- فضل الإنفاق ومكانته في الإسلام
- أولويات الإنفاق وضرورة ترشيده

- شروط وضوابط الإنفاق والابتعاد عن الإسراف


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفَاعَةٌ} صدق الله العظيم ويقول الله سبحانه وتعالى أيضا {وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تعبد الله عباده المؤمنين ببذل المال وفعل الخيرات كما تعبدهم بالصلاة والصيام سواء بسواء، فما هي أولويات الإنفاق؟ وكيف يكون إنمائيا؟ وما هي شروطه وكيفياته؟ وما هو الموقف الشرعي من الإنفاق الاستهلاكي في رمضان؟ الإنفاق وفعل الخيرات هو موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلا بك فضيلة الشيخ.

فضل الإنفاق ومكانته في الإسلام

يوسف القرضاوي - داعية إسلامي: مرحبا لك يا أخ عبد الصمد.
عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ يعني آيات كثيرة كما في المقدمة تتحدث عن الإنفاق كصفة من صفات المؤمنين، لكن هناك آيات أخرى تجعل المال كشيء له مكانة في نفس الإنسان {وتُحِبُّونَ المَالَ حُباً جَماً}، كيف يمكن أن تتحقق هذه الصفة مع وجود هذه المكانة في قلب الإنسان للمال؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد فقبل أن أجيب عن هذا السؤال لابد من كلمة أقولها بالنسبة لما حدث في الدانمارك من إساءات جديدة إلى رسول الإسلام محمد عليه والصلاة والسلام وهي هذه المرة ليست من صحيفة وإنما من حزب وفي التليفزيون وشيء يعني الحقيقة مسف غاية الإسفاف ومسيء كل الإساءة وأحب أن أقول يعني لا نعلق على هذه الإساءات إلا بما عرفنا الله تعالى به إذ قال {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} هؤلاء الناس الذين يريدون أن يشغلونا عن قضايانا الكبرى وعن واجباتنا المستمرة.. يريدون أن يشغلونا كل يوم بقضية.. مرة رسوم كاريكاتورية ومرة مسرحية ومرة كلام البابا ومرة صحيفة فرنسية ومرة وهكذا.. يعني ينبغي أن نقابل هذا بما علمه الله المؤمنين {وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} كل ما علينا أن كل مَن يسيء إلى رسولنا وإلى ديننا وإلى كتابنا وإلى عقيدتنا وشريعتنا لابد أن نقف منه الموقف الواجب، إحنا مقدساتنا أعز علينا من أنفسنا ومن أبناءنا ومن أموالنا ومن كل شيء، "لا يؤمن أحدكم حتى يكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" فنحن نقف من هذه.. كل دولة تقف موقفا مسيء إلى ديننا نقاطعها، المقاطعة التي نادينا بها منذ العام الماضي للسلع الدانمركية وحتى النشاط الثقافي الدانمركي يجب أن يستمر تأكد هذا، مقاطعة الفاتيكان أيضا مطلوبة ولا ننشغل ونطالب الحكومات بأن تقف موقفا إيجابيا مع هذه الدول ومع هذه المؤسسات.. هذا ما نطالب به وقد أصدرنا بيانا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول هذا المعنى وبيانا من مؤتمر نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم حول هذا، أما نحن فلا ننشغل بأنفسنا لأننا سنضيع أوقاتنا في الرد على هذه الأباطيل والأعمار لا تتسع لمثل هذا، بعض الناس كان يريد مني أن أعلق على فتوى صدرت في بعض الجهات وقلت له أنا لا أشغل نفسي بهذا وكانت هذه الفتوى أو الكلام الذي صدر كلاما علميا يستحق أن يتحدث عنه الإنسان ليرد على العلم بعلم وعلى الأدلة بأدلة كان يمكن لهذا وجه أما هو كلام مسف وكلام سباب وشتام وشتائم ليست من لغة العلم ولا لغة العلماء ولهذا لا يشغل الإنسان نفسه بهذا وقد أدب الله المؤمنين بقوله {وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا ولَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ} هذا شعارنا..

عبد الصمد ناصر: وحريا أن نسمع أصوات هؤلاء في مثل هذه المناسبات التي يتم الإساءة فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يبتعدوا عن هذه المناكفات بين المسلمين أنفسهم.

يوسف القرضاوي: ده من الواجب وخصوصا في شهر رمضان المسلمين.. المسلم إذا سابه أحدا أو قاتله عليه أن يقول أني صائم أني صائم، لا يرد على السباب فكيف يبتدئ بسب ويسب العلماء ويسبهم بغير مبرر ولا ضرورة، هذا يعني نقول لهم لا نبتغي الجاهلين {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ}.

عبد الصمد ناصر: هناك بعض الصحف أو بالأحرى صحيفة مصرية معروفة كتبت صنفت السيدة عائشة رضي الله عنها من بين أسوأ الشخصيات في التاريخ الإسلامي، ماذا نقول لمثل هؤلاء؟ كان هناك دراسة لتصنيف أسوأ الشخصيات في تاريخ الإسلام، صدرت في صحيفة مصرية ومن بين الشخصيات التي صُنفت من بين هؤلاء السيدة عائشة رضي الله عنها، كيف تعلق على ذلك فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: هذا يعني كلام غير علمي، هذا منافي للقرآن ومنافي للسنة ومنافي للتاريخ ومنافي للواقع ومنافي لأبسط الحقائق، هذه يعني زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمهات المؤمنين بنص القرآن {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} فهذه أم المؤمنين، هذه أم المؤمنين بنص القرآن الكريم وهذه ابنة أبي بكر ولذلك يقولوا الصديقة بنت الصديق وكانت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، هذا اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اُتهمت ظلما فيما عرف في التاريخ وباسم حديث الإفك الذي نزل فيه القرآن {إنَّ الَذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ} ونزلت الآيات..

عبد الصمد ناصر: لتبرئها.

يوسف القرضاوي: فترة تبرئها من فوق سبع سماوات هؤلاء يعني يضادون القرآن ويضادون السنة ويضادون التاريخ ومن قرأ يعني سيرة عائشة وجد أنها عبقرية من العبقريات، نابغة من النوابغ، فروت أكثر من ألفي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت تروي الشعر وكانت تعرف في أشياء كثيرة، فهؤلاء الذين.. يعني لا ينبغي أننا يعني نذكر ما يقوله هؤلاء لأننا نروج لأباطيلهم، هذه نجعلها دبر أذاننا وتحت أقدامنا.

عبد الصمد ناصر: الغريب يا فضيلة الشيخ يعني مع توالي هذه الأحداث المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم نجد مثل هذه الوقائع في عالمنا العربي آخرها كاتب عربي صدرت له أو مقال في صحيفة الإمارات فيها إساءة للرسول صلى الله عليه وسلم ويتحدث فيها عن تحريف للقرآن الكريم.

يوسف القرضاوي: هذا لعلنا يعني نعرض له في حلقة قادمة.. يعني نتكلم عن ثبوت القرآن..

عبد الصمد ناصر: هل يمكن أن ينطبق على هذا كلام الإمام النووي الوقت يضيق عن المهمات فكيف تضيع في منكراته الوهيات؟

"
الإنسان بطبيعته محب للمال وتكليفه بأن يبذل ماله تكليف شديد على نفسه، لذلك هناك إنفاق واجب وأول ما يجب إنفاقه من المال هو الزكاة بقصد إطعام الجائع وإغاثة الملهوف
"
يوسف القرضاوي: والله هذا فعلا يعني ناس يريدون أن يشغلوننا عن الحق بالباطل وعن الواجب بالترهات ويدخلون المشكل حينما يخرج الإنسان من اختصاصه ويكتب في غير اختصاصه، فيعني يخلط ويخلط يعني، نعود إلى موضوعنا الحقيقي وهو موضوع يعني الإنفاق والمال، المال طبعا شقيق الروح كما يقولون والإنسان يعني يحب المال، يعني لا نستدل على ذلك في قوله تعالى {وتُحِبُّونَ المَالَ حُباً جَماً} لأن هذا خطاب للمجتمع الجاهلي قال {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ (17) ولا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (18) وتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّماً (19) وتُحِبُّونَ المَالَ حُباً جَماً} فهذا خطاب ذم للمجتمع الجاهلي، إنما نحن نستدل بحب المال لقوله تعالى {إنَّ الإنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ} قالوا الخير هنا هو المال، إنه شديد الحب للمال، هذه طبيعة الإنسان ولذلك كان تكليف الإنسان بأن يبذل ماله تكليفا شديدا على نفسه، العرب حينما جاءهم التكليف بالزكاة بعضهم يقول لك هذه جزية، هذه شبه جزية، هو ممكن يذبح للضيف ناقة أو يعمل إنما على كيفه إنما يكلف بشيء ويدفعه وشيء حق معلوم في وقت معلوم لمستحق معلوم بكم معلوم ومقدار معلوم.. هذا ما أراده القرآن، الإنفاق الواجب، أول شيء طلب الإنسان أن هناك إنفاقا واجبا وأول ما يجب في المال من الإنفاق هو الزكاة وهي الركن المالي الاجتماعي في الإسلام، الركن الثالث بعد الشهادتين وبعد الصلاة {وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} {وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} لا تثبت لهم الأخوة إلا وهذا هو الذي جعل أبا بكر يقاتل من أجل الزكاة، أول دولة في التاريخ تحارب من أجل حقوق الفقراء هي الدولة الإسلامية، أبو بكر حارب المرتدين والمتنبئين.. أدعياء النبوة وحارب مانعي الزكاة وقال والله لو منعون عناقاً عنزة صغيرة أو عقالاً حبل بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه فأول واجب في المال يدفع الإنسان الزكاة وليست الزكاة.. الزكاة هي الحق الأول وليست الحق الأخير هناك حقوق في المال بعد الزكاة حقوق واجبة في المال بعد الزكاة، هناك الله تعالى يقول {وآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفِي الرِّقَابِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ} والعطف يقتضي المغايرة، ففي حقوق مثل حق الماعون {ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ} مثل حق الضيف، مثل حق الحصاد {وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} إنما حينما الناس يأتوا عند الحصاد أدي له منه، حق القسمة التركة.. حضور قسمة التركة {وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُوا القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} دي كلها حقوق.. حق المضطر، الملهوف، الجائع، إذا واحد جائع وأنت أعطيت الزكاة تسيبه يموت تقول ما أنا أعطيت الزكاة أنا مالي لا معونة المضطر إطعام الجائع إغاثة الملهوف واجب على.. ليس منا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم، مش ضروري جاره يعني الملاصق.. المسلمين كلهم جيران بعضهم لبعض، أيهم أهل عرصة أهل ساحة أهل قرية أهل بات فيهم أمراء جائع فقد برأت منهم ذمة الله ورسوله، فالمجتمع متكافل بعضهما مع بعض، بل الإسلام يوجب إطعام المسكين فقط يوجب الحض على طعام المسكين {أَرَأَيْتَ الَذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} الكافر الذي يكذب بالقيام {فَذَلِكَ الَذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (2) ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} يعيش لنفسه ولا يهتم، الإسلام يقول للمسلم أطعم المسكين ومش بس تطعمه افرض ما عندكش طعام تحض غيرك على إطعامه.

عبد الصمد ناصر: المشكلة فضيلة الشيخ يعني هذه المسألة صادقتني كثيراً مع بعض الأشخاص ربما يقول لك عن هذا مالي تعبت فيه للحصول عليه بذلت وقتي وجهدي وفترة كبيرة من حياتي لجمعه ولا حق لأحد أن يأخذه مني إلا برضاي يعني يمكن أن يملئ على الناس عنه ويمكن أن يعطيه ولا يحاسب عليه حسب اعتقاده.

يوسف القرضاوي: بعض الناس من القديم ذكر القرآن يعني قوم شعيب قالوا يا شعيب {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} دي إحنا أموالنا نتصرف فيها قارون لما نصحوه قومه عن مالي وبتاع قال {قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} وجماعة قالوا له أنفقوا مما رزقكم الله قالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه.. لو ربنا أراد أن يأكلهم يأكلهم، كل هذه أباطيل المال من ناحيتين.. هو مال الله من ناحية ومال المجتمع من ناحية أخرى، مال الله لأن الله هو خالق مادة المال، الإنسان لما بيزرع بيزرع في أرض من؟ هو اللي خلق الأرض؟ الأرض ربنا خلقها {والأَرْضَ وضَعَهَا لِلأَنَامِ البذرة مش هو اللي خلق البزرة وجعل فيها الروح فيها الحياة داخل البذرة، الماء اللي بيروي به الأرض مش هو اللي خلق الماء، التربة اللي علم البذرة كيف تمتص الماء وتمتص المعادن وتمتص الأملاح وفق سنن وقوانين، الله..

عبد الصمد ناصر: ربما الآية التي سردناها في المقدمة {وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تلخص كل هذا الكلام..

يوسف القرضاوي: استخلاف الاستخلاف في مال الله، ليه مال الله؟ لأن ربنا واللي خلق المال بالفعل {وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَباً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وأَعْنَابٍ وفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العُيُونِ} إحنا اللي عمنا كده {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ومَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} ده عمل يد الله ربنا {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا} ربنا اللي عمل هذه الأشياء، فالمال مال الله والإنسان مستخلف، يعني إيه مستخلف؟ يعني زي أمين الصندوق، أمين الخزنة، أنت مأمور إنكم تتصرف حسب الأوامر اللي يديلك فهذا المال مال الله ومن ناحية أخرى اللي بيقول المال مالي أنا أتصرف فيه وحدي لا المال مال المجتمع ولذلك القرآن يقول {ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} أموالكم يقصد ما تتركش للسفيه ماله يتصرف فيه كيف يشاء، بس ما قالش ماله قال أموالكم ليه لأن مال السفيه هو مال المجتمع في النهاية، المجتمع هو اللي أعانه عل كسب هذا المال، هو الإنسان يستطيع يعني ينشأ مال وحده؟ لا، هو الزارع الذي يزرع مش بيزرع بمحراث، من اللي صنع المحراث ده؟ هو ولا في نجار عمل المحراث وفي حداد عمل سلاح المحراث..

عبد الصمد ناصر: بس هو دفع مقابل للحصول على المحراث فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي: في اشترك آلاف من الناس في عمله حتى يستطيع.. فالمجتمع يعني وهذا ثابت يعني في علم الاجتماع، إن المجتمع له يعني دخل وله شراكه في صنع المال الفردي، المال الفردي لولا المجتمع فلذلك لا ينبغي إن الإنسان يقول المال مالي وأتصرف فيه كيف يشاء.
عبد الصمد ناصر: مقابل الإنفاق كصفة للمؤمنين الشح كصفة للمنافقين قوله بالله تعالى {ولا يُنفِقُونَ إلاَّ وهُمْ كَارِهُونَ}.

يوسف القرضاوي: نعم.

عبد الصمد ناصر: يعني كيف أو ما هي العلاقة التي تجمع بين الشح والإنفاق؟

يوسف القرضاوي: المؤمنون من أوصافهم الأساسية الإنفاق، القرآن لما ذكر يعني آيات المتقين أوصاف المتقين في أول صورة البقرة {ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} المؤمنون {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} {والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، الإنفاق مما رزق الله رزق الله دي بتشير إلى قضية الاستخلاف المال ماله رزق الله أنت بتنفق من رزق الله مش رزقك أنت، الله هو الذي رزقك ويسر لك الأسباب وهيأ لك هذه الأمور حتى أصبحت صاحب مال فأنفق أنفق مما رزقك الله، هذه صفات أساسية من صفات المؤمنين الآخرون يبخلون بالمال كما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ والرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ويَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} {ولا يَحْسَبَنَّ الَذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ} فمن صفات الكافرين البخل والشح ومن صفات المنافقين وإذا أنفقوا أنفقوا وهم كارهون {ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلاَّ وهُمْ كُسَالَى ولا يُنفِقُونَ إلاَّ وهُمْ كَارِهُونَ} المؤمن ينفق عن أريحية، عن حب للإنفاق، ينفق وهو منبسط منشرح الصدر مبتسم الصدر، يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيضاعف علي هذا المال في الدنيا وفي الآخرة.

عبد الصمد ناصر: سيخلفه.

يوسف القرضاوي: في الدنيا يخلف الله عليه، لله تعالى ملكان في كل يوم ينادي أحدهم اللهم أعطي منفقاً خلفا والآخر يقول اللهم أعطي ممسكاً تلفا، يخلف الله عليه في نفسه في صحته في ماله في أهله في ولده في كل ما حوله والممسك والبخيل يتلف الله عليه حياته كلها، ممكن يكون عنده ملايين ويمكن مليارات ولا يتمتع بها لأن ربنا أصابه بالأمراض فلا يتمتع بها، أصابه بعدم الأولاد أو أصابه بأولاد يبعثرون هذه الأموال ذات اليمين وذات الشمال وهكذا، فالله سبحانه وتعالى يقول {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} يعني القضية يعني..

عبد الصمد ناصر: الحديث عن مكانة وأهمية الإنفاق طويل نريد أن ننتقل إلى المحور الثاني أولويات الإنفاق ولكن بعد الفاصل فضيلة الشيخ، نعود إليكم مشاهدينا الكرام بعد هذا الفاصل فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أولويات الإنفاق وضرورة ترشيده

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة، هذه الحلقة نخصصها لموضوع الإنفاق وفعل الخيرات فضيلة الشيخ تحدثنا قبل قليل عن الإنفاق كصفة من صفات المؤمنين والشح مقابل ذلك كصفة من صفات المنافقين والإنفاق وثوابه في الدنيا والآخرة، لو تحدثنا الآن عن أولويات هذا الإنفاق لأنه يبدو أن المسلمين الكثير منهم يحتاجون إلى وعي وترشيد وإلى ما يمكن أن نسميه بفقه أولويات الاحتياج، لو تحدثنا فضيلة الشيخ عن أولويات الإنفاق.
يوسف القرضاوي: هذا أمر هم جداً، في الحقيقة هناك كثيرون من أهل الخير ومن الراغبين في البر والإحسان والذين ينفقون أموالهم ولكن هناك خلل في فقه الإنفاق، أكثر الأغنياء المسلمين والتجار المسلمين يظنون أن الإنفاق المطلوب في الخير هو بناء المساجد، فمن كان عنده فضل مال يحاول يبني له مسجل حتى يبني الله له بيتاً في.. لا شك أن بناء المساجد مطلوب ويجب أن يكون عند المسلمين مساجد يعني تكفي المصليين وخصوصأ إن إحنا عندنا صلاة الجماعة يعني مش بنجتمع كل مرة أسبوعي كما يجتمع النصارى في الكنيسة، لا ده إحنا خمس مرات في اليوم ولكن ليست المساجد وحدها، أحياناً.. يعني سألت مرة الأخر الجليل الداعية الموفق الدكتور حسان حتحوت وهو فرغ نفسه للدعوة في أميركا منذ سنوات.. سألته مرة ما نشاطكم يا دكتور حسان؟ قال نشاطنا في بناء المدارس، الجيل الذي قبلنا كان يُعنى ببناء المساجد ونحن نعنى ببناء المدارس لنعلم فيها أبناء المسلمين وإلا سيأتي جيل يبيع المساجد كما باع النصارى لنا الكنائس وجعلناها مراكز إسلامية، فلازم من بناء مدارس، لازم من بناء مراكز للدعوة، لازم نؤهل دعاة يدرسون الإسلام، لازم نعمل مراكز بحوث للدراسات الإسلامية، لازم يكون عندنا متخصصون في كل جانب من الجوانب، لازم نسد هذه الثغرات المفتوحة في كل مكان، نشوف إيه الأماكن.. إيه اللي ناقص هنا نسد هذه الأماكن الخالية مش نكدس أشياء في ناحية وناحية ما فيهاش شيء خالص ولذلك هناك أشياء..

عبد الصمد ناصر: كالصحة والتعليم..

يوسف القرضاوي: مثلا قضية فلسطين هذه قضية أوجب القضايا بالإنفاق عليها خصوصا أن فلسطين تحارب حربا شعواء من الصهيونية العالمية ومن الصليبية الغربية ومن كل من يكرهوا الإسلام والمسلمين، حصار وتجويع حتى يسقط الشعب وتسقط الحكومة وتسقط القضية ولولا أن هذا الشعب صامد وصابر وقل نقبل الحصار والجوع ولا نقبل الخنوع ولا الركوع ولكن نحن لا يجوز لنا أن نجعلهم يجوعون أو يركعون، لابد أن نساعدهم.. نساعدهم بالزكاة، حتى أنا قلت يجوز إننا نعجل الزكاة سنة قبلها ونعطيها لإخواننا وبغير الزكاة بالحقوق اللي بعد الزكاة نعطيهم من وصايا الأموات، نعطيهم من ريع الأوقاف، نعطيهم من الصدقات التطوعية، نعطيهم من الأموال التي فيها شبهة أو المكاسب التي فيها حرمة هي حرام على أصحابها حلال على هؤلاء ومن الأشياء التي ينبغي أن أنبه عليها هنا وأنبه إخواني أهل العلم والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإسلامية في كل مكان إننا يجب في رمضان هذا أن نخصص زكاة الفطر أو على الأقل ثلاثة أرباعها أو نصفها على أقصى تقدير لإخواننا في فلسطين، المسلمون يحرصون على أداء زكاة الفطر كثير من المسلمين لا يحرصون للأسف لقلة إيمانهم وضعف دينهم على زكاة المال، إنما كل المسلمين يعني 90% من المسلمين يحرصون على أداء زكاة الفطر..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ المشكلة إنه الجهات الرسمية أصبحت تمنع جمع هذه التبرعات الخيرية التي توجه إلى إخواننا في فلسطين وحتى إذا جمعت هناك مشكلة كبيرة في إيصالها إلى فلسطين..

يوسف القرضاوي: والله هتوصل إن شاء الله بس نجمعها..

عبد الصمد ناصر: ماذا نقول لهؤلاء الذين يمنعون جمعها؟

"
أدعو المسلمين وخاصة في بلاد الخليج، إلى جمع زكاة الفطر وتخصيصها لمعونة الفلسطينيين، لأنهم فقراء ومساكين وجائعون ولا يجدون القوت ولأنهم يجاهدون في سبيل الله، ومعونة المجاهد واجبة
"
يوسف القرضاوي وسنخاطب الجهات المختلفة الرسمية وهؤلاء.. حرام نسيب إخواننا جوعا، أي منطق هذا لا منطق ديني ولا منطق قومي ولا منطق أخلاقي ولا منطق قانوني ولا منطق.. بأي منطق يترك.. فنحن ندعو المسلمين في كل مكان، ندعو الجمعيات الخيرية، ندعو العلماء والدعاة إنهم يجمعوا لحساب الأخوة في فلسطين على الأقل نصف هذه.. يعني إحنا عندنا حوالي ألف وخمسمائة مليون في العالم، افرض إن في خمسمائة مليون مش هيدفعوا هذه الزكاة أو هيدفعوها في المناطق اللي هم عايشين فيها، في حوالي ألف مليون مسلم، إحنا هنا الزكاة حوالي أربعة دولار أو أكثر من أربعة دولار، في بلاد ثلاثة دولار، بلاد دولارين، بلاد دولار واحد، يعني افرض إن المتوسط ثلاثة دولار أو دولارين حتى يعني ألف مليون ممكن يجمع اثنين مليار دولار من المسلمين في العالم في زكاة الفطر، يعني لو كان للمسلمين قيادة، لو كان للمسلمين بابا كما للنصارى بابا وقال لهم اجمعوا زكاة الفطر في هذا العام لإخوانكم في فلسطين والله لجمعنا حوالي اثنين مليار وستجد ناس حينما يقال لهم هذا يدفع أكثر مما يجب عليه، يعني وكثير من المسلمين يدفع أكثر من الواجب عليه في زكاة الفطر، فأنا أدعو المسلمين في كل مكان إلى أن يخصوا إخوانهم في فلسطين وخصوصا المسلمين العرب وخصوصا المسلمين في بلاد الخليج، أدعوهم أن يجمعوا زكاة الفطر ويخصصوها لمعونة إخوانهم في فلسطين فهم أولى الناس بها.. أولى الناس بها لحاجتهم لأنهم فقراء ومساكين وجائعون ولا يجيدون القوت ولأنهم في سبيل الله.. يجاهدون في سبيل الله ومعونة المجاهد واجبة الجهاد لله واجب..

عبد الصمد ناصر: طيب من خلف غازي في أهله فقد غزا هذا حديث نبوي..

يوسف القرضاوي: نعم حديث متفق عليه "من جهز غازي في سبيل الله فقد غزا" تجهز الغازي بالعدة وبالسلاح كأنك غزيت ومن خلف غازي في أهله بخير يعني كافية أهله المعونة أسرته زوجته أولاده فقد غزوت يبقى أخذت أجر الجهاد في سبيل الله..

عبد الصمد ناصر: طيب هناك سائل من مصر لا أريد أن أتجاوز هذه النقطة لأنها قريبة من النقطة التي نتحدث فيها يسأل عن زكاة المال، ما حكم إخراج زكاة المال في رمضان؟ هل يجوز لي وضع زكاة المال في موائد الإفطار الجماعية؟ وما هي أفضل طريقة..

يوسف القرضاوي: موائد إيه؟

عبد الصمد ناصر: موائد الإفطار الجماعي موائد الإفطار الجماعي كما في مصر وفي دول المشرق؟

يوسف القرضاوي: لا زكاة الإفطار لا توضع في موائد الإفطار لأن موائد الإفطار..

عبد الصمد ناصر: زكاة المال..

يوسف القرضاوي: يأتي فيها الفقير والغني ولا تضمن يعني كثير من الناس يقول لك ما دام.. يروح وهو غير محتاج..

عبد الصمد ناصر: زكاة المال ليس الإفطار..

يوسف القرضاوي: فموائد الإفطار دي هذا شيء.. ولذلك إحنا قلنا المسلم مش بس مطالب بالزكاة هو مطالب بأشياء كثيرة ومنها تفطير الصائم ليكون له مثل أجره، فهذا شيء آخر غير الزكاة لأنها لم تدخل في الزكاة..

عبد الصمد ناصر: لا هو يقصدها إخراج زكاة المال في موائد الإفطار..

يوسف القرضاوي: لا يجوز..

عبد الصمد ناصر: لا يجوز.. طيب، هل.. المشكلة فضيلة الشيخ إنه حينما نتحدث عن موضوع الإنفاق يعني نتشعب في جوانب كثيرة جدا منها أن إعانة الفقير أحيانا القادر على التكسب ربما من الأولويات بدل إعانته على الإنفاق عليه بالمال إيجاد عمل له، يعني هل إيجاد عمل له مقدم على التصدق عليه ببعض المال أحيانا وهو قادر على العمل؟
يوسف القرضاوي: إذا كان الفقير قادر على العمل الواجب علينا أن نحل مشكلة بطالته بإعانته على العمل وهذا ما نص عليه الفقهاء، قالوا يعطى في فقه الشافعية إن يعطى الغني الفقير ما يغنيه طول عمره، يعني بحيث لا يحتاج إلى الزكاة مرة أخرى، ينتقل من مستهلك إلى منتج، من يد عليا إلى يد عليا، من آخذ إلى معطي، فنعطيه يقول لك إذا كان مثلا نجار اعمل له.. افتح له محل نجارة، حداد أفتح له حدادة، زارع أعطيه مزرعة أو حصة في مزرعة تاجر أعطيه ما يدير به تجارته بحيث لا يحتاج إلى.. وحسب اتساع حصيلة الزكاة، النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وقال يا رسول الله أعطني من الصدقة، قال له أليس في بيتك شيء، قال يا رسول الله ليس والله في بيتي إلا حرث نفترشه وقعب نشرب منه إناء نشرب منه.. فقال له ائتني بهما، جاب له الحرث يعني فرشة كده تتفرش..

عبد الصمد ناصر: زي الحصيرة مثلا..

يوسف القرضاوي: وكوز يشرب منه لعله من نحاس ولا من شيء حديد أو من كذا فقال من يشتري هذين فقال رجل أنا يا رسول الله أنا اشتريهما بدرهم، فقال من يزيد.. دي مشروعية المزاد، من يزيد، فقال رجل أنا اشتريهما بدرهمين قال له خذ وهات الدرهمين وأعطى الرجل، قال له خذ هذا فاشتري به فأس حديد وآوتني، به راح اشترى من حداد فأس قطعة الحديد وبعدين جاب له هو الخشبة اللي هيدخلها في البتاع وقال له خذ هذا القدوم أو هذا الفأس واحتطب يعني اجمع الحطب من الجبال..

عبد الصمد ناصر: هذا حض للعمل..

يوسف القرضاوي: ولا أرنيك إلا بعد خمسة عشر يوما فبعد الخمسة عشر يوم جاء الرجل وحالته باين عليه إنه تغيرت حاله فقال له ماذا فعلت قال له والله جئت واشتريت وبعت وكذا وأصبحت حالي طيبة، فقال أليس هذا خير من أن تأتي المسألة وفي يوم القيام وليس في وجه أحدكم لحم.. يتساقط لحم وجهه من مسألة الناس، إن المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع أو لذي دم موجع أو لذي غرما مفزع، يبقى الفقر الشديد أو الدين الثقيل أو الدم يعني الدية عليه دية هي دي اللي جوز فيها السؤال إنما اشتغل..

عبد الصمد ناصر: هل الإنفاق الإنمائي؟ ما يسمى بالإنفاق الإنمائي؟

يوسف القرضاوي: أه الإنفاق ما معنى الإنفاق الإنمائي.. الإنفاق الإنمائي الذي يعين المجتمع على الإنتاج، ينمى المجتمع في إنفاق استهلاكي كل وأشرب وكذا وممكن يتوسع في الأكل..

عبد الصمد ناصر: وهذا طبيعة إنفاقنا اليوم؟

يوسف القرضاوي: إنما ولكن الرسول قال له إيه بقى؟ لما الراجل قال له.. قال له خذ درهما فأشترى به طعاما وخذ درهما فأشترى به قادوما، يعني فنص الدرهمين.. الثروة هذه البسيطة هذه قسمها نصفين قسم للاستهلاك وقسم للإنماء وللإنتاج فهكذا ينبغي أن يكون..

عبد الصمد ناصر: ربما هذا درسا حتى لا يتحول الإنفاق إلى إعالة تشجع على البطالة والاتكال يا فضيلة الشيخ في المحور..

يوسف القرضاوي: الحديث يقول "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى"

عبد الصمد ناصر: قادر على العمل يعني؟

يوسف القرضاوي: أه يعني القادر على العمل ما يصحش تعطي له فتعينه على تعطي له بقدر ما يكفيه إلى أن يدور الدولاب ويأتيه الدخل.

عبد الصمد ناصر: نعم يعني هذا بالنسبة للشخص الذي أمامه فرصة للعمل ولكن يتكاسل ولكن المشكلة الآن المعضلة معضلة العصر وخاصة في جميع الدول الإسلامية تقريبا..

يوسف القرضاوي: البطالة الإجبارية..

عبد الصمد ناصر: أن فرص العمل تكاد تكون نادرة.

يوسف القرضاوي: هذه مسؤولية المجتمع ومسؤولية الدولة أن الشخص مادام الشخص لا يجد عملا والمهم مش يجد أي عمل يجد عملا مناسبا له..

عبد الصمد ناصر: يتناسب مع مؤهلاته..

يوسف القرضاوي: يعني طبيب تشغله كناس، يعني قعد يدرس الطب وهكذا لازم تشغله في عمل يعني يليق به، العمل الذي يليق به والذي يدر عليه دخلا يكفيه، افرض أنه يعمل ولكن دخله من عمله لا يكفيه لكثرة العيال ولغلاء الأسعار فيعني الأجر الذي بيأخذه لا يكفيه، لازم نتمم له ما يكفيه، لازم نعطيه ما يسميه الفقهاء تمام الكفاية.

عبد الصمد ناصر: هذا مسكين..

يوسف القرضاوي: تمام الكفاية نعم..

عبد الصمد ناصر: نعم هذا مسكين طبعا..

يوسف القرضاوي: نعم هذا المسكين الذي لا يجد تمام الكفاية كما يقول الحنابلة..



شروط وضوابط الإنفاق والابتعاد عن الإسراف

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ مما يرتبط بموضوع الإنفاق سؤال نسمعه من الكثير من الناس هل تجوز الزكاة للأبناء للأباء والأمهات وما شابه ذلك؟ نسأل هنا ما العلاقة بين موضوع الزكاة والنفقة الواجبة على الأصول الفروع؟

يوسف القرضاوي: الإسلام يعني شرع النفقة على الأسرة والأسرة في الإسلام ليست هي الأسرة النووية الواحد وزوجته أو الواحد وأولاده لحد ما يبلغوا أو كذا لا.. الأسرة بتشمل الأصول والفروع، يعني تشمل الأبناء والبنات وتشمل الأباء والأمهات، فهؤلاء جزء من الأسرة، يعني لا يجوز لإنسان أن يترك أباه يتكفف الناس أو يكون عالة على الناس وهو قادر على أن ينفق عليه أو أمه أو ابنه أو ابنته، فهؤلاء إذا كانوا عاجزين عن العمل أو عن توفير دخل لهم من كسبهم يجب أن يعولهم أولادهم، فالابن عليه.. مادام هو هؤلاء أصبحت هما جزء من الأسرة فإذا أعطاهم من الزكاة كأنما يعطى الزكاة لنفسه، كأنه يعطى الزكاة حتى لا يستغنوا عن نفقته، لا هذا لا يجوز..

عبد الصمد ناصر: طيب ما حكم الذين يعطون الزكاة يخرجون الزكاة لمن هم لا يدخلون في باب المساكين أو المحتاجين أو غير ذلك ولكن لصلة القرابة يخرج زكاة لأخيه وهو ليس محتاجا؟

يوسف القرضاوي: لا.. لا هذا لا يجوز، الزكاة إذا كان القريب محتاجا فهو أولى من غيره، لذلك إحنا عندنا القاعدة تقول الأقربون أولى بالمعروف {قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ} الأقربون والرسول عليه الصلاة والسلام يقول "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" بس بشرط يكون محتاج، إنما إذا لم يكن محتاجا يأكل حراما.

عبد الصمد ناصر: طيب ما مفهوم الحاجة هنا فضيلة الشيخ، مفهوم الحاجة هنا هل الحاجة يعني شخص يمتلك مثلا بيتا كبيرا له خدم وله سيارات وله دخل؟

يوسف القرضاوي: يعني الحاجة ألا يجد ما يكفيه أو تمام ما يكفيه، يعني إذا كان لا يكفيه إلا عشرة ريالات وبيكسب خمسة يبقى هذا فقير لو بيكسب سبعة أو ثمانية برضه لا يجد تمام كفايته لازم نتمم له تمام كفايته، الكفاية هي إيه؟ الكفاية أنه اعتبر في الكفاية كما قال الإمام النووي الكفاية يعني في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكل ما لابد له منه على ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تقطير.. على ما يليق بحاله، مستويات المعيشة بتختلف مستوى المعيشة مثلا في بلاد الخليج أعلى من مستوى المعيشة في باكستان أو في مصر أو في اليمن، كل بلد على حسب مستواها وكل بيئة على حسب مستواها فالإنسان الذي لا يجد تمام ما يكفيه نعتبره فقير أو مسكين نتمم له تمام الكفاية إنما يعني في أشياء..

عبد الصمد ناصر: حتى لو كان يعني وضعه في بلاد أخرى قد يكون من الأغنياء والميسورين؟

يوسف القرضاوي: في بلاد أخرى قد يكون من الأغنياء والميسورين إنما ما يهمنيش أنا يهمني في بلده هو يعتبر إيه؟ إنما في أحيانا ناس تحب يعني أنا واحد سألني مرة قال لي أنا زوج بنتي وكيل وزارة، يعني شوف منصب يعني كبير ولكنه عنده مصاريف ليست عند الآخرين، عنده خدم وعنده سواق ويروح يصيف كل سنة فيحتاج إلى أموال أكثر من هل يصح أعطي له من الزكاة؟ بقى أنا يصح أدي واحد عشان يروح يصيف وهناك من يموت من الجوع من لا يجد القوت، لا هذا..

عبد الصمد ناصر: هذا ما تحدثت عنه فضيلة الشيخ.. هذا ما أتحدث عنه طيب لو تحدثنا عن شروط الإنفاق وضوابطه كيف يكون الأذى مع صدقة حينما نقرأ الآية الكريمة {قُوْلٌ مَّعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى واللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ}؟

"
من مبطلات الصدقة المن على الفقير بمعنى أن يقول له أنا أعطيتك كذا وكذا، فهذا لا يجوز لأنه يجرح شعور الإنسان ولأن المال مال الله
"
يوسف القرضاوي: الأذى أن الإنسان يعطى الصدقة ويمن على الفقير، يعني يقول له أنا أعطيتك وأنا كذا أو يؤذيه يجرح شعوره بكلمة لذلك هذا بيعتبره الإسلام إبطال للصدقة {يا أيها الذين أمنوا لا تبطلوا صداقتكم بالمن والأذى} لا يجوز أن يجرح شعور الإنسان، المال مش مالك أنت أعطيته من مال الله، ده هو ينبغي.. ولذلك إيه في زكاة الفطر قال طوفوا على الفقراء أنتم اذهبوا إليهم أغنوهم عن السؤال، روح له بيته عشان تعطيه الزكاة مش تخليه يجيلك هو.

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ هناك أسئلة كثيرة والوقت ضيق أريد أجوبة مختصرة إذا كان ممكنا فضيلة الشيخ حينما يقول الله سبحانه وتعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} هل معنى هذا أنه يشترط في الإنفاق أن يكون من خير وأفضل ما لدى الإنسان؟

يوسف القرضاوي: الإنفاق طبعا المقبول عند الله وأطيب الإنفاق وأزكاه ما كان محبوبا عند الإنسان مش، يجيء أٍسوأ شيء عنده ويتصدق به، الله تعالى يقول {ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ولَسْتُم بِآخِذِيهِ إلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} ما تجيش مثلا بيتصدق بالتمر يجيء أسوأ أنواع التمر، الجيد يخليه له والحاجة الرديئة يقوم يديها للفقير.. لو تعاملتم بهذا {لستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه، يعني مش هتقبله من غيرك إلا إذا تساهلت وأغمضت عينك فهذا لا ينبغي أن يكون شأن الإنسان المؤمن أنه ينفق مما يحب {وآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ} {ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} الشيء اللي بيحبه.

عبد الصمد ناصر: نعم وليس من فضلات طعامه، طيب في دول الخليج فضيلة الشيخ قرأت مرة أنه وُجد أن حوالي 45% تقريبا من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى صناديق القمامة وتشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك في رمضان ويفترض أنه شهر صيام يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و40% عنه على مدار السنة، السؤال هنا كيف نضبط هذا الإسراف في الإنفاق شرعا؟

يوسف القرضاوي: الأدب الإسلامي في المآكل والمشرب أن الإنسان لا ينبغي أن يرمى من طعامه شيئا، الرسول كان يلعق الصفحة، يلعقها يعني إيه؟ يعني لم يكونوا يأكلوا بملاعق وكذا يعملها بحيث يعني ينظفها، يقول لك زي الصيني بعد غسيله بحيث ما يتركش فيها شيء ولذلك يعني جاء في بعض الأحاديث "استغفرت القصعة للاعقها" حديث ضعيف صحيح، إنما يعني القصعة حينما يجعلها الإنسان ما فيش فيها شيء تدعو، له تستغفر له، إنما القصعة اللي ترمى أو نصف الأكل وخصوصا أحيانا يرمى اللحوم والأرز والأشياء الطيبة ترمى في الدرمات وهناك أناس يبحثون عن اللقمة، شوفنا في بعض البلاد وفي التليفزيونات شوفنا أناس يبحثون في صناديق القمامة يمكن يجد شيء يجده يصلح للأكل، هؤلاء موجودين في بلاد المسلمين وشوفنا الهياكل العظمية في البلاد وخصوصا في المجاعات في أفريقيا وفي غيرها، رأينا هؤلاء بأعين رؤوسنا، كيف نرمى هذه الأشياء وهناك من لا يجد اللقمة ومن يئن من الجوع أنين الملسوع؟ نسأل الله أن يفقهنا في ديننا حتى لا نفعل هذه الأشياء التي يبرأ منها الدين وتبرأ منها الأخلاق.

عبد الصمد ناصر: كانت هناك نقطة كنت أريد أن أشير إليها لكن الوقت انتهى للأسف، ربما نخصص لها حلقة أخرى وهي مقابل الإنفاق هناك الادخار ونسأل هنا عن الادخار المشروع الفاصل بين الادخار المشروع والاكتناز والتقطير والبخل، فضيلة الشيخ بارك الله فيك شكرا لك وشكرا لكم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم مع تحيات المخرج منصور الطلافيح ومعتز الخطيب في الإعداد ونلتقي في الأسبوع القادم بحول الله.