- حقيقة الفتوى ومكانتها في حياة المسلم
- الأصول الشرعية للفتوى وضوابطها

- آراء المتصدرين للفتوى على الفضائيات

- سُبل علاج تداعيات مشاكل الإفتاء

توفيق طه: السلام عليكم ورحمة الله، للفتوى أو الفُتية مكانة مهمة في الإسلام، فقد جعلها بعض العلماء توقيعاً عن رب العالمين لبيان خطورتها ومكانتها وكان للمفتي قديماً تقليد علمي يلتزم به من لحظة تكوينه العلمي وتصديه للفُتية إلى لحظة ممارسته لها ويشمل ذلك آداب تعاطيه مع المستفتين وتفرسه في معرفة أحوالهم وأعرافهم وكيفية تنزيل النص على الواقع واليوم في عصر الفضائيات والإنترنت تكاثر المفتون وساهم الإعلام في انتقاء مفتين جدد من خارج التقليد العلمي المألوف، الأمر الذي طرح العديد من التساؤلات، فكيف يتصرف المسلم إزاء تكاثر المفتين وتضارب فتاوى الفضائيات أحياناً؟ وأي أثر تركه الإعلام على مضمونها؟ وإذا كانت الفتوى قديماً تراعي حال المستفتي فكيف يمكن مراعاتها والفتاوى مطروحة للعموم؟ وهل نحتاج لكوين جديد لمفتي اليوم ولميثاق شرف للإفتاء؟ الإعلام وفوضى الفتاوى مشاهدينا الكرام هو موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي فأهلاً بكم جميعاً وأهلاً بك دكتور.

يوسف القرضاوي- داعية إسلامي: أهلاً بك يا أخ توفيق.

حقيقة الفتوى ومكانتها في حياة المسلم

توفيق طه: بداية فضيلة الدكتور ما هي حقيقة الفتوى وما هي مكانتها في حياة المسلم؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن أتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب عن سؤالك لابد لي من كلمة في هذا المقام، فقد جرت عادتنا في هذا البرنامج أن نتحدث عن الراحلين من هذه الدنيا من مَن كان لهم دور في الدعوة الإسلامية أو الثقافة الإسلامية أو العمل الإسلامي وقد ودعنا في الأسبوع الماضي رجلاً إعلامياً متميزاً كان له دوره في البرامج الدينية، ذلك هو الأستاذ أحمد فراج الأمين العام لاتحاد الإذاعات الإسلامية والذي عُرِف ببرنامجه الشهير الذي كان يذاع من التليفزيون المصري وهو برنامج نور على نور والذي قدم فيه المرحوم العلامة الداعية الكبير الشيخ محمد متولي الشعراوي ويعتبر أحمد فراج هو مكتشف الشيخ الشعراوي، قبل أحمد فراج قدم الشيخ الشعراوي بعض البرامج ولم يلتفت الناس.. يعني إليه، الذي لفت الناس إليه ونبّه الناس عليه وعرف بقيمة الشعراوي هو الشيخ.. هو الأستاذ أحمد فراج رحمه الله وظل.. يعني يخدم هذه البرامج الدينية بطريقته المتميزة وأسئلته المدروسة والعميقة والمتنوعة، فقد كان يقرأ الموضوع قبل أن يقدمه.. يعني ويدرسه في أكثر من مرجع ثم يبدأ سؤال العالِم وقد انتقل إلى رحمة الله أخونا أحمد فراج في الأسبوع الماضي، فلا نملك إلا أن ندعو الله له بالمغفرة والرحمة وأن يتقبله في عباده الصالحين وأن يجزيه عن ما قدم من خدمة للإسلام وللمسلمين وللإعلام الإسلامي خير ما يجزي به الصادقين والعاملين.

توفيق طه: رحمه الله وجزاك الله خيراً.

يوسف القرضاوي: نعود إلى السؤال عن الفتوى، ما هي الفتوى؟ الفتوى هي إجابة مختص عما يُسأل عنه في مجال اختصاصه وهذه قد تكون حتى في الجانب القانوني.. يعني فيه في مجالس الدولة والأشياء دي قسم الفتوى والتشريع في وزارات العدل وفي وزارات مختلفة قسم الفتوى الذي.. يعني يفتي في الشؤون الخاصة بهذه والفتوى الدينية هي فتوى أهل الاختصاص، أي أهل العلم الديني في الأحكام الشرعية حينما يُسألون عنها فهذه.. يعني والقرآن يقول {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} يعني ربنا يفتي أحيانا الناس إذا سألوا عن الأشياء، فوصف الله نفسه بالإفتاء {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} {ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إلى آخره، فالفتوى هي الإجابة عن سؤال السائلين فيما يحبون أن يعرفوا حكمه.. يعني لأن الله سبحانه وتعالى كلّف عباده بتكاليف شرعية وهذه التكاليف تتضمن أحكاماً فيه الفرض وفيه المستحب وفيه الحرام وفيه المكروه وفيه المباح، الأحكام الشرعية.. كل عمل من أعمال المكلفين لابد أن يتضمن حكماً من هذه الأحكام، لازم يأخذ حكم من هذه الأحكام، هذا العمل إما فرض أو واجب وإما مستحب وإما حرام وإما مكروه وإما مباح، مَن الذي يبين هذا؟ هو العالم المختص ولا يسع العالم حينما يسأل إلا أن يجيب، مَن سؤل عن علم فكتمه ألزم يوم القيامة بلجام من نار، فالعلماء هم الذين يفتون الناس فيما يسألون ومَن نظر إلى القرآن الكريم في أحكام القرآن يجد أحكام القرآن نوعين حكم يبدأ الله بتعليمه للناس {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يعني الله يعلم الناس وجوب الوفاء بالعقود {إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} وأحياناً يكون إجابة عن سؤال {ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ} إلى آخره وهكذا أيضاً العالم قد يعلم الناس ابتداءً ما يجب أن يتعلموه من أحكام الدين وقد يجيب الناس إذا سألوه، فهذا معنى الفتوى.. فهي إجابة السائلين فيما يسألون عنه من أحكام الشرع وأمور الدين.

توفيق طه: نعم، ما مدى أهمية هذه الفتوى بالنسبة لحياة المسلم؟ وهل يجب عليه أن يستفتي في كل صغيرة وكبيرة من حياته؟

يوسف القرضاوي: هذا أمر مهم جداً، إذا كان الإنسان يهمه أمر الدين الأصل أن الإنسان.. خصوصاً الإنسان المتدين ليس إنساناً سائباً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا بل هو إنسان مقيد بتعاليم يجب أن لا يتخطاها، بأحكام يجب أن يطبقها في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية، فإذا كان يعرف هذه الأحكام بطريقة من الطرق، درسها، قرأها في كتاب، جلس عند بعض العلماء وأصبح يعرفها فما عليه شيء، إذا لم يكن يعلمها ففرض عليه أن يسأل مَن يعلم والله تعالى يقول {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} الجاهل يسأل العالم {فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً}، {ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}، {ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ولذلك كان واجباً على الأمة أن يكون عندها علماء قادرون على أن يجيبوا الناس إذا سألوهم ويفتوا الناس إذا استفتوهم {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} هذا يعتبر من فروض الكفاية على الأمة أن يكون فيها عدد من أهل الفتوى، من المتخصصين والدارسين الذي بلغوا مرتبة معينة في العلم يقدرون فيها على الفتوى، هذا من فروض الكفاية، إذا كان في الأمة عدد كافي يغطي الحاجة ويلبي مطالب الناس الأمة سلمت من الإثم وإلا بائت الأمة كلها بالإثم، أحياناً يكون هذا.. يعني عمل شعبي، المجتمع المدني كما نقول وأحياناً يكون هذا رسمي.. يعني أصبح في كثير من البلاد منذ عدة قرون..

توفيق طه [مقاطعاً]: منصب المفتي..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يبقى فيه منصب اسمه منصب المفتي، مفتي لكل مدينة أحياناً أو لكل ولاية، مفتي القدس، مفتي أسطنبول، مفتي أنقرة، مفتي كذا وأحياناً يبقى مفتي للبلد كلها، مفتي المملكة المصرية أو في عهد الجمهورية..

توفيق طه: الديار المصرية..

يوسف القرضاوي: مفتي الجمهورية المصرية، مفتي المملكة الأردنية، كل بلد لها مفتي، فهذا مما يدل على أهمية هذا الأمر وقد قال الإمام الشاطبي.. إن المفتي قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء ورثة الأنبياء، فهو وارث النبي وخليفته في تبليغ المنقول عن رسول الله وفي استنباط الأحكام من ما ورد من القرآن والسنّة، فهو قائم مقام النبي، ابن القيم خطى خطوة أزيد وقال هو مش قائم مقام.. ده موقّع عن الله زي الناس.. الملوك يقول لهم أنت وقّع عني.. لك حق التوقيع عني، فإذا هذا ده يقول لك وقّع عن الأمير أو عن الملك فما بالك مَن يوقّع عن رب العالمين ولذلك كتب ابن القيم كتابه الشهير إعلام الموقعين عن رب العالمين، يقصد بهؤلاء المفتين الذين يبلغون الأحكام عن الله، لأنه بيقول هذا حلال وهذا حرام..

توفيق طه: لكن هل كل الفتوى فضيلة الشيخ هي توقيع عن الله؟

يوسف القرضاوي: إذا كانت فتوى حقيقية تلتزم بأصول الفتوى فهي بمثابة.. يعني هو مش توقيع بمثابة التوقيع عن الله إذا كانت ملتزمة بالأصول.. يعني فيه مفتي بيقول كلام من رأيه، بالفهلوة، لا هذا مش فتوى، إنما إذا كانت تلتزم بالأصول الشرعية وللضوابط المرعية..



الأصول الشرعية للفتوى وضوابطها

توفيق طه: ما هي هذه الأصول؟

يوسف القرضاوي: وبالرجوع إلى الكتاب والسنّة وبالرجوع إلى أقوال الأئمة، الاستفادة منهم والاهتداء بهديهم، ثم يطبق هذا على الواقعة، لأن الفتوى عبارة عن إيه؟ هي علاقة ثلاثية بين المفتي وبين النصوص وبين الوقائع، فلازم.. يعني هذه العلاقة، فلا يمكن أن تكون فتوى إلا فيه واقعة، نازلة.. الناس حتى بعض الكتب تسمي كتب الفتاوى كتب النوازل.. يعني النوازل التي تنزل بالناس ويحتاجون إلى سؤال أهل العلم فيها.

توفيق طه: إذا كانت للفتوى أصول ويتبع المفتي عادة هذه الأصول لماذا إذاً تختلف الفتاوى أحياناً بين مفتي وآخر؟

"
اختلاف الفتاوى أحياناً يكون شيئاً طبيعياً ومنطقياً، ما دامت الفتوى في مسألة اجتهادية فالمسائل الاجتهادية لابد أن تختلف فيها الأنظار
"
يوسف القرضاوي: هو اختلاف الفتاوى أحياناً يكون شيئاً طبيعياً منطقياً، ما دام الفتوى في مسألة اجتهادية فالمسائل الاجتهادية لابد أن تختلف فيها الأنظار، واحد يوسع وواحد يضيق، واحد مشدد وواحد ميسر، واحد ينظر إلى ظاهر النص.. حرفية النص وواحد ينظر إلى مقاصد النص، واحد يثبت عنده الحديث وواحد لا يثبت عنده الحديث، واحد يلوح له في النص فهم والثاني لا يلوح له هذا الفهم منه، من أجل ذلك اختلفت الأئمة، لماذا وجدت المذاهب؟ لماذا تعددت المذاهب؟ هي تعددت كده.. يعني فوضى؟ لا، لأن كل واحد له رؤية غير رؤية الآخر، كل واحد قد يختلف حتى في الأصول، واحد يأخذ بحديث الآحاد وواحد يقول لك لا أنا أقدم عمل المدينة على أحاديث الآحاد، واحد يشترط في الحديث شروطاً ليست في الشيء.. يقول لك ما تعم به البلوى لازم الحديث يبلغ درجة من الشهرة، واحد هذا الراوي عنده ثقة فيأخذ بحديث والثاني لا ليس بثقة عندي فلا يأخذ به..

توفيق طه [مقاطعاً]: هل يمكن أن يبلغ حد الاختلاف هذا إلى حد الفوضى.. يعني الآن نجد أحياناً كثيرة فتاوى ربما..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا يبلغ حد الفوضى إلا إذا دخل في الفتوى مَن ليس من أهلها وهذه المشكلة أنه إذا دخل هذا الأمر مَن لا يحسنه وهذه مصيبة عصرنا، مصيبة عصرنا أنه نجد كل مَن هب ودب يظن نفسه أهلاً للفتوى، حتى تجد بعض الشباب الطري العود الرخو.. يعني يريد أن يفتي في أعوص المسائل، لا يقدد الفتوى حقها، كان السلف يتهيبون الفتوى، كان الصحابة يستفتى أحدهم يقول له روح لفلان وفلان يقول له روح لفلان وفلان يقول له.. لحد ما ترجع للأول ثاني وسيدنا عبد الله بن عمر ما كان يحب أن يفتي، واحد قال لقد صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً ما كان يجيب عن مَن يسأله، يقول له لا أدري، أسأل غيري هكذا..

توفيق طه: لأنه يحس بمدى المسؤولية المترتبة على هذه الفتوى..

يوسف القرضاوي: ولذلك بعضهم يقول..

توفيق طه: هنا السؤال فضيلة الشيخ.. يعني ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في المفتي حتى يكون ثقة؟ وهيكون مفتي.. يعني هل هنا أصول.. هل هناك شروط يجب أن تتوافر فيه؟

يوسف القرضاوي: المفتي هو الفقيه المجتهد.. يعني الذي يستجمع شروط الاجتهاد، فيه مفتي متمذهب يشوف الكل في مذهبه موجود ولا لا، إذا كان موجود يفتي به هذا..

توفيق طه: تقليدي يعني..

"
لا بد للمفتي أن يكون عالماً بالقرآن والسنن، وبمواضع الإجماع والاختلاف، وباللغة العربية ومتذوقاً لها، وعالماً بالفقه وبأصوله
"
يوسف القرضاوي: إنما المفتي الحر ككثير من المفتين في عصرنا اللي بيعطي نفسه حق الفتوى في الأمور الكبيرة.. يعني أنا رأيت بعض الشباب يرد كلام مالك وأبي حنيفة ويقول هم رجال ونحن رجال، هذا المفعوص.. يعني جعل نفسه رأسه برأس أبي حنيفة ومالك وربما رأسه برأس عمر وابن مسعود وابن عباس، لا المفتي لازم يستجمع شرائط، يكون عالماً بالقرآن، عالماً بالسنن، عالماً بمواضع الإجماع ومواضع الاختلاف، عالماً باللغة العربية متمكناً منها متذوقاً لها، عالماً بالفقه وبأصول الفقه، بحيث تتكون له ملكة، فيه شيء أسمه الملكة، الملكة دي لا تتكون عند الإنسان إلا بدارسة طويلة وتعميق ويكون درس العلم على أهله..

توفيق طه: مطّلع على وقائع مشابهة أيضاً حصلت في التاريخ..

يوسف القرضاوي: آه بحيث هذه الوقائع المشابهة تكوّن عنده ما نسميه الملكة التي يقتدر بها على الاستنباط، إنما واحد خام وبيدخل المسألة بالعافية لأنه قريب واحد وصلّه لقناة إعلامية ولا كذا ولا مش عارف إيه وهو لم يتأهل، لم يدرس، رأيت بعض هؤلاء الناس ينطق الكلمات خطأ، لا يحسن قراءة سطرين في كتاب من الكتب الأصلية، لا يعرف معنى الحديث الصحيح ومعنى الحديث الضعيف ومعنى الحديث الحسن ومع هذا يعني..

توفيق طه: مع هذا نجدهم الآن.. نجد منهم الآن نجوماً يقولون للناس هذا حلال وهذا حرام بكل بساطة ما رأيك في ذلك؟

يوسف القرضاوي: هذه هي المشكلة وليس عنده ورع أهل التقوى وده اللي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال.. إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس.. الحديث النبوي المتفق عليه حديث عبد الله بن عمرو.. "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"، الرؤوس الجهّال هؤلاء هم الناس.. يعني لا يعرفون للأسف إن الناس لا يعرفون العالم من الجاهل، كل مَن لبس جبة وعمامة يفتكر الناس أنه عالم، كل مَن تخرج من الأزهر أو من كلية شرعية.. لا هو الفتوى دي لها أهلها، حتى فيه عالم يكون عالم خطيب يهز أعواد المنابر ولكن ليس له أمر الفتوى، قد يكون عالم في علم العقيدة أو الفلسفة الإسلامية أو الأدب أو التاريخ أو التصوف أو علم الحديث أو علم التفسير ولكنه ليس عالماً في الفقه.

توفيق طه: ليس فقيهاً نعم، لكن الآن نحن في عصر الإعلام هناك مفتون كثيرون في وسائل الإعلام، هل هناك آداب معينة للمفتي الذي يستخدم وسائل الإعلام الآن من أجل نشر هذه الفتاوى أو الإجابة عن أسئلة المستفتين؟

يوسف القرضاوي: هو فيه آداب عامة لكل مفتي أنه.. يعني يخشى الله في فتواه، أنه يحترم مقام الفتوى لأنه يقوم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه لا يفتي بغير علم فيضل ويضل، أن يكون.. يعني شجاعاً قادراً على أن يقول لا أدري فيما لا يدري، الصحابة قالوا مَن قال.. مَن أخطأ قول لا أدري أصيبت مقاتله، يعني أصيب في مقتل، لازم يتعود.. النبي عليه السلام كان يُسأل فلا يجيب، ينتظر جبريل لما يسأله عن العملية أو ينزل عليه وحي، الصحابة كما بعضهم قال إن الواحد من هؤلاء يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر، يجمع أهل بدر يقول لهم حصل لي كذا إيه رأيكم وكان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر تأتي أحياناً المسألة فلا يجد لها عنده حل لها، يجمع الصحابة ويقول لهم هل حد منكم عنده شيء في هذا من الكتاب من السنّة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذا لم يجد يسألهم إيه رأيكم في هذا؟ هؤلاء يجترؤون على الفتوى وسيدنا عمر يقول أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار، الإمام مالك سُأل عن 22 مسألة أجاب عن اثنين منها وعشرين قال لا أدري، واحد مرة قال له هذه مسألة.. أسألك مسألة.. يعني فقال له أنا لا أحسنها، قال له دي مسألة خفيفة سهلة، قال له ليس في العلم مسألة خفيفة سهلة إن الله تعالى يقول {إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} العلم كله ثقيل ما فيش حاجة اسمها خفيفة ولا يتهيب ولا إنه يقول لا أدري، المشكلة هؤلاء الناس هو يفتي في كل شيء، إحنا في برنامجنا هذا إحنا.. أنا ما بأجاوبش على كل مسألة إحنا بنحدد الموضوع وبنحدد المحاور التي نتحدث عنها وأقرأ هذه المحاور قبل أن آتي وإذا وجدت حاجة أنا مش قادر عليها أستبعدها وفيه أحياناً مسائل لي سنين لم أكون فيها رأياً إلى اليوم ويقول الإمام مالك إن هناك مسألة صار لي فيها بضع سنين لم أنتهي فيها إلى رأي بعد، هكذا الناس الذين يحترموا أنفسهم، فمن أدب..

توفيق طه: لكن تحرج عفواً.. تحرج المفتي من إبداء رأيه خوفاً أحياناً من السلطان ومراعاة أو مسايرة للوضع القائم أي مسؤولية يحتم على المفتي؟

يوسف القرضاوي: آفة اختلاف الفتاوى.. اختلاف الفتاوى لا حرج فيه، كان أهل العلم يفتون فيختلفون، يحلل هذا ويحرم هذا، يوجب هذا ويستحب هذا، فلا يعيب هذا على هذا ولا يلوم هذا هذا، هذا كان من قبل، إنما المشكلة أن يفتي الإنسان عن جهل أو يفتي عن هوى، إما هوى يريد أن يتبع هوى نفسه أو هوى غيره، أهواء السلاطين أحياناً.. عايز يرضي الدولة أو يرضي الحكومة أو يرضي الملك أو يرضي الأمير أو يشوف هم إيه الشيء اللي بيحبوه فيفتي لهم بما يهوون أو يرضي العوام أحياناً، هناك شيء أنا بأعتبره أخطر من إرضاء السلاطين، إرضاء العوام، شوف الناس مثلاً تحب إنه يقولوا عنه ده راجل.. يعني متمسك، مش متساهل، فيزود.. يزايد على الناس في التشدد علشان يقولوا عليه ده راجل ورع وراجل..

توفيق طه: سنواصل في مواصفات المفتي في عصرنا الحاضر بعد فاصل قصير فضيلة الشيخ نعود إليكم مشاهدينا بعد فاصل قصير.



[فاصل إعلاني]

آراء المتصدرين للفتوى على الفضائيات

توفيق طه: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الشريعة والحياة، موضوعنا الإعلام وفوضى الفتاوى وقد وصلنا مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إلى مواصفات المفتي في عصرنا الحاضر.. عصر الإعلام وإلى الذين يتصدون للفتوى من غير أهلها، فضيلة الدكتور كتبت منذ سنوات عن مزالق المتصدين للفتوى، الآن حدثت متغيرات عديدة في عصرنا عصر الإعلام مع الفضائيات والإنترنت ومع المفتين الجدد الذين يظهرون على الشاشات كيف ترى الوضع الآن؟ كيف توصّفه؟

يوسف القرضاوي: هو ما كتبته من قديم عن مزالق الذين يتصدون للفتوى من أحياناً الجهل بالنصوص، الغفلة عن الواقع أو ضغط الواقع على المفتي أو التقليد للغرب أو الجمود على الفتاوى القديمة دون النظر إلى تغير المكان والزمان والعرف والحال، هناك أشياء كثيرة تسببت في أنها كانت مزالق لمَن يتعرف للفتوى، هذه المزالق لا تزال موجودة، زاد عليها ما جلبه عصر السرعة، نحن في مشكلة عصر السرعة، كل شيء عايزين.. بيسموه عصر الساندويتش.. يعني الناس ما عدش عنده صبر إنه يقعد على مائدة ويقعد يأكل كده زي ما كانت الناس تقعد تأكل وتتمزج لا عايز ساندويتش بسرعة، فعصر السرعة هذا أيضاً كان له آثاره وبصمته على فتوى المفتين وكان له خطره أيضاً، إن الفتوى اللي كان الإنسان يستفتى هو في مسجد من المساجد.. بيستفيته مجموعة من الناس في مسجد فحتى لو أخطأ في هذه الفتوى خطأه محدود، إنما المشكل إذا أخطأ في هذه..

توفيق طه [مقاطعاً]: وقد يجد مَن يرده بين الحاضرين..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: آه وحتى ممكن حد من الموجودين يرد عليه، إنما في الفضائيات ما حدش يرد عليه وتنتشر فتواه في الأفاق وينقلها هذا عن هذا وربما يشاهده الملايين ويسمعه الملايين، فمن هنا كانت الخطورة في هذا الأمر.

توفيق طه: وهذا يدخلنا في فوضى الفتاوى إذا جاز التعبير أو الهاتف الإسلامي الآن واحد من المظاهر الجديدة في الفضائيات والإنترنت للفتاوى.. يعني ما مدى مسؤولية الإعلام عن ذلك؟ هل هي من مزالق التصدي للفتوى من قبل الإعلام أيضاً؟

"
الإعلام مسؤول عن اختيار الشخص الذي يفتي الناس إفتاء عاماً، وكثير من المشرفين على الإعلام لا يعرفون ما هو المفتي وما هي الدرجة التي يجب أن يصل إليها من العلم وأي علم يجب أن يتحلى به حتى يتم تقديمه للجمهور
"
يوسف القرضاوي: نعم، الإعلام طبعاً مسؤول، مسؤول في اختيار الشخص.. يعني اختيار الشخص الذي يفتي الناس إفتاء عاماً، يفتي الجماهير بالملايين ويفتي بسرعة ويفتي.. هذا لابد أن يُتَخيّر، كثير من المشرفين على الإعلام لا يعرفون ما هو المفتي وما هي الدرجة التي يجب أن يصل إليها من العلم وأي علم يجب أن يتحلى به، فيجيبوا شخص مشهور وشهرة الشخص ليست دليل على أنه قادر على الفتوى، هو يمكن شخص مشهور في علم غير علم الفقه والفتاوى، شخص مشهور بقراءة الكتب القديمة ولكنه لا يقرأ العصر هذا لا يصلح، نحن نريد إنسان يطل على التراث بعين.. ينظر إلى التراث بعين وينظر إلى الواقع المعاصر بعين أخرى، فيه مواصفات، المسؤولون عن الإعلام يجب يشاوروا أهل العلم.

توفيق طه: يعني إلى أي مدى فضيلة الدكتور ترى أن العامل الاقتصادي أو التجارة دخلت في موضوع الفتوى بحيث أصبحت تجارة رابحة لأصحاب هذه المحطات أو حتى لبعض المفتين أنفسهم؟

يوسف القرضاوي: ممكن تكون تجارة رابحة لأن فيه بعض الفضائيات بتدفع مبالغ لأهل الفتوى وهي قد.. شيء مغري..

توفيق طه [مقاطعاً]: وشركات تتكسب من وراء ذلك أيضاً..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: وفيه بعض الناس يريد أن ينفع أصحابه وأقاربه ومحاسبه فيرشح فلان وكذا ولا ينظرون في أهلية هذا الشخص للفتوى، لابد أن يكون الشخص أهل للفتوى..

توفيق طه: أحياناً الشركات تأتي.. يعني تشعر أن هذا الجانب مهم في حياة الناس، هناك إقبال لدى الناس على هذا النوع من البرامج فتبدأ في إظهار المفتين واحداً تلو الآخر يجيبوا عن أسئلة ربما لا يكون أهل للإجابة عنها؟

يوسف القرضاوي: هذه.. يعني مشكلة إذا دخل هذا العنصر كأننا عنصر تجاري.. لا إحنا.. الفتوى مش تجارة، ده الفتوى مسؤولية.. يعني كبيرة أمام الله وأمام الناس.. يعني شوف يقول فضلوا وأضلوا.. يعني يتحمل والرسول عليه الصلاة والسلام يقول "من أفتي بغير علم فإثمه على من أفتاه".. وبعض العلماء.. ابن القيم يقول على مَن عرف بكثرة الخطأ في الفتوى على ولي الأمر أن يوقفه زي ما يوقف الطبيب لو واحد هنا تصدى للطب وبالإساءة للطب..

توفيق طه: هنا السؤال مدى مسؤولية ولي الأمر من..

يوسف القرضاوي: بإنه يقول له يقفل عيادته..

توفيق طه: مدى مسؤولية ولي الأمر من حاكم إذا كان حاكماً مسلماً أو حتى المرجعية الفكرية الموجودة في هذا البلد مدى مسؤولياتها عن مثل هذه الظواهر وإمكانية منعها؟

يوسف القرضاوي: يجب أن يكون هناك.. يعني هيئة مثل هيئة كبار العلماء زمان في مصر تتصدى لمثل هذا الأمر ويكون لها الحكم عن مثل هذه، إذا وجدوا انحرافاً يقولوا لا هذا كذا وهذا كذا، ممكن حتى الناس تشتكي إليهم من بعض أهل الفتوى في المصادر الإعلامية والقنوات الإعلامية المختلفة، يكون لهم رأيهم، يجب أن المجتمع ينظم نفسه بحيث يكون..

توفيق طه: لكن هذه الهيئات التي تتحدث عنها فضيلة الدكتور.. يعني في بعض الأحيان نجدها متهمة من قِبل الناس ولا يصدقونها حتى.. يعني المحطات الفضائية أحياناً عندما تلجأ إلى أناس لتستفتيهم لا تذهب إلى المجامع الفقهية.. يعني وكأن هناك مشكلة في المفتي التقليدي.. يعني بحيث لم يعد يستطيع أن يتعامل مع العصر؟

يوسف القرضاوي: طبعاً لأن.. لا يستطيع أي مفتي أن يتعامل مع أجهزة الإعلام، المفتي اللي عايز يقعد لازم يرجع إلى الكتاب وإلى الشرح والحاشية وكذا.. هم عايزين واحد.. يعني قادر على الحركة وعلى السرعة ويعرف لغة العصر فأحياناً يكون الآفة في المفتي فعلاً.. المفتي التقليدي هذا إنه مش قادر على أن يكلم الناس بلسانهم، إحنا بنقول {ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فلازم يكون قادر الناس على المخاطبة بلغة الإعلام ولكن لازم يكون أهلاً لأن يتصدى لهذا الأمر الخطير الذي يقوم فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قلته حق وهو إنه الكثير من المؤسسات الرسمية فقد الناس الثقة بها وهذه آفة كبيرة وبعض الناس أراهم.. يعني مخلصين ولكن لأنه أصبح يفتي للدولة والدولة اللي عملته والدولة اللي وضعته في هذا المكان يفقد الثقة بالناس.. لثقة.. لفقد الناس ثقتهم بحكومتهم وحكامهم في أغلب الأمر أيضاً.. يعني صار هذا أيضاً منطبقاً على مَن يتولون الفتوى ويتولون المناصب الدينية ويشكوا الناس ممَن يعملون في المؤسسات الدينية بصفة عامة من أجل هذا الأمر، نضح عليهم حكامهم.

توفيق طه: نعم، فضيلة الشيخ لنستمع الآن مع مشاهدينا الكرام ونتابع عينة من آراء المتصدرين للفتوى على الفضائيات وما يسمى بالهاتف الإسلامي وكذلك آراء بعض الناس في مصر حول المصادر التي يعتمدونها في الفتوى، لنتابع معاً.

[تقرير مسجل]

صفوت حجازي- أحد مفتيي الفضائيات: أنا في رأيي الشخصي هو أعظم من الكتاب في زماننا، أعظم من الصحف والجرائد، أعظم من الإذاعة، أصبح الآن في ظل هذه السماوات المفتوحة كل إنسان يستطيع أن يشوف اللي هو عايزه، لكن كما قلت في البداية مَن الشيخ ومَن العالم ومَن المذيع ومَن معد البرنامج القائم على هذا البرنامج، هل هو فعلاً أهل لأن يقدم الدين سواء المذيع أو مخرج أو معد أو شيخ ولا هو الموضوع مجرد بروباجندا.. مجرد حب ظهور.. مجرد نجم وفقرة على الشاشة بتجذب جمهور أو بتجذب رعاية ودعاية ومال؟ هي دي القضية المهمة جداً.

سالم عبد الجليل- أحد مفتيي الهاتف الإسلامي: تأتي الفتوى مسجلة يسمعها الشيخ ثم يجيب عليها، صحيح هي تفتقد الحوار بين السائل وبين المجيب أو بين المستفتي وبين المستفتى وهذا الحوار مهم جداً لأنه يفيد المستفتي بأنه يعرض مشكلته على الحقيقة ويفيد المستفتى بأن يعرف إشكاليات المشكلة فتكون إجاباته دقيقة، لكن على كل حال هو يؤدي غرض جيد.. بل ممتاز لمَن لم تتسع له الفرصة أو تتح له الفرصة ليلتقي بالعلماء وجهاً لوجه.

مشارك أول: بصراحة ما يكونش مفتي حكومة اللي هو أنا واثق إن هو بيدي فتوى علشان خاطر يمرر أمور سياسية، الحاجة الثانية أني أضمن إن هو هيفتيني وأتبع فتواه.

مشارك ثاني: موضوع دار الإفتاء أضمن، ده بس علشان المفتي مختص بحاجات الإفتاء وحتى لو مش المفتي حتى لو مكتبه برضه مختصين بالإفتاءات عكس اللي بره برضه.

مشارك ثالث: هو طبعاً أنا رأيي إن أنا بأستريح للفضائيات أكثر لأن في الفضائيات دلوقتي القنوات كلها مفتوحة وحتى لو أنا عايز أسأل سؤال فبأسأله بحرية جداً، ما فيش أي عوائق بتعوقني في السؤال والإجابة برضه بتكون صريحة جداً والفضائيات بشكل عام كله عملت إشباع للجمهور بتاعها سواء في الدين، سواء في الثقافة، سواء سياسياً، سواء في كل حاجة.

مشارك رابع: بأحب إني أخاطب الشيخ وجهاً لوجه لسبب.. لأن هو يعرف أصلاً أصل الفتوى وأصل السؤال عندي مش أعطي له سؤال وهو يفصله لي أو أنا أجيب لي فتوى تفصيل.. تتفصل على مزاجي أنا، مش هينفع، الفتاوى التفصيل دي بصراحة انتشرت اليومين دول جداً.

توفيق طه: كما استمعنا فضيلة الدكتور.. يعني آراء عديدة لكن لعل أهم ما فيها هو الحديث عن موضوع تغيّر الفتوى بتغير الأحوال والزمان والمكان حال السائل نفسه قد لا يكون هناك عنصر المباشرة مع المفتي بحيث إذا استدرك أراد أن يستدرك أمراً يستفسر عن أمر لا يستطيع، فتاوى معمولة.. مصنوعة للعموم ما رأيك في ذلك؟

يوسف القرضاوي: وهذا.. يعني خطر الفتوى في الفضائيات وهذه الأشياء، ليس هناك علاقة مباشرة بالمستفتي ومعرفة ظروفه.. يعني جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنهما وقال له هل لمَن قتل توبة؟ فنظر إليه وصعّد في وجهه النظر وصوبه ثم قال له ليس للقاتل توبة إنه إلى النار، فخرج الرجل من عنده فقال له جلساؤه كنت تقول قبل ذلك إن للقاتل توبة؟ فقال إني نظرت في وجهه فرأيته رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً.. يعني هو لما بص في وجهه مش واحد قتل وجاي يقول القاتل له توبة، لا يريد أن يقتل وقبل ما يريد أن يقتل عايز يأخذ فتوى بأن القاتل له توبة..

توفيق طه [مقاطعاً]: يمكن أن يتوب بعد ذلك..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فسيدنا عبد الله بن عباس أما شاف كده أراد أن يسد عليه الباب من أول الأمر ويقول له لا ليس للقاتل توبة وبعدين أصحابه سألوا عن الرجل ووجده فعلاً كان يريد أن يقتل ولهذا قال العلماء إن الفتوى قبل الابتلاء بالعمل غير الفتوى بعد الابتلاء بالعمل.. يعني إذا الواحد أبتلى بالشيء يحتاج تخفيفه، واحد يقول أنا ألقيت على امرأتي طلاق كذا وكذا والله إذا كان لم يقع أقول له خلاص ما توقعش الطلاق ده، إنما قال لي أنا وقعت الطلاق خلاص لازم أبحث له عن إيه؟ عن مخرج.. يعني فمن هنا كانت العلاقة بين المفتي والمستفتى، بيشوف حاله إيه ويبني على ما يعرفه من حاله ومن هنا العلماء قرروا أن الفتوى تتغير بتغير هذه الموجبات كلها.

توفيق طه: وهذا هو العنصر المفقود في الفتاوى الآن على وسائل الإعلام، معنا مداخلة من الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ أصول الفقه.. أستاذ الفقه وأصوله بجامعتي الأزهر والإمارات، دكتور عبد الفتاح تفضل.

عبد الفتاح إدريس- أستاذ الفقه وأصوله بجامعتي الأزهر والإمارات: السلام عليكم.

توفيق طه: عليكم السلام.

يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الفتاح إدريس: يعني أنا أقدم التحية لحضرتك ولضيفك العزيز فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

عبد الفتاح إدريس: بالنسبة لهذا الأمر طبعاً.. يعني إحنا بنقول إذا كان المهندس والطبيب لا يحصل.. لا يستطيع أن يزاول عمله إلا برخصة معتمدة فإن الفتوى في مجال العلوم الشرعية طبعاً أهم بكثير من هذا الأمر لأن يترتب عليه فساد العقيدة وفساد العمل وكل هذه الأمور من الخطورة بما كان ولأجل هذا.. يعني في ظل التضارب السائد في الفضائيات واستقطابها لمجموعة من الناس لم يتأهلوا للفتوى نجد أن هذا الأمر له تداعيات خطيرة على المجتمعات الإسلامية ولاسيما أن هذه الفضائيات لا تبث في المنطقة العربية فقط إنما تبث في العالم كله..



سُبل علاج تداعيات مشاكل الإفتاء

توفيق طه [مقاطعاً]: يعني دكتور إحنا تحدثنا عن هذه التداعيات هل هناك مخرج أو علاج لهذه التداعيات في رأيك؟

عبد الفتاح إدريس [متابعاً]: والله هو فيه ميثاق شرف كنا اتفقنا عليه وعقدنا ندوة في إسلام أون لاين حول ميثاق شرف العمل في مجال الفتوى في المواقع الإسلامية وليس في الفضائيات واقترحت من ضمن بنود هذا الميثاق أن يشترط في مَن يتصدى للفتوى شروط المجتهد المرجح في المسائل التي عرف للسلف رأي فيها وأن يكون ممَن تتوافر فيه شروط المجتهد المطلق فيما يتعلق بالنوازل التي لم يعرف لهم رأي فيها، هذا بند، البند الآخر طبعاً لابد من معرفة المفتي لما يستفتى فيه ومَن يستفتيه، طبعاً لأن من المعروف أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والظروف والأشخاص وما شاكل هذا ولذلك ينبغي على المستفتى أو على المفتي أنه يراعي السؤال ويراعي الجهة التي جاء منها مَن يستفتيه، يضاف إلى هذا.. فوق كل هذا لابد من الورع، لابد أن يتقى الله سبحانه وتعالى فيما يفتى فيه، لأن مثل هذه الأمور لا تؤخذ بالشطارة أو الفهلوة كما قال فضيلة مولانا..

توفيق طه: دكتور عبد الفتاح إدريس من القاهرة شكراً جزيلاً لك، إذاً الدكتور يقترح ميثاق شرف للإفتاء على الإنترنت.

يوسف القرضاوي: من غير كلام، كلام مضبوط هذا ولو أنه هناك أيضاً.. يعني الأزهر كان عمل بعد الشهادة العالمية تخصصات.. في أيامنا كان فيه تخصص للوعظ والإرشاد، مَن يريد.. يعني يدرس كذا سنتين أو ثلاثة حتى يتخصص.. وتخصص للقضاء، مَن يريد أن يعمل بالقضاء، حبذا لو كان هناك تخصص للإفتاء، مَن يريد أن يعمل بالإفتاء يدرس دراسات.. يعني معينة ويؤهل تأهيلاً خاصاً..

توفيق طه [مقاطعاً]: علمياً..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يعني لابد من السعي لمعالجة هذه القضية، فميثاق الشرف.. يعني جيد هذا ولكن مَن الذي يلزم الناس بهذا الميثاق؟ هذه مسألة أخلاقية.. يعني قبل كل شيء، فمَن لا أخلاق له لا يلتزم لا بميثاق.. إذا كان لا يلتزم بالقرآن ولا بالسنّة ويتبع الأهواء كيف نلزمه بهذا الميثاق؟

توفيق طه: نعم.. يعني مسألة الإفتاء على وسائل الإعلام الآن طرحت مشكلة أخرى، في القديم كانت الفتوى تأخذ من عالم واحد وحتى الفتاوى المكتوبة كانت تعتمد فيها.. يعني مرجعية مذهب واحد.. يرجع فيها إلى مذهب واحد، الآن مع الإنترنت ومع وسائل الإعلام ومع التلفزيون أصبح للفتوى جهات متعددة ربما تتجاوز الإطار المذهبي كيف ترى ذلك؟

يوسف القرضاوي: هو أنا سُئلت مرة عن قضية المفتي الفرد اللي هو.. يعني الدولة تعيّن مفتياً فأنا اقترحت أن بدل المفتي يكون هناك مجلس للإفتاء.. يعني بدل ما يكون الفتوى من شخص.. مجلس، هو يرأس المجلس ويجتمع هذا المجلس خصوصاً في القضايا ذات الأهمية، القضايا اللي فيها خلاف كبير وتحتاج إلى ترجيح أو القضايا الجديدة زي.. أنا فيه اجتهاد سميته الاجتهاد الإنشائي واجتهاد سميته الاجتهاد الانتقائي، الاجتهاد الانتقائي أن ننتقى قولاً من عدة أقوال موروثة في القضية..

توفيق طه [مقاطعاً]: هذا المجلس يضم.. يعني فقهاء من أو مفتين من مذاهب عديدة؟

يوسف القرضاوي [متابعاً]: أه عدد من الفقهاء.. يعني في القضايا اللي تحتاج إلى ترجيح رأي من آراء أو في المسائل الجديدة اللي هي تحتاج إلى.. يعني اجتهاد استنباطي جديد، هننشئ رأياً جديداً لم يسطر في الكتب من قبل، فهذا المجلس هو الذي يعمل.. يعني حبذا.. يعني في هذه الأمور الخطيرة.. ومن أجل هذا أنشئت المجامع الفقهية.. يعني مجمع البحوث الإسلامية.. أنشأ الأزهر مجمع البحوث لأن فيه مصر منصب مفتي إنما قالوا المسائل الكبيرة تعرض على مجمع البحوث، تقدم فيها بحوث ودراسات وتناقش ثم يصدر فيها رأي بالإجماع أو بالأغلبية.. يعني الأمور تحتاج إلى بحث وتقليب الآراء حتى ينضج رأي فيها يختاره أهل العلم.

توفيق طه: هل هذا ما يمكن أن يكون مرجعاً للفتوى مرجعاً.. يعني قطرياً للفتوى أو مرجعاً.. كيف ترى.. يعني هل المجامع الفقهية ليس لها حضور على وسائل الإعلام؟

يوسف القرضاوي: ممكن يكون مرجعاً قطرياً ولكن سيظل الناس في حاجة إلى الفتوى السريعة.. يعني لا نستطيع أننا نقول للفضائيات أغلقي باب الفتوى نهائياً ولكن حبذا لو أنهم عملوا مثل ما نعمل نحن هنا في الشريعة والحياة أن بدل المفتي ما هو بيسأل في كل شيء ويجب أن يجيب عن كل شيء وإذا لم يجب اتهم بأنه يعني..

توفيق طه [مقاطعاً]: بالجهل..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: ليس متبحراً في العلم وإلى كذا، لا.. يعني خليهم يعملوا زي ما بنعمل إحنا، كل مرة يأخذ رأي، مرة في الزواج ومرة في الطلاق ومرة في البيع ومرة في الشراء ومرة في الصلاة ومرة في الوضوء ومرة في.. يعني تخدم الموضوعات جزئية.. يعني جزئية، إنما أن يتصدى المفتي للإجابة في كل أمر هنا.. يعني الخطورة هنا ولا يمكن أن يستغني الناس عن هذا ولكن ممكن يعمل في كل فترة مرة، حتى ناس.. يعني طلبوا منا هنا في برنامج الشريعة والحياة أننا نجعل في كل شهرين أو كذا حلقة مفتوحة للأسئلة العامة وقد.. يعني نفكر في هذا ونفعل في ذلك وليس كل إنسان قادراً على هذا.. يعني أنا أقول لك وأنا أفتي صار لي.. يعني حوالي خمسين سنة وأنا مفتي وأنا عمري ثمانين سنة الآن.. يعني صار لي خمسين سنة وأنا أتعرض للفتوى يمكن صار عندي حصيلة ومع هذا أنا أقول لك فيه أشياء أتوقف عندها وأشياء أسأل فيها إخواني، أيش رأيك يا أخ كذا في.. عرضت عليّ مسألة في كذا وكذا؟ يعني تحتاج.. فيه مسائل.. اضرب لك مثل، واحد.. يعني سألني عنده والده توفى ووالده كان مشترك في البنوك الربوية وأصبحت.. وكان مشترك بعشرات الآلاف بقت الآن عشرات الملايين طيب يعمل إيه في البتاع ده؟ كيف يعمل في هذه التركة؟ إيه الحلال منها وإيه الحرام؟ توقفت فيها، قعدت أسأل فيها عدد من إخواني لأنه.. وليس هذا.. يعني عيباً فالمفتي الحقيقي أو الفقيه الحقيقي الذي يحترم العلم ويحترم نفسه ويخشى الله عز وجل ويخشى السؤال يوم القيامة، على أي أساس أفتيت ومن أين لك هذا؟ لأن من ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة.. فيه أربعة أشياء يسأل عنها منها عن علمه ماذا عمل فيه..

توفيق طه [مقاطعاً]: مثل هذا الشخص لا يأنف أن يقول لا أدري عندما لا يعلم..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا أدري نعم..

توفيق طه: نعم، شكراً جزيلاً لك فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وشكراً لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وحتى نلتقي في الأسبوع المقبل إن شاء الله لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا توفيق طه يستودعكم الله، إلى اللقاء.