- الدين والسياسة بين الدمج والانفصال
- تسييس الدين والعلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية

- فتاوى علماء الدين بالسياسة

- الدولة الإسلامية المرجع والطبيعة والمصدر

- مشاركات المشاهدين

- الممارسة السياسية الإسلامية


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم إلى حلقة أخرى من برنامج الشريعة والحياة، في تحديد شكل العلاقة بين الدين والسياسة تكمن أبرز صورها في النظام السياسي وقد شهد تاريخ الأنظمة العربية ويشهد واقعها أيضاً توظيف الدين لتدعيم سلطاتها وبناء شرعيتها ويتم ذلك في الوقت الذي يرفع فيه كثير من تلك الأنظمة شعار العلمانية ومن ثم تحظر قوانين الأحزاب فيها إنشاء حزب على أساس ديني وإذا كنا تحدثنا في الحلقة الماضية عن أن السياسة جزء من الدين بما هو نظام شامل ينظم حياة الإنسان فإن الدخول في تفاصيل العلاقة بين الدين والسياسة يقتضي الإجابة على ثلاثة أسئلة هي ما هو مصدر السلطة؟ وما طبيعتها؟ وما وظيفتها؟ وكان التاريخ الإسلامي قد شهد دمج الشأن الديني بالسياسي في مؤسسة واحدة منذ نشأة دولة المدينة المنورة وبناء عليه قرر علم السياسة الشرعية أن وظيفة الإمام أو الخليفة هي حراسة الدين وسياسة الدنيا، غير أن التاريخ اللاحق لذلك قد شهد انفصال الشأنين الديني والسياسي في مؤسستين تمارس كل منهما وظيفتها بمعزل عن الأخرى، تتنازعان تارة وتقوم المؤسسة الدينية على عمل المؤسسة السياسية تارة أخرى، غير أنه بقيت المؤسسة السياسية تحاول الهيمنة على الشأن الديني لضمه تحت جناحها وهذا ما تجلى بشكل بارز مع نشأة الدولة الحديثة ولا يزال مستمراً، حول هذا كله نستكمل موضوعنا الذي بدأناه في الحلقة الماضية حول العلاقة بين الدين والسياسة في برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ اليوم موضوع الحلقة هو الجزء الثاني تقريباً للموضوع السابق وتحدثنا عن علاقة الدين بالسياسة وهي إشكالية ربّما لا يراها البعض مطروحة بينما هي قائمة بالنسبة للبعض أن الدين والسياسة منفصلان، أنتم تقولون بأن الإسلامي دين ودولة وبأن الإسلام دين ونظام شامل، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء من بعده أيضاً كان هناك دمج للشأنين الديني والسياسي في مؤسسة واحدة، في ظل هذا الجدل الدائر الآن حول هذا الموضوع.. علاقة الدين والسياسة الذي يثار كثيراً في الشأن السياسي هل ترون بضرورة الدمج؟ وما ردكم على القائلين بوجوب وجود مؤسستين تعنيان أو تمارسان الشأنين؟



الدين والسياسة بين الدمج والانفصال

"
السياسة جزء من الإسلام وليست جزء من الدين، ويجب التفريق دائماً بين كلمة الإسلام بمفهومها الواسع وكلمة الدين بمفهومها المحدود
"
يوسف القرضاوي- داعية إسلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، قبل أن أجيب عن السؤال أحب أن أعلق على عبارتين وردتا في المقدمة، العبارة الأولى تقول إنه قلنا إن السياسة جزء من الدين، لم نقل هذا، قلنا السياسة جزء من الإسلام وليست جزء من الدين، الدين جزء من الإسلام، كما قلنا إن الضروريات الخمس منها الدين والنفس والنسل والعقل إلى آخره، فالسياسة جزء من الإسلام وليست جزء من الدين ويجب أن نفرق دائماً بين كلمة الإسلام بمفهومها الواسع وكلمة الدين بمفهومها المحدود، العبارة الأخرى التي جاءت في المقدمة أنه فقهاء السياسة الشرعية قالوا إن الإسلام هو حراسة الدين وسياسة الدنيا، لا، هناك كلمة مهمة جداً، حراسة الدين وسياسة الدنيا به، سياسة الدنيا بالدين، أي بالإيمان والأخلاق والتوجيهات الشرعية، أردت أن أوضح هذا، يبقى السؤال الذي.. يعني طرحته وهو مسألة إن هناك مؤسستان.. المقدمة أيضاً.. يعني كأنه قد يفهم منها أنه في وقت ما من التاريخ الإسلامي كانت هناك مؤسستان؛ مؤسسة للدين ومؤسسة للسياسة ومؤسسة الدين تراقب.. لا، لم يكن هناك مؤسستان أو بالتعبير الأدق أو الأضبط لم يكن هناك سلطتان، الإسلام أنا أعرف سلطة دينية، يعني ليس في الإسلام سلطة دينية، هناك سلطة واحدة تجمع بين الدين والدنيا وظل هذا الأمر إلى إلغاء الخلافة سنة 1924 ولذلك كان من منطق الذين يعارضون إلغاء الخلاقة من العلماء والمفكرين والمصلحين والسياسيين يقولون إن الإسلام ليس له سلطة دينية، فإذا ألغيتم الخلافة لم يبق للإسلام شيء، المسيحية عندها سلطة دينية، سلطة قوية جداً لها.. يعني جذورها وأصولها ووظيفتها وماليتها وتُعتبر من أغنى الأغنياء في العالم السلطة الدينية المسيحية، الإسلام ليس فيه سلطة دينية، فإذا ألغيت سلطته التي تجمع بين الدين والسياسة لم يبق له شيء.

عبد الصمد ناصر: ربّما لا نريد أن نبقى في هذه النقطة كثيراً ولكن هناك البعض مَن يرى بأن علمنة الشأن السياسي الإسلامي يعود إلى عهد المعتزلة وليس فقط بعد سقوط الخلافة العثمانية فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: لا عهد المعتزلة كان الدين والسياسة ملتصقين، يعني المأمون كان هو الخليفة وكان المأمون هو الذي يدير معركة خلق القرآن.. محنة خلق القرآن ووزرائه والجماعة الذين يتبعونه هم الذين يمتحنون العلماء ومَن لم يقم منهم بخلق القرآن يزج في السجون وربّما ضُربت عنقه إذا.. يعني كان موقفه شديداً ويُعذَب ويؤذي، فالدولة كانت هي اللي متمسكة بهذا الدين وظل هذا في عهد المأمون والمعتصم والواثق إلى أن جاء عهد المتوكل وانفرجت العملية وغيّر الرجل رأيه وترك رأي المعتزلة.

عبد الصمد ناصر: بخصوص دمج المؤسستين الآن؟

يوسف القرضاوي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: دمج الشأنين في مؤسسة واحدة أو الفصل بينهما.. ما قولك في ذلك؟

يوسف القرضاوي: هذا لابد من دمج المؤسستين في مؤسسة واحدة لأمرين أساسين؛ الأمر الأول أن الإنسان هو كيان واحد، بعض الناس بيقول الإنسان روح وجسد أو روح ومادة فلابد أن تمد الروح فيه سلطة غير السلطة التي توجّه المادة، الكنيسة توجّه الروح والدولة توجّه المادة ولكن هذا الكلام ليس علمياً، الإنسان كيان واحد، ليس هناك مثنوية، ليس هناك في الإنسان شيء اسمه روح لوحده كده وشيء أسمه.. هذا تقسيم نظري فقط، فلابد مادام الإنسان كياناً واحداً لابد أن توجّهه سلطة واحدة، توجّه روحه، توجّه جسده، توجّه عقله، توجّه عاطفته، توجّه حياته الفردية، حياته الأسرية، حياته الاجتماعية، حياته السياسية، حياته الاقتصادية، هذا هو المنطق السليم، الأمر الآخر أن الحياة نفسها أيضاً تيار واحد، نسيج واحد، نحن أحياناً نقول الحياة فيها اقتصاد وفيها سياسة وفيها اجتماع وفيها ثقافة وفيها أخلاق وفيها تربية وفيها.. هذا أيضاً تقسيم نظري إنما الحياة العملية ليس فيها شيء لوحدة كده أسمه الاقتصاد..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: كله مترابط متكامل..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: هو الاقتصاد والسياسة والاجتماع كلها نسيج واحد ومن أجل هذا.. يعني قالوا إن لابد أن توجّه هذه الأشياء كلها.. يعني فكرة واحدة وسلطة واحدة ولا يحصل..

عبد الصمد ناصر: مرجع واحد..

يوسف القرضاوي: يعني إذا كان المسيحيون الذين قرؤوا في الإنجيل دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، حتى لو أخذنا هذه العبارة بظاهرها المسيحيين ما تركوش قيصر لوحده، حاولوا أن يسيطروا على قيصر وأن يوجّهوا قيصر وكان للكنيسة طوال العصور الوسطى توجيهها للأباطرة وللملوك ولكذا، فلذلك لا ينبغي أن يكون هناك مؤسستان متباينتان وقد تقعان في صراع وقد تقعان.. لا، لابد أكون مؤسسة واحدة.



تسييس الدين والعلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية

عبد الصمد ناصر: طيب في الحلقة الماضية لم نسهب كثيراً في نقطة تسييس الدين لأن غالباً ما تُتهم الحركات الإسلامية أو الأحزاب عموماً بتسييس الدين والواقع يقول شيء غير ذلك، يقول بأن ما يعاني منه المسلمون حقيقة كما يبدو هو هيمنة الدولة.. هيمنة النُظم على الدين وليس العكس، كيف يمكن تحرير فضيلة الشيخ الدين من هيمنة الدولة وسياساتها.. لنأخذ مثلاً مؤسسات الوقف والشؤون الإسلامية وغيرها؟

يوسف القرضاوي: هذا لم يأتي إلا في عصر الدولة العلمانية، الدولة الإسلامية..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نتحدث عن الواقع اليوم.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: المفروض الدولة الإسلامية لا.. إذا كنا نقصد من ناحية الدين يعني العلماء والدعاة والناس الذين.. والمفتون وأهل الفتوى وأهل التوجيه الديني إذا كان هؤلاء كانت الدولة تستعين بهم دائماً وكلمات هؤلاء فوق سلطان الدولة، يعني حينما أراد بعض سلاطين آل عثمان أن يتخلصوا من أهل الذمة وقالوا هؤلاء سيثيرون الفتنة دائماً وهم مع النصارى الغربيين في أهوائهم نتخلص منهم، فمَن الذي وقف لهم؟ العلماء، المفتون، أهل العلم والفتوى قالوا هذا ليس لكم، هؤلاء لهم ذمة الله وذمة الرسول وذمة جماعة المؤمنين ودماءهم وأموالهم وحرمتهم معصومة، وقفوا، لم يستطع السلطان..

عبد الصمد ناصر: وقتها لم يكن العلماء يأخذون راتب من الدولة، لم يكن مصدر رزقهم ميزانيات الدولة؟

يوسف القرضاوي: ربّما كان بعضهم يأخذ من الدولة لأن كان بعضهم موظفين في الدولة، مفتي اسطنبول، مفتى الدولة الكذا.. ربّما كانوا ولكن كان أغلبهم فعلاً يأخذون من الأوقاف، الأوقاف الإسلامية جعلت لهؤلاء سلطاناً، مشكلة العلماء الحاليين أنهم أصبحوا موظفين لدى الدولة وخصوصاً في أهل السنّة، الشيعة ليسوا كذلك، الشيعة يأخذ معاشه من الخمس الذي يعطيه الشعب لهم طواعية.. يعني ضريبة..يعني 20% من صافي دخله يعطيها للإمام أو نائب الإمام اللي هو المصدر الديني، كل واحد لازم له مرجع ديني يرجع إليه ويكون تابع له.. يعطيه الخمس، فهذا يعطيه قوة، أهل السنّة للأسف ليس لهم مثل هذه القوة المادية ولذلك في عهد بني أمية كان الإمام الحسن البصري كان رجلاً شجاعاً قوياً.. يعني ينتقد السلاطين وينتقد الأمراء وينتقد الولاة فبعض أمراء بني أمية قالوا مال هذا الرجل يقول ما يقول ولا يخاف ولا.. فقالوا إن هذا الرجل احتاج الناس إلى دينه واستغنى عن دنياهم، هو كان غني وعنده مال، ربنا أعطاه مال والناس محتاجين إلى دينه وعلمه، كل الناس محتاجين إليه يروحوا يتعلموا منه ويستفتوه، فالناس محتاجون إلى دينه هو مستغني عن.. المشكل بقى حينما يكون العالم يجد الناس من حوله مستغنين عن دينه وهو محتاج إلى دنياهم، هو مش عايزين فتاواه ولا علمه لأن الدولة ماشية كما تريد ولا عايزه دين ولا.. وبعدين هو محتاج لأن يعيش فهذه هي المشكلة، العلماء كانوا قديماً.. يعني كما قالوا إن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك لأن كلمتهم.. لأن كلمة الشريعة فوق رؤوس السلاطين والخلفاء والجميع ولذلك قال الشاعر في هذا

إن الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر يحكم العلماء

وهكذا كان العلماء قديماً.

عبد الصمد ناصر: بخصوص موضوع تحرير الدين من هيمنة الدولة هل هناك من سبيل مثلاً لأن يكون مثلاً الوقف والشؤون الإسلامية مثلاً إدارات مستقلة عن الحكومات عن الدولة حتى يتحقق هذا التحرير؟

"
لتحرير الدين من هيمنة الدولة يجب إنشاء هيئة من كبار العلماء لا تخضع للدولة يختارون انفسهم بأنفسهم وتكون رواتبهم من أوقاف المسلمين
"
يوسف القرضاوي: المفروض، نحن من قديم وكثير من العلماء الذين ينادون بالإصلاح في مصر وفي غيرها يقولون افصلوا العلماء عن الدولة، يجب أن يكون مثلاً هيئة كبار العلماء هيئة لا تخضع للدولة، الدولة ليست هي التي تنشئها إنما هم الذين يختارون بأنفسهم، يختارون العلماء، العلماء يختارون العلماء الكبار، هيئة كبار العلماء، مش الدولة اللي تعينهم، لأن مادام عينوا من الدولة أصبحوا تابعين للدولة، المفروض يكون هؤلاء مستقلين وتكون رواتبهم من أوقاف المسلمين، تُرد أوقاف المسلمين إليهم، المسلمين كان لهم أوقاف هائلة أخذتها الدولة ولا نردها إليهم حتى الآن ويمكن من الآن إنشاء أوقاف جديدة من أهل الخير من المسلمين.

عبد الصمد ناصر: ربّما الكثيرون يجهلون بأن من أكثر الوزارات غنى الآن في الدول العربية هي وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية.

يوسف القرضاوي: أه.. فكيف لو رُدّت إليها الأوقاف التي أخِذَت منها؟ لو أخِذت.. لو رُدّت إليها الأوقاف كانت تملك.. فيه أحياناً التابع للأوقاف يقول لك مثلاً الساحل الشمالي في مصر ناحية الإسكندرية هذا.. يعني حينما تبحث عن جذوره تجده تابعاً للأوقاف وهكذا.

عبد الصمد ناصر: لو تأملنا في واقع وتاريخ الأنظمة العربية تحديداً لوجدنا أن أغلب هذه الأنظمة وظّفت وتوظّف فضيلة الشيخ الدين لدعم سلطاتها وبناء شرعيتها والمشكل كما نلاحظ الآن أن هذا التوظيف ربّما يتم بطريقة خاطئة وغير شريعة في أحيان كثيرة، كيف نحول دون توظيف الدين من قِبل السياسيين أو نحول دون.. لنقل الاستغلال السياسي للدين؟

يوسف القرضاوي: والله سيظل هذا الأمر قائماً وستظل المشكلة باقية ما دامت الدولة تتحكم في المؤسسات العلمية والدينية وهذه وتُعيِّن هي مَن تشاء وتعزل مَن تشاء ومَن قال كلمة أخرجته من وظيفته ومَن أحست بأن فيه قوة يُستَبعد.. يعني المشكلة إن هذه المؤسسات الكبيرة فُرِّغَت من العناصر القوية وبقيت فيها العناصر الضعيفة التي.. يعني لا تملك إلا أن تقول نعم إذا طلب منها شيء وآمين إذا دعت.. يعني كما أقول

إذا ادعت جاءت الدنيا مصدّقة وإن دعت قالت الأيام آمين

هؤلاء ما زالوا يصدّقون ما يدّعون ويأمنون على ما يدعون، فهذه هي المشكلة.

عبد الصمد ناصر: أحدهم كتب مرة.. فضيلة الشيخ أحدهم كتب مرة أذكر أنه قال بأن مشكلة الدين في هذه الأيام.. مشكلة العلماء بالخصوص والعلم أن الدين أصبح يُختزل في كوادر أكاديمية، هذا متخصص في الفقه وهذا متخصص في الحديث وهذا في السيرة النبوية وغيرها وأصبح يُطلق عليهم العلماء وهم يشتغلون كدكاترة أو أساتذة في الجامعات هل هذه المشكلة فعلاً؟

يوسف القرضاوي: هو يعني هو..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: لم يعد العلم شاملاً كما عرفتموه أنتم في الأزهر وفي..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يعني على كل حال كان العلم.. في الزمن الماضي كان العالم عالم في كل شيء..

عبد الصمد ناصر: موسوعياً نعم.

يوسف القرضاوي: يعني عالم موسوعي في اللغة العربية، في التفسير، في الحديث، في التصوف، في المنطق، في علم الكلام، في كذا.. وبعدين قسّموه إلى كليات للغة العربية والشريعة وبعدين دلوقتي قسّموا.. مثلاً أنا كنت في كلية أصول الدين درست حديث وتفسير وفلسفة وتاريخ وعلم كلام ومنطق وأخلاق وكذا.. وبعدين جاؤوا الآن يقول لك في.. يعني عملوا أقسام، قسم للحديث، قسم للتفسير، قسم للعقيدة..

عبد الصمد ناصر: جُزّء العلم.

يوسف القرضاوي: فأصبح يعرف جزءاً ولا.. ولكن المشكلة مش بس المشكلة.. يعني الناحية العلمية الضيقة، المشكلة شعور العالِم بأنه لا حرية له وأنه إذا قال أي شيء أصبح.. يعني معرضاً للنفي والإبعاد والتشريد وكذا، فهو يقول لك امشي وراء الحيط.. يعني وحاول.. يعني

دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم.

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وحييهم ما دمت في حيهم.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فهذا هو الخطر.. يعني كان علماء الأزهر إلى عهد قريب.. يعني وإحنا طلبة حينما طُلِب من الشيخ عبد المجيد سليم.. يعني كان قال كلمة عن الملك فاروق.. يعني حينما طَلَب ميزانية للأزهر فضيّقوا عليه الميزانية فقال كلمة هزت مصر كلها، قال إسراف.. تقتير هنا وإسراف هناك وكان الملك.. يعني في كابري ومش عارف إيه في إيطاليا.. تقتير هنا.. هذه الكلمة ولما جاؤوا قالوا له إنك يا مولانا.. يعني أنت قلت كلمة خطر عليك، قال لهم خطر عليّ أتمنعني من أن أتردد بين بيتي والمسجد؟ قالوا له لا، قال لهم فلا خطر إذاً، الشيخ محمد الخضري حسين كان شيخ الأزهر أيضاً وإحنا في التخصص، أيضاً طلبوا شيء يختصروه في البتاع.. قال له إن لم يزد الأزهر في عهدي فلا ينقص منه، إذا كان ما يزيدش إنما لا ينقص أبداً، فهؤلاء كانوا العلماء، فالمسألة كانت مسالة أخلاق وتربية ورجال أقوياء.



فتاوى علماء الدين بالسياسة

عبد الصمد ناصر: أخشى أن نكون قد خرجنا كثيراً عن موضوع الحلقة، أريد أن أعود نعود مرة أخرى لسكة الموضوع، في الآونة الأخيرة شاهدنا في ظهور فتاوى كثيرة تهم الممارسة السياسية من قبيل الانتخابات في العراق وغيرها والدستور إلى ما ذلك، يعني هي فتاوى ربّما يُنظَر إليها على أنها أقرب إلى المنطق السياسي من منطق الفقيه أو من الفقيه، هل هذه الفتاوى فضيلة الشيخ ممارسة سياسية أم فاشية؟

يوسف القرضاوي: هذا كلام مدخول الحقيقة، ناس يريدون..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: ما المقصود بهذا الكلام؟

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يعني هناك أناس يريدون أن يبقى العلماء يتحدثون عن الطهارة والنجاسة والحيض والنفاس وأحكام الرضاع وهذه الأشياء، فإذا تدخلوا في شؤون الدولة وقالوا إن تزوير الانتخابات كبيرة من الكبائر إن.. يعني الضغط على الحريات منكر من المنكرات، إن كذا.. إذا تدخلوا في هذا يقول لك تدخلوا في السياسة، هذا هو شأن العالِم، العالِم لابد أن يكون ناصحاً لأمته والدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم..

عبد الصمد ناصر: وبالتالي هل هناك مناطق محرمة على العالِم الإفتاء فيها؟

يوسف القرضاوي: لا ليس هنا مناطق محرمة، العالِم يجب أن ما يعتقد أنه حق سواء كان يتعلق بالناحية السياسية، بالناحية الثقافية، بالناحية.. إنما لما ييجي يتكلم العالِم فيقول لك أنتم تدخلتم فيما ليس من شأنكم، لا مَن قال إن هذا من شاننا وهذا ليس من شاننا.

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ إن بعض العلماء نفسهم تحدثوا على أن هناك فتاوى مسيسة.. مسيسة بمعنى أن يُصدر هذا العالِم فتوى بما يُرضي هذا السائل أو هذه الحكومة أو هذه الجهة التي تريد الفتوى؟

يوسف القرضاوي: هذا يُكشف..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وسمعنا هذا كثيراً.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: هذا يُفتضح أمره ولا يبالي الناس به، العالِم الذي يُصدر فتوى لكي تُرضي المخاليق هؤلاء.. يُرضي جهة سياسية أو جهة اقتصادية أو.. هذا العالِم..

عبد الصمد ناصر: مرة يقول عملية استشهادية ومرة انتحارية..

يوسف القرضاوي: سرعان ما يُكشف أمره ويَعتبر الناس إن هذا.. يقول لك إن هذا ليس من زمرة العلماء، العالِم الحق هو الذي يدخل في قول الله تعالى {الَذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أَحَداً إلاَّ اللَّهَ وكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} رأينا العلماء في التاريخ مثل الأئمة الأربعة، الأئمة الأربعة كلهم تدخلوا في السياسة وأوذوا من أجل السياسة، الإمام أبو حنيفة.. يعني طُلِب منه القضاء اعتذر ورفض فوضعوه في السجن حتى..

عبد الصمد ناصر: المسيب..

يوسف القرضاوي: والإمام مالك له فتوى معروفة في الإكراه على البيعة والإمام الشافعي ضُرب والإمام بن حنبل.. يعني مشهور ما أذى به وما أدخِل به السجن، كل الأئمة.. عز الدين بن عبد السلام بن تيمية.. يعني كل هؤلاء كان لهم مواقف سياسية لأنه لا يستطيع العالِم أن يسكت أمام منكر يراه، هل يسعى أي عالم في عصرنا أن يسكت على اغتصاب فلسطين وعلى اغتصاب المسجد الأقصى وعلى ما يُفعل بأهل فلسطين يومياً من تدمير ومن اغتيال ومن انتهاك للحرمات ومن تجريف للأراضي ومن تحريق للمزارع؟ هل يقول أنا مالي.. أنا ما ليش علاقة؟ هذا لا يسع عالماً.

عبد الصمد ناصر: هناك مفارقة غريبة فضيلة الشيخ.. نحن في أمتنا الإسلامية هذه أصبح صوت العالِم باهتاً أما صوت الحاكم بينما في الغرب الذي يدّعي أنه يصل.. الغرب العلماني يصل بين الدين والدولة حينما يتحدث البابا حينما يُصدر زعيم روحي فتوى أو يُصدر أي كلام في إطار السياسة تجده له صدى كبير وله..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: صدى كبير وتتحدث عنه الدنيا..

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: نعم ويبجل.

يوسف القرضاوي: وتنشره الصحف وتنقله وكالات الإعلام..

عبد الصمد ناصر: هذا غريب، طيب لو غصنا أكثر في موضوع الممارسة السياسية، ممارسة السلطة في الدولة الإسلامية كما قلنا في حلقة سابقة وللأسف الحلقة لم نسهب في ذلك كثيراً يضعنا أمام ثلاث مسائل، هي مصدر تلك السلطة ونعني بها المرجعية، طبيعة تلك السلطة مدنية كانت أم دينية وقلت مدنية في الحلقة السابقة ووظيفة السلطة هذه هي ذات وظيفة عقائدية، أريد أن أسمع منك جواب فضيلة الشيخ بعد الفاصل، كيف ترى هذه المسائل؟ نعود لكم مشاهدينا الكرام بعد هذا الفاصل، ابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الدولة الإسلامية المرجع والطبيعة والمصدر

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم وأهلاً بكم من جديد في الشريعة والحياة، حلقة اليوم هي الجزء الثاني من موضوع الدين والسياسة مع فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ.. يعني سألتك قبل قليل حول موضوع المسائل الثلاثة حينما نتحدث عن الدولة الإسلامية المرجع والطبيعة والمصدر، ما قولك في هذه المسائل؟

يوسف القرضاوي: أما طبيعة الدولة الإسلامية فأنا أكدت هذا من قديماً ولي كتاب اسمه بينات الحل الإسلامي أرد فيه على شبهات العلمانيين وقلت فيه فصل كامل عن الدولة الإسلامية دولة مدنية لا دولة دينية، دولة مدنية.. الدولة الإسلامية دولة مدنية، ما معنى دولة مدنية؟ يعني لا يحكمها رجال الدين، لا يحكمها أناس يستمدون سلطتهم من السماء، ما حُل في.. ما حللتموه في الأرض فهو محلول في السماء، لا ده أناس يستمدون سلطتهم من الأمة التي أعطتهم هذا الحق، فالإسلام ليس هناك سلطة كهنوتية، ليس فيه سلطة كهنوتية إطلاقاً، لو نظرت إلى عصر النبوة عليه الصلاة والسلام.

عبد الصمد ناصر: عليه الصلاة والسلام.

يوسف القرضاوي: النبي عليه الصلاة والسلام سأله سيدنا أبو ذر.. أبو ذر ده من أعظم الصحابة وأصدقهم وأسبقهم إلى الإسلام، من السابقين الأولين في الإسلام والنبي صلى الله عليه قال "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" ومع هذا قال له يا رسول الله أريد أن توليني على ولاية.. أديني ولاية، فقال له" يا أبا زر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"، فشوف أبو ذر قال له أنت ما تصلحش لهذا، ده.. يعني بينما أسلم عمرو بن العاص أعطاه.. ولاه على سرية من سرايا المسلمين لأنه رجل إداري ورجل قائد، فأين عمرو بن العاص من أبي ذر؟ ولكن أعطى كل واحد ما يصلح له، فالدولة الإسلامية مش دولة.. مش طبيعتها أنها دولة.. يعني يحكمها رجال الكهنوت أبداً، فهي دولة مدنية ولكن المرجعية هي الشريعة الإسلامية والشرعية الإسلامية هو أنا.. مش معناها أنها أصبحت.. يعني تحجر على الناس حياتهم..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نصوص مغلقة..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا الشريعة.. يعني كمال أتاتورك وجماعته لما جاؤوا يبرروا العلمانية قالوا لأنه الشريعة.. يعني ثابتة والحياة متغيرة..

عبد الصمد ناصر: متحولة متغيرة..

"
الشريعة ليست ثابتة كلها والحياة ليست كلها متغيرة، فالثوابت في الشريعة تتمثل بالعقائد، والقيم الأخلاقية، والعبادات الشعائرية
"
يوسف القرضاوي: فالشريعة لا تصلح.. الشريعة الثابتة لا تصلح أن تحكم حياة متغيرة وهذان الأمران مرفوضان، لا الشريعة كلها ثابتة ولا الحياة كلها متغيرة، الشريعة فيه جزء منها ثابت، الثوابت في الشريعة محدودة جداً وإن كانت مهمة جداً، إن ثوابت الشريعة العقائد، القيم الأخلاقية، العبادات الشعائرية، الأحكام القطعية في ثبوتها ودلالتها وهذه الأحكام قليلة جداً، إنما معظم الأحكام ظنية الثبوت، ظنية الدلالة أو ظنية هما معاً..

عبد الصمد ناصر: تحتمل الاجتهاد..

يوسف القرضاوي: فهذه يصول العقل فيها ويجول ويجتهد المجتهدون، فلذلك الشريعة ليست ثابتة كلها والحياة ليست كلها متغيرة، فيه جزء من الحياة ثابت وفيه جزء من الحياة متغير، الإنسان هو الإنسان.. يعني الإنسان منذ خلق الله آدم يأكل ويشرب وفيه خير وفيه شر وفيه ابن آدم الطيب وابن آدم الخبيث الذي قتل أخاه بدون ذنب، الحياة هي كده من خلق آدم إلى الآن، إنما تتطور الحياة.. المأكل المشرب المعارف المعلومات..

عبد الصمد ناصر: طيب هل في مشروع الدولة الإسلامية مثلاً إذا ما وجد الفقهاء والمشرّعون أنفسهم أمام حالات لم يجدوا لها مثلاً تفسيراً أو مرجعاً في الشريعة هل يمكن الاستعانة.. هل هناك مجال للاستعانة بأحكام وضعية؟

يوسف القرضاوي: أه ممكن نقتبس من غيرنا، من حقنا أن نقتبس من غيرنا ما لا يخالف عقيدتنا وشريعتنا، سيدنا عمر هو أخذ نظام الخراج من الفرس وأخذ نظام الدواوين من الروم وضرب النقود أسوة بما كان عند فارس والروم و.. يعني هذه أشياء لا مانع منها ممكن أن نقتبس..

عبد الصمد ناصر: يعني حتى في شكل الدولة..

يوسف القرضاوي: "الحكمة ضآلة المؤمن أن وجدها فهو أحق الناس"، أفرض إن إحنا كنا أول بنُدرِّس في المسجد هل نظل ندرِّس في المسجد على طول؟ بعد شوية المسلمين قالوا الله لازم تبقى فيه مكان خاص للتدريس، فعملوا المدارس، أول الأمر العلوم ما كنتش مدونة، كان كل واحد بيأخذ العلم من.. بالمشافهة ويكتب بعض ويترك.. بعد شوية أصبح فيه تدوين العلوم، دونوا الفقه، دونوا التفسير، دونوا الحديث، دونوا علم أصول الفقه، دونوا النحو والصرف والبلاغة، هذه أشياء لم تكن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، سيدنا عمر له أشياء أولية اسمها أولويات عمر، يقول لك هو أول من وضع التاريخ، ما كنش المسلمين عندهم تاريخ، أول من مصّر الأمصار أول من دوى.. أول.. أول.. أولويات، معنى أولويات يعني ابتكارات، إبداعات لم يسبقها بها أحد غيره، ما حدش قال له دي بدعة أنت ابتدعتها يا عمر، لا دي اعتُبرت من فضائله ومن مآثره فإحنا نستطيع أن نبتكر، نبتكر من عند أنفسنا وإذا وجدنا نظام.. أفرض وجدنا نظام البريد مثلاً عند غيرنا.. توزيع البريد، وجدنا أمم متقدمة في التوزيع نأخذ من هذا التوزيع، نظام إداري معين سبقونا فيه نأخذ النظام الإداري..

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ معنى هذا.. يعني أفهم من كلامك أن لا تعارض بين الدول والأنظمة القائمة الآن وبين الشكل الذي ربّما يرتضيه العلماء للدولة الإسلامية، هناك تشريعات إسلامية في حالات مثلاً دواوين الأسرة وغيرها مدونات الأسرة وغيرها وهناك أيضاً تشريعات وقوانين وضعية، أين الاختلاف إذاً بين الدول الحاكمة الآن التي تجعل من التشريع الإسلامي مصدرها الرئيسي وبين النظام المفترض المثالي للدولة الإسلامية؟

يوسف القرضاوي: أنا أحب أن أبين هنا قضية مهمة جداً بعض الناس يظن أن حينما نقيم دولة إسلامية..

عبد الصمد ناصر: تقوم على أنقاض..

يوسف القرضاوي: أو يحكم الإسلاميون.. أفرض حماس الآن ربنا وفقها واختارها الشعب الفلسطيني، 77% من الشعب الفلسطيني بأغلبية ساحقة اختاروا حماس، حينما تأتي حماس هل معناه أنها ستهدم النظام القائم رأساً على عقب..

عبد الصمد ناصر: وتقيم نظام جديد.

يوسف القرضاوي: وتقيم نظاماً جديداً، هذا خيال عند بعض الناس، هذا لا يعقل، إن الحياة القائمة فيها كثير من الأشياء متفقة مع النظام الإسلامي، كل ما نريده أننا نطهِّر هذه الحياة من الأشياء الدخيلة التي لا يرضاها ضمير الأمة ولا عقل الأمة ولا أخلاق الأمة ولا قيم الأمة، الخلاعة والتفسخ والأشياء اللي لا.. يعني إحنا لا نرضى عنها وحينما تجلس مع واحد يقول لك هذا لا يليق بنا ولا كذا، إنما حينما.. يعني حكمنا الاستعمار وسيطر علينا أدخل هذه الأشياء وبعدين.. الأول أدخلها بقوته وبعدين فرضها علينا بالنظام التعليمي والنظام الإعلامي والتأثير المختلف حتى قبلناها نحن، فنحن.. هذه الأشياء المخالفة.. للإسلام يأتي ينبغي أن نطهِّر أوضاعنا وحياتنا ومجتمعاتنا منها إنما كل الأشياء هتبقي كما هي، فالناس بيظنوا إن إحنا أول ما نقيم الإسلام هذه الحياة لن.. لا أبدا من قال هذا..

عبد الصمد ناصر: سيرفع السيف وتقام الحدود.. طيب فضيلة الشيخ لو..

يوسف القرضاوي: والحدود دي لها شروط ولها أشياء مش يظنون أي واحد يسرق.. أفرض سرق وهو جائع أقطع يده، قبل ما أقطع يد السارق لازم أعلم الجاهل وأطعم الجائع وأكسو العريان وأداوي المريض وأرعى المحتاج واشغِّل العاطل وأدرِّب العامل، لازم أقيم حياة اجتماعية.. عدالة اجتماعية وبعدين اللي يسرق.. سيدنا عمر.. يعني أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأن عام المجاعة الناس ممكن تسرق من حاجة وليست من دافع للجريمة.

عبد الصمد ناصر: من ضرورة.. طيب لو تحدثنا على وظيفة السلطة.. يعني مسألة أنها ذات وظيفة عقائدية هل يتعارض هذا مع مسألة أنها دولة مدنية؟

يوسف القرضاوي: لا ما يتعارض هذا أبداً، إحنا لما نقول مدنية يعني يحكمها بشر يرجعون إلى الإسلام في الأشياء التي يلزمهم الإسلام وفيه أشياء الإسلام مالوش فيها رأي، سكت عن أشياء رحمة بكم غير.. سميها منطقة العفو وما سكت عنه فهو عفو وفيه أشياء الإسلام له فيها.. يعني أشياء كلية وليست.. مثل الشورى قال {وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} {وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر}ِ إنما كيف تكون الشورى؟ ومَن نستشير؟ وفيما نستشير وفيما لا نستشير؟ وإيه رأينا في الانتخابات؟ وفي.. أفرض أنا وجدت الانتخابات دي.. ما هو ده بأقتبسه من غيري، ما عندناش نظام الانتخابات هذا بهذه الصورة أخذها من الغربيين لا مانع أبداً..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: {وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ولكن بمرجع ديني..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: أه الدين هنا يلزمني بالشورى..

عبد الصمد ناصر: حتى لا تفهم المسألة على أنه مفتوحة.

يوسف القرضاوي: إنما كيفية الشورى كيف تكون؟ إيه.. يعني أعمل مجلس ولا مجلسين أعمل انتخابات من درجة واحدة ولا من درجتين؟ أعمل كذا ولا كذا؟ هذا كله.. يعني لا حرج فيه..

عبد الصمد ناصر: طيب فيما يخص الممارسة السياسية..

يوسف القرضاوي: فأنا عايز أقول إن قضية.. وظيفة الدولة.. الدولة هي مدنية ولكن لها وظيفة.. يعني أيضاً عقائدية ولها وظيفة ثقافية ولها وظيفة تربوية لأنها دولة عقيدة وفكرة، ما هي الدولة الشيوعية دولة مدنية، هل الدولة الشيوعية دولة كهنوتية أو دولة مدنية ولكن لها وظيفة لأنها دولة إيديولوجية، لها إيديولوجية تخدمها وتحمي فلذلك أول..

عبد الصمد ناصر: هذا المقصود بالعقائدية..

يوسف القرضاوي: عمل للدولة الإسلامية أنها تحمى العقيدة، تحمى الإيمان، تقوِّم نزعات الكفر والضلال وتثبِّت العقيدة وتشيعها وتعلِّم الناس العقيدة في المدارس وعن طريق الإعلام وهي دولة أيضاً لازم ترعى الشعائر الصلاة، سيدنا عمر بن عبد العزيز بعث لولاته يقول إن أول أمركم عندي الصلاة فمَن ضيعها فهو لما سواها أشد تضييعاً والقرآن يقول {الَذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ} وهذا يدلنا أن الدولة لها وظيفة عقائدية لازم..

عبد الصمد ناصر: دون إكراه.

يوسف القرضاوي: تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتوفر أمور الحج وترعى الصيام، ليه الدول الإسلامية حتى على وضعها الآن بتجعل لرمضان خصوصية معينة؟ لتُعِين الناس على الصيام..

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ سامحني لأن الوقت ضيق جداً.. يعني تخدم هذه الوظيفة أين آية {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في هذه الدولة؟

يوسف القرضاوي: وأي إكراه في هذا؟ أنا لا أكره أحداً، إنما أنا في أمة إسلامية وفي مجتمع إسلامي لابد أن أعينه على أن يمارس إسلامه ممارسة صحية متوازنة، المسلم إذا.. أنا معنى أقاموا الصلاة يعني إيه؟ أقاموا الصلاة يعني أوفر المساجد التي يصلى فيها المسلمون، إذا أنشئت مدينة جديدة لا يجوز أنه تبنى فيها عدة كنائس ولا يبنى فيها مسجد، هل هذا معقول؟ لابد أن أقيم المسجد ده.. يعني للجمعة وللجماعة فلابد أن ينشأ للمسلمين من المساجد ما يؤدون فيه جماعتهم وجمعتهم، لابد أن يكون للمسجد إمام وخطيب ومؤذن وخدم، هذا لابد والإمام ده لابد أن يتخرج في معهد علمي ديني.. يعني يهيئه تهيئة علمية ثقافية، إذاً لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذا.. أنا أكرهت أحد على هذا؟ لا إكراه في الدين دي حقيقة.

عبد الصمد ناصر: ربّما الذي يؤثر في رؤية الناس إلى الدولة الإسلامية هو بعض النماذج من الحكم التي ظهرت في السنين الأخيرة والكثيرون يستدلون بحكم طالبان مثلاً وكيف أن هذا الحكم كان يقولون أنه كان متشدداً وغير ذلك، هل هذا هو النموذج المطلوب فعلاً مثل هذا النموذج كمثال أفغانستان؟

يوسف القرضاوي: لا ليس هذا.. يعني حينما قامت طالبان كان لنا عليها انتقادات وملاحظات، تعرف أنني من الناس الذين ذهبنا على رأس وفد حينما أرادوا أن..

عبد الصمد ناصر: تمثال بوذا..

يوسف القرضاوي: يعني يهدموا تماثيل بوذا وذهبنا على رأس وفد من العلماء والمفكرين المسلمين لنقول لهم ليس هذا من مصلحتكم، لأننا نقول لهم أيضاً أنه من ضمن السياسة الشرعية فيه شيء بنسميه فقه المآلات، معنى فقه المآلات يعني تنظر إلى نتائج الشيء وآثاره، ربّما كان حتى جائزاً لك ولكن الآثار اللي تترتب عليه تقول لك لا تفعل هذا، النبي عليه الصلاة والسلام حينما عُرض عليه أن يقتل المنافقين ويستريح من مكرهم وشرهم قال لهم "أخشى أن يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه" يعني خشي من حملة إعلامية مضادة تشوش عمله هذا وتقول ده محمد لا يؤمن له حتى أصحابه يقتلهم، فأردنا أن نقول لهؤلاء الحملات التي تشوه.. يعني سمعتكم وتشوش عليكم لابد أن تراعوا هذا الأمر، فليست طالبان هي النموذج الإسلامي، هؤلاء طلبة علم وتعلموا في مدارس تقليدية لم تنفتح على العصر ولم تنفتح على الحياة وعلى الواقع ولكن هذا ليس هو الذي.. النموذج.. نحن نريد النموذج الإسلامي، نموذج.. يعني يشرف عليه علماء ثقات يجمعون بين العلم الواسع والإيمان الراسخ بين الانتفاع بالقديم النافع والترحيب بالجديد الصالح، يجمعون بين مرونة الوسائل وثبات الأهداف..

عبد الصمد ناصر: علماء لهم ولاء للدين وليس للحكومات والأنظمة.

يوسف القرضاوي: نعم ولائهم لله ولرسوله قبل أن يكون ولائهم لأي بشر من البشر..



مشاركات المشاهدين

عبد الصمد ناصر: لديّ بعض المداخلات من السادة المشاهدين، معي مشارك أبو طارق من العراق، دقيقة واحدة أخ أبو طارق لضيق الوقت، تفضل أبو طارق.

أبو طارق- العراق: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أبو طارق: الحقيقة الإدارة ليست من الحكم، أخذ الدواوين اللي أخذها عمر رضي الله عليه من الإدارة، أما نظام الحكم اللي تريده أميركا فهو النظام الديمقراطي العفن، أميركا تعلم أن للمسلمين نظام يجمعهم من إندونيسيا إلى المغرب كما صرح بذلك بوش عدة مرات وهو نظام الخلافة، فأرجو من الشيخ الفاضل أن يكلمنا عن هذا النظام، لأن الديمقراطية إلى زوال، النموذج الذي يريده الإسلامي هو نموذج..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أخ طارق لم نسمعك جيداً في الأستوديو ربّما لو تعيد الجملة الأخيرة نسمعك جيداً.. أبو طارق.

يوسف القرضاوي: خلاص أنا لم أسمعه.

عبد الصمد ناصر: للأسف.. طيب أبو أسامة من سويسرا تفضل.

أبو أسامة- سويسرا: نعم، السلام عليكم أخي عبد الصمد.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخ أبو أسامة.

أبو أسامة: أخي عبد الصمد مصدر السلطة في الإسلام هو للأمة كما ذكر فضيلة الشيخ، أي أن الأمة هي التي تنصِّب الحاكم، أي نائب عنها في تطبيق الإسلام والسيادة هي للشرع أن القانون يؤخذ من الشريعة ولا يضعه الإنسان، واقع الأمة أخي عبد الصمد ومنذ سقوط الخلافة وقع فصل الدين عن السياسة وقسِّمت الدولة إلى دويلات يحكمها حكام نصَّبهم الغرب على مواصلة فصل الدين عن السياسة، أي تطبيق العلمانية وبما أن هؤلاء الحكام يحكمون مسلمين استعانوا ببعض العلماء ممَن رضي بمتاع الدنيا حتى يضفوا شرعية على هؤلاء الحكام، فعلى العلماء أخي عبد الصمد أن يفوَّهوا بكلمة الحق وهى عدم شرعية هؤلاء الحكام والدعوة إلى أهل القوة في بلاد المسلمين أن يزيلوهم حتى ترجع الأمة إلى وضعها الطبيعي ألا وهو عيشها في ظل خليفة يطبق الإسلام ويزود عن حريته..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: الفكرة واضحة أبو أسامة.. أبو أسامة الفكرة واضحة، دور العلماء حيال شرعية الحكام، أشرف الخضراء من النرويج.

أشرف الخضراء- النرويج: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أشرف الخضراء: أنا صحفي في جريدة (كلمة غير مفهومة) وحبيت أسأل فضيلة الشيخ القرضاوي إنه المجلس الإسلامي الأعلى في النرويج تقبلوا الاعتذار التي قدمته صحيفة مغازين النرويجية حول الإساءة للرسول، كونكم فضيلة الشيخ ربطتم الدين والسياسة ألا ترون أنه هذا الاعتذار مقبول من المسلمين جمعياً لأن المسلمين هم أقلية واستخدموا الدبلوماسية وقبلوا هذا الاعتذار الواضح الذي كان من الجريدة؟ ما هو رأيكم في هذا الموضوع بالتحديد؟

عبد الصمد ناصر: شكراً أشرف من النرويج، فضيلة الشيخ لو تجيب عن السؤال الأخير هذا نبدأ به؟

يوسف القرضاوي: بالنسبة للسؤال الأخير الحقيقة أنا الأخوة سيأتي وفد من النرويج ويعرض هذا الأمر ولا أدري بالذات ماذا يعرضوا؟ هل هو مجرد الصحيفة اعتذرت؟ نحن نريد أيضاً من الحكومة أن تعتذر، هذا أمر لم يعد يكفي فيه اعتذار صحيفة بعد مضي أشهر وبعد رجة العالم الإسلامي..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: إذاً الصحيفة لست كافية؟

"
اعتذار الصحيفة في اساءتها للرسول (ص) لا تكفي فلابد أن تعتذر الحكومة للمسلمين من هذه الإساءة البالغة إلى نبييهم وإلى أعز مقدساتهم
"
يوسف القرضاوي [متابعاً]: لم يعد يكفينا اعتذار صحيفة، لابد أن تعتذر الحكومة للمسلمين من هذه الإساءة البالغة إلى نبييهم وإلى أعز مقدساتهم.

عبد الصمد ناصر: طيب دور العلماء حيال شرعية الحكام يسأل الأخ أبو أسامة من سويسرا؟

يوسف القرضاوي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: دور العلماء حيال شرعية الحكام؟

يوسف القرضاوي: نحن نقول إن على الحكام أن يقوموا بالنصيحة.. يعني الدين النصيحة لله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ليس كل العلماء قادرين على أن يقفوا أمام الحكام ويقولوا إنكم لستم شرعيين، هذا يحتاج إلى قوة، مَن كان من العلماء عنده جماعة تسنده وتشد أزره.. عنده كما يقول ابن خلدون عصبية تسنده يستطيع أن يقول هذا، إنما المطلوب من العلماء أن يقولوا الحق وأن يبلِّغوا كلمة الله إلى الحكام وإلى الشعوب وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، هذا ما نريده من العلماء دائماً.



الممارسة السياسية الإسلامية

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ حتى نعود إلى موضوعنا لأن الوقت قصير جداً لم يبق ربّما أقل من خمس دقائق، فيما يخص الممارسة السياسية الإسلامية من الممكن أن تنشأ أحزاب إسلامية عدة وهناك يطرح البعض السؤال التالي كيف نبني مشروعاً إسلامياً شمولياً طبعاً يجمع بين شؤون الدين والدنيا بأداة حزبية ولسان فرقي وإطار تعددي؟

يوسف القرضاوي: نعم، الإسلام لا يمنع من قيام أحزاب، ما معنى أحزاب؟ جماعة لها رؤية في الإصلاح وفي سياسة الناس تخالف الجماعة الأخرى، فالاختلاف.. يعني بين البشر يعني أمر لابد منه والقرآن أشار إلى هذا {ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: طيب لا مشكلة في ذلك.. يعني خلقهم أحزاب..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: قالوا من الاختلاف في خلقهم.. يعني خلقهم متغيرين وإحنا قلنا الاختلاف في الأحزاب مثل الاختلاف في المذاهب، أنا قلت.. ليّ عبارة حتى نقلها الكثيرون قلت الأحزاب مذاهب في السياسة والمذاهب أحزاب في الفقه.

عبد الصمد ناصر: المشكلة هنا فضيلة الشيخ أن الاختلاف السياسي هذا ربّما إذا أنشئت أحزاب على أساس ديني أن يتحول الصراع السياسي إلى صراع ديني أو خلاف في السياسة فقهي..

يوسف القرضاوي: لا ما فيش حاجة اسمها إحنا فيه أحزاب على أساس إسلامي، قلت في فرق بين ديني وبين إسلامي، يعني الدين يعني كهنوتى مش عايزين..

عبد الصمد ناصر: نعم إسلامي..

يوسف القرضاوي: يعني الإخوان وما قدَّموا على أساس إنشاء حزب ودخل فيه بعض المسيحيين.. يعني حتى لكي يبينوا إنه ليس حزباً دينياً فيه بعض النصارى وبعدين هم بيقدِّموا مبادئ للناس للإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي والإصلاح الثقافي والإصلاح الاقتصادي والإصلاح الأسري والإصلاح الدولي وبرنامج عام، لماذا نقول أن هذا ديني أو كهنوتى؟

عبد الصمد ناصر: نعم سؤال أخير فضيلة الشيخ، الوقت يداهمنا..

يوسف القرضاوي: وبعدين إذا كان.. مَن ينكر الدين تماماً شيوعي ويقول أن لا إله والحياة مادة تعطيه الحق أن ينشأ حزباً، المؤمن بالله وبرسوله وبكتابه يحرم لماذا؟ يحرم لأنه متدين يعني.

عبد الصمد ناصر: طيب سؤال أخير في دقيقة فضيلة الشيخ، بعض الكتّاب الغربيين كتب عن ما سماه نهاية العلمانية وحقيقة فعلاً هناك مواقف ربّما تقوّى هذا الطرح وأمثلة كثيرة يدعمها.. آخرها ربّما فوز حماس في الانتخابات وبالتالي نحن ربّما أمام حضور كبير للدين في الشأن العام سواء في أوروبا أو في أميركا وغيرها وحتى في الدول الإسلامية، كيف يمكن أن نفسر ذلك وهل معنى ذلك اغتراباً للعلمانية في الأمة؟

يوسف القرضاوي: هو العلمانية كانت ضرورة في وقتها لأوروبا لأن كان الدين واقف ضد العلم وضد التحرر وضد التطور وضد الشعوب، فكان لابد من التخلص باللجوء إلى العلمانية، الآن العالم كل بيلجأ إلى الدين.. يعني إحنا عندنا صحوة إسلامية، هناك صحوات دينية أخرى حتى.. يعني هو ماذا في أميركا الآن؟ مش الذي يدير السياسة ويقود الأمة هو اليمين المسيحي المتطرف المتصهين، بل هناك أيضاً حتى في البوذية وفي الهندوسية وفي غيرها.. في العالم كله صحوات دينية وربّما لم يعد للعلمانية مكان وخصوصاً في العالم الإسلامي الذي جرّب العلمانية عقوداً طويلة من السنين.. من الزمن فلم تطعمه من جوع ولم تؤمنه من خوف ولم تحقق له نصراً ولا رخاءً ولا حياة طيبة.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ، في ختام هذه الحلقة نشكركم ولكم تحيات المخرج منصور طلافيح والمعد هانى البشر ولنا لقاء آخر في الأسبوع القادم بحول الله.