- تعريف الوقف ومهماته في المجتمع
- وضع مؤسسات الوقف حاليا والمسؤول عنه

- كيفية استثمار الوقف

- سبل تفعيل مؤسسات الوقف

- مشاركات المشاهدين


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ أخرى من برنامج الشريعة والحياة، الوقف الإسلامي هو صدقة جارية ومصدر قوة للمجتمع المدني ومدخل لمشاركة المسلم في الشأن العام من خلال تدبير أمور المعاش بما يصلحها في الدنيا وبما يؤدي إلى الفلاح في الآخرة ويَبرُز الاهتمام بنظام الوقف الإسلامي في سياق الحديث عما يسمى بالمجتمع المدني والعمل الأهلي والعمل التطوعي لأنه يكاد يغيب عن مثل هذه النقاشات والوقف يُشكل مساحة العمل المشترك بين الدولة والمجتمع وله دور كبير في بناء شبكة واسعة ومتنوعة من المؤسسات والأنشطة الأهلية التي ملأت مساحات مؤثرة داخل الحياة الاجتماعية بهدف دعم الكيان العام للأمة بما فيه جهاز الدولة ذاتها والوقف مصدر لعافية المجتمع ككل يمنع من طغيان الدولة على المجتمع وتحكمها بتفاصيل حياته وقد ترتب على محاربته والعمل على إلغائه أن تزايدت مركزية الدولة وتم إضعاف المجتمع، فكيف يمكن استعادة دور الوقف في التنمية؟ وماذا عن طرق استثماره الحديثة في الدعوة والإعلام والتعليم وحاجة الناس وغيرها من مجالات المجتمع؟ وكيف يمكن ضمان استقلاليته عن الدولة؟ الوقف وطرق استثماره الحديث هو موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة، في هذه الحلقة نستضيف فضيلة الشيخ عبد الله بن بَيَه وهو نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ حينما نقول الوقف ماذا نعني بالوقف؟ وكيف للمسلم أن يقوم به؟

تعريف الوقف ومهماته في المجتمع

"
الوقف حبس العين أو الأصل وتسبيل الثمرة يعني العين محبوسة أو الأصل محبوس والثمرة مسبلة أي أنها متصدق بها وموجهة إلى الجهة الموقوف عليها
"
عبد الله بن بيه: الحمد لله رب العالمين اللهم صلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، الوقف يمكن أن نعرفه تعريفاً بسيطاً بأنه حبس العين أو الأصل وتسبيل الثمرة يعني العين محبوسة أو الأصل محبوس والثمرة مسبلة أي أنها متصدق بها وموجهة إلى الجهة الموقوف عليها هذا باختصار.

عبد الصمد ناصر: لو بسطنا أكثر للمشاهد هذه المصطلحات.

عبد الله بن بيه: هو في الحقيقة تعريف الوقف فيه اختلاف كبير بين العلماء إلا أن هذا الحد هو الحد المشترك بين الجميع.

عبد الصمد ناصر: نريد على الأقل التعريف المتعارف عليه.

عبد الله بن بيه: هو تحبيس الأصل ووقف الأصل بمعنى أن الأصل لا يجوز تحريكه أما ذمرته وغلته ومنفعته فهي مُسَبَلةٌ بمعنى أنها متحركة في سبيل المصاري التي وُقِفَ عليها الوقف ولكن هذا التعريف كما قلت العلماء يختلفون فيه، فهناك من يقول وقف العين على حكم مِلكِ الواقف وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وهناك من يقول أن هذا الوقف مؤبد وهذا مذهب الجمهور خلافاً لمالك ولهذا يُعرِف المالكية الوقف بأنه موقوف مدة ما يريده أو ما يعينه المحدث لأن الوقف عند المالكية قد لا يكون مؤبداً.

عبد الصمد ناصر: حتى لا نحصر أنفسنا في الخلاف حول تعريف الوقف، للسادة المشاهدين أن يعرفوا ما هي الممتلكات التي قد يوقفها المرء؟ هل هي أموال هل هي بيوت أو مسجد؟

عبد الله بن بيه: أولاً دعنا نُعرِف الوقف تعريفاً سريعاً بأن نقول أولاً هو وقف شيء مملوك وقف مملوك مدة بقائه لازماً مدة وجوده لازماً بقائه في ملك مُعْطِيهِ كما يقول ابن عرفة المالكي ولو تقديراً، هذا الحد كما قلت هو المتفق عليه للحديث الذي أخرجه النسائي وأحمد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: عليه الصلاة والسلام.

عبد الله بن بيه [متابعاً]: "احبس أصلها وسَبِل ثمرتها" احبس الأصل وسبِل ثمرتها هذا القدر المشترك بين هذه التعريفات، لكن الوقف أيضاً قد يطرق على المال الموقوف ويقال هذا وقف فلان وهذا مال موقوف، إذاً الواقف قد يكون اسماً وقد يكون مصدراً وقد يكون اسماً للشيء الموقوف فيكون كلمة فعل هنا بمعنى مفعول كنسجٍ بمعنى منسوج وهذا وقف أي شيء شئ موقوف.

عبد الصمد ناصر: أن يوقف مثلاً هذا الشخص مسجداً؟

عبد الله بن بيه: نعم لكن هذا الموقوف أو هذا الشيء المملوك هو قد يكون في الأصل لابد أن يكون عقاراً أو لم يتصرف به وثابت لكن العلماء توسعوا ليكون الوقف منقولاً أيضاً فيجوز وقف النقود ويجوز وقف الحيوان وهذا مجال لاختلافات بين العلماء، لكن هذا التعريف الأولي أنا أريد أن أضيف تعريفاً آخر وهو أن الوقف مؤسسته عظيمة جاء بها الإسلام مؤسسة للتضامن خروجاً عن تعريف الفقهاء ومؤسسة للتضامن بين طبقات المجتمع وبين فئات المجتمع، الإسلام جاء بمؤسستين للتضامن مؤسسة واجبة وهي مؤسسة الزكاة ومؤسسة تطوعية وهي مؤسسات الوقف، الأولى من باب العدل والثانية من باب الإحسان، إن الله يأمر بالعدل والإحسان العدل هو الواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه الزكاة حق للفقير أما الإحسان فهو مجالاته وميادينه فسيحة والوقف من هذه الزكاة.

عبد الصمد ناصر: كيف للمسلم مثلاً له رغبة في أن يوقف بعض ممتلكاته كيف يمكن أن يقوم بذلك؟

عبد الله بن بيه: بكل بساطة إذا وجدت الإرادة والنية يمكن أن يقول وقفت وحبست أو أن يبني مسجداً ويدعه بين الناس وبينه ليُصلوا فيه حتى الفعل نفسه يمكن أن يكون صيغة لتوقيفه، لا إشكال في ذلك أن يشيد على أنه وقف هذا الأمر أو أنه حبسه أو أن يكتب وثيقة بذلك أو أن يوصي بذلك كل ذلك ممكن، يبقى جانب آخر وهو جانب القوانين التي تحكم البلد في توثيق الوقف وفي قبول الوقف هناك..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: على أساس أن هناك قواعد فقهية مشتركة تجمع بين الجميع؟

عبد الله بن بيه: كل المذاهب متفقة على أن إذا قال وقفت وحبست هذا وقف، غير لازم عند أبي حنيفة وحده خلافاً لصاحبيه إلا إذا صدر حكم حاكم يؤدي إلى اللزوم فوقفت وحبست لا تكفي عند أبي حنيفة إلا إذا صالح مع حكم يفيد لزوم الوقف ولهذا في البلاد الحنفية أو التي كانت تحكمها المملكة العثمانية لابد من القيام بدعوى ولو صورية، في بيروت مثلاً في لبنان إذا وقفت وقفاً عليك أن تقوم بدعوة إلى هذا الوقف حتى يحكم القاضي بثبوت الوقف وحينئذ يصبح الوقف لازماً.

عبد الصمد ناصر: طيب قلت قبل قليل بأن الوقف تعبدي واجتماعي من باب العدل والإحسان لخدمة المجتمع وتطويره، كيف يتجلى الجانب الاجتماعي في الوقف يعني ما هي مهمات الوقف في المجتمع؟

عبد الله بن بيه: مهمات الوقف عديدة وبالتالي يمكن أن نقول أن الوقف له رسالته وهذه الرسالة تأخذ أشكال عدة؛ فهناك الرسالة العبادية التعبدية كوقف المساجد والمقابر والمصليات وما يحوط بالمساجد وما يوقف عليها للقيام بنفقاتها وأول وقف هو الكعبة الشريفة هذا أول وقف في الأرض {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} يمكن أن نعتبرها أول وقف مع أن الشافعي يقول الوقف من خلاص هذه الأمة المحمدية لكن لعله يريد الوقف بمعناه الاجتماعي، الرسالة الثانية للوقف هي الرسالة الاجتماعية ما معنى الرسالة الاجتماعية؟ معناه أن الوقف يقوم بعمل اجتماعي فهو يحرص على الطبقات الفقيرة يُقَدَمُ إلى المساكين وإلى الفقراء وهذه الأوقاف الأولى كانت هكذا فدعني أذكر لك قصص الأوقاف الأولى، هناك وقفان للصحابة من أول الأوقاف وقف عمر بن الخطاب لما حصل على سهامه في خيبر قال حصلت على مال هو أنفس مال عندي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن شئت حبست الأصل وتصدقت بالثمرة" ففعل ذلك وهناك وقف ويجب وقف أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه لما سمع قول الله جل وعَلاَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن أحب مالي إليَ برحاه وكانت بستاناً عظيماً لا تكاد الطيور تنفذ منه من شدة تماسك أغصانه هذا أحب مال إليَ فضعه يا رسول الله حيث شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بَخٍ بَخٍ مال رابح" وقال سمعت وهذا يدل على أن أبا طلحة كان متلهفاً ليسمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم "سمعت اجعله في الأقربين" فقال فعلت يا رسول الله، نأخذ من هذين الحديثين شيء مهم جداً وهو أن الصحابة كانوا يتوخون في أوقافهم أفضل ما عندهم، عمر يقول أنفس مال هو أنفس مال وأبو طلحة يقول أحب مالي..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أفضل ما عندهم.

عبد الله بن بيه [متابعاً]: أفضل ما عندهم فالمال الحبيب هو المال الأنفس يجب أن يقدم لله سبحانه وتعالى، الشيء الثاني بأن الواقف قد لا يكون ثرياً كثيراً فعمر لم يكن له مال كثير وحصل على هذه السهام فلما حصل عليها أخرجها مباشرة للوقف لأن صدق الشاعر عندما يقول ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل، فالصحابة كانوا يعطون من نفيس أموالهم وهذا درس للأغنياء.

عبد الصمد ناصر: شيخ فقط من باب الأمثلة هل حينما يدفع بعض أشخاص أموالهم لبعض الجمعيات الخيرية لبناء مسجد ما في دول آسيوية تكون أزهد أسعاره بناءه أو تكلفة بناء المساجد زهيدة هل يُعَدُ هذا وقفاً؟

عبد الله بن بيه: بطبيعة الحال المساجد هي أوقاف هي من رسالة الأوقاف التعبدية لكن الرسالة الاجتماعية التي تحدثت عنها وهي تضامن بين أفراد المجتمع الذي تقوم به هذه المؤسسة الوقفية لا يقتصر فقط على إعطاء المال للفقير والمسكين ولكن أيضاً على الضمان الصحي وأعطيك حكاية؛ يَذْكُرُ الحافظ أبو العباس الونشريسي في كتابه المعيار في قرطبة عن قرطبة في الأندلس أنت تعرف قرطبة وأنت مغربي في الأندلس كان هناك وقف على المساكين المرضى، المرضى عندهم وقف يقدم إليهم حتى يتعالجوا به فجاؤوا أُناس غرباء إلى قرطبة عَلِمُوا بوجود هذا الوقف فطمعوا فيه فقاموا لدى المحكمة الشرعية يُطالبون بحقهم وحضنهم من هذا الوقف ماذا كان حكم القاضي؟ قال كم أقمتم في قرطبة؟ إذا كنتم قد أقمتم أربعة أيام فأنتم مواطنون من مواطني قرطبة لأن الإقامة التي تقطع السفر عند مالك هي أربعة أيام وهكذا استفاد هؤلاء من الضمان الصحي الذي كان يوفره وقف قرطبة لأبناء قرطبة استفاد منه الغرباء لأنهم أقاموا أربعة أيام.

وضع مؤسسات الوقف حاليا والمسؤول عنه

عبد الصمد ناصر: الأمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي لكن بين الماضي والحاضر كيف تبدو مؤسسة الوقف في العالم العربي والإسلامي؟ باختصار شيخ.

عبد الله بن بيه: هو في الماضي قد ذكرنا بعض الأمثلة الوقف قلنا كان يدخل في المجال التعبدي، كان يدخل في المجال الاجتماعي، كان يدخل في المجال الثقافي أيضاً كانت هناك..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: في العلم كذلك..

عبد الله بن بيه [متابعاً]: كانت هناك جامعات مؤسسة بناء على أوقاف القرويين في الأزهر الشريف في النظام في بغداد في كل مكان الجامعات والجوامع التي كان يُدرس فيها العلم كانت أيضاً مبنية على أوقاف.

عبد الصمد ناصر: كان للوقف دور كبير في دور المجتمع.

عبد الله بن بيه: دور كبير.

عبد الصمد ناصر: كيف تراه الآن؟

عبد الله بن بيه: كما قلت أود أن أذكر هذا الدور قلت في المجال التعبدي في المجال الاجتماعي في المجال الثقافي في المجال الاقتصادي، فاس كانت الاوقاف فيها في القرن السابع تزيد على ميزانية الدولة فكانت الدولة تستعين بمال الأوقاف في الجهاد في سبيل الله عندما تنشب الحروب تلجأ إلى مال الأوقاف، المجال الاقتصادي في المجال الحربي الخالص في الصدر الأول كان الناس يوقفون أموالهم لمساعدة الفقير.

عبد الصمد ناصر: يعني ممكن يستغل الوقف غلة الأوقاف في الدفاع عن الجهاد؟

عبد الله بن بيه: نعم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "ماء خالد فإنكم لتظلمون خالد فإنه قد حبس أذرعه وأَعْتُدَهُ في سبيل الله" كل ما عند خالد حبسه في سبيل الله الوقف وكانت الثغور فيها المدن الكاملة لتلقي المجاهدين موقوفة لوجه الله سبحانه وتعالى فالوقف إذاً هذه المجالات التي..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: هذا يبرز عظمة مؤسسة الوقف سابقاً.

"
الوقف في الوقت الحاضر يقوم بدور في مجال العبادات بمعنى بناء المدارس وبناء المساجد، وأكبر بنايات وقفية للمساجد هما الحرمان وما يقع وما يقدم لخدمة الحرمين
"
عبد الله بن بيه [متابعاً]: في المجال الاجتماعي، في المجال الثقافي، في المجال الاقتصادي، في المجال العسكري قام بدور كبير جداً في التاريخ الإسلامي، أما بالنسبة للحاضر الذي تتحدث عنه فإن الوقف يقوم بدور لا بأس به في مجال العبادات والتعبديات بمعنى في بناء المدارس وكثير من الأثرياء والحمد لله والحكومات حتى تبني المساجد وأكبر بنايات وقفية للمساجد هو الحرمين وما يقع وما يقدم لخدمة الحرمين فهذه كلها أوقاف.

عبد الصمد ناصر: إذا الوقف لا يقتصر فقط على الأفراد وإنما حتى على الدولة؟

عبد الله بن بيه: على الدولة نعم الدولة توقف ويقول في ذلك ابن وهبانة الأمير إذا أوقف يثاب ويؤجر من مال الدولة فإنه في وجه الخير فإنه يثاب ويأجر فالوقف أيضاً تقوم به الدولة، لكن في المجال الاجتماعي والاقتصادي قد نلاحظ أن الوقف لم يعد له ذلك البريق ولم يعد له ذلك الدور الكبير الذي كان يقوم به في الصدر الأول وفي القرون قرون التي كان الإسلام فيها يمسك زمام المبادرة التاريخية، فنحن الآن نفتقد الأخذ بزمام..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: من المسؤول عن هذا الوضع الآن الذي وصلت إليه مؤسسة الوقف الإسلامي؟

عبد الله بن بيه: المسؤول كل مسؤول وكل برئ كما يقال كل مذنب وكل برئ الجميع مسؤول عن حاله هو أن الأمة في حالة ضعف وفي حالة استرخاء وفي حالة انعدام للإرادة ممكن أن تقول الكسل الاجتماعي لأنه يوجد فرق بين العجز وبين الكسل..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: هل يعود إلى..

عبد الله بن بيه [متابعاً]: العجز فقد القدرة والكسل فقد الإرادة..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: هل يعود أيضاً..

عبد الله بن بيه [متابعاً]: فالذي نعيشه هو فقد الإرادة.

عبد الصمد ناصر: هل يعود أيضاً شيخنا إلى تراجع الدين في حياة المسلمين الآن؟

عبد الله بن بيه: أكيد هناك تراجع الدين، هناك الجهل، هناك عدم الحماس للقيام بالشأن الخاص هناك الشُح {ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} ليعطي الإنسان ليُظْهِرَ ليقدم أنفس ماله لابد أن يكون قد زال عنه داء الشُحْ، فالمسؤولية هي مسؤولية العلماء عليهم أن يحفزوا الناس أن يحثوا الناس على القيام..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: قبل أن آخذ فاصل شيخ عبد الله فقط قال حتى أبقى في هذا المحور قبل أن أنتقل إلى الفاصل وباختصار هل تتحمل الدولة مسؤولية انحصار الأوقاف في حياة المجتمعات المعاصرة حيث كما قلنا في المقدمة الدولة صارت تتحكم في كل تفاصيل حياة المواطنين في مختلف المجالات وما عاد للوقف ذلك البريق كما قلت؟

عبد الله بن بيه: هو الدولة ليست مسؤوليتها كاملة لا شيء في فترات من التاريخ وفي القرن الماضي تركيا تَمَتْ الوقف في تركيا يعني فيمكن أن نقول أن الدولة أثرت، في مصر كانت هناك تأميمات للأوقاف في قانون الإصلاح الزراعي، الدولة فعلاً لها مسؤولية في انحصار في بعض البلاد الإسلامية الاستعمار أيضاً الذي حكم البلاد الإسلامية هو أثر أيضاً في هذا وله تأثير على انكماش الأوقاف وانحسار دورها لكن أيضاً الأغنياء والأثرياء عليهم مسؤولية في هذا المجال.

عبد الصمد ناصر: المسؤولية بين الفرد والدولة؟

عبد الله بن بيه: نعم هي مسؤولية مشتركة.

عبد الصمد ناصر: سنعود لمزيد من البحث في هذه النقطة ولكن بعد أن نستأذنك شيخنا في أخذ فاصل ثم نعود لمتابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، موضوع اليوم هو الوقف وطرق استثماره الحديثة وضيفنا في هذه الحلقة هو فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه وهو نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ كنا نتحدث عن مسؤولية تهميش أو تراجع دور الوقف في المجتمع الإسلامي وقلت بأن المسؤولية مشتركة بين الدولة وبين الفرد لكن البعض يقول بأن على الأمة واجب كفائي بأن تنهض بعملية التنمية بصفة عامة ومثال على ذلك الاستثمار لإيجاد وفرة المال وتوفير مناصب الشغل وغيرها ليتحقق حد الكفاية للجميع إن لم يتحقق الغنى، لكن هناك نقطة تتعلق بالوقف بهذا الجانب ماذا عن استثمار الأموال الوقفية أموال الوقف في هذا الجانب؟

عبد الله بن بيه: هو يعني أود أن أوافق على ما ذكرته من أن الأمة عليها فرض كفاية أن تقوم كما يقول العلماء الأوائل بالصناعات المهمة لأن هذه الصناعات هي التي تدافع عن كيان الأمة وبالتالي أن تقوم بعمليات استثمارية كبيرة لأن الخلافة الناجحة في الأرض تقوم على جناحين لا ثالث لهما؛ الجناح المادي والجناح الخلقي وبالتالي إذا اجتماع جناح القيم الخلقية إلى إثارة الأرض وإلى العمارة هنا تكون الخلافة راشدة {إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} واستخلفكم {وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} {واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أمركم بعمارتها، لكن العمارة هذه العمارة لابد يعني القرآن الكريم يذكر في آية واحدة جناحي العمارة فيقول سبحانه وتعالى {وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} أثاروا الأرض كلمة كثيفة لا توجد عمارة قبل دون إثارة أثاروا الأرض حركوها للبناء أثاروا الأرض فتشوا أعماقها للمعادن أثاروا الأرض نقبوا عن المياه أثاروا الأرض حركوها للزراعة فكلمة أثاروا الأرض لا توجد عمارة دون إثارة الأرض، فالغربيون الذين أثاروا الأرض بالعلم وبالاكتشافات استطاعوا أن يبنوا الجناح المادي من العمارات ولكن البقية {َجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} هنا الجناح الخلقي علينا أن نجمع أن نعمر الأرض هذه العمارة واجب وفرض كفاية كما تفضلت بمعنى أنه لو قام به بعض الأمة تكون البقية سالمة من الإثم لكن لو لم يقم به أحد فإن الأمة آثمة، الأوقاف محل مكان الأوقاف في هذا الأوقاف هي جزء من الثروة العامة للأمة لكن وضع الأوقاف الشرعي والقانوني يجعلها قطاعاً ثالثاً ما معناه القطاع الثالث؟ عندك القطاع العمومي وهو ما تملكه الدولة وما تقوم عليه من مرافق والميزانيات التي تدخل إليها وعندك القطاع الخاص وما يسمونه بالخصخصة أو الخوصصة وإن كان الصحيح هو التخصيص لأن فعل خَصَصَ مصدره التخصيص أما الخوصصة أو الخصخصة فليس مقياس ولكن على كل حال لحن مشهور خير من فصيح مهجور فلنقل الخصخصة، الآن يتحدثون عن الخصخصة لكن الخصخصة قد تكون شرسة متوحشة الرأسمالية المتوحشة النهمة التي تريد أن تأخذ كل شيء لأن الشُح هو أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يحرص على ما في أيدي الآخرين والبخيل هو الذي يمسك ما في يده، إذاً هذا الشح في الرأسمالية الجديدة وأيضاً الموارد التي بيد الدولة والتي تحتاج إليها في مجالات عدة التوازن بين هذين القطاعين أنا أراه في قطاع الوقف.

عبد الصمد ناصر: كيف؟

عبد الله بن بيه: لأن قطاع الوقف لا هو مملوك للدولة لا تستطيع أن تتصرف فيه تصرف بتبديد أو إفساد ولا هو مملوك للأفراد فهو ادخار للمجتمع وبالتالي قطاع الوقف يمكن أن يقوم بدور كثير إذا استثمر سنتحدث عن كيف يستثمر هذا هو السؤال.

كيفية استثمار الوقف

عبد الصمد ناصر: كيف يستثمر؟

عبد الله بن بيه: كيف يستثمر هذا سؤال مركزي جداً في قضية الوقف، لأن العلماء اختلفوا في الصدر الأول وهذا الاختلاف ظل قائماً إلى يومنا هذا، فهناك مدرسة رأت أن الوقف تعبد وبالتالي لا يستثمر فهو ساكن لا يتحرك، ساكن لا يسير وساكت لا ينطق وجامد لا يتحرك وهذه المدرسة هي أصل مذهب إمامنا مالك والشافعي فالوقف عندهم حتى مالك لما قيل له هذه النخل غمرتها الرمال قال دعها تغمرها..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: المدرسة الثانية شيخ..

عبد الله بن بيه [متابعاً]: غمرتها الرمال لما قيل له النخل موقوفة غمرتها الرمال يعني ينبغي أن تباع فقال لا دعها تغمرها الرمال وقال سحنون هذه أحباس السلف داثرة ومعنى ذلك أن الوقف يجب أن يترك حتى ولو دثر، إذاً هذا ينافي الاستثمار وهذا أيضاً ما يراه الشافعي.

عبد الصمد ناصر: والمدرسة الثانية؟

عبد الله بن بيه: المدرسة الثانية التي تلي هذه المدرسة ترى التصرف في الوقف بصفة محدودة بمعنى أنه إذا كان الوقف مشرفاً على الاندثار أو الخراب يجب أن نتدخل لحمايته لاستثماره أو لبيعه..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وهذا قد يبدو شيخ عبد الله قد يبدو منطقياً لأن ما يساوى اليوم درهماً غدا قد يساوى أقل.

عبد الله بن بيه [متابعاً]: اسمح لي لكن سنصل للمدرسة الثالثة المدرسة الثالثة وهذه المدرسة ترى التصرف بالوقف بكل الاستثمارات النافعة وتغليب المصالح الراجحة، تغليب المصالح تميل مع رياح المصالح الغوادي والرواح فهذه المدرسة هي التي أتبنى رأيها في كتابي إعمال المصلحة في الوقف الذي ألفته انتصاراً لمذهب هذه المدرسة والذي أرى أنه..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وترى بأن هذا ربما هو الذي تبدو الأمة الإسلامية المجتمع الإسلامي في حاجة إليه الآن.

عبد الله بن بيه: هو المناسب الآن لحال الأمة لأن المؤسسات الغربية التي تشبه الوقف سواء كانت ما يسمى (كلمة غير مفهومة) أو (كلمة غير مفهومة) أو سواء كانت خاضعة (كلمة غير مفهومة) أي جمعيات تحت عندها أموال خيرية هذه المؤسسات تستثمر المليارات ليست الملايين فقط تستثمرها في شتى أنحاء الاستثمار، فأنا أميل إلى هذه المدرسة التي تتألف من أبي يوسف وصاحبه أبي حنيفة وأيضاً من الحنابلة الشيخ تقي الدين بن تيمية وكذلك من المالكية من أهل الأندلس ولأجل هذا أجاز أهل الأندلس بيع الوقف للمصالح الراجحة وأجازوا استعمال وفر الوقف لإنشاء أصول جديدة هذا ما أفتى به بن رشد رحمه الله.

عبد الصمد ناصر: سنعود إلى هذه النقطة لاستكمالها بمزيد من التدقيق ولكن نأخذ رأي الأستاذ إبراهيم بيومي غانم وهو المختص في الوقف والمستشار الأكاديمي، سابقاً دكتور إبراهيم يعني كيف ترى وضع مؤسسة الوقف حالياً؟

إبراهيم بيومي- مختص في الوقف والمستشار الأكاديمي سابقاً: أولاً تحياتي لك ولضيفك الكريم.

عبد الصمد ناصر: ولك أيضاً دكتور مرحباً بك.

إبراهيم بيومي: يعني هناك بالفعل هناك صورتان لنظام الوقف؛ صورة تاريخية كانت مشرقة في أغلب الفترات وأغلب البلدان ليس في كلها وليس في كل الفترات وهناك صورة حالية ومعاصرة لنظام الأوقاف في جميع للأسف أو في أغلب أيضا البلدان العربية والإسلامية وهي صورة سلبية وصورة باهتة جداً وتعاني من مشكلات كثيرة جداً، أنا أتصور أن أحد جوانب هذه الأزمة إذا شئنا الدقة أن نظام الوقف يعيش في أزمة منذ ما يقرب من قرن ونصف من الزمان أزمة شديدة جداً، أحد جوانب هذه الأزمة أنه يعني أصبح رهين محبسين؛ المحبس الأول هو المحبس القانوني بمعني أن الدولة الحديثة في البلدان العربية والإسلامية أصدرت وحولت تشريع الوقف وقننته في صورة قانون بالمعني الحديث بمعني وضع قواعد قانونية عامة ومجردة وملزمة لكافة من يقيمون على أرض هذه الدولة أو تلك، هذا المحبس الذي أسميه محبس نقل تشريعات الوقف أو نظام الوقف من النظام الفقهي المفتوح إلى النظام القانوني المغلق الذي تصدره الدولة وتغيره السلطة وتتحكم فيه أهواء سياسية على غير ما كان الحال في ظل ما أسميه أيضاً النظام الفقهي المفتوح الذي كان يتيح أكثر من رأي ويتيح أكثر من مذهب ويتيح الاجتهاد داخل المذهب الواحد بين أكثر من رأي وأكثر من حل للمشكلات التي يعني تختلف من هنا إلى هناك ويستطيع الفرد أن يختار ما يناسبه..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: واضح دكتور إبراهيم المحبس الثاني؟

إبراهيم بيومي: المحبس الثاني هو المحبس البيروقراطي أنه تم نقل نظام الأوقاف أيضاً من الإدارة الأهلية ومن المجتمع إلى الإدارة الحكومية والدولة يعني بإنشاء وزارات متخصصة أو هيئات متخصصة لإدارة الأوقاف وإخضاعها لنفس المعايير ونفس الأطر الإدارية والقانونية والبيروقراطية التي هي معروفة بطبيعة الحال في أغلب البلدان العربية والإسلامية بالجمود وبالتراخي وبإساءة استخدام السلطة وربما بانتشار الفساد وكل هذه الأمراض البيروقراطية طالت نظام الوقف وأثرت عليه بشكل كبير جداً، هناك جوانب أخرى بطبيعة الحال لأزمة الوقف في الواقع المعاصر..

سبل تفعيل مؤسسات الوقف

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: طيب دكتور إبراهيم لضيق الوقت فقط أنت قلت بأن نظام الوقف أصبح في أزمة منذ حوالي قرن ونصف وقلت بأنه رهين محبسين قانوني وبيروقراطي ولكن برأيك ما السبيل إلى إعادة مؤسسة الوقف إلى ما كانت عليه إلى إعادة دورها للمجتمع؟

"
لتفعيل مؤسسات الوقف لابد من تبنى إستراتيجية تحت عنوان إصلاح نظام الأوقاف
"
    إبراهيم بيومي

إبراهيم بيومي: هذا سؤال مهم في حقيقة الأمر يعني أنا اعتقد أن العنوان الرئيسي للإجابة عليه هو أنه لابد من تبنى استراتيجية تحت عنوان إصلاح نظام الأوقاف وهذا الإصلاح يجب أن ينصرف إلى جانبين؛ الجانب الأول هو الأوقاف القديمة الموروثة عن الأحقاب التاريخية السابقة، الخطوط العريضة للإصلاح في هذه الأوقاف الموروثة أو القديمة وتخليصها من سيطرة البيروقراطية الحكومية وجمودها وبطئها وإنشاء هيئات متخصصة مستقلة تعمل بفلسفة القطاع الخاص وليس بفلسفة القطاع العام التي يعني جربناها وذقنا منها الأمرين، الأمر الثاني هو محاربة الفساد المتفشي في هذه الأوقاف القديمة التي تسيطر عليها الدولة ثم نقطة مهمة جداً رد الاعتبار لشروط الواقفين وإعادة توجيه الريع إلى المصارف التي اشترطها الواقفين أنفسهم وخاصة تلك المخصصة للمساجد والجمعيات والفئات الاجتماعية المختلفة والمدارس وإلى آخره، القوانين الجديدة التي أصدرتها الدولة الحديثة أعطت يعني أو أفرغت نظام الوقف من مضمونه الشرعي القديم كما قال واضِعَو هذه القوانين أنفسهم ومنهم مثلا الشيخ أحمد فرج السنهوري والشيخ أحمد إبراهيم والشيخ أبو زهرة الذي شارك في المناقشات التي دارت في صدور أول قانون تشريع وقفي شبه متكامل هو القانون المصري الذي صدر سنة 1946 تحت رقم 48 أفرغ نظام الوقف وقال الشيخ السنهوري أن نظام الوقف الذي عرفناه يعني عبر قرون متطاولة سابقة قد أفرغه هذا القانون الجديد الذي ساهم هو وكان هو يعني الصائغ الأكبر لمعظم بنوده قال هذا القانون أفرغ نظام الوقف الشرعي من مضمونه وحوله إلى شيء يشبه الوصية بالمنافع يعني دخول الدولة بالتقنين أفرغ هذا النظام من مضمونه، إذاً يعني مسألة الأوقاف القديمة أولاً لابد من لها اهتمام كبير جدا وردها إلى أصولها الشرعية وإلى احترام إرادة الواقفين لأن باختصار كما تفضل الشيخ بن بيه أن إرادة الواقفين هذه أو شروط الواقفين وتخصيصهم على بعض المؤسسات والمجالات والمرافق إلى آخره هذه إرادة اجتماعية ولابد أن نتعلم كيف نحترم إرادة المجتمع وليس إرادة السلطة، السلطة في كثير من الحالات كما تعلم لا تتفق مع إرادة المجتمع هذا شق، الشق الآخر باختصار طبيعة الحال..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: باختصار دكتور إبراهيم لم يعد هناك وقت كثير.

إبراهيم بيومي: نعم باختصار الأوقاف الجديدة لابد أن تتضمن التشريعات التي تصدر حديثاً أو الإصلاح لابد أن يفتح الباب أمام الراغبين في إنشاء أوقاف هناك كثيرون من الأغنياء يسألونني كثيراً جداً سواء في مصر وفي السعودية وفي الكويت وفي كثير جداً من البلدان كيف ننشئ وقفاً؟ السؤال الذي طرحته حضرتك في البداية يعني لابد من فتح الباب أمام الراغبين وتيسير الإجراءات القانونية والبيروقراطية وتقديم حوافز يعني لهؤلاء الناس كما يوقفون أوقاف..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: دكتور إبراهيم المشكلة قد يقول الكثيرون من الذين يرغبون في وقف؟

إبراهيم بيومي [متابعاً]: حوافز ستكون مادية تكون معنوية إلى آخره ثم هناك نقطة أخيرة تتعلق بالتوعية يا أستاذ عبد الصمد لابد أن تكون هناك حملة منظمة للتوعية وتجديد ثقافة الوقف وأنا أعتقد أن هذه الحملة ترتكز على نقطة أساسية وهي ربط نظام الوقف بالمقاصد العامة للشريعة واعتبار نظام الوقف هو وسيلة لتحقيق المقاصد العامة للشريعة في المجتمع وفتح الآفاق العالمية والرسالة الإنسانية التي يحملها نظام الوقف لن يكون إلا بربطه وتجديد بنيته الثقافية بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

مشاركات المشاهدين

عبد الصمد ناصر: شكراً لك دكتور إبراهيم بيومي غانم المختص في الوقف والمستشار الأكاديمي سابقاً، معي مشاركة من بعض السادة المشاهدين أحمد الزارع من الولايات المتحدة الزارع دقيقة واحدة من فضلك.

أحمد الزارع- الولايات المتحدة: السلام عليكم ورحمة الله.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أحمد الزارع: نشكر قناة الجزيرة على استضافة فضيلة العلامة الشيخ عبد الله بعد أن طال انتظارنا له أمداً طويلاً، سؤالي باختصار ما حكم من وقف وقفا لغرض معين ثم بعد ذلك تبين له أن الحاكم أو ولي الأمر لا يأخذ بما وقف له يعني غير الوقف فهل له أن يرجع في وقفه؟ وما حكم الوقف الإسلامي للمسلمين الذين يعيشون بين ظهراني غير المسلمين وما حكم انتفاع غير المسلمين معهم؟ به جزاكم الله خيراً.

عبد الصمد ناصر: شكرا لك عبد الرحيم اليوسف من السعودية.

عبد الرحيم اليوسف- السعودية: السلام عليكم ورحمة الله.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عبد الرحيم اليوسف: أحيي أولاً الشيخ العلامة عبد الله بن بيه ثم بعد ذلك ينبغي توضيح عدة أمور في قضية الوقف الآن وأنا أثني على ما قاله الدكتور البيومي قبل قليل في قضية أنه لابد من توعية للناس الذين يريدون أن يوقفوا أموالهم، ثقافة الوقف اليوم ثقافة منعدمة ولعل هذا الموضوع الذي هو من أهم المواضيع التي ينبغي أن نطرق إليها في هذا الزمن لعل الشريعة والحياة أول مرة تناقشه فمن هذا الباب ينبغي علينا أن نهتم بهذا الموضوع لأن فيه مصالح عليا للأمة الإسلامية، القضية الثانية من القضايا المهمة في مسألة الوقف الآن قضية الاستثمار للوقف هذا الاستثمار للوقف ينبغي أن يحيا بالطرق العصرية الحديثة ويعني ذلك أننا نفتح مجالاً أرحب وأوسع بقضايا الاستثمار في مجال الأوقاف حتى تكون غلات الأوقاف أعظم أيضاً، المسألة الثالثة في قضية الناس الذين يريدون أن يوقفوا أموالهم ينبغي أن ينبهوا ويرشدوا إلى أهم ما يتعلق بالوقف في أن تكون وصاياهم عامة وأوقافهم عامة في أوجه البر حتى تشمل جميع الأمور سواء كانت أمور علمية أو أمور ثقافية أو أمور قضائية أو أمور من غيرها من الأمور التي تكون فيها مصلحة مهمة للأمة الإسلامية.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك أخ عبد الرحيم اليوسف من السعودية عودة إلى الشيخ عبد الله بن بيه يعني قبل قليل تساءل أحمد الزارع من الولايات المتحدة الأميركية قال بأنه يتساءل ما حكم وقف من حكم من وقف وقفاً لغرض معين ثم اتضح له أو تبين له أن الحاكم قد غير الغرض؟ ثم ما حكم الوقف الإسلامي في الغرب وانتفاع غير المسلمين به؟

عبد الله بن بيه: يعني السؤال الأول ما فهمت يعني كيف غَيَرَ الحاكم؟

عبد الصمد ناصر: قال مثلاً أن الواقف له شرط معين.

عبد الله بن بيه: أن الواقف له شرط وأن الحاكم نكب عن هذا الشرط وانحرف عنه، هو بالإمكان أن يحاول استرجاع وقفه بخاصة على مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن الوقف غير لازم إذا لم يحكم به قاضي أو أنه يسترجع..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: طب إذا كان في بلد لا يأخذ إلا بالمذهب المالكي مثلاً؟

عبد الله بن بيه: إذا كان في بلد لا يأخذ إلا بالمذهب المالكي بالإمكان أن يتدخل لأن ليس من حق الحاكم أن يقدمه إلى القاضي وبالتالي ليس من حق الحاكم أن يغير شرط الواقف إذا لم يكن شرطاً حراماً إذا لم يكن فالأمر للواقف هو الذي يعين الناظر ولا يجوز للقاضي ولا للحاكم أن يعين ناظراً غير الناظر الذي عينه إلا في حالة التبديد والفساد أو حالة عدم تعيين ناظر أصلاً أو كانت الأوقاف سلطانية يعني تدخل القاضي محدود وفي ثلاث حالات فقط أو إذا قلنا أن السلطان أيضاً كالقاضي كما يراه بن الهمام من الأحناف تقول لا يتدخل إلا في لا يجوز له أن يتدخل ولا يمكن أن يتدخل أصلاً إلا في هذه الحالات.

عبد الصمد ناصر: طيب السؤال الثاني حكم الوقف الإسلامي في الغرب وانتفاع غير المسلمين بهذا الوقف؟

عبد الله بن بيه: هو ذكر العلماء رضوان الله عليهم الخرقي وغيره ذكره الخرقي وغيره أنه يجوز الوقف على غير المسلم يعني في المصطلح القديم الذمي بمعني أن شخص مسالم كما فعلت أمنا صفية رضي الله عنها وقد أوقفت على أخيها أوقفت على أخيها وهو يهودي فانتفاعهم بالأوقاف الخيرية أمر لا بأس به والوقف في بلاد الغرب يحتاج إلى نظرة قانونية لقد أشرت قبل قليل أن الأوقاف في الغرب متاحة وبخاصة في القانون الفرنسي الذي أعرفه متاحة في حالتين في حالة جمعية ذات نفع عام معترف بها فأموالها تكون موقوفة تبعاً لها هي أملاك لهذه الجمعية لكن هذه الجمعية تتعامل مع تعامل أوقاف فهي مملوكة لهذه الجمعية لكن هذه الجمعية تتعامل مع تعامل أوقاف، الحالة الثانية هو ما يسمى (كلمة بلغة أجنبية) أو (كلمة بلغة أجنبية) وهي عبارة عن مؤسسة وقفية أموال وقفية لكن في هذه الحالة الثانية بالنسبة للقانون الفرنسي وبخاصة الجديد لابد من إذن لجمع الأموال لها من أذن من وزارة الداخلية لابد أيضاً من صدور مرسوم من مجلس الدولة (كلمة بلغة أجنبية) وهو أعلى محكمة أو أعلى سلطة قضائية في فرنسا حتى يسمح بإنشائها، إذاً الوقف في الغرب له أهمية كبرى ويجب أن يتوجه المسلمون لمساعدة إخوانهم بأوقاف في مجالات مختلفة لكن هذه الأوقاف لابد أن تنضبط بالضوابط القانونية لاسيما في هذا الجو جو الفتنة وجو الهرج والمرج الحالي الذي يتهم فيه المسلمون بسبب أو بغير سبب.

عبد الصمد ناصر: لو أمكننا نظرة على بعض الأسئلة الموجه إليك يا شيخنا من بعض المشاركين عبر النت سؤال من خليل مصطفي من بلجيكا يقول لماذا غاب مفهوم الوقف في عالمنا العربي والإسلامي هل وراء ذلك أهداف سياسية أو هناك أهداف أخرى مخفية يراد منها محاربة الإسلام؟ على كل حال بعض من هذا السؤال أجبنا عليه قبل قليل، لماذا لا يطبق حد السرقة قطع اليد لسارق أموال الوقف بينما يطبق الحد على سرقة أموال الأشخاص مع أنه سرقة أموال الوقف أشد من سرقة أموال الأشخاص؟ سؤال من عبد العظيم من مصر ثم نفس المشارك يقول ما حكم من أوصى بجميع أمواله للوقف مع وجود ورثة له؟ هل يجوز أن يستفيد من خدمات الوقف غير المسلمين؟

عبد الله بن بيه: يا شيخ عبد الصمد واحدة واحدة لأني..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: لا أنا فقط أريد جواب على هذا السؤال لأن السؤالين الآخرين أجبنا عليهما قبل قليل، الأخير هذا ما حكم من أوصى بجميع أمواله للوقف مع وجود ورثة له؟ هل يجوز أن يستفيد من خدمات الوقف غير المسلمين؟ كنت قبل قليل قد أجبت عنه وهل يجوز تشغيل أموال الوقف والمضاربة بها؟ أجبنا على هذا السؤال لكن الأول لم نجب عليه من أوصى بأمواله مع وجود ورثة.

عبد الله بن بيه: لا.. يمكنه أن يوصي الوصية في الثلث فقط.

عبد الصمد ناصر: هو يقصد من يقفوا بعض أموالهم رغم أن لهم ورثة.

عبد الله بن بيه: إذا كان في شكل وصية لا يمكنه.

عبد الصمد ناصر: هو التعبير ربما خانه.

"
الواقف يجوز له أن يتجرد من جميع ماله ويتصدق به لوجه الله تعالى كما فعل أبو بكر الصديق، لكن إذا أراد أن يوصي وصية بعد موته فلا يمكنه أن يتجاوز الثلث
"
عبد الله بن بيه: لا هو في إذا أراد أن يعطي ماله في حياته فهذا في مذهب مالك يقول بن أبي زيد القيرواني ويجوز أن يتجرد من جميع ماله يتصدق بجميع ماله لوجه الله تعالى كما فعل أبو بكر الصديق، لكن إذا أراد أن يوصى وصية بعد موته فلا يمكنه أن يتجاوز الثلث.

عبد الصمد ناصر: هناك من قال ولمّح إلى ذلك أحد المشاركين بأن المشكلة في أن الناس لم تعد تثق في حكوماتها خاصة بعد أن دُمِجَت ميزانية وزارة الأوقاف في كثير من الدول مع الميزانيات العامة للحكومات وبالتالي هذا ربما شكل عائقاً أمام بعض من يرغب في أن يقف بعض ممتلكاته يعني ما الحكم الشرعي في دمج هذه الميزانيات؟

عبد الله بن بيه: هو لابد هنا من بيان وزارة الأوقاف قد تكون ناظرة بمعني أن تقوم بدور الناظر والناظر له جزء من الغلة إذا لم يأخذ راتبا من بيت المال، فيمكن أن تكون وزارة الأوقاف أو الجهة المختصة بالإشراف على الأوقاف أن تقوم بدور الناظر إذا كانت فعلاً تمارس وظائف الناظر من إشراف وصيانة لهذه الأوقاف وإيصالها إلى الفقراء، هنا وزارة الأوقاف يمكن أن تقوم بهذا الدور في ثلاث حالات هي التي ذكرت ألا يكون للوقف ناظر، مات شخص ولم يعين ناظراً والوقف قد يكون على جهة غير محدودة كالفقراء والمساكين يعني ليس على موقوفين حتى يستطيع هؤلاء الموقفون أن يقوموا بأخذ الوقف، الحالة الثانية هو أن يكون الناظر مبدداً ومفسداً فتتدخل يمكن للوزارة أن تتدخل كما يتدخل القاضي الأصل تدخل القاضي لكن الوزارة يمكن أن نقول أنها تقوم مقام القاضي في اجتهادها الجديد، الحالة الثالثة أن تكون الأوقاف سلطانية بمعني أن الحكومة هي التي وقفت هذه الأوقاف فإذا كانت الحكومة هي التي وقفت فبالإمكان أن تُعَيِنَ وزارة الأوقاف كناظر على الأوقاف، حين إذ الدمج أو يعني أو التفاعل بين أنا في الحقيقة كلمة دمج لا أحبها أود أن تكون أن توجد ميزانية للتسيير خاصة بالأوقاف.

عبد الصمد ناصر: مستقلة.

عبد الله بن بيه: أو للترميم هناك ميزانية للترميم وهذه لا خلاف فيها هناك ميزانية

عبد الصمد ناصر: سؤال أخير شيخ عبد الله.

عبد الله بن بيه: تفضل.

عبد الصمد ناصر: لكي نفعّل دور الوقف نعيد لهذه المؤسسة التي فقدت بريقها كما حيويتها ووجودها في المجتمع الإسلامي أي دور قد يلعبه العلماء ومجامع الفقه والنخب المثقفة في هذا الإطار؟

عبد الله بن بيه: هو كما أشار إليه الدكتور إبراهيم بيومي يعني يجب أن نقوم بحملة وكما أشار إليه أيضاً أخونا الذي تكلم من السعودية يجب أن نقوم بحملة لتفهيم الناس ولحث الناس ولحفز الناس على أن يكون لديهم حماس للشأن العام وحماس الأوقاف وأن يكونوا كالصدر الأول كالرعيل الأول الذين كانوا يختارون أنفس ما عندهم من المال يختاروا أحب ما عندهم من المال، هذا أبو طلحة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إن أحب مالي إلي برحاه وهي لله فاجعلها يا رسول الله حيث شئت وعمر يقول أنفس مال، فهذه هي الروح روح الإيثار روح المحبة روح السخاء الذي ينافي الشح يجب أن ننشئها في الناس يجب علينا أن نتحرك في هذا الاتجاه وبالتالي بالإمكان أن نعيد إلى الوقف مكانته كما نعيد إلى الأمة أيضاً مكانتها.

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين شكراً جزيلاً لك وشكرا لمشاهدينا الكرام ولكم في الختام تحيات مخرج الحلقة عبد الهادي عبيدلي ومنتجها معتز الخطيب ومني عبد الصمد ناصر فإلى اللقاء في حلقة قادمة بحول الله.