- شرعية حرية التعبير في الإسلام
- ثوابت حرية التعبير

- إساءة الحداثيين للمقدسات الدينية

- الفصل بين الأصول الإسلامية والتطبيقات التاريخية



خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حرية التعبير تشمل حرية اعتناق الرأي واستقاء الأفكار وإذاعتها وقد أثارت تطبيقاتها معارك فكرية عديدة وصل بعضها إلى محاكمات قانونية وهي في المجال الديني تُثير الكثير من الأسئلة، فما هو الحق في التعبير؟ وهل هو حق طليق من دون ضوابط؟ وما هي الثوابت الدينية التي يجب مراعاتها؟ وهل تُبيح هذه الحرية تحدِّي معتقدات الأمة أو الدعوة للكراهية أو المساس بالمقدسات بدعوى حرية التعبير؟ حرية التعبير وتطبيقاتها موضوع الحلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الشيخ فوزي آل سيف من علماء الشيعة في المملكة العربية السعودية، أهلا بكم فضيلة الشيخ فوزي آل سيف، فضيلة الشيخ نبدأ بمعنى حرية التعبير، عندما نقول حرية التعبير أو حق التعبير ماذا نعنى بذلك؟

شرعية حرية التعبير في الإسلام

فوزي آل سيف – من علماء الشيعة بالسعودية: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، فيما يرتبط بهذا السؤال ينبغي أن نؤصِّل له ضمن بعض القيم، الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان وحباه بنعمة العقل وجعل هذا العقل قادرا على اقتحام كثير من المجالات المجهولة والإجابة على الأسئلة التي تطرحها تلك المجالات بل كلَّفه في هذا الاتجاه بأن يعبد الله سبحانه وتعالى على أساس تعقِّله وتأملِّه وتفكِّره لأن العقل قادر على الوصول إلى هذا الجانب فلا يعقل بعد ذلك أن يفرض التشريع الإسلامي حواجز أمام هذا العقل الذي فُرِض أنه قادر على الوصول إلى إجابات، هذه النقطة أراها نقطة مهمة باعتبار أن حرية الرأي، حرية التفكير ينبغي أن تُؤصَّل ضمن نعمة العقل التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان وأيضا ينبغي تأصيلها ضمن قيمة الحرية التي خلق الله الإنسان على أساسها وجعل هذا الإنسان حرا وألزمه بأن يُمارِس هذه الحرية،  دعاه إلى ألا يكون عبدا إلى غيره، دعاه إلى أن يحتفظ بهذه الحرية بل بعث الأنبياء لتكريس هذه الحقيقة، {يَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} فليس معقول بعد ذلك أن يأتي أحد ويفرض على هذا الإنسان كوابح وقمعا وكبتا وقيودا ويمنعه من حرية التفكير أو حرية إبداء الرأي، نعم لابد من الحديث عن نظام في حرية التعبير وإلا فإن النتيجة ستكون بلا نظام فوضى لها أول وليس لها آخر، نحن نعتقد أن الإسلام شرَّع حرية الرأي وحرية التعبير ضمن نظام خاص وجعل هذا الجانب مدخلا لكثير من الحلول التي ينتفع بها هذا الإنسان، أولا في البداية حرية التفكير ثم حرية التعبير عن ذلك الرأي هي تحقيق لإنسانية الإنسان.

خديجة بن قنة: حرية التفكير هي المرحلة التي تسبق حرية التعبير عن هذه الأفكار والآراء التي يعتنقها الإنسان.

فوزي آل سيف: صحيح.

خديجة بن قنة: حرية التفكير ثم حرية إبداء هذه الفكرة أو هذا الرأي هي مكفولة في الفكر الإسلامي برأيكم؟

فوزي آل سيف: صحيح، هي مكفولة لأنها تعتمد على أسس مُؤصَّلة هي أصل الحرية في الإنسان وأصل العقل في الإنسان، فلا يُعقل بعد ذلك أن تكون التشريعات التي تستقي.. نحن نعتقد أن التشريعات التفصيلية تَستقي من القيم الأساسية فإذا كانت القيم الأساسية في الإسلام تكريم العقل وإعطاؤه الدور الأكبر وتركيز على جانب الحرية لا يُعقَل أن تُنتِج هذه القيم المُؤصَّلة إلا حرية الرأي وإلا حرية التفكير.

خديجة بن قنة: نعم، طيب عند الشيعة بما أنكم من علماء الشيعة فضيلة الشيخ هل تؤثِّر مرجعية الفقيه أو ولاية الفقيه على حرية الرأي لدى الشيعة؟

فوزي آل سيف: لا أرى هناك يعني تأثيرا لمرجعية الفقيه أو ولاية الفقيه على حرية الرأي، مرجعية الفقيه هي يعني الرجوع إلى المتخصص في هذا الجانب وهي أمر لا يختصُّ بالشيعة، كل مجال من المجالات له متخصصون وله أهل الذكر فيه، في الطب يوجد هناك جهات متخصصة، في الهندسة يوجد هناك جهات متخصصة أن أُبدِي أنا رأيي لا يُمانع ذلك أن أرجع إلى أهل التخصص وأن يكون رأي المتخصص مُقدَّما على رأيي وهذا لا يختص بالشيعة ولا يختص بالمجال الديني وإنما هو رأي بشري عام فلا نعتقد نحن أن هناك تَخالُفا.

خديجة بن قنة: نعم، لكن فضيلة الشيخ الواقع يؤكد غير ذلك المرجع أو المرجعية الشيعية دائما تتدخل في كل صغيرة وكبيرة ولدينا المثال الأكبر مرجعية السيد السيستاني في العراق، فهناك من يرى بأن عصمة بعض الأئمة عند الشيعة وهم طبعا من البشر يفرض ولاءً شبه مطلق لهؤلاء الأئمة، ألا يُضيِّق ذلك برأيكم من حرية الفكر والرأي؟

فوزي آل سيف: يعني ينبغي أن نفصل بين الأمرين بين ما يرتبط بالمرجعيات الشيعية التي لا أحد يقول بعصمتها وإن بلغت من العلم والورع والتقوى شيئا كبيرا إلا أنها بالتالي تبقى في جانب يمكن أن يُستَدرَك عليها يمكن أن تُناقَش والشاهد على ذلك هو باب الاجتهاد والنقاش فيه، لو كان هناك رأي أن المرجع الشيعي أو الفقيه الشيعي مثلا لا يُستدرَك عليه ولا يُناقَش لما كان هناك مجال لقضية اجتهاد ولا لنقاش في هذه الأمور، نعم فيما يرتبط بالعصمة التي نعتقدها للنبي صلى الله عليه وآله وللأئمة المعصومين الأمر يختلف في هذه الجهة.

خديجة بن قنة: هل لكم أن تشرحوا لنا طبيعة هذا الاختلاف؟

"
حرية الرأي والتفكير ينبغي أن تؤصل ضمن قيمة الحرية التي خلق الله الإنسان على أساسها، وليس من المعقول أن يأتي أحد بعد ذلك ويفرض قمعا وقيودا على الإنسان ويمنعه من حرية إبداء رأيه
"
فوزي آل سيف: كما هو الحال بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نحن نعتقد أن النبي فيما يرتبط بالتبليغ وكونه مُبشِّرا ومنذِرا ورسولا من الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينطق إلا عن وحي الله ولا يتحدث إلا من خلال هُدَى التشريع، شيعة أهل البيت يعتقدون أن نفس هذا الموقع التبليغي، نفس هذا الموقع القيادي الموجود لرسول الله صلى الله عليه وآله يوجد أيضا للأئمة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام، قد يُناقش إنسان في أن هل هناك نصٌّ أو وصية أو غير ذلك ولكن نحن نتحدث بعد الفراغ عن أن أئمة أهل البيت عليهم السلام هم الامتداد لرسول الله وبالتالي فهم أيضا يُبلِّغون عن الله بما ورثوه من علم رسول الله صلى الله عليه وآله.

خديجة بن قنة: إذاً لا يملك الشيعي حرية الفكر والرأي في حضور هذه المراجع الأئمة؟

فوزي آل سيف: بالنسبة للأئمة المعصومين نعم كما أن المسلم عموما لا يملك ذلك بالنسبة إلى رسول الله، أصل القضية مُتَّفق عليها وهي أن فيما يرتبط بالإنسان المعصوم عن الخطأ كرسول الله باتفاق المسلمين وكالأئمة بالنسبة إلى شيعة أهل البيت في هذه الدائرة لا يستطيع الإنسان أن يَستدرِك في هذا الجانب العقدي أو الفقهي باعتبار أن ذلك الشخص المعصوم يُعبِّر عن وحي الله سبحانه وتعالى.

خديجة بن قنة: نأخذ فاصلا قصيرا ثم نواصل الحديث في موضوع حرية التعبير مع فضيلة الشيخ فوزي آل سيف من علماء الشيعة في المملكة العربية السعودية ثم نعود إليكم مشاهدينا.

[فاصل إعلاني]

ثوابت حرية التعبير



خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم حرية التعبير وتطبيقاتها مع فضيلة الشيخ فوزي آل سيف من علماء الشيعة في المملكة العربية السعودية، أهلا بكم فضيلة الشيخ مرة ثانية، نريد أن نتحدث عن الثوابت التي تُرافق حرية التعبير، هل الحرية في التعبير وحرية التفكير وحرية الرأي هي حق ثابت مُطلق لكل إنسان أن يقول ما يشاء متى يشاء وكيفما شاء؟

فوزي آل سيف: يبدو أنه لابد أن نفصل بين مستويين؛ المستوى الأول هو حرية التفكير وحرية الرأي والمستوى الآخر هو حرية التعبير عن تلك الآراء، بالنسبة للمستوى الأولى لا أعتقد أن هناك مجالا للتحديد، لا أعتقد أن هناك مجالا لتحديد الفكري من الحديث ومن التفكير ومن النظر ومن التأمُّل، هناك أسئلة موجودة في الواقع هناك أسئلة تنعكس على ذهن الإنسان فيفكر فيها وينظر فيها ولا يمكن أن يُمنَع عن الإنسان هذا المجال ولذلك لا يُحاسَب الإنسان على بعض.. على تفكير في بعض الأسئلة الحرجة مثل التَفكُّر في الخالق على سبيل المثال، نعم في مستوى آخر يمكن الحديث عن مُحدِّدات وعن ضوابط وهو مستوى حرية التعبير عن تلك الآراء، وصل الإنسان إلى نتيجة ما من النتائج سواء كانت صحيحة أو سقيمة، متى يمكن أن يعبِّر عن هذه الآراء؟ وما هي المُحدِّدات إن صح التعبير أو الضوابط التي تفرض على الإنسان مسارا معينا في تعبيره عن تلك الأفكار؟ هذا المستوى يمكن الحديث..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: ما هي إذاً هذه الضوابط ومن يضعها؟

فوزي آل سيف [متابعاً]: نعم، بالنسبة للضوابط أعتقد أن من أهم هذه الضوابط ثوابت الدين وما عُلِم من الدين بالضرورة وكَوْن هذا ثابت من الثوابت التي تُنظم حرية التعبير ينبغي أن يكون واضحا لأنه لا يوجد هناك دين أو شريعة تُشرِّع إلغاء نفسها، يعني لو فرض إنسان أنه ينبغي للدين أن يُشرِّع الحديث في نفي القرآن مثلا أو في نفي الأحكام الدينية ولماذا الإسلام لا يقبل بهذا الأمر، فواقع هذا الكلام ينتهي إلى أن شريعة ما تُشرِّع إلغاء نفسها تُشرِّع إعدام نفسها وهذا أمر غير معقول يعني أن هذه الشريعة وهذه العقيدة لا مصداقية لها، فأولا ثوابت الدين وعندما نقول ثوابت الدين وما عُلِم من الدين بالضرورة يعني هذا أن هناك مجموعة من القضايا لا تتسع كثيراً لأن كثيراً من الأمور هي عبارة عن اجتهادات لمجتهدين أو هي عبارة عن اجتهادات مذاهب وطوائف وهناك عدد من القضايا يَتِّفق عليها كل الطوائف في الإسلام فضلا عن كل المجتهدين، هذه الأمور هذه الثوابت يمكن أن تكون..

خديجة بن قنة: لكن مازلنا إلى الآن لم نعرف ما هي هذه الثوابت؟ هل هي القيم المجتمعية المشتركة بين كل الأديان؟

فوزي آل سيف: نعم نتحدث عن ثابت آخر وهي قضية القيم، القيم العليا للأمة، الثابت الأول يرتبط بالقضية الدينية ثوابت الدين هذا نعتقده أنه مما يُنظِّم عملية التعبير عن الرأي ويُحدِّد وإن كنت لا أُفضِّل كثيرا تعبير التحديد لكن من باب ضيق العبارة كما يقولون يُنظِّم حرية التعبير أولا ثوابت الدين وثانيا القيم العليا للأمة، كل أمة من الأمم يوجد فيها قِيم عليا تسعي إليها تريد تحقيقها هي جزء من وجودها، هذه القيم لابد أن تفرض على من يتكلم ومن يتحدث مسارا معينا لكي لا يُخلَّ بتلك القيم.

خديجة بن قنة: طيب فضيلة الشيخ حتى نفهم هذه الثوابت لتُعطنا أمثلة على سبيل المثال.

فوزي آل سيف: نعم؟!

خديجة بن قنة: لتُعطنا أمثلة عن هذه الثوابت حتى..

فوزي آل سيف: الثوابت الدينية؟

خديجة بن قنة: نعم سواء الدينية أو الأخلاقية المشتركة بين كل الأديان.

فوزي آل سيف: نعم، يعني ما يرتبط بثوابت الدين الإسلامي على سبيل المثال نظام العبادة كمثال في أصله، القرآن بالنسبة لنا مثلا من الثوابت عندما يأتي شخص ويتحدث ضمن إطار يعتبره حرية التعبير في نفي القرآن لا يُمكن لهذه الأمة أن تقبل من متحدث نفي ثابت من ثوابتها هو دستورها وهو شريعتها وهو نظامها، العبادات على سبيل المثال الصلاة والصيام في أصلها لا في تفاصيلها ولا في تفريعاتها، عندما يأتي أحد لكي يتحدث ضمن عنوان حرية التعبير أنه أنا أريد أن أنفي هذه الأمور لا يمكن لهذه الأمة أن تقبل منه مثل هذه الأمور.

خديجة بن قنة: نعم، يعني مثلا من ينطق بالكفر أو يَسُب الله والرسل صلوات الله عليهم يدخل ضمن هذا النطاق؟

فوزي آل سيف: يدخل ضمن هذا النطاق بلا شك.

خديجة بن قنة: وفي هذه الحالة هل يجوز ملاحقة هؤلاء قانونيا، التفريق بينهم وبين أزواجهم أو زوجاتهم، تهجيرهم؟ كما نلاحظ يعني كثير من القضايا التي نعيشها في وقتنا المعاصر أدَّت إلى التفريق بين الزوجين إلى تهجير الكاتب أو المفكر الفلاني وما إلى ذلك.

"
يرى قسم من العلماء أن هناك فترات هي فترات الشبهة أو الصراع الفكري لا يمكن أن يطبق فيها حد الردة، فليس كل زمان يمكن أن تقام فيه حدود الردّة
"
فوزي آل سيف: نعم، هذا يدعونا إلى الدخول في موضوع ما يُسمُّونه بحث الرِدَّة أن إنسانا مسلما مثلا يكون في مجتمع مسلم ويُفترَض فيه هو الإسلام فتبدو له أفكار تُصنَّف على أنها تراجُع على النظام الإسلامي وعلى الفكر الإسلامي وأنا أعتقد كما يرى كثير من العلماء ذلك أولا ينبغي تحديد الزمان ليس كل زمان يمكن أن تُقام فيه حدود الرِدَّة، هناك فترات هي فترات الشُبهة هي فترات الصراع الفكري يذهب قسم من العلماء وهم قسم غير قليل إلى أنه في مثل هذه الأزمنة لا يمكن أن يُطبَّق حد الرِدَّة وما يتطلبه من إجراءات مثلما تفضلتم، جهة أخرى لابد من التفريق بين مستوى الاعتقاد ومستوى الدعوة إلى تلك الأفكار، تارة شخص يرى أن الأمر الفلاني ليس ثابتا يَسُب مثلا الرسول غير ذلك لا يعتقد به بعد ما كان مُسلِما تارة يكون ضمن دائرة نفسه ضمن قضية شخصية وأخرى يتحول إلى داعية وإلى مُبشِّر، في الواقع هناك ما عبَّر عنه بعض الفقهاء هذا الشخص الآخر يمارس الحِرَابَة الفكرية والعدوان الفكري وهذا ينبغي تمييزه عن الشخص الأوَّل، الشخص الأول هناك رأي بين العلماء يقول إنه لو تراجع وارتد فيما بينه وبين نفسه ليس بالضرورة أن تُطبَّق عليه كل تلك الأمور ولكن إذا تحوَّل إلى داعية إذا تحوَّل إلى مُعلن للحرب على كل هذا النظام وهذا..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: يعني هناك فرق بين اعتناق هذه الفكرة أو هذه العقيدة والترويج لها؟

فوزي آل سيف [متابعاً]: والترويج لها وتحويلها إلى منهج يُدعَى إليه لأنه سينتهي بالفعل إلى تقويض النظام الاجتماعي، هذا الإنسان يُعلن الحرب على المجتمع كما يوجد لدينا مثلا حِرَابَة عملية ومُسلَّحة قد يمكن التعبير عن هذا العمل بأنه حِرَابَة فكرية وعدوان فكري، نقطة ثالثة قبل أن نتجاوز هنا وهي أن مثل هذه القضية في الواقع ينبغي أن ترتفع من مستوى العَوام إلى مستوى المفكرين وخصوصا مع الأخذ بعين النظر ظروف الزمان، يعني في بعض الأزمنة هي تكون أزمنة شُبهة هي تكون أزمنة فيها كثير من الاصطراع الثقافي والفكري فينبغي التمييز بينها وأن ترتفع هذه القضية من الحالة العامة التي يتقرَّب فيها بعض عوام الناس حِسبَة أو غير ذلك وينتج عن هذا خطر كبير.

خديجة بن قنة: نعم، سأعطيك الفرصة فضيلة الشيخ فوزي آل سيف لتكملة هذه الفكرة لكن بعد أن نأخذ موجزا لأهم الأنباء من غرفة الأخبار فانتظرونا بعد الموجز.

[موجز الأنباء]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم حرية التعبير وتطبيقاتها في الإسلام مع فضيلة الشيخ فوزي آل سيف من المملكة العربية السعودية، فضيلة الشيخ قبل الفاصل كنَّا نتحدث عن الثوابت في حرية التعبير هل تختلف هذه الثوابت من مذهب إلى آخر أم أنها نفسها ثوابت ثابتة في كل المذاهب؟

فوزي آل سيف: نحن نتكلم عن ثوابت الدين.

خديجة بن قنة: بشكل عام؟

فوزي آل سيف: وبالتالي فلا يختلف الحال من مذهب إلى آخر.

خديجة بن قنة: نعم ضمن هذه المذاهب فضيلة الشيخ عفوا ضمن هذه الثوابت لديّ بعض الأقوال والكتابات أين تُصنِّفها؟ منها أحدهم يقول إن الرسول الله صلى الله عليه وسلم فشل في نشر الرسالة لمدة 13 عام في مكة وقال كاتب أميركي إن المسيح عليه السلام كان شاذَّا جنسيا وقالت إحدى النساء إن أحكام القرآن أحكام مُتخلِّفة ولا يجوز تطبيقها في هذا العصر وهكذا وطبعا تفادينا ذكر الأسماء لعدم التشهير بها، هل هذا من قبيل حرية التعبير هذه الكتب وهذه المنشورات وهذه الأفكار التي تُروَّج؟

فوزي آل سيف: يعني أنا أعتقد أن بعض هذه المقولات والكلمات هي تأتي في ضمن إطار الإثارة أكثر منها في إطار الرأي الناضج والمُتتبِّع وبالتالي في مثل هذه الحالات ينبغي إفساح المجال للحديث مع هؤلاء والنقاش معهم، أنا إجمالا لا أرى أن من المناسب أن تكون رَدَّة فعل المسلمين تجاه مثل هذه الكلمات هي الحالات السياسية المُتشنِّجة أو غير ذلك أو الطرد الاجتماعي وإنما أنا أعتقد ما قاله القرآن الكريم {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} إذا وصلنا إلى مجتمع يمكن فيه أن يكون الرُشد بَيَِّنا وواضحا لن يكون لمثل هذه الأقوال مُستمع بل مُتبني لها.

خديجة بن قنة: إذاً الأجدى هو مقاطعة هذه الأعمال؟

"
الأفكار الشاذة والمتشنجة ضد الدين لا تحتاج إلى سلطة سياسية تقاومها، إنما ينبغي أن يتناولها العلماء وأهل المعرفة في مجالس الرأي
"
فوزي آل سيف: الأجدى في تقديري هو أن يُتاح المجال للرأي حتى يصارع الرأي وللفكر حتى يقوم ببيان خطر الرأي الآخر الشاذ والمنحرف وعدم إعطاء هذه الآراء الشاذة وغير الصحيحة مدىً وأُفقا أكثر من حجمها الحقيقي، نحن وجدنا في التاريخ على سبيل المثال نموذجين في معالجة الانحرافات العَقَدية، نموذج ما سُمِّيَ بصاحب الزنادقة التي يعني تأسس كمنصب في أيام المهدي العباسي وكان أي شخص يتبنى فكرا غير سليم يُعرَّض للقتل وهناك طريق آخر سلكه العلماء وهو أنهم كانوا يتناظرون ويتناقشون حتى مع هؤلاء، يُنقَل في أحوال الإمام جعفر الصادق أنه جاء إليه أبو شاكر الديصاني في الكعبة عند البيت الحرام وبدأ يقول له ما هذه الأعمال غير العُقَلائِية التي تقومون بها من الطواف ومن السعي ومن الكذا؟ ربما لو كان فيه وسط سياسي لربما كان يُقتَل ولكن أقبل عليه الإمام جعفر بحديثه وبيَّن له فلسفة هذه الأمور فرجع ذلك الرجل وهو مُقتنع بحكمة هذه الأمور، نحن نعتقد أن مثل هذه الأفكار لا تحتاج إلى سلطة سياسية تُقاومها لأن السيف لم ينتصر أبدا على فكرة ولا ينبغي تركها للمستويات الثقافية الدنيا وإنما ينبغي أن يتناولها العلماء في مجالس الرأي في مجالس الحديث والنقاش وإلا لو تُرِكت كما حصل في بعض بلادنا الإسلامية مع الأسف حالات أشخاص يعني لا يُصنَّفون في الأفق الثقافي وإنما كما قالوا حسبة لله يأتون ليقتلوا هذا الإنسان أو يذبحوه أو يفعلوا به كذا وكذا، يَحضُرني هنا من باب الشيء بالشيء يُذكَر، أحدهم يقول دخلت في مسجد في بلد من البلدان الإسلامية فوجدت جماعة قد أحاطوا برجل وهم يوسعونه ضربا وصفعا وركلا فتعجَّبت ما هو السبب؟ فإذا بي أرى شخصا قد دخل وهو متعجل فلما رأى الجماعة يضربونه زاده ضربا بقوة، فقلت لعلّ هذا الشخص يعرف الذي جاء أخيرا ما هو ذنب ذلك الإنسان فذهبت إليه وقلت له ماذا أذنب هذا الشخص حتى تضربوه هذا الضرب الشديد؟ قال والله أنا لا أعلم بذلك ولكن رأيت هؤلاء يضربونه فقلت لا شك أن لديهم سبب لكي يضربوه فضربته حِسبة لله ورجاء لأجره، في كثير من الحالات عندما تكون هذه القضايا الفكرية والثقافية مُتاحة لغير أهل العلم غير أهل المعرفة غير المتخصصين غير المثقفين وأنا لا أتحدث عن علماء يعني مَن يعتمرون العِمَّة لا وإنما مَن هو عارف وعالم بهذه القضايا الثقافية، ينبغي أن تُعالَج كل هذه الأفكار في تلك الدوائر لا تُترك للاستبداد السياسي لكي يتخذ إجراءً ولا تترك أيضا للحالة الاجتماعية العامة حتى تتخذ إجراءً وإلا كان ما يُفسَد من خلال ذلك أكثر مما يُصلَح.

خديجة بن قنة: لكن أهل العمائم وأهل العلم هم الذين في النهاية يُمهِّدون الطريق للحكام للتعامل مع هذه الظواهر بهذه الطريقة أليس كذلك؟

فوزي آل سيف: نعم، هذا الكلام صحيح ولكنه ليس الاتجاه الصحيح، هذا تشخيص لواقع حصل في أمتنا الإسلامية منذ فترات بعيدة عندما سمح بعض العلماء أو الفقهاء من قضية فتنة خَلْق القرآن وقِدَم القرآن وكانت يعني استفاد منها الحكام لكي يفتكوا ويبطشوا بخصومهم فلما جاء الطرف الآخر بطش بخصومه ضمن عمل سياسي، هذه اتجاهات ما كانت اتجاهات صحيحة وإلى اليوم أيضا لا تزال بعض هذه الاتجاهات قائمة ونحن نعتقد أن هذه تزيد الأمر سوءاً سواء كانت قد أتت من عالِم أو من غيره.

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ تقولون لا يجب أن يُعامَل هؤلاء بحدّ السيوف لكن كما قلت أيضا في الواقع السيوف قطعت أعناق الكثير من هؤلاء المُفكرين وأصحاب آراء مختلفة منافِية لقِيَم المجتمع والمُقدَّسات الدينية، أين الطمأنينة هنا إلى قول الله سبحانه وتعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}؟

فوزي آل سيف: صحيح، هو ما تفضَّلتم به من الاستشهاد بالآية أفضل دليل على أن ذلك الاتجاه ليس الاتجاه الصحيح، الاتجاه الصحيح الذي يُقرِّره الدين يقول {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لا إكراه سواء قلنا أن معناها يُمنَع الإكراه، يَحرُم الإكراه في الدين كما يذهب إليه بعض من نظر في هذه الآية أو قال بعض أن لا إكراه هي إخبار بحيث الدين لمَّا كان من شأن القلب والاعتقاد فلا يمكن الإكراه فيه، فالإكراه آنئذ يكون عملا عابثا عملا أحمق، أنت تستطيع أن تُكرِه إنسان في حركة يده ورجله ولسانه لكنك لا تستطيع أن تتحكم في حركة قلبه، فلا إكراه يعني لا يمكن الإكراه في الدين حتى لو أكرهته على ظاهر الأمر، طريقة العلاج التي تمَّت كما تفضلتم قد تزيد المشكلة أحيانا تستدعي أنصارا تستدعي تعاطفا ولو بمنطلق أن الذي يقع عليه ظلم ظاهر يتعاطف معه الناس مع أنه ربما لو كان وُضِعت تلك الفكرة الفاسدة أو المنحرفة ضمن إطارها الطبيعي وعولجت معالجة ثقافية وفكرية لذهبت كما يذهب الزبد وقد رأينا في تاريخ المسلمين الآن منذ بعثة رسول الله صلى عليه وآله إلى يومنا كم من الأفكار جاءت من طُرق منحرفة، كم من العقائد حاولت أن تدخل لكن الخط العام والمتن العام الإسلامي بقي صافيا ونقيا إلى يومنا هذا وبقاؤه إنما كان لجهة أن الإسلام فيه مُقوِّمات القوة وتلك الأفكار في ميدان النزاع الفكري لم يكن لها مجال للصمود.

خديجة بن قنة: طيب على ذكر.. نعم.. على ذكر الآية التي ذكرتموها {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} يسأل أسامة منصور مراد من أسبانيا يقول ألا يوجد تناقض بين ما يدعو إليه القرآن من حرية الاختيار والتعبير عن الرأي وبين التطبيق المعمول به في الإسلام يقول الله تعالى {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} فلو أن شخصا قد قرَّر ألا يكون مسلما يُستَتَاب ثم إن لم يعُد إلى رشده يحاكم كمرتد ويُقتل، فهل هذا النص القرآني يعتمد كمرجع في هذه الحالة؟

فوزي آل سيف: نعود مرة أخرى إلى قضية الرِدَّة ربما..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: طبعا لأنه حرية التعبير جزء أيضا من الحريات الدينية ولا يمكن أن نفصل بين الاثنين.

فوزي آل سيف: لو الأخ السائل توجَّه إلى بعض النقاط التي ذُكرت، أولا قلنا أن قضية الرِدَّة وما يرتبط بها من أحكام ليست في كل الأوقات، يرى بعض العلماء وهم كثرة أنه في ظروف الفتنة في ظروف الشُبهة الفكرية هذا الأمر غير وارد، لابد من التفريق أيضا كما قلنا بين مستويين بين مستوى القناعة الداخلية الخاصة والتي يرى بعض الفقهاء أنه لا تستوجب تلك الآثار وبين الدعوة إلى هذه الأفكار المنحرفة والذي هو نوع من أنواع العدوان الفكري ونوع من أنواع تهديم النظام القائم وهذا لا يمكن أن يُسمح به في أي مكان.

خديجة بن قنة: طيب لو جئنا إلى السائد حاليا في عالم الفن اليوم على تنوعه نجد أن ثمة ممارسات غنائية وتمثيلية فنية فيها.. يعني خارجة تماما عن قيم المجتمع الإسلامي بغض النظر عن المذاهب، هل يدخل هذا في إطار التعبير برأيكم؟

فوزي آل سيف: يعني إذا تناقض هذا الأمر هذه الممارسة وقامت على فكرة تُناقض القيم العامة للأمة أقول نعم لا ينبغي أن يتم التعبير عن تلك الفكرة ولو بهذه الصورة لأنها تُناقض ثابتا من ثوابت الدين أو قيمة من قِيَم الأمة العليا، لا يختلف الحال يعني بين أن أكتب كتابا أو أن أتكلم كلاما مُخالفا لهذه الأمور أو أن أعبِّر عنه بصورة أخرى.

خديجة بن قنة: لكن في النهاية هي هذه الفنون هي أو التمثيل هو انعكاس لمرآة المجتمع لما يحدث في المجتمع وغالبا المدافعون على هذا النوع من الفن يقولون إننا يجب أن نتقبل ذلك لأنه يعكس ما هو موجود في المجتمع، يعني في النهاية ليست إلا واقع يُعكس على مرآة فنية.

فوزي آل سيف: هو إحنا بالنسبة إلينا قضية الأداء والكيفية ليست مُهمة المهم هو ما خلفها، أنا من خلال عملي الفني أريد أن أهدم ثابتا من ثوابت الدين، أُريد أن أُفسِد قيمة من القيم العليا في للأمة لا يختلف الحال بين أن أكتب كتابا في ذلك أو أن أقوم به عمل فني في ذلك، ففي كلتا الحالتين نحن نرى أن هذا ليس له مجال من حرية التعبير لأنه سيُبتَلى بتجاوز ذلك النظام بتجاوز ثابت من ثوابت الأمة بتجاوز قيمة من القيم العليا بتجاوز حقوق بقية الناس، في كثير من الأحيان حق الناس حق الآخرين المادي أو المعنوي لو كانت حرية التعبير تُناقضه وتضاده لا ينبغي أن يُسمح بها.

خديجة بن قنة: إذا هناك خط يجب احترامه يفصِل بين الإبداع وبين.. كيفما كان هذا الإبداع فكريا فنيا وبين القيم الكبرى للمجتمع التي يجب الحفاظ عليها وحمايتها، طيب هناك خط أيضا يفصل ما يسيء أو يؤذى مشاعر الناس وانتماءاتهم وبين حقوق هذا المذهب أو هذا التيار أو هذه الجماعة في اعتناق أفكارها والدفاع عنها حتى يعني خصوصا بالنسبة للأقليات، ما رأيكم؟

فوزي آل سيف: ما توجهت إلى يعني مركز السؤال تماما.

خديجة بن قنة: يعني مسألة اعتناق الأفكار يعني خصوصا الأقليات تشعر دائما بعُقدة الأقلية وتحاول أن تُحافِظ على أفكارها وإن حوربت يعني في غالب الأحيان تكون مُحاربة من قِبَل..

فوزي آل سيف: الأكثرية.

خديجة بن قنة: كيف يمكن الحفاظ على حرية التعبير في مثل هذه الحالات؟

فوزي آل سيف: في الواقع أنا أعتقد أن حرية التعبير أيضا هي عنصر من عناصر السلم الاجتماعي والتفاعل بين مُكوِّنات المجتمع، مجتمعاتنا متعددة أحيانا مذهبيا وأحيانا عرقيا وأحيانا لُغويا ونحن جميعا نهدف إلى إيصال هذه التجمعات إلى حالة سلم وحالة تفاعل إيجابي، السِّلم والتفاعل الإيجابي لا يمكن فرضه بالقوة لا يمكن تذويب مذهب ولو كان أقلية في الأكثرية لا يمكن تذويب فئة عرقية في الأكثرية المجاورة لها.

خديجة بن قنة: ماذا لو هُضِمت حقوق هذه الأقلية فرضا؟

فوزي آل سيف: كيف نستطيع أن نصنع سِلما اجتماعيا بين هذه أن نترك المجال لهذا لكي يقول رأيه وذاك لكي يقول رأيه وهذا يُرجِعنا إلى أن حرية الرأي والتعبير عنه في ضمن تلك الثوابت والأطر العامة هي تُحقق لنا السِّلم الاجتماعي والتكافل وتقضي على كثير من المشاكل المعاصرة في مجتمعاتنا.

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ، يسأل محمود فاروق من مصر يقول لا حرية تعبير عُرِفت على تاريخ.. مدار تاريخ الإسلام، إن حرية التعبير لم تُعرف في أي تاريخ كما كانت عند بداية العصر الإسلامي والعصر الذهبي للمسلمين لكن الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار هو ما هي حدود تلك الحرية؟ فإن الإسلام لا يقبل أبدا التطاول قبل قليل على المُقدَّسات باسم الحرية وهذا حق فعموما الحرية في الشريعة الإسلامية تجد موانع عدة من بعض الجهات، طبعا يقصد من الجهات..

فوزي آل سيف: السياسية.

خديجة بن قنة: السياسية الحاكمة وذلك لمصالح خاصة محليا ودوليا تخدم هذه الطبقة، هل تشاركونه الرأي؟

فوزي آل سيف: صحيح، أنا أعتقد يعني الذي حدث في تاريخ المسلمين عندما دخلت السلطات السياسية على خط الفكر وآنئذٍ تبنت فكرةً وأقصت فكرةً أخرى وضغطت على أتباعها هذا هو الذي أفسد الأمر وإلا نحن نجد بين مثلا الفقهاء المسلمين بين المتكلمين حالة من المناظرة والاحتجاج والكلام ورأيي أعتقد أنه صحيح إلى أن يثبت بطلانه ورأيك يُحتَمل أن يكون خطأً وهكذا، لكن عندما دخلت السلطات السياسية في أدوار المسلمين على خط الفكر آنئذٍ أفسدت الأمر.

خديجة بن قنة: وتقريبا نفس الرأي لمحمد الجزائري من الجزائر يقول فضيلة الشيخ من المُضحكات المُبكيات في عالمنا العربي والإسلامي أن ننتقد الحريات ونحن المقهورون وأن ننتقد الديمقراطيات ونحن تحت حكم الديكتاتوريات، إذا كان النظام الديمقراطي سيئ فهل هو أسوأ من الأنظمة التي نعيش تحتها؟ طبعا حرية التعبير لا يمكن فصلها عن الحديث عن الديمقراطية هناك علاقة.. الديمقراطيات تحمي الحريات أليس كذلك؟

فوزي آل سيف: صحيح، هم يذكرون أن الديمقراطية والنظام الديمقراطي يبتني على عدة أعمدة أحد أهم تلك الأعمدة هي حرية الرأي، هو كلام صحيح.

خديجة بن قنة: حرية الرأي هي عِماد أي ديمقراطية إذاً أنتم مع الأنظمة الديمقراطية في الدول الإسلامية.

فوزي آل سيف: نعم بلا شك.

خديجة بن قنة: نعم، نأخذ الآن من مصر، نأخذ مشاركة الدكتور عبد الوهاب المسيري من مصر، الدكتور والمفكر عبد الوهاب المسيري هل أنت معنا؟

عبد الوهاب المسيري – كاتب مصري: نعم.

إساءة الحداثيين للمقدسات الدينية



خديجة بن قنة: نعم، أهلاً بكم أولاً، دكتور عبد الوهاب المسيري يسعى دائما الحداثيون حسب البعض إلى النيل دائما من المُقدسات الدينية وكأنك كلما نِلت من هذه المقدسات وكلما انتقدتها وتهجمت عليها زِدت حداثة، هل تشارك هذا الرأي؟

عبد الوهاب المسيري: أنا بأعتقد أن كثير من الحداثيين والعلمانيين العرب، غير مُدركين لأشياء كثيرة غير مُدركين لطبيعة التجربة الدينية، غير مُدركين للطبيعة الإنسانية، غير مُدرِكين لطبيعة المُقدَّس في حد ذاته، فأي مجتمع حتى لو كان مجتمع علماني ومجتمع مُلحد له مُقدَّساته وهذه المُقدسات بتسبق العملية العقلية والعملية الفكرية نفسها، بمعنى مثلا في الولايات المتحدة بنجد أنه الملكية الخاصة هي إحدى المُقدسات وبالتالي الدستور الأميركي نفسه ينصّ على إنه حرية تشكيل الأحزاب كل شيء إلا تلك التي تُحاول قلب نظام الحكم عن طريق الثورة وإن بتمتد لمسألة الملكية الخاصة، في الاتحاد السوفيتي كان هناك مُقدَّسات كثيرة من ضمنها مسألة العمال والفلاحين، الحزب الواحد وهذه مُقدسات تسبق العملية الفكرية نفسها ولذلك حتى تُسمَّى ما قبل المعرفية يعني ما قبل عملية التفكير نفسها، فالمُقدس يعني يمكن تعرفيه أنه شيء يتم فصله عما حوله ثم يُحاط بمجموعة من المحرمات الطقسية بحيث لا يقترن بالموجود العادي من الشيء المقدس إلا إذا قام بعدة طقوس تمهيدية وتبحرية تُؤهله للاتصال به، في حالة المجتمعات العلمانية بتبقى مسألة مُفترضة ومُستبطنَة، في المنظومات التوحيدية بنجد أن المُقدَّس مُقدَّس بمعنى مجازي فقط بمعنى إنه بيتحول إلى إشارة إلى المبدأ الواحد في الكون اللي هو الله سبحانه وتعالى لكن له تَبَدِّيَات المُقدَّس في أشياء كثيرة يعني مثلا نحن نتحدث عن الحرم الجامعي، الحرم الجامعي بمعنى إنه بيتطلب سلوك معين ولا يمكن الإنسان ألا يسلُك فيه يسلك يعني بسلوك مُعيَّن يعني مثلا لا يمكن الذهاب للجامعة بمايوه مثلا يعني، ده مَثَل ربما يكون بسيط وربما يكون تافه لكن هو يُبيِّن مسألة أن حياة الإنسان وحياة أي مجتمع فيها قدر كبير من المُقدَّسات والتي تسبق عملية التفكير نفسه.

خديجة بن قنة: احترام المقدسات حتى في المجتمعات المُلحِدة كما قلت؟

عبد الوهاب المسيري: نعم، يعني لينين مثلا، قبر لينين أصبح كعبة تُزار، يعني حتى كان للذين يريدون الزواج للاحتفال به يذهبون لأخذ صورهم على قبر لينين فتحوَّل القبر إلى شيء مقدس، تبدِّي لشيء غيبي كما لو كان، الحداثيون غير مدركين لكثير من هذه الأمور وبالتالي غير مُدرِكين إن هو حينما يهاجمون المقدسات الإسلامية فإنهم يحاولون تفكيك هذا المجتمع وتفكيك هذا المجتمع بيعني أنه يتفكك ويتبنَّى مقدسات الغير يعني بحيث إن هو ينظم حياته بناءً عليها إلى جانب إنه المقدسات في العقيدة الإسلامية أعتقد بتتفق إلى حد كبير مع العقل كما قلت بإن المقدس في الإسلام في النظم التوحيدية بالذات في النظام الإسلامي ليس الشيء مُقدس في حد ذاته وإنما يشير إلى الماوراء إلى الغيب إلى الله سبحانه وتعالى.

خديجة بن قنة: إذاً المعارك القائمة حول حرية التعبير دكتور عبد الوهاب المسيري هل تقوم على الخلاف بين هذه المرجعية التي ذكرتها مرجعية الوحي وبين المرجعية الوضعية التي وضعها الإنسان التي تستقي تصوراتها من الحداثة الغربية؟

عبد الوهاب المسيري: نعم، يعني أنا بأعتقد إنه أي مجتمع على وجه الأرض له مرجعيته، تشكيله الحضاري والنفسي مُرتبط بهذه المرجعية وبدون هذه المرجعية ينفرط عِقد المجتمع تماما ونحن في المجتمعات الإسلامية مرجعيتنا هي المرجعية الإسلامية وهذا ينطبق على الجماعات غير الإسلامية أيضا بمعنى أنها.. الإسلام حضارة بالنسبة للمسيحيين واليهود وغيرهم ممن يعيشون بين ظهرانينا بينما هو مرجعية حضارية ودينية بالنسبة لنا وإن لم تكن مرجعيتنا هي الإسلام فماذا تكون؟ هل سنستورد مثلا مرجعية من فرنسا أو نستورد مرجعية من موزمبيق؟ بمعنى أن الذين يهاجمون الإسلام كمرجعية نهائية لا يُدرِكون أيضا طبيعة هذا الهجوم والتضمينات الاجتماعية والفلسفية لهذا الهجوم.

خديجة بن قنة: نعم، شكرا جزيلا لك دكتور عبد الوهاب المسيري الكاتب والمفكر المصري من القاهرة، نأخذ الدكتور مصطفى المُرابط من المغرب، دكتور مصطفى وهو عضو بيت الحكمة للدراسات الفلسفية في الرباط، دكتور مصطفى المرابط دائما ما تُثَار مسألة حرية التعبير حين الحديث عن الفني، فكيف ترى العلاقة بين الدين وحرية التعبير الفني أي في المجال الفني؟

مصطفى المرابط – كاتب مغربي: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: عليكم من السلام ورحمة الله.

مصطفى المرابط: أشكركم على هذا البرنامج المتميز، أشكر الشيخ على إثارته هذه.. هذا الموضوع.

فوزي آل سيف: الله يكرمك.

مصطفى المرابط: فيما يتعلق بمُداخلة الشيخ التي يمكن أن نتفق معه في خطوطها العامة أحب أن أُثير بين يديه نقطتين أساسيتين، أعتقد أنه لابد من التفريق فيما يخُصّ موقف الإسلام من حرية التفكير والتعبير، بين روح فلسفة الإسلام وبين تجليَّاته التاريخية، فروح فلسفة الإسلام تتعالى على الزمان والمكان ويمكن أن نعتبرها ما.. اعتبره ثوابت من ثوابت هذه الأمة لكن التجليَّات التاريخية هي الأشكال التي تُعبِّر بها الجماعة المسلمة في إطار زمان ومكان معينين على هذه الروح وبالتالي ليست مُلزِمة لنا فهي ترتبط بزمان والمكان والنقاش فيما يخص حرية التفكير والتعبير كثيرا ما تستبطن عند المتحدثين في هذا الموضوع عن ثِقل حضور هذه التجليات التاريخية وليست فلسفة الإسلام، فأعتقد أنه داخل الإسلام نحتاج إلى تسريع وتيرة النقاش في مستواه الفلسفي فيما يخص روح الإسلام في كثير من القضايا وقضية حرية التفكير وحرية التعبير بشكل خاص، النقطة الثانية..

خديجة بن قنة: نعم.

مصطفى المُرابط: نعم؟

خديجة بن قنة: تفضل.

مصطفى المرابط: النقطة الثانية يجب كذلك أن حين نتحدث عن الجانب الفكري في هذه النقاشات أن نُفرِّق بين مستواه المبدئي الذي ربما لا نختلف حوله وبين مستواه الواقعي لأن المشكلة ليست في المستوى المبدئي بل في تطبيقاته الواقعية، فنلاحظ كذلك أن عند الكثير ممن يتحدثون في هذه المواضيع هناك خلط بين المبدئي وبين الواقعي، إن كنا نتفق في الإطار العام حول الجانب المبدئي فيما يخصّ حرية التفكير لكن حينما نأتي لننزلها على المستوي الواقعي نجد أن الواقع يختلف اختلافا كبيرا بين ما نعيشه اليوم وبين التجليَّات التاريخية التي نحاول أن نقرأ فيها الجانب المبدئي، لذلك كذلك نحتاج مرة أخرى إلى جهد واجتهاد كبير لنحاول أن نؤطِّر ونؤسِّس لفلسفة جديدة تتناسب وواقعنا المعاصر كما..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: نعم وهي مشكلة تنزيل المبدأ على الواقع تبدو لك مستحيلة.

مصطفى المرابط: نعم على الواقع، فمع الأسف أنه كثير ما يرتبط الحديث عن حرية الفكر وعن حرية الإبداع عن قضية المنع ومدى نسفها وهدمها للقيم الثابتة في حين أعتقد أن النقاش ليس.. المشكلة لا يتعلق في هذا الجانب بدرجة أولى لأنه ليس صحيحا أن ما يجري في اليوم هو صراع بين الدين وبين من يدَّعي حرية التفكير وبين حرية الإبداع بل أعتقد أنه صراع بين رؤيتين للدين وبين رؤيتين لحرية الفكر ولحرية الإبداع بحسب المرجعية التي يحتكم إليها كل طرف، فالذي مثلا يعترض على بعض الأعمال الفكرية أو الأدبية أو الإبداعية والتي يراها تمس بقيم الدين هو في الحقيقة يستبطن رؤية معينة لحرية الفكر وللفن وللإبداع يُعارِض بها الرؤية الأخرى أمَّا الذي يُدافع عن هذه الأعمال ويرى فيها نسفا بحرية التعبير والإبداع فإنه في الحقيقة يستبطن رؤية معينة للدين يواجه بها الرؤية الأخرى، أريد أن أقول بأنه لم يجر لحد الآن نقاش حقيقي حول فلسفة الدين وفلسفة الإبداع والفكر بل تُوظَّف.. يُوظَّف الدين وتُوظَّف حرية التفكير لحسم صراعات إيديولوجية وهنا آتي إلى نقطة الإنزال الفكر على الواقع أن واقعنا يختلف اختلافا كبير جدا لا يمكن لأي طرف من الأطراف المُكوِّنة للمجتمعات الإسلامية أن تحسم خياراتها من خلال قناعتها بل يجب أن نعترف بأن مجتمعاتنا..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: يعني ذلك يرجع إلى التعقيدات الموجودة أو تعقيدات الواقع الذي نعيشه، شكرا جزيلا لك دكتور مصطفى المُرابِط، نأخذ أبو أسامة من سويسرا تفضل.

أبو أسامة: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام ورحمة الله وبركاته.

أبو أسامة: للمسلم أن يحمل أي رأي وأن يقول أي رأي ما دامت الأدلة الشرعية تُجيزه، فهناك رأي حرام قوله كالغيبة وقصف المحصنات ومهاجمة الإسلام والطعن فيه وهناك رأي فرض قوله كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام وهناك رأي مباح أن تقول خيرا أو تصمت وهذا ليس حرية رأي بل هو تَقيُّد بالأحكام الشرعية وما قيل في دائرة العفو واستشهاد بالحديث الذي فيه بأن الشرع سكت عن أشياء لا يعني أن الشرع لم يُبيِّن حكمها بل أنه لم يُحرِّمها وأعطاها حكم الإباحة والإباحة حكم شرعي وليست حرية، مع العلم أن حرية الرأي لا وجود لها حتى في بلاد الغرب القائل بالحريات، فطالما أن هناك قانونا فلا وجود للحريات ولا معنى للقول بحرية لا لها ضوابط والحريات هي أساس الديمقراطية..

خديجة بن قنة: لكن ربما هذا القانون وُجد لحماية هذه الحريات، هل لديك سؤال محدد لفضيلة الشيخ فوزي آل سيف؟

أبو أسامة: نعم، ما معنى.. لدي سؤال، ما معنى حرية لها ضوابط؟ وأُضيف بأن الحريات هي أساس الديمقراطية وإذا بان فساد حرية الرأي بان فساد بقية الحريات وبان فساد الديمقراطية التي هي نظامٌ كُفْر والسلام عليكم.

خديجة بن قنة: نعم عليكم من السلام، نأخذ عبد الكريم الوشمي من السعودية تفضل.

عبد الكريم: مساء الخير.

خديجة بن قنة: مساء النور.

عبد الكريم: أحييكم وأحيي ضيفكِ الكريم، أنا أولا أعتقد بأن المسؤولية هي ملقاة على عاتق الفقهاء والعلماء والمثقفين فيما يخص دخول الحداثيين كما يُسمَّوْن وإساءتهم المزعومة لبعض المبادئ والقيم بسبب تحفظ العلماء والمثقفين عن مواجهة الكثير من الإشكالات حتى الاعتراف بوجودها والتصدَّي لها، طبعا حرية التعبير..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: تعتقد بوجود تقصير من طرف العلماء والفقهاء؟

عبد الكريم [متابعاً]: نعم هناك تقصير من قِبَل العلماء والفقهاء والمثقفين في مواجهة الكثير من الإشكالات لا يتصدَّون لها إلا بعد أن تأتيهم تعليمات من جهات معينة، طبعا حرية التعبير حق إنساني تقره جميع الشرائع الدينية والوضعية النظيفة وإن وُجِد خلل فطبعا هذا الخلل يكمُن في الممارسة من الناس وإلا فهي لدينا ثابتة، طبعا الخلل لا يكون في الدين نفسه إذ أن الدين يتصف بكمال تام ومع هذه الإشكالات التي نعيشها في هذا الخصوص أي حرية التعبير ولجم الأفواه ما هي إلا نتيجة اجتهاد بشري وقصور في الرؤية، نحن الآن نواجه هذه الإشكالية بشجاعة وننظرها بشكل سليم ونمارس النقد البناء بشكل جيد نسبيا لكن نحن تمنينا ولم نزل نتمنى على العلماء ورجال الدين والمثقفين المشاركة الفاعلة المفيدة لهذا النقد والخروج من الوصايا الفكرية المُسيَّسَة والتي لا تُعالج جذور الإشكالات وإنما تكتفي بالتسطيح والنقد المعاصر الانتقائي لإشكالات حرية التعبير ولجم الأفواه التي للأسف قد رُبِطت ثقافيا بمُسَمَّى عربي مسلم طبعا إذا الآن لم يتشجع العلماء بعد لمعالجة جذور المشكلة يا سيدي هناك لدينا جذور قديمة، الصحابي الكبير..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: لم ندخل في الجذور التاريخية للمشكلة وسيجيبك فضيلة الشيخ فوزي بعد قليل بعد أن نأخذ مداخلة لعبده الجعفري من المملكة العربية السعودية أيضا تفضل.

عبده الجعفري: السلام عليكم أختي.

خديجة بن قنة: عليكم من السلام ورحمة الله وبركاته.

عبده الجعفري: مساكم الله بالخير، أنا أقول بالنسبة للحريات والتعبير هذه مضبوطة بضابط الشرع الذي شرع لنا به الله وبلَّغه النبي صلى الله عليه وسلم، الإنسان له حرية وله حق التعبير ففيه لا يتعدى حقوق الأدب مع الآخرين، فالإنسان من حقه أن يتكلم فمثلا أنا ليس عندي حرية أو عندي حرية تعبير لأني أتكلم عن الله عز وجل بأن أتعرض للحضرة الإلهية بسبِّ أو شتم أو كذلك سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فهذه من الحريات المنهي عنها قال الله تعالى: {ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُون، لا تَعْتَذِرُوا..} فالذي يقع في هذه الحرية فهو قد أتى ناقبا من نواقب الإسلام وبذلك يخرج من الإسلام، فهذه الحرية حرَّمها الشَّرع حرَّمها النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك الحريات الأخرى عدم الاعتداء على أوامر الشرع من حجاب ومن أمور دعا إليها ولهذا أود أن أسأل الشيخ هل من الحريات التي يدعو إليها الآن أننا نتَعدَّى على الصحابة ونلعنهم ونسبهم ونشتمهم؟ وجزاكم الله خيرا.

خديجة بن قنة: شكرا لك نأخذ إجابة فضيلة الشيخ فوزي آل سيف على هذه الأسئلة لكن بعد فاصل قصير نعود إليكم.

[فاصل إعلاني]

الفصل بين الأصول الإسلامية والتطبيقات التاريخية



خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم حرية التعبير وتطبيقاتها في الإسلام مع فضيلة الشيخ فوزي آل سيف من علماء الشيعة في المملكة العربية السعودية، فضيلة الشيخ أعتقد أن لديكم تعقيبا أولا على ما قاله الدكتور مصطفي المُرابِط من المغرب؟

فوزي آل سيف: أتفق مع الدكتور مصطفي في مسألة الفصل بين الأصول الإسلامية العامة وبين ما حدث من تطبيقات للمسلمين في التاريخ، فلا ينبغي أن نجعل التطبيقات التي حدثت في عصور الإسلام المختلفة من قِبَل المسلمين هي المقياس والمعيار وإنما تلك الأصول العامة التي قُرَّت والتي أشرنا إلى بعضها في تأصيل فكرة حرية الرأي انطلاقا من نعمة العقل ومن حرية الإنسان، فأنا أتفق معه تمام الاتفاق في مثل هذه المسألة وأرى أن المقدس والثابت والذي ينبغي أن يُنظر إليه هو الأصول العامة للإسلام أمَّ تطبيقات حرية التعبير أو قمع هذه الحرية في الأدوار الإسلامية المختلفة فهذا لا يعنينا كثيرا بل ربما يُلقي بظلال غير حسنة على أصل الفكرة، الأخ.. نعم.

خديجة بن قنة: عبد الكريم من السعودية كان يتهمكم كعلماء بالتقصير في القيام بواجب الدافع عن حرية التعبير.

"
يجب على العلماء معالجة بعض القضايا التي تطرق إليها الحداثيون ومحاولة تقديم إجابة على مثل تلك القضايا التي تطرح من زاوية سلبية
"
فوزي آل سيف: نعم، لا شك أن من مسؤولية العلماء أن يُشِيروا إلى الأصول العامة الإسلامية ومن جُملتها حرية الرأي وحرية التعبير وأن يقفوا أمام محاولات الاستبداد والقمع اللي عادة ما كانت السلطات السياسية بين فترة وأخرى تستفيد منها، أضِف إلى ذلك يعني كان ينبغي أن يتقدَّم العلماء أيضا بمعالجة بعض القضايا التي تَطرَّق إليها الحداثيون كما يُسمَّوْن ومحاولة إجابة تقديم إجابة على مثل هذه القضايا التي تُطرَح قبل أن تُطرَح من زاوية سلبية أو من زاوية إثارة وبالفعل يعني يوجد هناك نوع من التقصير لا أقول الكامل ولكن يوجد هناك شيء من التقصير في طرح هذه القضايا الحديثة ويوجد في العلماء والمفكرين الإسلاميين من هو قادر على طرح هذه الآراء ووضع نظرية بشأنها وإنشاء الله يكون ذلك في المستقبل إن لم يكن في الماضي.

خديجة بن قنة: نعم، فضيلة الشيخ أربط سؤال عبده الجعفري هل من الحريَّات انتقاد الصحابة رضوان الله عليهم بسؤال الأخ أسامة من أسبانيا، يقول من الأمور التي يشهد لها القاصي والداني هي المُنجزَات التي أُنجزِت في خلافة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما

ولكن هل يُعتبَر القبح والذَّم الذي يتعرض له هذان الرجلان يقصد الخليفة أبو بكر والخليفة عمر رضي الله عنهما من قِبَل بعض الشيعة يندرج تحت باب حرية الرأي أم أنه مُنكَر عندهم على الأقل احتراما على العلاقة الوطيدة التي كانت تربطهم بالرسول صلى الله عليه وسلم؟

فوزي آل سيف: أُجيب عن هذا السؤال أكثر من مرة من قِبَل أكثر من عالم من علماء الدين الشيعة ليس فقط في هذه الفترة وإنما في فترات مختلفة من أنه لا ينبغي التعرُّض للرموز الإسلامية العامة التي يعتقد بها قسم كبير من المسلمين، نعم يمكن في خلال البحث التاريخي أو غير ذلك أن يُناقش الإنسان عمل هذا الصحابي أو فعل ذلك التَّابع أو عمل هذا الفقيه هذا ما فيه محظور لكن التعرُّض بالإساءة والذم والقدح للرموز الإسلامية هذا أمر سبق الحديث عنه من قبل أكثر من عالم من العلماء وأن هذا أمر مرفوض.

خديجة بن قنة: طيِّب في هذا السياق الكثير من المؤتمرات التي عقدت للتقريب بين المذاهب والتي حضرتها شخصيات سُنِّية وشيعية كانت تُلحّ هذه الشخصيات على أنه لا يليق أن يُبشِّر كل مذهب بالمذهب الآخر في بلاد الآخر، هل يُناقض هذا حرية التعبير برأيكم؟

فوزي آل سيف: أنا أعتقد هناك عدة مراحل في موضوع التقريب، في البداية لابد أن يكون هناك تَسَالُم بين مختلف الطوائف والفرق وبالذات الزعماء الدينيين على أن فترة الصراع والجدل والنقاش لم تعد قائمة، الآن كل طائفة لديها منظومتها الثقافية والعَقَدية والفكرية وينبغي أن تقبل الطائفة الأخرى الأولى كما هي ضمن إطارها لا تشترط عليها أن تتنازل عن كذا وكذا حتى نتفق، هذه الطائفة بما لديها من أفكار وتلك الطائفة بما لديها من أفكار طبعا مؤَّطرة بعدم الإساءة من قبل إحدى الطائفتين لرموز الطائفة الأخرى، فإذا كانت محاولات التقريب على هذه الأرضية قائمة يُعتقَد أن هناك كثير من العقبات سوف تُذلَّل في مثل هذا الأمر ولا أظن أيضا في تلك الحالة أن قضية أن يعرض الإنسان فكره هنا أو هناك ستكون مشكلة، المشكلة هي ما قبل ذلك المشكلة هي في الحالة النفسية وعدم قبول هذه الجهة لتلك الجهة، لو أمكن أن يوضع.. لو أمكن التوصُّل إلى نوع من القبول من قبل كل فئة للفئة الأخرى ومن طائفة للطائفة الأخرى تغدو مثل هذه الأمور ضمن السياق الطبيعي الاعتيادي.

خديجة بن قنة: تقول الكثير من العقبات يجب أن تُذَلَّل معنى ذلك أن هناك ما زال هناك الكثير من العقبات.

فوزي آل سيف: لا.

خديجة بن قنة: هل تعتقد فضيلة الشيخ أن الشيعة.. أنكم كأقلية شيعية في المملكة العربية السعودية تعانون من حرية التعبير؟

"
وضع الشيعة في المملكة شهد في الفترة الأخيرة تطورات جيدة قياسا إلى الفترات الماضية
"
فوزي آل سيف: يعني وضع الشيعة في المملكة شَهِد في الفترة الأخيرة تطوُّرات جيدة قياسا إلى الفترات الماضية ولكن يُعتَقد أن هناك مشوار طويل لابد من قطعه حتى يمكن أن يُقال إنه كل شيء تطور نحو الأحسن، لا شك أن هناك حالات حسنة حصلت، هناك مسار نتوقع أن يكون مسارا جيدا وحسنا في هذه الفترة ولكن كما قلت نحن نحتاج إلى مشوار طويل في هذا المجال لكي يتحقق المطلوب.

خديجة بن قنة: ما هي الخطوات التي تأملون تحقيقها لاكتمال هذا المشوار؟

فوزي آل سيف: يعني هناك بدأت قبل سنتين أو ثلاث سنوات فكرة الحوار الوطني لو تم الالتزام الذي بدأه الأمير عبد الله بن عبد العزيز وليّ العهد، لو تم الالتزام بمُقررات الحوار الوطني والخطوات التي يعني قيلت في تلك الحوارات وبقيت تلك الروح التي بُدِأَ فيها الحوار، لو حصل كل هذا الأمر فنحن نعتقد أن المستقبل فيه خير كثير.

خديجة بن قنة: في إطار أوسع في العالم العربي كيف ترى الآن حاليا حرية التعبير؟

فوزي آل سيف: ينبغي أن يقول الإنسان بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى ماذا حتى على ضوء ذلك يُقال حسن؟

خديجة بن قنة: بالنسبة إلى ما تتطلع إليه شعوب العالم العربي والإسلامي.

فوزي آل سيف: لا أراها وضعية حسنة، تستحق العالم العربي وتستحق الشعوب العربية مستوى أفضل من حرية التعبير لخدمة مجتمعاتها، لا يمكن لمجتمع أن ينمو تنمية فكرية إلا من خلال حالة التثاقف وإبداء الآراء المختلفة ويوجد في العالم العربي كفاءات كبيرة جدا ومثقفون كبار ولكن أمامهم كَوْم من الحواجز، قضية الرقابة إلى الآن العالم العربي وهي أشبه بالمهزلة في هذا الزمان، يعني أن تتصور أستاذ جامعة أو متخصصا أو غير ذلك ينبغي أن يُقرِّر له طالب لتوه قد تخرَّج من البكالوريوس ماذا يقرأ وماذا لا يقرأ وأي كتاب يدخل إلى المكتبة حتى يشتريه أستاذه الذي يُدرِّسه منذ ثلاثين سنة.

خديجة بن قنة: إذاً ترى أن الوصاية على مناهج التعليم هي ضمن قمع حريات التعبير؟

فوزي آل سيف: التعليم والإعلام والصحافة كل ذلك أيضا يحتاج إلى كثير من الجهد والنشاط والعمل في إزالة هذه الموانع وإزالة هذه الكوابح إذا أردنا لمجتمعنا العربي ينمو، التنمية لابد أن تعتمد على تنمية فكرية، التنمية الفكرية لا تأتي عندما يكون المتكلم واحدا لا تأتي في حالة غياب حرية الرأي والتعبير عنه، لابد من إفساح المجال أمام هؤلاء أمام الآراء أمام الأفكار حتى تحدث نهضة فكرية وتحدث نهضة عامة في المجتمع.

خديجة بن قنة: عبد العظيم من مصر يقول فضيلة الشيخ نَجِد حرية التعبير الإسلامي بأسلوب يكاد أن يكون مطلقا ببلاد الغرب الذي ليس مُسلما فلماذا لا نجد هذه الحرية ذاتها بالبلاد الإسلامية برأيكم؟

فوزي آل سيف: هذا السؤال ينبغي أن يُوجَّه إلى أهل الحل والعقد وبالفعل هي مفارقة يعني أن إنسانا يعيش في البلاد الغربية يشعر بأن بإمكانه أن يتعامل مع هذا الموضوع بنفس مفتوحة بينما في بعض بلاد المسلمين لا يستطيع ذلك وهذا فعلا مُفارقة يصعب على الإنسان أن يفهمها أو أن يتفهمها ولكن عسى ولعل هذا التوجُّه الجديد والفكر الجديد اللي بدأ في عالمنا العربي يسود سواء على مستوى حتى القيادات السياسية التي هي أيضا بدورها تُطالب بالإصلاح السياسي، لعل هذا التوجه الجديد يكون فاتحة خير لما يأتي من الزمان.

خديجة بن قنة: إذاً في نهاية هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة التي خصَّصناها لحرية التعبير نشكر. لا يسعنا إلا أن نشكر فضيلة الشيخ فوزي آل سيف من علماء الشيعة في المملكة العربية السعودية، شكرا لكم فضيلة الشيخ ونشكر فريق البرنامج على رأسه مخرج البرنامج منصور الطلافيح ومُعد البرنامج معتز الخطيب، لكم منا أطيب المنى ونلتقي بحول الله في حلقة الأسبوع المقبل من برنامج الشريعة والحياة إلى اللقاء.