- منهج الصوفية ومبادئه وقواعده
- سلوك المتصوفين والإضرار بصورة التصوف

- جوانب تصحيح طرق الصوفية

- مستقبل الصوفية في العالم الإسلامي

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم إلى حلقة أخرى من برنامج الشريعة والحياة، التصوف إلى جانب علم الفقه وأصوله هما في نظر البعض أكثر مجالات الفكر التي صيغت بها العقلية الإسلامية سواء في ذلك المثقفون ذووا الثقافة الإسلامية والعامة من الناس والصوفية كانت حتى الوقت القريب تمثل أكثر المجالات أثراً في الصناعة الدينية للوجدان الشعبي وكان التصوف يقوم بنظرته الإنسانية مقام علوم النفس الآن كما كان يقوم في تشكيله للوجدان الشعبي بما تقوم به فنون الأدب والقصة والمسرحية وله إنتاجه الأدبي في الشعر والحكم والدعاء وفيه وجدت الموسيقى والغناء الديني موضعهما والصوفية بما تملكه من طاقة روحية بدأت في السنوات الأخيرة تشهد حضوراً لافتاً لدى المسلمين الغربيين حتى لاحظ بعض الفرنسيين أن الكثير من معتنقي الإسلام في فرنسا جاؤوا عن طريق الصوفية بل إن البعض منهم اعتبر الصوفية الحل، غير أن المراقب يأخذ بالحسبان السياق الغربي الذي يغص بالماديات ويبحث عن المعنى الذي يجده في التراث الصوفي بما يحققه له من وجدان روحاني وبما يختزنه من مخزون إنساني وكذلك لا يُخفي بعض هؤلاء القول إن الحل الصوفي يأتي في سياق محاربة ما يُسمى بالإسلام السياسي، لكن يبقى التصوف يثير الكثير من الأسئلة والمشكلات في مجالات شتى لعل أشهرها تداولاً هو الجانب الاعتقادي والذي يُركّز عليه كثيراً خصومها من السلفية وغيرهم، نتعرض له في هذه الحلقة التي ستناول فيها القيم الكامنة في الصوفية وأهمية الجانب الروحي في الإسلام وإيجابيات المعرفة الصوفية وسلبياتها، ثم العلاقة بين التصوف والسياسة ومقاومة الاستعمار، إذاً التصوف بين الواقع والمأمول هو موضوع حلقة اليوم مع الأستاذ الدكتور محمد السيد الجليند رئيس قسم الفلسفة بدار العلوم في جامعة القاهرة، دكتور مرحباً بك.

محمد السيد الجليند- رئيس قسم الفلسفة سابقاً بدار العلوم جامعة القاهرة: يا أهلاً وسهلاً، حياك الله.

منهج الصوفية ومبادئه وقواعده

عبد الصمد ناصر: حينما سنتحدث عن أو نريد الحديث عن الصوفية كمنهج عقدي تربوي فكري هل يمكننا إغفال أو تجاوز الحديث عن المصطلح.. مصطلح هذا المنهج الصوفية أصله الاشتقاقي من أي أتى هذا المصطلح؟

محمد السيد الجليند: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى أهله وصحبه وسلم أجمعين، أولاً دعني أقدم لهذا البرنامج كلمة شكر واجبة للدور الريادي الثقافي الذي ينهض به في تثقيف الجيل الحاضر حول قضايا الشريعة ومسائلها ومفرداتها وقضاياها، فجزى الله القائمين على هذا البرنامج خير الجزاء ودعني ثانياً أصحح معلومة وردت في التقديم أنا كنت رئيساً لقسم الفلسفة أما الآن فلست رئيساً له.

عبد الصمد ناصر: رئيس سابق.

محمد السيد الجليند: نعم الرئيس السابق.

عبد الصمد ناصر: سنضيف السابق.

"
مصطلح التصوف لم يكن موجوداً في القرن الأول الهجري، وفي أواخر القرن الثاني الهجري بدأ يظهر ويوجد له أتباع ورواد وأول من بنى دويرة أو صومعة اعتزل فيها الناس هو عبد الواحد بن زيد من أتباع الإمام الحسن البصري
"
محمد السيد الجليند: نعم، أما عن مصطلح التصوف فحقيقة هذا المصطلح لم يكن موجوداً في القرن الأول الهجري وربّما في أواخر القرن الثاني الهجري بدأ يظهر ويوجد له في الساحة الثقافية أتباع ورواد ويقال تاريخياً إن أول من بنى دويرة أو صومعة اعتزل فيها الناس وارتبط به لفظ التصوف أو الصوفي رجل من الزُهّاد يُسمى عبد الواحد بن زيد من أتباع الإمام الحسن البصري، بنى له تلاميذه صومعة صغيرة يتعبد ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى فيها ويعتزل الناس..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: الخلوة.

محمد السيد الجليند [متابعاً]: خلوة.. لمَا كان ظهر في هذا العصر من أمور صرفت البعض عن جوهر العبادة والتقرب إلى الله إلى أمور دنيوية، أراد هذا الرجل أن يعتزل هذا الجو ويخلو مع ربه في هذه الصومعة والكلمة.. يعني لا أريد أن أدخل في.. يعني في نقاش فني، هل هي من الصوف ولا من الصفاء ولا ترجع إلى أهل الصوفّة؟ هذه كلها معاني وردت في الكتب التي تعرضت للأصل الاشتقاقي للكلمة حتى إن البعض يُحاول أن يُرجعها إلى عصر التابعين ويروي في ذلك عن الحسن البصري أنه مر وهو يطوف بالكعبة وجد رجلاً وسماه صوفياً وأراد أن يعطيه بعض النقود فرفض هذا الرجل، يحاول مؤرخوا التصوف أن يجدوا في هذا اللقاء بين الحسن البصري وهذا الرجل أصل تاريخي لكلمة التصوف لأنه كان يلبس الصوف.

عبد الصمد ناصر: والغريب أن بعض الدارسين اللغويين يرجعون هذه المصطلح إلى معنى لاتيني وهو صوفيا التي تعني الحكمة.

محمد السيد الجليند: نعم، فهناك آراء كثيرة جداً وأنا لا أميل إلى.. يعني بعث هذا الخلاف الاشتقاقي للكلمة من جديد لأنه في الحقيقة الخلاف في المصطلحات في تراثنا الثقافي أوجدت صراعاً حاداً بين المنتمين للأحزاب المختلفة ومن بينها التصوف.

عبد الصمد ناصر: طيب لو تجاوزنا هذا الخلاف.. يعني وشئنا أن لا نضيع الوقت الكثير.. لا نستهلك الوقت الكثير من البرنامج في هذه العقبة.. لو تخطينا عقبة المصطلح وأوهنا قليلاً في أصوله الفكرية أصول المنهج تاريخاً، هل هناك ما يثبت في السيرة النبوية، في القرآن الكريم، في سيرة الصحابة وجود هذا الفكر في عهد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

محمد السيد الجليند: عليه الصلاة والسلام، في البداية يا أخي الكريم ينبغي أن نعلم يقيناً أن الإسلام كدين سماوي آخر الأديان جاء ليعالج مشاكل الإنسان بجانبيها المادي والروحي، لأن إغفال الجانب الروحي في البنية الإنسانية إغفال لنصف الإنسان ولا ينبغي أن نتكلم عن إنسان كامل بدون أن نتعرض للجانب الروحي والاستعداد الروحي في داخل البنية الإنسانية، هذا الجانب الروحي القرآن الكريم حدثنا عن نماذج بشرية متنوعة حتى تكاد الخلافات الواقعة بين هذا التنوع وهذا التعدد تشمل الأنفاس لبني آدم، فالقرآن الكريم يحدثنا عن نماذج بشرية إذا سمعت القرآن بكت وزرفت عيناها {إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِياً} وهناك الآية الكريمة {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} وهناك {وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} ده نماذج تتمتع بحس روحي قوي إذا سمعت آيات الرحمن انفعلت بها، منها مَن يبكي ومنها مَن يخر سُجَّداً ومنها مَن تقشعر أجساده، هذا اللون كان موجوداً في عصر الصحابة ولا يخلو منه جيلا من الأمة، الذي ينفعل بآيات القرآن خاصة آيات الترغيب والترهيب..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: سامحني أقاطعك هنا دكتور.. يعني أنت تتحدث عن الفكر.. عن أصل الفكر لأن الآن هذا الفكر أصبح طرق، أصبح ممارسات، أصبحت عادات.. يعني تصاحبه الكثير من البدع؟

محمد السيد الجليند [متابعاً]: صحيح أنا أريد أن أؤصل قضية التصوف لأنني أريد أيضاً أن أفض الاشتباك بين المعارضين للتصوف والرافضين له رفضاً مطلقاً، أقول لهم بملئ الفم إنكم ترفضون نصف الإنسان والقرآن الكريم حدثنا عن هذه النماذج التي تنفعل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وآيات القرآن الكريم خير شاهد على ذلك، بجانب هذا النوع هناك مَن إذا سمع آيات القرآن الكريم لا يأبه بها ولا ينفعل بها، بل هناك من القلوب مَن هي مَن وصفها القرآن كالحجارة {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} عكس بعض القلوب، فقلوب بني آدم متنوعة، فالذين يرفضون التصوف من منطلق البدع عليهم أن يفرقوا بين سلوك المتصوفة وبين المبادئ والقواعد والأسس القرآنية التي قام عليها التصوف..

عبد الصمد ناصر: التذكية..

محمد السيد الجليند: كلها من أعمال القلوب التي نبهنا وأرشدنا إليها القرآن ولابد أن نفرّق بين القواعد والأصول التي سار عليها جيل الصحابة وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس لكن لم يترك العمل للدنيا بل عمل للدنيا والآخرة وكان صحابته صلى الله عليه.. رضي الله تعالى عنهم أجمعين من أزهد الناس ومن أعرف الناس بالله ومن أحب الناس لله "خير القرون قرني" ولكنهم مع ذلك لم يتركوا الدنيا ولم ينعزلوا عنها، فنحن هنا نريد أن نؤصل لقواعد التصوف لأن الذين يرفضونه ينظرون إلى سلوك المتصوفة والذين يُغالون في التصوف أيضاً عليهم أن يتحفظوا في هذا الموقف، لأن ظَهَر في مسيرة التصوف التاريخية أمور وبدع وخرافات وقواعد تتعارض تعارضاً كاملاً مع أصول العقيدة الإسلامية..

عبد الصمد ناصر: ومازالت إلى يومنا هذا.

محمد السيد الجليند: ومازالت إلى يومنا هذا، فالشاهد في هذه المقدمة أن نفرق لأنفسنا بين أمرين بين سلوك المتصوفة والأسس والقواعد الأساسية اللي بدأ بها التصوف، يعني شيل كلمة تصوف احذفها لأن هي بتعمل إشكال في الدراسة وضع كلمة إسلام، الإسلام يدعو إلى الزهد وأن لا نجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، الإسلام والقرآن الكريم يتكلم عن المحبة، يحبهم ويحبونه {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} القرآن الكريم يتكلم عن المعرفة.. معرفتنا بالله سبحانه وتعالى على قدر استطاعتنا، القرآن الكريم يتكلم عن ولايتنا لله وولاية الله للمؤمنين، هذه القضايا الأربع هي زبدة التصوف الإسلامي، بدأت..

عبد الصمد ناصر: لكن يا دكتور إذا وضعنا جانباً اسم التصوف أو لفظ التصوف كما تقول..

محمد السيد الجليند: آه أنا عايز أحذفه خالص.

عبد الصمد ناصر: هذا المعنى نفسه سيقوله آخرون، التيارات الأخرى، السلفية ستقول نفس الكلام وغيرهم سيقولون نفس الكلام؟

محمد السيد الجليند: وأنا أيضاً.. يعني أنا انتمائي.. الحمد لله معروف عني بتوجهي إنما أنا هذه المشكلة مؤرقة بالنسبة للعاملين في الحقل الثقافي، الخلاف في المصطلحات يا أخي الكريم زادت شقة الخلاف بين المنتمين للثقافة الإسلامية، إذا كانت المشكلة في كلمة التصوف كمصطلح نشيل كلمة تصوف..

عبد الصمد ناصر: المشكلة ليست في اللفظ فقط.



سلوك المتصوفين والإضرار بصورة التصوف

محمد السيد الجليند: إنما المشكلة في سلوك المتصوفة، المشكلة الآن في السلوك المتصوفة..

عبد الصمد ناصر: في الانحرافات التي وقعت في التصوف.

محمد السيد الجليند: نعم، ابتداء من القرن الثالث الهجري لو.. يعني تأملت في القرن الأول والثاني لم تكن كلمة صوفي تطلق على ولا صفة لأحد وإنما كانت الأوصاف المتبادرة والمستعمَلة على ألسنة المسلمين يقال فلان صحابي، فلان بدري.. يعني شهد غزوة بدر، فلان من أهل البيعة، فلان من العشرة المبشرين بالجنة، فلان تابعي، لم تكن كلمة الصوفية معروفة في القرن الأول الهجري وحتى منتصف القرن الثاني الهجري، لكن كان سلوك التابعين وسلوك الصحابة يجسد جوهر التصوف في الولاية لله ورسوله، في محبة الله ورسوله، في الزهد في الدنيا وزخرفها وأن لا تكون أكبر همهم، لكن لم ينعزلوا عنها وإنما فتحوا العالم بقواعد وأمور ومبادئ إسلامية هي مدخل للقربة إلى الله أكثر من انعزالهم في صومعة أو نُسُك معيّن يُعتبر سلوك سلبي في الإسلام وليس سلوكاً إيجابياً، المآخذ التي أخذت على التصوف هذه الأمور التي طرأت عليه ابتداء من القرن الثالث الهجري بعد أن احتك العالم الإسلامي بثقافات مختلفة وغذّت هذه الثقافات التيارات الإسلامية المختلفة، كالثقافة الهندية، الثقافة الفارسية، عصر الترجمة من الفلسفة اليونانية، هذه الثقافات كلها لا نستطيع أن ننكر أنها صبت في بوتقة الحضارة الإسلامية الغث والثمين وكان من أكثر الثقافات أو فروع الثقافة الإسلامية تأثراً بها للأسف الشديد هو فرع التصوف، فظهرت بدعة الحلول والاتحاد على يد الحلاج، ظهرت فكرة وحدة الوجود، ظهرت فكرة الولاية وخاتم الأولياء، أمور كثيرة جداً شوهت مسيرة التصوف وأبعدته عن القواعد الأساسية للعقيدة الإسلامية، لكن هنا أكرر أيضاً ينبغي أن نفرق بين ما ظهر في مسيرة التصوف تاريخياً وبين القواعد الأساسية التي بُني عليها التصوف وسار عليها جيل الصحابة وجيل التابعين.

عبد الصمد ناصر: هناك مَن يرى بأن التصوف هو تصوف يأخذ أوجه كثيرة وبالتالي سيكون من الخطأ التعميم على التصوف سواء بالإيجاب أو بالسلب؟

محمد السيد الجليند: نعم.. يعني هناك التصوفات مش تصوف واحد يعني طرق وهذا أيضاً ظهر في القرن الرابع أو الخامس الهجري، بدأ كل إمام من أئمة التصوف أو ما يسمونه بالقطب يتخذ حوله مجموعة من التلامذة والمُريدين يُلقّنهم بعض الأوراد وبعض الدروس وهؤلاء التلاميذ والمُريدون ينشرون هذه الأوراد وهذه الثقافة على تلاميذهم هم.

عبد الصمد ناصر: لكن هناك طقوس في التدرج للوصول.. للاقتراب إلى الشيخ؟

محمد السيد الجليند: والله بعضهم كان مُصيباً في موقفه من هذه الطريقة وبعضهم كان يتخذ من نفسه.. يعني لا أقول قطباً ولا ولياً وإنما صنماً وبداية تأسيس الطرق الصوفية حقيقة كانت بداية طيبة جداً كان فيها نوع من الاقتداء والاتباع، بحيث كان الشيخ يروي عن التابعي ثم عن الصحابي الأثر عن الرسول عليه الصلاة والسلام، مع تطور فكرة الطرق الصوفية تُنُوسيّ رأي الصحابي وتُنُوسيّ رأي التابعي وحل محله رأي الشيخ..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: رأي الشيخ، نعم هذا المشكلة.

محمد السيد الجليند [متابعاً]: وأصبح رأي الشيخ عندهم يُقدَّس ويُقدَّم على رأي الصحابي والتابعي بل أحياناً على الحديث النبوي ومن هنا ظهرت الفجوة الكبيرة جداً في سلوك المتصوفة بينهم وبين مسار العقيدة الإسلامية الصحيحة على طول امتداد التاريخ.

عبد الصمد ناصر: نعم، بغض النظر عن المواقف الخلافية طبعاً الحاصلة بين علماء المفكرين حول التصوف إن كان جائزاً أو مبتدع عن كان أصيلاً أو دخيلاً على المنهج الشرعي المنبني على الكتاب وصحيح السنّة هل يمكن الحديث كما يقول البعض عن تصوف سنّي وآخر بدعي؟

محمد السيد الجليند: نعم هذا صحيح.

عبد الصمد ناصر: ما الذي يفرق بينهما؟

"
أساس الإسلام اتّباع ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً واعتقاداً وسلوكاً، فالغلو في الزهد خلاف السنّة، والغلو في المحبة يؤدي إلى ما يسمى بالفناء، والغلو في المعرفة يؤدى إلى ما يسمى بالحلول والاتحاد
"
محمد السيد الجليند: الاتّباع.. الذي يفرق بينهما الاتّباع، لأن أساس الإسلام إتّباع ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً واعتقاداً وسلوكاً، فالغلو في الزهد خلاف السنّة، الغلو في المحبة أدي إلى ما يسمى بالفناء، الغلو في المعرفة أدى إلى ما يسمى بالحلول والاتحاد، أما الاتّباع الوسطية.. لأن النفس البشرية يا أستاذ عبد الصمد فيها جانب لا يعلمه إلا الله، النفس البشرية التي تتلقى الوحي عن الرسول عليه الصلاة والسلام في صورة آية أو حديث نفوس بني آدم متنوعة ومتعددة وفيها.. يعني لمّا تقرأ أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالنفس الإنسانية في سلم تصاعدي.. أقرأ معي {وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا} آية فلكية و{والْقَمَرِ إذَا تَلاهَا} آية فلكية {والنَّهَارِ إذَا جَلاَّهَا} آية فلكية {واللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا} هذه الآيات الفلكية كلها كون القرآن أقسم بها دليل على عظمتها ثم يأتي في قمتها {ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا} كلمة النفس والتسوية.. كلمة التسوية دي من الكلمات الجامعة، الله سبحانه وتعالى حين أودع النفس البشرية في الجسد الإنساني جمع بين عالمَين متباعدين بعد المشرق والمغرب الجانب المادي عن الجانب الروحي، لمّا تقرأ قوله تعالى {إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} كلمة أمشاج تتديك مفتاح لفهم حقيقة البنية الإنسانية تَرُد بها على الذين يرفضون التصوف جملة وتفصيلاً.. بلاش التصوف، يرفضون انفعال الإنسان أو الجانب الروحي في الإنسان والذين يغالون فيه أيضاً، كلمة أمشاج معناها أخلاط وكلمة أخلاط مفردها إيه؟ خليط، الخليط عبارة عن عنصر واحد ولا أكثر من عنصر؟

عبد الصمد ناصر: عدة عناصر طبعاً.

محمد السيد الجليند: عدة عناصر فما بالك بأخلاط، عناصر أكثر وأكثر {إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} لمّا يختلط هذا الجانب المادي {فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} لما يختلط الجانب المادي في الإنسان بالجانب الروحي بينشأ عنه عالم جديد يسمى إنسان، لو فصلت الاثنين ببعض لا هو إنسان ولا هو روح وإنما خلطة الاثنين ببعض زي لمّا أملأ قدامك هذا الكوب بالماء.. معذرة على التمثيل.. وأضع فيه بعض التراب وأمزج الماء بالتراب يتكون عندي مُركّب جديد ليس هو الماء ولا هو بالتراب، لكن فيه بعض خصائص الماء وفيه بعض خصائص التراب وفيه خصائص جديدة نتجت عن مزج الماء بالتراب كذلك البنية الإنسانية، حين يختلط فيها الجانب المادي الجسد الترابي بالنفخة الإلهية.. بالروح الإنسانية يتكون عندي عالم جديد يجمع في خصائصه هذا العالم الأكبر ولذلك لمّا القرآن بيقسم {ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا} يديلك بُعد غائب عن العقل البشري إلى هذه اللحظة وسيظل غائباً لأنها تحمل معنى التحدي والإعجاز الإنسان بذات الإنسان نفسه، هذا الجانب الروحي لماذا نغفل عنه؟ في هذا البعد الغائب عن العقل البشري لا نستبعد إن لمّا الأستاذ عبد الصمد يقرأ القرآن تذرف عيناه من الدموع.. سميه متصوف زي بعضه، سميه مسلم تقي زي بعضه، لا نقف عند الخلاف على.. حول مصطلح متصوف أو عدمه، واحد آخر يسمع القرآن قلبه قاسي لا ينفعل به مع.. يعني هذا موجود وذاك أيضاً موجود والقرآن الكريم أرشدنا إلى هذا وذاك، قرأ وأنزل وحي يبيّن أن من البشر مَن إذا سمع القرآن يخر مُغشياً عليه، هذه نوعية من الناس ومن الناس من إذا سمع القرآن {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} هذه نوعية من الناس، فاتساع دائرة البنية الإنسانية لتشمل صاحب القلب القاسي وصاحب القلب اللين الهين الذي إذا سمع القرآن انفعل به لا.. يعني لا ينبغي أن تكون دليلاً على رفض هذا ولا رفض ذاك والقرآن الكريم والإسلام عموما نزل بعلاج لهذين النوعين، صاحب القلب القاسي يناسبه علاج معين {وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ} صاحب القلب اللين الهين بلاش تسميه متصوف سميه تقي، سميه مسلم، سمية ورِع، سميه زاهد، هذا ينفعل..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: مَن يسمع هذا الكلام ..عفواً للمقاطعة دكتور.. مَن يسمع هذا الكلام ربّما أنت وكأنك تشير إلى ضرورة الوصول إلى هذه النتيجة من التقوى.. من خشية الله حتى لو تطلب الأمر أن يتوسل بأساليب هؤلاء الناس.

محمد السيد الجليند [متابعاً]: لا.

عبد الصمد ناصر: المهم الوصول إلى نتيجة.

محمد السيد الجليند: الأساليب التي يتوسل بها لا بد أن تكون أساليب مشروعة، لأن لا ينبغي أن أصل إلى هدف مشروع بأساليب غير مشروعة، لأن ما دام الهدف هو مرضاة الله سبحانه وتعالى فالرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة بيّنوا لنا الوسائل التي نتقرب إلى بها إلى الله سبحانه وتعالى..

عبد الصمد ناصر: اسمح لي أن أقاطعك هنا لأن هناك حاجة للفاصل..

محمد السيد الجليند: تفضل.

عبد الصمد ناصر: ثم نعود إليكم لنتحدث بعد قليل حول الجوانب التي تقتضي المراجعة وتصحيح في الفكر الصوفي أو الممارسة الصوفية، نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

جوانب تصحيح طرق الصوفية

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام مرة أخرى في الشريعة والحياة، موضوع الليلة هو التصوف بين الواقعي والمأمول ودكتورنا.. ضيفنا دكتور محمد الجليند وأستاذ الفلسفة بدار العلوم جامعة القاهرة، دكتور كنا نتحدث قبل قليل عن أن الصوفية عليها مآخذ وأن هناك حاجة ربّما ماسة ربّما لتصحيح الطرق ومسارها، ما هي الجوانب التي تقتضي فعلاً التصحيح؟

"
واقع التصوف الآن في كثير من جوانبه يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه دخلت عليه كتابات ودراسات كثيرة جداً حوّلت مسيرته من كونه عامل إيجابي في بناء المجتمع وتذكية النفس وتغذية الروح إلى عامل سلبي ضرره على المجتمع أكثر من نفعه
"
محمد السيد الجليند: إذا نظرنا إلى واقع التصوف الآن حقيقة كثير من جوانبه يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه في القرنين أو القرون الثلاثة الأخيرة دخل في الساحة الثقافية على التصوف كتابات ودراسات كثيرة جداً حوّلت مسيرة التصوف من كونه عامل إيجابي في بناء المجتمع وتذكية النفس وتغذية الروح إلى عامل سلبي ضرره على المجتمع أكثر من نفعه..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أكثر من نفعه؟

محمد السيد الجليند [متابعاً]: أكثر من نفعه، الآن التصوف في واقعة معاصر ينبغي أن يُرشّد..

عبد الصمد ناصر: هل يؤثر على العقيدة؟

محمد السيد الجليند: نعم يؤثر على العقيدة وللأسف الشديد أن الصوفية المعاصرون فهموا أن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ليس له إلا باب واحد هو باب الذكر والأوراد وتلاوة القرآن والعكوف في المساجد وحلقات الذكر في الموالد وما إلى ذلك ونحن لا نرفض أن يكون هذا.. يعني من الوسائل التي يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى لكن هناك أولويات في عصرنا الحاضر ينبغي أن نبثها في عقول هؤلاء المتصوفة خاصة المنتمين إلى الطرق الصوفية المعاصرة، لأنه بإحصائية بسيطة جداً أن ربما يكون في المجتمع الإسلامي الآن ما يربو على الـ20% من المسلمين المعاصرين منتمين إلى طرق صوفية، كيف نُرشّد هذه الطاقة الهائلة عدداً وعدة في المجتمع الإسلامي لكي تتحول من عامل أو من جوانب سلبية إلى جوانب وعوامل إيجابية في المجتمع؟ الآن المجتمع الإسلامي يأكل من ما يزرع غيره ويلبس من ما يصنع غيره ويستعمل أدوات صنعتها مصانع موجودة في غير بلاد المسلمين ورَكَنَ هذا العدد الهائل من المسلمين إلى السلوك الصوفي السلبي ونسي أن وسائل القرب إلى الله سبحانه وتعالى متعددة ومتنوعة ولها أولويات، فإذا كان العكوف في المسجد مطلوب في وقت معين قد يكون غير مطلوب في وقت آخر وغيره أولى منه، نحن الآن في عصر ينبغي أن نُعيد فيه صياغة بناء المجتمع.

عبد الصمد ناصر: المشكلة ليست هنا فقط دكتور المشكلة هي أن العقيدة تدخل عليها شوائب فلا يكاد يميّز المسلم العادي غير العالم بين ما هو سليم وما هو خاطئ.

محمد السيد الجليند: هذا صحيح ولذلك يأتي هنا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: فتصبح عبادة.. عادة.

محمد السيد الجليند [متابعاً]: دور العلماء في تنقية المجتمع من هذه الشوائب، فعلاً هناك عادات كثيرة جداً شاعت في المجتمع الإسلامي المعاصر للأسف الشديد ترسّخت في أذهان العوام على أنها عبادة وعَدِد عن هذا ما شئت، في آسيا وجنوب شرق آسيا وفي العالم العربي عادات ترسّخت في آذان الناس..

عبد الصمد ناصر: خطيرة.

محمد السيد الجليند: بواسطة المشايخ وأصحاب الطرق على أنها عبادة..

عبد الصمد ناصر: وأصبحت في قاعات الناس كأنها جزء من الدين.

محمد السيد الجليند: وإذا أردت أن تناقش إنسان في هذه العادة وتُعرّفه إنه عادة وليست عبادة لا يقبل منك هذا الحديث ولذلك أتمنى أن العلماء.. يعني يتواضعوا ويجلسوا إلى أصحاب هذه الطرق ويُرشّدوهم ويعلموا معهم أو يعلموهم أن أبواب التقرب إلى الله تعالى في عصرنا هذا كثيرة ومتنوعة وأولاها العمل لبناء المجتمع، العمل لكي نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، العمل.. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام حين دخل المسجد.. القصة معروفة.. "فوجد إنساناً عاكفاً في المسجد، فسأل مَن الذي يعوله؟ قال أخوه، قال هو أفضل منه"، فالعمل ينبغي أن يؤخَذ على أنه عبادة لله سبحانه وتعالى وليس وسيلة أكل عيش فقط، نحن الآن لمّا نأخذ مثلا من الجوانب الإيجابية في التصوف المراقبة، الإحسان، الإخلاص، هذه مقامات في التصوف الإسلامي أرشدنا إليها القرآن الكريم ونبّهنا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن في عصرنا هذا أحوج ما نكون إلى إحياء هذه الأخلاق، خُلُق المراقبة، نحن في حاجة إلى الطبيب الذي لا يحتاج إلى مراقب، إلى مدرس في الجامعة والإعدادي والثانوي لا يحتاج إلى مراقب، يبقى رقيبه من داخله، نحتاج إلى حاكم يراقب نفسه في شعبه، مقام الإحسان.. نحن في حاجة إلى من يُتقن ويُحسن العمل على أنه عباده لله سبحانه وتعالى، مقام الإخلاص.. مَن في المجتمع الآن بيعمل من هذه المنطلقات الثلاثة، مقام المراقبة، الإخلاص، الإحسان وهي شائعة في الدراسات الصوفية.



مستقبل الصوفية في العالم الإسلامي

عبد الصمد ناصر: أريد من هذا الكلام أن يكون هذا الكلام منطلقاً لسؤال لأحد الضيوف معنا الآن وهو المستشار الفرنسي المسلم إريك جيو فروي المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورغ شمال فرنسا.. يعني سيد إريك جيو فروي أنت ترى بأن المستقبل في العالم الإنساني سيكون حتماً للتيار الصوفي وأن الصوفية ربّما هي الحل، كيف ذلك؟

إريك جيو فروي- مختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورغ فرنسا: أولاً أود أن أجيب بسرعة على سؤالكم هذا وفي الحقيقة بالنسبة لمسلم غربي فإن الصوفية ليست محصورة في الإسلام فقط لأن بعض المسلمين يعتقدون أنه شيء خارج عن الإسلام ولكي يكون المرء مسلماً في الغرب فإنه يحاول أولاً أن يسير أو يسلك مسلكاً روحياً وإن الصوفية تحاول أن تنقّي الداخل في الإنسان المسلم وبالتالي فإن الصوفية لا تضيف شيئاً للإسلام بل تحاول أن تضيف معنى جديداً وبالتالي هذا هو أول شيء أود أن أقوله وكذلك أود أن أقول أنه يقال كما يُقدَّم الإسلام على أنه صوت الوسط في حين أن الإسلام في الوسط ولا بد أن نقول ونقول كما قال ابن خلدون إن الجانب الظاهر قد انتصر على الداخل وكل ما هو باطن، لكن في فترة الرسول صلى الله عليه وسلم كان المسلمون يقولون بالظاهر والباطن في آن واحد ولكننا بعد ثلاث قرون من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كل ما هو قانوني وكل ما هو رسمي.. قانون رسمي حتمي قد انتصر وهكذا فإن ابن خلدون نفسه قال هذا الكلام، لذلك فإن الصوفية تحاول أن تجد توازناً جوازاً خط وسط بين ما هو ظاهر وبين ما هو باطن، إن الصوفية تقول أن العالم.. الدنيا لا تقتصر على ما هو في الظاهر بل يجب أن نبحث على التوازن بين الظاهر والباطن وهناك أيضاً نوع من.. هناك مصدر قرآني.. فالخضر مع سيدنا موسى في الرواية المعروفة في القرآن نفهم منها وذلك في سورة الكهف، إن القرآن يعلمنا في هذه السورة أن العلم الدنيوي هو أعلى من العلم المكتسب وهكذا فهذا ما أردت أن أقوله قبل أن أجيب على سؤالكم وأود أن أضيف إلى أن الصوفية ليست غير منطقية ولا تتعارض والمنطق، بل بكل بساطة أن الصوفية أكثر فوق المنطق، فإنها تستخدم المنطق كما يفعل الجميع وكما يفعل ولكن..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: طيب سيد إريك.. يعني أنت تعتقد أن الحركة الصوفية يمكن أن تكون بديلاً للعمل السياسي الإسلامي في العالم الإسلامي، كيف يمكن أن تلعب الصوفية هذا الدور في ممارسة مثلاً شأن عام في تحرير الأراضي الإسلامية العربية.. الإسلامية المقدسة المحتلة في كافة مناحي الحياة؟

إريك جيو فروي [متابعاً]: أعتقد أن هنا يجب أن نستعين بالحكمة، أنا أعتقد أن البعد الروحي أي البعد الصوفي يمكن أن يساعدنا في تجاوز هذه العقبات، أي هناك تعارض بين إسرائيل والعالم العربي مثلاً وهذا شيء جديد لأن المسلمين طالما استقبلوا ورحبوا باليهود في ثقافتهم، إذاً هذا التعارض هو تعارض سياسي وبالتالي لابد أن نصل.. أن نعلم أن هذا الموقف.. إذاً هذا التعارض ليس سببه ديني ولذلك فأنا أؤمن بالحوار بين الأديان في فرنسا وغيرها وأرى أن اليهودية والإسلام يتمتعان بنقاط مشتركة كثيرة ولذلك في العالم العربي لابد أن نصل إلى فصل.. أن نميّز بين ما هو سياسي وهو ديني، هذا واحد وهذا سوف يساعدنا في تجاوز الكثير، أن الإسلام يعترف باليهودية ولكن المشكلة السياسية بينهما هي جديدة وبالتالي لابد من اللجوء إلى الحكمة ومحاولة في زماننا الحاضر في عالم العولمة علينا أن نحاول أن نجد التوافق عن طريق الحكماء من الجانبين المسلمين واليهود وحتى المسيحيين، إذاً هناك أناس جيدين في كل مكان ويجب أن لا نكون ساذجين ولكن أعتقد أن هذه المسيرة يمكن أن تساعدنا في تحريك الأمور وإنهاء هذا الجمود الموجود حالياً في العالم العربي وهناك أيضا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: إريك جيو فروي.. إريك المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورغ من شمال فرنسا شكراً لك، هل لديك أي تعليق دكتور؟

محمد السيد الجليند: أيوه نعم الحقيقة الأستاذ المستشرق تكلم عن نقاط الحقيقة.. يعني تحتاج لتعليق.. يعني قال إن التصوف ليس من الإسلام أو الإسلام ليس به تصوف أو كما فهمت، هذه قضية أثارها المستشرق نيكلسون منذ وقت طويل وكان سنده في هذا كما صرّح في كتبه أن التصوف قائم على الزهد والزهد كلمة لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى في سورة يوسف {وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}.

عبد الصمد ناصر: {مِنَ الزَّاهِدِينَ}.

محمد السيد الجليند: طبعاً هذا الرأي ليس صحيحاً لأن جوهر الزهد.. يعني هو عدم الاغترار بالحياة الدنيا وألا تكون أكبر هم الإنسان، القرآن الكريم في آيات كثيرة جداً أخذ بمبدأ الترغيب والترهيب في أن الإنسان المسلم لا ينبغي أن يجعل الدنيا أكبر همه {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}، {وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} وأحاديث الرسول في هذا كثيرة جداً، فدعوة أن الإسلام.. يعني ليس فيه جانب روحي أو تصوف اعتماداً على هذا الدليل أو غيره كلام لا يسنده العلم ولا يقره واقع الإسلام حقيقة.

عبد الصمد ناصر: لو عدنا إلى محورنا.. للحديث عن الجوانب التي تقتضي تصحيح، المنتقدون للصوفية يقولون أن الإسلام دين يقوم على التوحيد في العقيدة وفي التشريع والمنهج وهو ما يُلغى الواسط بين العبد وخالقه فيتولد عن ذلك اتساع في دائرة النظر والاجتهاد وهذا ما يرون أنه مفتَقد في.. بالكلية في الطرق الصوفية التي يبدو أن لا رأي فيها سوى لرأي شيخ الطريقة، ما قولك في ذلك؟

محمد السيد الجليند: لا هو.. يعني هذا الكلام يحتاج أيضا إلى شيء من التحفظ أو الضبط.

عبد الصمد ناصر: لماذا؟

محمد السيد الجليند: لأن أئمة الصوفية.. وبرضه ده من الأشياء أو الأخطاء التي يقع فيها كثير من الذين يرفضون التصوف، يسلطون الأضواء على أقوال أو سلوكيات لرجال.. يعني ينسبون أنفسهم إلى التصوف.

عبد الصمد ناصر: يا سيدي المُريدون يقولون كن أمام شيخك كالميت..

محمد السيد الجليند [مقاطعاً]: كالميت بين يدي مكفنه أو غاسله..

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: غاسله نعم..

محمد السيد الجليند: هذا أثر يتردد إنما كبار الصوفية يا أستاذ عبد الصمد زي الإمام الجنيد، سهل بن عبد الله التوستري، الحارث المحاسبي يقرّون تماماً ويعرفون التوحيد بأنه إفرَاد القديم عن الحدث هذا واضح في ذهنهم تماماً، لكن الذي تتحدث عنه الآن طرأ على مسيرة التصوف ورفضه أئمة الصوفية.. اللي هي الواسطة أو كل ما يشوب قضية التوحيد رفضه أئمة التصوف واعتبروه دخيلاً على التصوف وهذا سبب أساسي أن ظهرت حركة نقدية في داخل الدراسات الصوفية ابتداء من أبي حامد الغزالي نفسه هذا النقد الداخلي للتصوف دعا إلى ضرورة التفرقة..

عبد الصمد ناصر: مثل محيى الدين بن عرب؟

محمد السيد الجليند: لا محيى الدين بن عرب هذه قضية ثانية، أنا أقول إن الغزالي ابتداء منه ظهرت حركة نقدية للتصوف من الداخل ميّزت فيه بين ما هو صحيح له نَسَب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً واعتقاداً وسلوكاً وما هو دخيل من الثقافات الوافدة يدخل تحت مسمى البدعة ومعارض للعقيدة الإسلامية ومنها قضية الوساطة، لا وساطة في الإسلام {فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} هذا كلام مرفوض جملة وتفصيلاً، قضية أن الشيخ كلامه يُقدَّم على كلام الرسول مرفوض جملة وتفصيلاً..

عبد الصمد ناصر: والشيخ إذا توفى ممكن أن يعود بعد وفاته إلى أهله..

محمد السيد الجليند: هذا كلام خرافة لا أصل له لا في الكتاب ولا في السنّة ولا في جيل الصحابة ولا في سيرة أئمة التصوف وهذا ما ندعو إلى تنقية التصوف منه، أنا لا أريد من هذا أن نفتح الباب لقبول كل ما يُنسَب إلى التصوف من أقوال وسلوكيات وفي نفس الوقت لا أريد أيضاً أن نغلق الباب وندعي أن ما قام عليه التصوف من أسس وقواعد.. يعني يتعارض مع الإسلام.

عبد الصمد ناصر: تشريعياً.. طبعاً من المعروف أن مصادر التلقي أو مصادر التشريع الإسلامي تنبني على الكتاب وصحيح السنّة أخذاً عن العلماء أصحاب الأصول الصحيحة لكن المنتقدين للطرق الصوفية يقولون بأن هذه الطرق أضافت إلى مصادر التشريع مصدراً يبدو غريباً وهو الرؤية والمنامة للشيخ بحيث يُسلّم بها من قِبل المُريدين بل وتبنى عليها أحكام شرعية وسياسية ونحن لدينا في المغرب بعض الطرقيين الذين يؤمنون بهذه الرؤية ويرون أن سنة 2006 مثلاً سيكون فيه متغيّر سياسي كبير، ألا يساهم ذلك دكتور في ممارسة التسلط على المُريد من قِبل الشيخ بتلك السلطة التي تبدو غير واقعية؟

محمد السيد الجليند: أيضاً ينبغي أن لا نعمم الأحكام، تأصيلاً لهذه القضية موضوع الرؤية الصادقة لها أصل في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وينبغي أن لا نحرم الأمة الإسلامية منها، لكن فيها ادعاءات كثيرة جداً شوّهت معالم هذه الرؤية، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤية الصادقة" والرؤية كانت إحدى وسائل الإعلام أو إحدى وسائل الوحي لبعض أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام والرسول قال "إن يكن في أمتي مُحدَّثٌ فهو عمر" فالأصل موجود لكن دخل عليها الإدعاء والإدعاء فيها أكثر من الحقيقة وبعض الذين ينتسبون إلى التصوف يستذلون رقاب العوام بأمثال هذه الادعاءات الكاذبة في معظمها..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: الخطيرة..

محمد السيد الجليند [متابعاً]: جداً ويعني وهذه مشكلة الحقيقة أمية الثقافة الدينية في المجتمع، لأن مجتمعنا الإسلامي للأسف الشديد.. يعني يتميز بأمية ثقافية إسلامية دينية لا نظير لها في أي أمة أخرى ويجعلون من هؤلاء المشايخ مصدر لتلقى أوامر الشرع ونواهيه وهم أنفسهم هؤلاء المشايخ في معظمهم يحتاجون إلى من يتعلمون على يديه.

عبد الصمد ناصر: نعم، معي الآن الشيخ الحبيب الجفري المعروف، شيخ جفري نُقِل عنك القول بأن التصوف الراقي هو الذي يعتني بتطهير القلوب وصفائها ويخلّصها من حب الدنيا وكراهية الموت ويربطها بالله عز وجل، فالتصوف كما تقول بهذا المعنى هو القادر على حل مشكلاتنا جميعها وأزماتنا الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية، أولاً شيخ جفري ما هو التصوف الراقي برأيك وكيف سيحُل كل هذه المشكلات التي يعيشها العالم العربي والإسلامي؟

الحبيب الجفري- داعية إسلامي- الإمارات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

محمد السيد الجليند: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الحبيب الجفري: تحياتي إلى المُقدِم الفاضل والدكتور الذي أبهرني طرحه هو الذي شدني إلى الاستجابة لطلب المشاركة وأقول باختصار شديد هناك ثلاث نقاط؛ أولها أريد أن أؤكد على الفصل بين تعريف التصوف من حيث هو والذي دَرَج عليه أئمة التصوف لقرون إلى العصر الموجود الآن وبين كثير من الممارسات التي تمارَس باسم التصوف والتي للأسف..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: تحسب على التصوف..

الحبيب الجفري [متابعاً]: للأسف أرتكب إعلامنا جرماً كبيراً بأن سلط الضوء عليها على أنها هي التصوف، النقطة الثانية هي أن الخطأ الكبير الذي يقع فيه الكثير من المتكلمين باسم الحركة الإسلامية اليوم خصوصاً الجناح السياسي فيها هو أنهم ينظرون إلى التصوف وكأنه ند أو ضد بحيث أن قدومه على الساحة اليوم سيمثل منافسة لهم، بينما لو راجعوا أنفسهم قليلاً لوجدوا أن الأسس التي قامت عليها الحركة الإسلامية السياسية المعاصرة نص مؤسسوها كحسن البنا رحمه الله تعالى على أنها دعوة سلفية، عقيدة سنّية، حقيقة صوفية ولكن لظروف مرت بالحركة الإسلامية إبان التعذيب الذي تعرضوا له بعض رؤوسها أو رموزها في مصر فنزحوا إلى البلاد المجاورة عندنا في الجزيرة العربية فوجدوا أن التوجه السائد لا يتقبل الطرح الصوفي، اضطروا إلى إخفاء هذا الأمر في كثير من مناحي طرحهم، النقطة الثالثة التي أريد أن أذكرها وهي أن الطرح أو الكلام عن التصوف يحتاج إلى دراسة أعمق بكثير من نوعية الأسئلة التي صرنا نسمعها اليوم في وسائل الإعلام، أكثر الأسئلة التي تطرح حول البدع أو حول ما يمس العقيدة أو حول اعتماد الإلهام بديلاً عن التشريع أسئلة..

عبد الصمد ناصر: هل نعتبر هذا انتقاداً للبرنامج مبطن؟

الحبيب الجفري: لا هو انتقاد صريح مش مبطن سيدي، عموماً ليس برنامجكم..

عبد الصمد ناصر: قلها صراحة يا شيخ إذا أردت..

الحبيب الجفري: الذي لاحظته أن الطرح فيه شيء من السطحية في الكلام عن هذا النقاط التي لو راجعنا بشيء من الاجتهاد البسيط كتب أئمة التصوف كالغزالي الذي ذكره الدكتور الفاضل قبل قليل لوجدنا أنهم هم الذين أسسوا المنهج على اعتبار أن المخالفة للشريعة مرفوضة من أي كان هذا المخالف للشريعة وأخيراً في سؤالكم الذي ذكرتموه إذا عرّفنا التصوف بأنه العلم الذي يُعنى بصلاح القلوب فإن أس المشكلة التي نعانيها اليوم في جميع قطاعاتنا كمسلمين هي غياب صلاح القلوب الذي تنبني عليه تصرفات سيئة كما ذكر الدكتور في أي من مجالات الحياة، فلا ينبغي أن نتصور أن التصوف هو أخذ للناس بعيداً عن الحياة، بل هو تفعيل للحياة في مختلف مناحيها لكن على أساس مراقبة الله سبحانه وتعالى ولهذا أختم الكلام بما يأتي.. نحن بحاجة إلى أمرين مهمين؛ الأمر الأول العودة إلى فهم التصوف الحقيقي المبني على أساس صلة الفقهاء والمحدّثين والعلماء بل والساسة والاقتصاديين بمختلف مناحيهم بهذا الأمر الذي يتعلق بصلاح القلوب، المسألة الثانية نحتاج إلى إيجاد التصوف الحقيقي.. ليس إيجاده إلى تسليط الضوء على النماذج الفاضلة، لماذا في برنامج في العربية أو في الجزيرة أو في قناة أقرأ اللي عندما ذهبت الكاميرا إلى الدجالين أو مدعي التصوف وصورتهم للناس فيما يفعلون من خطأ لم تذهب هذه الكاميرا إلى بعض الأماكن العلمية المنتشرة في إندونيسيا، في شرق أفريقيا، في اليمن في حضرموت عندنا، في مصر في العشيرة المحمدية الشيخ حمد زكي الدين إبراهيم عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف لتُبرز الوجه الحقيقي لهذا الأمر وآسف إذا كنت قد أطلت.

عبد الصمد ناصر: سامحنا لضيق الوقت شيخ حبيب الجفري، على كل حال نحن نطرح الأسئلة التي تصفها أنت بالسطحية وهي أسئلة متداولة بين الناس ونحاول فقط أن نجيب عن الأسئلة التي تبقى دائماً مُلِحة وحديث الكثيرين الذين لا يلمون بالموضوع ونحن نفسح المجال لأمثالك فضيلة الشيخ حتى يجيبهم عن كل تساؤلاتهم شكراً لك على كل حال الحبيب الجفري الداعية الإسلامي، فيه نقطة أخيرة..

محمد السيد الجليند [مقاطعاً]: وأنا أيضاً أشكر الأخ الفاضل الأستاذ الحبيب لهذا التعليق الجيد وأوافق تماماً على كل ما قاله لأنه معي على الطريق.

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: نعم، دكتور محمد الجليند كان بودي أن نزيد من الأسئلة الأكثر عمقاً وليس سطحية كما وصفها الأخ قبل قليل، لكن لضيق الوقت نشكرك على كل حال في ختام حلقتنا هذه على أمل اللقاء بك في فرصة أخرى إن شاء الله وفي الختام أيضاً..

محمد السيد الجليند: وأنا أيضاً يا أخي أشكرك وأشكر القائمين على هذا البرنامج وأرجو أن ينفع الله بعلمكم وبعملكم الإسلام والمسلمين.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك يا دكتور، شكراً لكم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم وفي الختام تحيات المخرج منصور طلافيح والمعد معتز الخطيب ولنا لقاء آخر في الأسبوع القادم بحول الله.