبة جبرا أو اختيارا عن هذا المسار.

منصور الرفاعي عبيد - وكيل وزارة الأوقاف المصرية للمساجد وشؤون القرآن سابقا: هذه المشاكل الحياتية أو اليومية لا تنفصل أبدا عن الدين والدين دائما وضع الحل لكل مشكلة فلابد أن يكون عند الخطيب معرفة بمشاكل المجتمع وهذه نسميها بالأمراض لأن الخطيب هنا كالطبيب عليه أن يتعرف على الداء ليستطيع أن يصف الدواء.

سمير عمر: وفي المقابل فإن هناك دعاة آخرين يسعون لربط الخطبة بما يدور على أرض الواقع مستلهمين في ذلك تراث الدعوة منذ بزوغ فجر الإسلام ومرورا بتجارب كبار الفقهاء الذين لعبوا دورا بارزا في التاريخ الإسلامي.

أحمد التركي - إمام مسجد النور - القاهرة: حوصر الملايين منهم الأطفال والشيوخ والعُزَّل والكبار والصغار وسُميت هذه العملية بأمطار الصيف وهذا هو الذي دعانا إلى أن نتحدث عن الأراضي المقدسة بين إرهاب الدولة وحقوق الإنسان.

سمير عمر: لكن اللافت أن أولئك وهؤلاء يرفضون تحويل المسجد إلى ساحة صراع سياسي ويستنكرون سلوك بعض الدعاة الذين يخلطون بين دور المنبر التربوي الذي يهدف لبناء شخصية المسلم وبين الدور التحريضي الذي يحوِّل المنبر إلى أداة من أدوات العمل السياسي.

منصور الرفاعي عبيد: الإسلام أمرني أن أحترم الحاكم وأن أُجلَّه وأن أدعو للالتفاف حوله وأن لا أخرج عليه مهما كانت الأسباب ما لم يأمرني بالكفر.

أحمد التركي: أنا ضد أن يكون المنبر أداة من أدوات السياسة أيا كان فإصلاح المجتمع لابد أن يكون بعيدا عن السياسة المعتادة التي يعتادها الناس.

سمير عمر: أما جمهور المسلمين المعنيون أساسا بالخطبة فيرون أن دور الداعية ينبغي أن يمتد ليصل إلى تفاصيل الحياة اليومية وأن خطبة الجمعة لابد وأن تبتعد عن النمطية والموسوية..

مشارك أول: إحنا مللنا من الخطب التقليدية وآن الأوان إن جميع خطباء المساجد يتعلموا كيف يتعاملوا مع مشاكل المسلمين..

مشاركة أولى: خطبة الجمعة تأخذ موضوعا عاما يهم المسلمين جميعا وتتحدث فيها.

سمير عمر: بين خطبة تقليدية تبتعد بالدين عن مناقشة ما يدور على أرض الواقع وأخرى تثويرية تحوِّل المسجد في بعض الأحيان إلى ساحة صراع سياسي يجد المسلمون أنفسهم في كل جمعة في انتظار ما يجود به الخطيب من علم على أمل أن تعكس الخطبة ما يواجهونه من مشاكل وتقدم لهم حلولا لها، سمير عمر، الجزيرة، القاهرة.

عبد الصمد ناصر: تقرير الزميل سمير عمر من القاهرة ربما يجسد لنا واقع خطبة الجمعة في الكثير من البلدان العربية، سنواصل نقاشنا هذه الليلة لموضوع خطبة الجمعة وواقعها بعد هذا الفاصل، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة، موضوع الليلة خطبة الجمعة وكيف ننهض بها؟ قبل قليل عرضنا تقريرا للزميل سمير عمر من القاهرة حول واقع خطبة الجمعة في مصر وكيفية النهوض بها وما ينتظره المستمعون من الخطيب، ضيفنا لهذه الليلة هو الدكتور محمود عكام وهو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة حلب، دكتور يعني من خلال التقرير بدا أن الخطيب.. يبدو أن الخطيب هو أسير توجيهات وحتى وإن كانت مكتوبة جعلت عنده نوع من التدجين أو رقابة ذاتية وأيضا هو أسير ما ينتظره منه المستمع بحيث أصبح يعني يحس وكأنه مكبَّل برقابة ذاتية ولم تعد لديه تلك الشجاعة لقول ما يرضي الله إن شئنا، كيف للخطيب أن يتحرر من هذه القيود؟



المحاور الأساسية للخطبة الناجحة

محمود عكام: يعني أنا لا أريد أن يكبِّل الخطيب نفسه.. ذاته..

عبد الصمد ناصر: الواقع يكبِّله..

محمود عكام: الواقع يكبِّله، أنا أريده يعني ولو كان على مستوى الطموح أريده أكبر من الواقع وأريده أن يتجاوز الواقع أريده أن يكون متقنا عمله أريده أن يكون صادقا مع ذاته أريده أن يكون عالما بخطابه الذي يقدمه للناس أريده أن يكون واعيا لغايته أريده أن يكون مخلصا في نيته في عمله، هذه الأمور الإخلاص في النية الإتقان للموضوع الرؤية الواضحة لدينه العلم بهذا الإسلام يجعل منه إنسانا يقدم أولويات ما أظن أن أحدا سيختلف عليها وما أظن أن أحدا سيمنعه منها، حينما نتحدث عن الإسلام مثلا الإسلام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بضع وسبعين شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.. أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، للخطيب مساحات كبيرة لكن الخطيب المشكلة عندنا أكرر هذه المشكلة أن الخطيب أراد أن يُسيِّس نفسه وأراد أن يجعل من الإسلام حركة سياسية فهو أحد خطيبين في عالمنا العربي والإسلامي بشكل عام طبعا هنالك استثناءات إما أن يكون مرددا لسياسة الدولة وداعما للدولة ومتحدثا عن الدولة وهذا يدخل في السياسة..

عبد الصمد ناصر: وهذا في الغالب..

محمود عكام: وإما أن يكون معارضا فهو بين معارض وبين ممالئ إن صح هذا التعبير هذا بشكل عام..

عبد الصمد ناصر: هل لدينا خطيب معارض الآن؟

محمود عكام: يعني أتكلم عن خطيب بالقوة هو يطمح أن يكون خطيبا..

عبد الصمد ناصر: ما يفترض أن يكون..

محمود عكام: هو يريد أن يكون خطيبا معارضا وأحيانا طبعا فيه بعض الدول يعني هنالك مساحات للحرية لهذا الخطيب يتحرك فيها يتحرك في أُطُرها..

عبد الصمد ناصر: مسموح له بها طبعا..

محمود عكام: إلى حد ما طبعا إلى حد ما لا سيما إذا علم بأن هذا الخطيب فعلا يتكلم على المنبر من غير أن يكون مرتبطا بجهة ما أو بحزب ما أو بجماعة ما هو يتكلم فعلا بوحي من ذاته ونفسه لا يتكلم بوحي جماعة معارضة أو بوحي جماعة خارجة أو بارتباط مع مَن هو خارج هذا البلد الذي يتكلم فيه، المهم أن هنالك بعض الدول تعطي للخطيب مساحة جيدة من الحرية وأعتقد أنني لا أتكلم لأنني سوري لكن في سوريا هنالك مساحات مقبولة من الحرية يمكن أن يتكلم من خلالها أو أن يقف عليها الإنسان، الخطيب بشكل عام إذا كان فعلا يتكلم من أجل.. يعني مخلصا في نيته يتكلم من وحي من ذاته يتكلم بدافع الإصلاح لبلده يتكلم بدافع إفهام الناس الدين أو تفهيم أو تعليم الناس الدين كما هو.. كما أراده الله عز وجل..

عبد الصمد ناصر: أنا لا أريد أن أخلق لك موقفا حرجا مع السلطات السورية ولكن على العموم هل يستطيع الخطيب في سوريا أن يتحدث عن فساد السلطة؟ عن فساد المسؤولين؟ عن كل المواضيع التي تتعلق بالسياسة الداخلية وتدبير الشأن الداخلي المحلي؟

محمود عكام: يعني أنا خطيب في سوريا منذ أكثر من عشرين سنة أعتقد أنني لو استعرضتَ معي وقد قدمت بعض الكتب التي جمعت فيها خطبي فوق المنبر ستجد في هذه الخطب يعني كلاما يمكن أن يكون يعني هذا الكلام ينصب على إصلاح البلد على إصلاح الدولة على إصلاح الوزارات على إصلاح للجهات العامة..

عبد الصمد ناصر: بس كلام في العموم..

محمود عكام: لا.. لا حتى أحياناً أتكلم مثلاً عن إصلاح التعليم وعن ضرورة إصلاح القضاء وعن ضرورة إصلاح الثقافة وعن ضرورة إصلاح الإعلام وأن الإعلام في هذه القضية مقصِّر وأن الإعلام في تلك القضية لا يقوم.. والدليل على أنني أتكلم أنني الآن أتحدث معك بكل صراحة فعلاً يعني هنالك في سوريا خاصة يعني في الفترات الأخيرة مساحات من الحرية يمكن.. يمكن..

عبد الصمد ناصر: ربما أنت محظوظ في سوريا وهذا من النادر أن يحدث، على كل حال هل على الخطيب أن يخوض في المواضيع السياسية؟

محمود عكام: والله أنا يعني دائماً بعد تجربة طويلة في ميدان الخطبة صرت.. يعني صرت أوجِّه نفسي وأوجِّه مَن يريد أن يتلقى التوجيه منِّي إلى ضرورة نبذ الكلام عن السياسة الآن لأن الكلام عن السياسة هو كلام عن شيء غامض كلام عن شيء غير واضح..

عبد الصمد ناصر: غير محدد.

محمود عكام: يعني غير محدد، الآن الناس تنتظر من هذا الخطيب.. أنا في رأيي الأصل أن يسمع الناس كلاماً قابلاً للتطبيق.. قابلاً للتطبيق يعني دائماً الخطبة الناجحة هي التي تجعل هؤلاء المستمعين ينهضون لتطبيق ما طلبه منهم الخطيب فإذا كان الخطيب يتحدث في أمور سياسية فحدثني بربك عن أي الأمور يعني عن الأمور التي سيطبقها هؤلاء الناس، سيخرجون من هذه الخطبة وقد مُلئوا حماساً، هذا الحماس يتعلق مثلاً بما يجري في العراق فما الذي سينفعهم هذا الحماس وهم لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً حيال العراق؟ حتى الخطيب الذي يتكلم بالشؤون السياسية يتكلم ومفرداته ومعلوماته عن هذا الأمر السياسي معلوماته قليلة جداً..

عبد الصمد ناصر: ربما هذا الأمر قابل للنقاش لكن لا أريد أن أطيل كثيراً على الدكتور علي بادحدح هو في الانتظار على الهاتف من السعودية، هو إمام وخطيب جامع سعيد بن جبير، تفضل دكتور علي بادحدح.

على بادحدح - إمام جامع سعيد بن جبير - السعودية: السلام عليكم، حيَّاكم الله.

محمود عكام: وعليكم السلام.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

على بادحدح: الله يبارك فيك يعني أشارك من حيث الموضوع الذي تتحدثون عنه، في البداية أشير إلى أن اختيار الموضوعات هو حجر الزاوية بالنسبة للخطيب وأعتقد أنه إحساسي إذا قرأت في أمور مختلفة.. فكلما كان أوسع إطلاعاً وأكثر معرفة كلما كان أقدر على حسن الاختيار والأمر الثاني أن يكون له معرفة بحاجة الناس لمجتمعه المحيط به والدائرة الثالثة دائرة الوعي العام والمعرفة الواقعية العامة، أما بالنسبة لتناول موضوعات الخطبة لقضايا سياسية واقتصادية وغيرها فما أراه من واقع تجربة أن الناس يريدون أن يكون المنبر متصلا بالحياة الواقعية، ليس المنبر عبارة عن برلمان أو مناصفة حكم حتى يتحدث عن السياسة بتفاصيلها لكنه يمثل روح الإسلام الذي هو القلب النابض للمجتمع المسلم الذي لابد أن يتناول الشأن العام بكل ما تحمله هذه الكلمة لكن على أن يكون مؤهلاً..

عبد الصمد ناصر: ولكن دكتور علي دكتور محمود يقول بأن الحديث في السياسة ربما أصبح حديثاً غير ذي جدوى، حديثاً عاماً غامضاً..

على بادحدح: الحقيقة هو في نظري إن شاء الله أنا أقول لا يمكن أن نغفل القضايا الكبرى السياسية العامة ونعالجها بطرق تختلف لسنا كما قلت في برلمان أو في حزب سياسي، المنبر أول مهمته أن يربط الناس بالقرآن والسُنة وأن يكشف لهم في الواقع سُنن الله عز وجل في ضوء تجربة النبي عليه الصلاة والسلام في أحداث السيرة حتى يتمكن يعني الفائدة ليس بالضرورة عندما أتحدث عن العراق أن الناس يملكون فعلاً مباشراً لكن الوعي والإدراك الذي يصاغ فيه الإنسان المسلم على أساس واضح من القرآن والسنة ومعرفة السنن الكونية ومعرفة القواعد الشرعية هذه قضية مهمة حتى لو لم ينبنِ عليها فعلاً مباشر، نضيف إلى ذلك أيضاً أن هناك أفعال مباشرة كثيرة من الجوانب التربوية سواء كان فهم حكمة الله في التشريع أو معرفة قضية الرغبة بالقضاء والقدر أو مواساة المسلمين أو عمل ما يمكن عمله، كثيرة هي القضايا لكن كما أشار الشيخ لابد أن يضع الخطيب سؤالا لنفسه ماذا يريد من الناس؟ مَن منَّا يريد أن يصعد المنبر ويصيح ويعني يتهكم ويخطئ وينفث في الناس حماسا لا ينبغي أن يكون ذو رأي وحكمة؟ وأنا لي تجربة إذ أقرب الآن من 25 عاماً وأنا أخطب في مسجد واحد، تناول هذه القضايا يشد الناس يُوعِّيهم يجعلهم أقرب إلى أن يتفاعلوا مع حاجتهم الدينية..

عبد الصمد ناصر: شكر لك دكتور على بادحدح وهو الإمام الخطيب بجامع سعيد الجبير تحدث إلينا من السعودية وللأسف كان الصوت ضعيفا من المصدر، على كل حال شكرا لك دكتور علي، معنا دكتور محمد مختار المهدي من مصر وهو رئيس الجمعية الشرعية ومن أحد أنشطتها تدريب وإعداد الخطباء، دكتور محمد مختار كيف يتم التدريب في الجمعية الشرعية؟ وما الذي تركزون عليه في تدريب وتأهيل خطباء الجمعة؟ هل تسمعني دكتور محمد؟

محمد مختار المهدي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله..

عبد الصمد ناصر: لا يبدو أن الدكتور محمد جاهز، على كل حال نعود إلى الدكتور محمود معنا في الأستوديو، دكتور يعني قبل قليل دكتور علي بادحدح يقول بأن ليس بالضرورة أن الموضوع السياسي بعيدا عن اهتمامات الناس حتى نقصيه من خطبة الجمعة أو جعله موضوع غير أو بعيد عن اهتمام الناس ولكن يقول بأن الأهم في مثل هذه المواضيع كما قلت قبل قليل موضوع العراق أن نعيد الحياة إلى الشعور الإسلامي العام بقضايا الأمة بالتعاطف والتفاعل مع هذه القضايا على الأقل؟

محمود عكام: يعني إن جاز لي التعبير ربما قلت أنا لا أقول أن نقصي الحديث السياسي ولكن..

عبد الصمد ناصر: قلت إنه بغير ذي جدوى..

محمود عكام: علينا أن نجعل الحديث السياسي حديثا تابعا لا حديثا أصيلا أساسيا..

عبد الصمد ناصر: جوهريا..

محمود عكام: لا حديث جوهري، الآن الحديث الأساسي الجوهري هو المعطيات العامة، الفرائض الكبرى التي المسلمون بحاجة إليها، مثلا أنا أريد من الخطيب أن يركز على المطلوبات الكبرى للإسلام وهي مثلا الوحدة.. وحدة المسلمين ونحن جراء عدم الوحدة وعدم.. وجراء وحدة المسلمين تراجعت خطبة الجمعة وتراجع التعليم وتراجع التعلم وتراجع.. لأننا غير موحَّدين لأننا غير مجتمعين لأننا لا نطبق قوله تعالى {واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} القضايا الكبرى التي يجب أن يتناولها الخطيب باستمرار الوحدة، القضايا التي يجب أن يتناولها الخطيب باستمرار الأخوَّة بين المسلمين وماذا تعني كلمة الأخوَّة، عليه أن يحدد طبيعتها عليه أن يحدد تعريفها عليه أن يحدد رسمها، الأخوَّة ماذا تعني؟ عندما أقرأ قول الله عز وجل وأسمع من المقرئين {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} فما هي الأخوَّة التي تربطني بك؟ وما هي الأخوَّة التي تربط السوري بالمصري بالباكستاني؟ عليّ أن أوضح هذه القضايا الكبرى، الوحدة، الاعتصام حبل الله جميعا، الأخوة، العدل، الإحسان، العمل كقيمة، التقدم، التطور يعني بعبارة أيضا أكثر تفصيلا أنا أقول على الخطيب أن يتجه كما يقال إلى المعطيات أو الحقائق الكبرى، الحقيقة الأولى إلى الله عز وجل من أجل أن يحدد موقفهم من الله عز وجل وأن يبين الناس الموقف الواجب اتخاذه حيال الله عز وجل وأن يتوجه للحديث عن الإنسان في كل تجلياته عن الإنسان وما موقفه يعني أن يتحدث الخطيب عن الواجب، نحن بحاجة إلى أن يتحدث خطباؤنا ومدرسونا عن الواجب.. عن واجب الإنسان وعن واجبي نحو الله وعن واجبي نحو الإنسان وعن واجبي نحو الكون وأن تكون هذه المنظومة العامة دائما مرسخة في أذهان السامعين، عندما أتحدث عن موضوع ما يجب أن أصنف هذا الموضوع، هل هو يتعلق بواجبي نحو الله، بواجبي نحو الإنسان، بواجبي نحو الكون، واجبي نحو الله أن أعبده وأن أوحِّده وأن أطيعه، واجبي نحو الإنسان بشكل عام أن أكرمه أن أحترمه..

عبد الصمد ناصر: هذه كمحاور رئيسية يعني لمواضيع كثيرة..

محمود عكام: محاور أساسية..

عبد الصمد ناصر: هنا هل يخاطب.. نعم، هل يخاطب الخطيب المستمعين يخاطب عقلهم يخاطب حماستهم أما يخاطب قلوبهم وحسهم الإيماني؟

محمود عكام: الخطيب بلا شك إنما سُمِّي الخطيب خطيبا والخطبة من الخطب والخاء والطاء والباء تفيد الأمر الجلل الأمر الكبير الأمر المهم الأمر الذي يحتاجه الناس يعني بقوة لذلك الخطيب هو مُعلم ومبصر ومحرك مبصر ومحرك يُبصِّر الناس ويحركهم وهذا يعني أنه يخاطب عقولهم ويخاطب عواطفهم، يخاطب عقولهم من أجل أن يبني تصورهم الصحيح ويخاطب قلوبهم من أجل أن.. يخاطب يعني قلوبهم من أجل أن يحركهم فالخطيب له دوران مع الناس فيما يخص الإنسان المستمع بشكل عام أن يُبصِّره وأن يحركه أن يخاطب عقله ليعلم ليعرف وأن يخاطب قلبه ليحركه..



سمات الخطيب الناجح

عبد الصمد ناصر: وأن ينجح في هذه المهمة يجب أن تتوفر فيه مواصفات، ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في الخطيب الناجح؟

"
يشترط أن تتوفر في الخطيب شرط العلم الموثق والمحقق، وأن يكون ذا نية طيبة صالحة أن يهدف إلى إرضاء ربه، وأن تكون له رسالة
"
محمود عكام: يعني الخطيب الناجح دائما أنا أذكر عبارة للمفكر الجزائري رحمه الله مالك أبي النبي عندما قال، يجب على الداعية يجب على المسلم يجب على مَن يتكلم ويوجه أن يكون أعلى مستوى.. أعلى مستوى من المخاطَب في الشأن الذي يتكلم فيه وهذا يقتضي من الخطيب أن يعدّ نفسه إعداد علميا، يعني يشترط في الخطيب العلم الموثق والمحقق، كثير من الخطباء اليوم يتحدثون من غير ما علم موثق ومن غير ما علم محقق، يشترط في الخطيب أن يكون ذا علم موثق ومحقق ويشترط في الخطيب أيضا أن يكون ذا نية طيبة صالحة أن يهدف إلى إرضاء ربه أن يهدف إلى..

عبد الصمد ناصر: أن تكون له رسالة..

محمود عكام: أن تكون له رسالة وهذه الرسالة تعني الإنتاج..

عبد الصمد ناصر: ويعي خطورتها..

محمود عكام: وأن يلتفت أيضا إلى المساحة إلى الوطن، يعني هنالك أمر يجب أن لا نغفل عنه أيضا حينما أتحدث عن توجه الخطيب إلى تذكير الناس بواجباتهم نحو الله عز وجل ونحو الإنسان ونحو الكون.. نحو الكون أيضا يعني هنا أقسِّم العلوم إلى ثلاثة علوم.. أقسِّم العلوم إلى ثلاثة فأقول علم العقيدة أو علم.. العلم الديني الذي يتعلق بواجب الإنسان نحو ربه وهنالك العلوم الإنسانية التي يتعلق بواجب الإنسان نحو الإنسان وهنالك العلوم الكونية التجريبية التي يتعلق.. التي تتعلق بواجب الإنسان نحو الكون وعلى الخطيب إذا ما أراد أن يطرق موضوعا يتعلق بعلم.. مثلا بالعلم الديني بعلم العقيدة بما يرتبط بالواجب بواجب الإنسان نحو الله عز وجل أن يكون مُلما.. أن يكون عالما بهذه القضية أن يكون عالما علما كليا وأن يكون عالما علما جزئيا بالنقطة التي يريد أن يثيرها كذلك عليه أن إذا ما أراد أن يتحدث فيما يخص واجب الإنسان نحو الإنسان الآخر أن يكون عالما بالعلوم الإنسانية بشكل عام أن يمتلك تصورا عاما وأن يمتلك القدرة على إفهام الناس أو على التعبير عن مصطلحات العلم الموثق والمحقق بأحد هذه العلوم، ثانيا عليه أن يكون.. هو هذا الإنسان أن يكون صادق اللهجة من خلال تطبيقه لهذا الذي يقوله بعبارة أيضا أخرى أنا أقول على الخطيب أن يوجِّه الكلام أول ما يوجهه إلى نفسه، أنا أخطب دائما مثلا منذ أكثر من عشرين سنة في جامع التوحيد أوجِّه كلامي.. أنا أوجه كلامي إلى نفسي قبل أن أوجهه إلى الآخرين لأنني أعتقد أنني بقدر ما أتأثر بكلامي أنا بقدر ما يكون كلامي مؤثرا في الآخرين.

عبد الصمد ناصر: نعم، نعود إلى الدكتور محمد المهدي من مصر وهو كما قدمناه قبل قليل رئيس الجمعية الشرعية التي من ضمن أنشطتها تدريب وإعداد الخطباء، دكتور محمد المهدي آمل أنك تسمعني الآن..

محمد مختار المهدي: نعم..

عبد الصمد ناصر: سألتك كيف يتم تدريب الخطباء ضمن أنشطتكم؟ وما الذي تركزون عليه في تأهيل الخطباء؟ تفضل دكتور..

محمد مختار المهدي - رئيس الجمعية الشرعية - مصر: الحمد لله والصلاة والسلام علي سيدنا رسول الله وعلى آله ومَن ولاه أما بعد، فالجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية بمصر حرصت من أول ما قامت منذ خمسة وتسعين عاما على مجال الدعوة وبحمد الله..

عبد الصمد ناصر: دكتور لو ندخل في الموضوع مباشرة الوقت ضيِّق، نريد أن نتحدث عن موضوع تدريب وإعداد وتأهيل الخطباء باختصار من فضلك؟

محمد مختار المهدي: نعم، نحن نرى أن هناك ركائز وعناصر من أهم ما يمكن في تدريب الخطيب، أولا لابد فيه من الإخلاص لله عز وجل واستشعار مركز الرسول عليه الصلاة والسلام ومنبره..

عبد الصمد ناصر: ثانيا؟

محمد مختار المهدي: وأنه نائب عن رسول الله أول شيء..

عبد الصمد ناصر: ثانيا؟

محمد مختار المهدي: ثانيا لابد له من الفقه في الدين ثم العنصر الثالث فقه الواقع والحياة وعليه بعد ذلك أن يثير قضية يعايشها الناس ويذهب بهم إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قصص الأنبياء التي يكون عنده حصيلة منها..

عبد الصمد ناصر: شكرا لك دكتور محمد، لضيق الوقت.. لرداءة الصوت أنا أعتذر منك لأن الصوت يصل إلينا مُشوشا، دكتور محمد مختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية بمصر شكرا لك، يعني هو كلامك تقريبا يتطابق معه، عندي هنا سؤال وصلني سؤال عبر الإنترنت من عبد العظيم المراغي من مصر يقول.. يثير قضية ربما هي كثيرا ما تكون موضوع تعليمات من وزارات الأوقاف وأنت مستشار في وزارة الأوقاف، الدعاء على أميركا هل يجوز؟ يقول.. يتساءل لإمام الجمعة لخطيب الجمعة الدعاء بالويلات واللعنات على أميركا وإسرائيل وعلى أعداء المسلمين مع العلم أنه يوجد بتلك الدول الكثير من الأفراد المخلصين والمعارضين لسياسات تلك الدول؟

محمود عكام: والله يا أخي المشكلة كما قلنا يعني عندما نتحدث عن تخلف خطبة الجمعة نتحدث عنها كلها، نتحدث عنها موضوعا ودعاءً وانتقاءً ويعني توجها وعاطفة إلى آخره ومن جملة طبعا يعني مكونات خطبة الجمعة الدعاء وبالتالي أنا أقول يعني على خطيب الجمعة أن يدعو.. يعني أن يكون همه أن يقارب بدعائه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حتى يكون في مأمن وهو يدعو لأن الدعاء عبادة وبالتالي كلما اقتربت العبادة من شكلية عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك أدعى إلى أن تُقبل عند الله عز وجل فأنا أطالب الخطباء حينما يدعون في دعاء الخطبة أن يكون دعاؤهم يعني مقاربا.. لم أقل هو نفس دعاء النبي عليه الصلاة والسلام إن لم يدعُ بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام فلا عليه من أن يدعو دعاءً عاما، أنا لا أريد تفصيلا في الدعاء..

عبد الصمد ناصر: طيب ما رأيك يعني فيه كثير من الخطب التي حضرتها أن الدعاء في هذه الأيام ربما أصبح دعاءً بدل أن يكون دعاءً عليهم أصبح الدعاء لهم، اللهم قوِّي الإسلام بإيمان الكفار من النصارة واليهود، اللهم قوِّي الإسلام بدخول أعدائه إلى الإسلام، يعني مثل هذا الدعاء أصبح الآن منتشرا..

محمود عكام: يعني أنا ما أدري، ما سمعت مثل هذا الدعاء..

عبد الصمد ناصر: سمعت الكثير منه..

محمود عكام: لكن أنا بالنسبة لي أريد من الخطيب أن يدعو دعاءً كما قلت قريبا من..

عبد الصمد ناصر: سؤالي كان يعني هل هناك تعليمات سياسية من الوزارات من الحكومات مثلا في هذا الشأن؟

محمود عكام: أنا والله يعني عندما أتحدث عن سوريا ما أظن أن هنالك فعلا توجها..

عبد الصمد ناصر: سواء عن سوري.. في سوريا أو في أماكن أخرى..

محمود عكام: لكن ربما كان في بلاد أخرى مثل هذا التوجه لذلك أنا أقول فليدعو الإنسان دعاءً عاما لا يُفصِّل فيه يعني وهذا أدعى إلى أن يكون في ساحة الأمان لنفسه وللآخرين وعليه أن يقول في دعائه اللهم إنَّا نسألك مثلا اللهم إنَّا نسألك أن تنصر الحق وأهله واللهم إنَّا نسألك أن تخذل الباطل وأهله وهكذا يعني هو في مأمن وهو في ساحة أمان واطمئنان ولا يعني لا أريده أن يخرج ليحدث بالتفاصيل يعني بالأخير يعني أن كان سيُفصِّل فعند ذلك أن تغير حالا بحال فما هو سيفصل وسيعود على نفسه باللوم سيلوم نفسه لأنه فصَّل في ذاك الدعاء يوم كان يدعو وهاهو الآن يدعو يعني دعاءً مغايرا لما كان قد فصَّل فيه لأن القضية أو لأن الكفة رجحت أو لأن القضية تغيرت لذلك أقول له ضع نفسك في ساحة الأمان والاطمئنان وادعُ دعاءً هو نفس الدعاء الذي دعاه النبي عليه الصلاة والسلام وادعُ دعاءً إن لم تدعُ بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ دعاءً عاما ادعُ للحق ونصرته وادعُ على الباطل وخذلانه..

عبد الصمد ناصر: دكتور جزاك الله خيرا، الوقت انتهى دكتور محمود عكام أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة حلب والمستشار لشؤون التعليم الشرعي والتوجيه الديني في وزارة الأوقاف في الشؤون الإسلامية بسوريا بارك الله فيك، شكرا لك ومشاهدينا الكرام نلتقي في الأسبوع القادم في حلقة أخرى مع تحيات المخرج سلام الأمير والمنتج معتز الخطيب ولنا لقاء آخر بإذن الله.