- التراث الفقهي.. معناه ومقاصده
- القواعد الفقهية واختلاف الآراء بين الفقهاء

- الفتوى بين حكم الله ورأي الفقيه

- الفقه والشريعة وتغييب العامل البشري

- الفتوى والتعامل مع بعدي الزمان والمكان

- الفقه الحديث ومساءلة الأئمة

- ملامح الفقه المعاصر وأدوات الفقيه


توفيق طه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، التراث الفقهي هو المصدر الذي يشكل رؤى الفقهاء المعاصرين وفتاواهم ويرى البعض أن جزء كبير من هذا التراث نشأ في زمن الانحطاط، في المقابل يرى آخرون أن هذا التراث جزء من الدين لكن أليس هو في مجموعه من نتاج البشر زمان ومكان وظروف؟ فلماذا إذاً يتم تغييب الجانب البشري في هذا التراث؟ وكيف يمكن التعامل معه لمواجهة مستجدات العصر؟ وهل يمكن للمجتهد الخروج عليه؟ وإذا كانت الشريعة التي هي أحكام الله صالحة لكل زمان ومكان فهل الشروح التي أقيمت من حولها صالحة هي الأخرى لكل زمان ومكان؟ التراث الفقهي مشاهدينا الكرام وكيف نتعامل معه موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الدكتور هل.. يعني قد يسأل البعض لماذا نتحدث عن التراث وكيفية التعامل معه لكن لعل البداية الأفضل هي كيف هو التراث؟ ماذا نعني بالتراث الفقهي؟



التراث الفقهي.. معناه ومقاصده

يوسف القرضاوي- داعية إسلامي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فكلمة التراث تعني التركة التي يرثها الإسلام من.. الإنسان من آباءه وأجداده وأقاربه والأصل فيها أنها التركة المالية ما ورثه من عقار ومنقول وأرض وأموال كما جاء في القرآن {وتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّماً} التراث المالي، هذا التراث المالي انصرف أيضا إلى التراث الأدبي والمعنوي وكما يرث الفرد من أسرته ترث الأمة.. الأجيال ترث من.. الأجيال اللاحقة ترث من الأجيال السابقة والأمم تتفاوت في هذا، في أمم غنية بتراثها، في أمم فقيرة جدا من تراثها، نحن أمة غنية بتراثها والتراث عندنا ألوان وأنواع، هناك التراث اللغوي والأدبي، هناك التراث الفلسفي والكلامي والمنطقي، التراث الصوفي، التراث التاريخي، التراث الفني والعمراني، كل دي ألوان من التراث، إنما حديثنا نحن هنا عن التراث الفقهي، أي التركة العظيمة التي خلفها فقهاءنا السابقون على اختلاف مذاهبهم واختلاف مدارسهم ومشاربهم، هذا تراث يمثل المذاهب الأربعة المعروفة والمذاهب الأخرى المذهب الزيدي والمذهب الجعفري والمذهب الاباضي والمذهب الظاهري وهناك مذاهب انقرضت مثل مذهب الإمام الأوزاعي والإمام الثوري والإمام الطبري وهناك فقه غير مذهبي.. يعني مثل فقه الصحابة.. الصحابة لهم فقه، بعضهم جمعه في مجلدات، فقه عمر، فقه الخلفاء الراشدين، فقه أبن عباس، فقه أبن عمر، فقه أبن مسعود وفقه عائشة وهناك فقه التابعين وهناك فقه اتباع التابعين، كل هذا يشمل كلمة التراث الفقهي، التراث الفقهي يعني عمل العقل الإسلامي في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهذه الأدلة القرآن والسُنة والإجماع والقياس وأدلة يعني تبعية أخرى كثيرة مثل المصلحة المرسلة، مثل الاستحسان، مثل الاستصحاب، مثل العرف، مثل شرع من قبلنا، مثل أدلة بعضها متفق عليه وبعضها.. هذه كلها هي تشمل كلمة التراث الفقهي.

توفيق طه: يعني ما دمنا نتحدث عن التراث الفقهي كنتاج لتعامل العقل الإنساني مع الأحكام، هذا يعني أن القرآن والسُنة بحد ذاتهما ليس داخلا في هذا التراث أم هو جزء منه؟

"
الفقه هو عمل العقل الإسلامي والشريعة هي وحي الله عز وجل، إذن لا غنى لنا عن الفقه إذا أردنا أن نتعرف على الشريعة الإسلامية وما تحتويه من أحكام ومقاصد وتشريعات وتوجيهات
"
يوسف القرضاوي: لا هو.. طبعا الفقه هو عمل العقل الإسلامي، الشريعة هي وحي الله عز وجل ولكن الشريعة أين توجد؟ توجد داخل هذا الفقه الإسلامي لأن لا توجد شريعة منفصلة.. شريعة يفهمها البشر وما دام دخل فهم البشر فيها أنه أدخل الاستنباط ولذلك لا يمكن أننا نستغني عن الفقه، بعضهم يقول خلونا من الفقه وهذا، طيب الفقه.. الشريعة توجد في بطن هذا الفقه، فلا غنى لنا عن الفقه إذا أردنا أن نتعرف على الشريعة الإسلامية وما تحتوي من أحكام ومقاصد وتشريعات وتوجيهات لا غنى لنا.. هناك من يقول دعونا من الفقه، خلينا نأخذ من القماش العريض.. نفصل منه على قدنا بدل ما نأخذ قماش فُصِل في عصر من العصور على بيئة من البيئات وعلى واقع من الوقائع، خلونا.. لا نستطيع..

توفيق طه: تقصد أن نأخذ من القرآن والسنة من الأصل.

يوسف القرضاوي: آه نأخذ من القرآن ونترك الفقه، هذا غير.. لأنه أي علم حتى العلوم الكونية والطبيعية والرياضية لابد أن يبني فيها اللاحق على ما أسسه السابق، العلم عبارة عن معرفة تراكمية، الأجيال كل جيل يقدم للجيل اللاحق معرفة يبني عليها وهذا أيضا في العلوم الإسلامية والفقه الإسلامي، لا يمكن.. أنا عملت كتاب في فقه الزكاة من مجلدين، تصور لو أنا تركت الفقه الإسلامي ده كله وجئت قلت أبدأ.. أنا قلت أبدأ إيه.. لماذا؟ لأستفيد من هذه الثروة الطائلة والهائلة التي خلفتها عقول عبقرية اشتغلت، لابد.. ولذلك لا استغناء أي فقيه في أي عصر أنه يستفيد من هذا ولكن ينبغي أن يكون هذا الفقه منارة تهدي وليس قيدا يعوق، مش نجعله أغلال تعوقنا ونقيد أيدينا وأرجلنا، لا هو منارة نستهد به ونبين ما كان منه قطعيا وما كان منه ظنيا، فالقطعي نحترمه والظني نُعمل عقولنا فيه.

توفيق طه: نعم، إذاً إلى أي مدى يمكن أن يكون منارا هذا التراث الفقهي في.. لنا اليوم، ما نسبة التراث الفقهي في نتاجنا الفقهي اليوم؟ نعود إلى هذه النقطة بعد فاصل قصير فضيلة الدكتور، بعد فاصل نعود إليكم.



[فاصل إعلاني]

القواعد الفقهية واختلاف الآراء بين الفقهاء

توفيق طه: أهلا بكم مشاهدينا مرة أخرى حديثنا اليوم في الشريعة والحياة عن التراث الفقهي وكيفية التعامل معه. وصلنا في حديثنا مع فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي إلى ما يشكله التراث الفقهي في النتاج الفقهي اليوم وما حجم الإضافة التي جرى يعني التعامل معها، كم أضفنا إلى تراثنا الفقهي من نتاجنا الفقهي اليوم فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي: نحن قلنا أننا المفروض أننا نجعل من هذا الفقه منارة لنا نستهدي بها ولا نجعله قيدا يعوقنا ومعنى هذا أننا ننظر في هذا الفقه بعين بصيرة وبمعنى أن هناك من هذا الفقه أحكاما بُنيت على نظر صحيح واستنباط سليم، صالحة لزماننا وصالحة لزمن غيرنا هذه نحترمها ونستبقيها، هناك قواعد فقهية استنبطها الفقهاء على.. آلاف من القواعد لها حكمها.. الآن المجمع الفقهي نكوِّن لجنة تستخرج القواعد الفقهية هناك قواعد كلية وقواعد جزئية وقواعد تفصيلية في كل باب من أبواب الفقه قواعد تجمع هذه.. هناك مقاصد لازم تراعى هناك أشياء يجب أن ننخلها أشياء، أحكام كانت لائقة بزمنها ولم تعد لائقة بزمننا ربما لم يعد لها حاجة إلى.. لم نعد بنا حاجة إليها مطلقا، فلابد أن نعمل عقولنا المهتدية بالكتاب والسنة ومقاصد الشريعة مش نعمل عقولنا مجردة من أي شيء لا هذا الفقه مش عمل العقل الإنساني مجردا لا، عامل العقل الإنساني مهتديا بالأصول الشرعية وبالضوابط المرعية فمن يدخل هذا الميدان لابد أن يكون مؤهلا يكون من أهله يعني..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم السؤال لعله يعني إلى أي مدى أعمل فقهاؤنا عقولهم وماذا أضافوا حجم الإضافة إلى التراث الفقهي القديم؟

يوسف القرضاوي: هذا يختلف من فقيه لآخر، يعني هناك البعض منفتح على الواقع أكثر من غيره هناك ناس يشتغلون بالفقه وعقولهم مقيَّدة بالماضي، بيقرأ في كتب الفقه ومحصور فيها غير منتبه إلى الواقع وما يجري، فالفقهاء الذين أضافوا إلى هذا الفقهاء الذين يمثلون مدرسة التجديد الوسطي يعني الذين يجمعون بين السلفية والتجديد أو كما نقول بلسان الحاضر بين الأصالة والمعاصرة، هنا الشيخ رشيد رضا رحمه الله الشيخ محمود شلتوت الشيخ مصطفى الزرقا الشيخ محمد مصطفى شلبي الشيخ محمد عبد الله دراس هناك أناس كثيرون في.. الشيخ الطاهر ابن عاشور في تونس هناك..

توفيق طه [مقاطعاً]: هناك أفراد عملوا كأفراد كفقهاء أفراد أم في مجامع فقهية؟

"
المجامع الفقهيه تبحث عدة قضايا وتقدم فيها بحوث ودراسات ويتم مناقشتها ثم تتخذ توصيات وقرارات قد يكون بعضها إضافة حقيقية وقد يكون بعضها انتقاءً
"
يوسف القرضاوي: الآن في المجامع، المجامع لا شك تقوم بدور مهم يعرض على المجامع لا تنظر في الفقه كله، ماسكة الفقه تشوفه باباً باباً لا، المجامع تعرض عليها مسائل في كل دورة من الدورات يعني تبحث عدة قضايا تبحثوا في هذه القضايا تقدم فيها بحوث ودراسات وتناقش وقد تؤجل إذا كان الموضوع يعني مهما يمكن يؤجل دورة واثنين وثلاثة وأربعة حتى ينضج الرأي فيه، ثم تتخذ توصيات وتتخذ قرارات قد يكون بعضها إضافة حقيقية وقد يكون بعضها انتقاءً، يعني فيه عندنا الاجتهاد في عصرنا له يعني نوعان فيه اجتهاد أسميه الاجتهاد الانتقائي الترجيحي وفي اجتهاد إبداعي إنشائي، الاجتهاد الانتقائي أن نختار رأياً من التراث تراثنا غني فيه أقوال عديدة معظم تراثنا أمور مختلف فيها لأنها أمور اجتهادية حتى ما في نص قرآني أو نص نبوي تختلف العقول في فهم هذا النص أو لامستم النساء يا ترى لامستم النساء يعني وضع البشرة على البشرة أو كما قال ابن عباس إن الله حيي كريم يكني عما شاء بما شاء اللمس والمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع، فيعني قد يكون نص قرآني وقد يكون نص نبوي ولكن يختلف الناس في فهم هذا النص.

توفيق طه: هذا الاختلاف ليس بين الناس العاديين بين فقهاء، هذا اختلاف الآراء واختلاف الفهم بين الفقهاء هل هو ظاهرة صحية هل له مزايا يعني للفقه الإسلامي؟

يوسف القرضاوي: نعم ظاهرة صحية، الاختلاف يعني أنا ذكرت في بعض كتبي أن هذا الاختلاف في فهم فروع الدين ضرورة ورحمة واسعة، هو ضرورة دينية وضرورة لغوية وضرورة بشرية وضرورة كونية ضرورة دينية لأنه حتى يكون للناس متسع يعني هناك رأي يصلح لبلد ولا يصلح لبلد.. ويصلح لبيئة ولا يصلح.. ويصلح لزمن ولا يصلح.. ويصلح لأقوام ولا يصلح في حالة ويصلح في أخرى هذا توسعة على الناس وهذا رحمة ولذلك بعضهم يقول لك اختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة..

توفيق طه [مقاطعاً]: عدا عن أن هذا الاختلاف يؤكد على الطبيعة البشرية للفقيه وللفقه بالنتيجة.

يوسف القرضاوي: نعم وربنا جعل الشريعة عبارة عن إيه؟ نصوص. القرآن والسنة نصوص هذه النصوص تفهمها عقول، العقول ليست واحدة هناك من يأخذ بالظاهر وهناك من يأخذ بالفحوى هناك من ييسر وهناك من يشدد وهذا طبيعي. ولذلك لا ينبغي أن نضيق بالاختلاف فيه بعض المدارس المعاصرة تضيق بالخلاف وتريد أن تزيل الخلاف وأن تجمع الناس على رأي واحد وعلى مذهب واحد هذا في الحقيقة لن يكون أثره إلا أنهم هم يريدون أن يكونوا مذهبا خامسا أو تاسعا لأنه لا يمكن إزالة الخلاف، فهذا الخلاف لا نضيق به إنما ممكن نرجِّح نقول ننتقي من هذه الآراء هذا الاجتهاد الانتقائي عملت أنا في فقه الزكاة لقيت آراء كثيرة أنا بأرجح الرأي الذي أراه أليق بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق وأقول هذا الرأي هو الأولى لسبب كذا وكذا، فهذا اجتهاد انتقائي فيه اجتهاد أخر اجتهاد إنشائي أشياء كثيرة عرضت على المجامع مثل زراعة الأعضاء مسألة الموت هل الموت موت الدماغ ولا القلب؟ كان المعروف قديما أنه إذا توقف القلب نقول مات الإنسان ونحط إذننا نشوف قلبه يعني بتاع وفيه نبض ولا ما فيش كذا الآن أصبح لا قال الطب أن في جذع الدماغ إذا هلك وبدأ يتحلل خلاص وأقر هذا العلماء في ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وهي تجمع بين الفقهاء والأطباء والمجمع الفقهي وإن كان لا يزال بعض إخوانا في مصر لازالوا متوقفين مصر هي الوحيدة التي خالفت الأمة الإسلامية كلها ووقف أطباؤها وألزموا فقهاءها أنهم يخرجوا على ما كاد يشبه الإجماع العالمي أن الدماغ هو الموت الحقيقي وأن الإنسان يستطيع إذا مات دماغه في حادثة أننا ننقله ولسه قلبه حي بينبض نستطيع نستخرج منه الكلية ونستطيع أن نستخرج منه القلب والكبد والقرنية وأشياء يستفيد منها الأحياء لا مانع من هذا.

توفيق طه: نعم بالنتيجة يعني كيف ننظر إلى تعامل المجامع الفقهية اليوم مع التراث يعني لو باختصار شديد يعني كيف تقيِّم دكتور القرضاوي هذا التعامل؟

يوسف القرضاوي: أنا أقول المجامع الفقهية تعمل مستهدية بالتراث وتحاول أن تستخرج بعض الآراء في المسائل الجديدة المعروضة عليها. ولكني لا أرى أن هذه المجامع يعني تمثِّل الإجماع الملزم للأمة ولكن تمثل رأيا محترما لأنه يمثل رأي جماعة وليس رأي فرد فهو أهم من الآراء الفردية ولكنها ليست معصومة، المعصوم هو أن تجمع الأمة كلها الأمة لا تجتمع على ضلالة ولكن المجمع افرض أكبر المجامع هو المجمع الدولي المجمع الدولي الذي تمثل فيه الأمة الإسلامية كل دولة من الدول الإسلامية..

توفيق طه [مقاطعاً]: يظل مكونا من أفراد هم بشر وليسوا معصومين على كلٍ سنعود..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: من أفراد يعني وليست وبعدين تأخذ الرأي بالأغلبية..

توفيق طه [مقاطعاً]: سنعود فضيلة الدكتور إلى موضوع العصمة في الفقه بعد موجز للأنباء من غرفة الأخبار نعود إليكم مشاهدينا.



[موجز الأنباء]

الفتوى بين حكم الله ورأي الفقيه

توفيق طه: أهلا بكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الشريعة والحياة، موضوعنا اليوم التراث الفقهي وكيفية التعامل معه، وصلنا في الحلقة الماضية إلى أن التراث هو.. التراث الفقهي هو في النهاية نتاج بشري لكن بعض الفقهاء لا يزالون يصرون على أن التراث جزء من الدين، يرفضون حتى تسميته تراث وهناك مثل ابن القيم من يرى في أهل الفتوى أنهم أعلام الموقعين عن رب العالمين، سؤالنا فضيلة الشيخ هل أهل الفتوى هم واقعون عن رب العالمين فعلا؟ هل كل فتوى هي توقيع عن الله؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الإمام الشاطبي رحمه الله يرى أن المفتى قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الشرع للأمة، يعني.. والإمام ابن القيِّم خطا خطوة أكثر فقال إنه يوقِع عن الله، بمثابة من يوكله من يقول له الأمير أو كذا وقِع عني فيعتبر كأنما هو يرقع عن الله عز وجل، هذا كلام يقال لماذا؟ لبيان عظم الفتوى وخطورة الفتوى، حتى لا يجترأ الناس عن الفتوى، إن واحد يعني مش.. هناك ناس يفتون ويحلون ويحرمون وكذا وليسوا أهل لذلك، فيقولوا لا أنت كأنما توقع عن الله، إنك لما تقول لواحد هذا حلال ولا حرام.. حرام يعني معانها إنك تقول له هتدخل النار وتقول له مستحب يعني ربنا هيسيبك، فرض يعني الله سبحانه وتعالى يحبك وكذا.. يعني هذا معنى أنه بيقول له.. يعني بيخلي الناس تتهيب هذا الأمر حتى تملك زمام الفتوى لأن من أخطر الأشياء أن يجترأ الناس على الفتوى وأنهم ليسوا أهلا لها، كان الصحابة بعضهم يسأل عن الفتوى يقول له روح أسأل فلان أو أسأل فلان ويحيل بعضهم على بعض وكان أبن عمر يقول يريدون أن يتخذوا يعني ظهورنا مطايا إلى جهنم، عايزين يركبونا يوصلونا إلى النار..

توفيق طه [مقاطعاً]: لأن الفقيه يتحمل مسؤوليات ما سيليها من نتيجة.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فيخافون وكان بعض الناس يقول عن بعض الناس المتجرئين على الفتوى "إن أحدهم لا يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر" يتهيب يفتي فيها فيدعوا الصحابة حتى يشركهم، فهذا الكلام كله هذا هو المقصود بهذا.. ولكن الإنسان يعني حينما يقول أنا أفتي ما يقولش أنا.. هذا حكم الله أو كذا، لا يقول هذا رأيي ولذلك سيدنا عمر لما يقول بعضهم كان بيكتب فتوى فقال "هذا ما أرى الله عمر" قال له لا، لا تكتب قول "هذا ما رأي عمر" إنما كلمة ما أرى الله عمر دي فيها نوع.. يعني كأنه نوع.. إن ربنا هو الذي ألهمه هذا أو كذا، لا هذا رأيي ولذلك كان بعض الصحابة يقول هذا رأيي فإن كان صواب فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فهذا هو المقصود.

توفيق طه: إذاً يعني الفقيه في النهاية هو بشر، ما يقوله من الرأي هو تعبير عن تفاعله كبشر مع هذا.. أو كعالم مع هذا النص من الوحي، كيف نفرق..

"
الموقف الفقهي الاجتهادي ينتج عن تفاعل ثلاثي ما بين الفقيه والنص الشرعي والواقعة المسؤول عنها
"
يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: ولذلك هذا هو الجزء الديني من الفقه، يعني بعض الناس عايز يمحوا الناحية الدينية خالص من الفقه، يقول لك إنتاج بشري كأنه يشرح قانون وضعي، لا هذا ليس مُسَلما، إنما لأنه هو بيتفاعل، هو الاجتهاد هو عبارة إيه؟ تفاعل ثلاثي ما بين الفقيه والنص الشرعي والواقعة المسؤول عنها، فهذا التفاعل الثلاثي هو الذي ينتج الموقف الفقهي الاجتهادي.

توفيق طه: لكن كيف نميز فضيلة الدكتور بين حكم الله وبين رأي الفقيه في هذه الفتوى؟

يوسف القرضاوي: لا، هو إحنا.. رأي الفقيه هو المطلوب، نحن.. الرسول عليه الصلاة والسلام قال لبعض الصحابة حينما بعثه في سرية من السرايا، قال "إذا أرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تجاوبهم ولكن انزل على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا" ولذلك قال.. الفقيه يقول هذا ما أراه في بياني يعني أمر الله وأمر رسوله، هو اجتهاده هو ولا يدعي أنه حكم الله قطعا، لا يدعي هذا إلا في المسائل القطيعة التي يعني لا خلاف عليها، إذا كان النص قطعيا ودلالاته قطعية نقول هذا حكم الله، ماعدا ذلك فهو حكمنا ورأينا وأن كان صواب فمن الله ونؤجر عليه أجرين وإن كان خطأ فهو منا ونؤجر عليه أجر واحد وهذا من روائع الإسلام إن المجتهد حتى وأن أخطأ في حكمه مادام من أهل الاجتهاد يؤجر على اجتهاده وإن كان خطأ.

توفيق طه: نعم، هناك من يرى فضيلة الدكتور أن التراث الفقهي في مجمله نشأ بعد القرن الرابع الهجري فيما يمكن أن يسمى عصر الانحطاط بعد اكتمال..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هذا خطأ مؤكد، الفقه بدأ من عصر الصحابة.

توفيق طه: وأكتمل.

يوسف القرضاوي: وظل يكتمل وفي العصر الرابع تقريبا بدأت عصر التقليد في القرن الرابع الهجري، إنما الصحابة كان منهم فقهاء ومفتون، كيف.. أين يذهب فقه عمر وفقه أبو بكر وفقه علي وفقه عثمان.. الصحابة كلهم أبن عباس وأبن عمر وأبن مسعود والصحابة والتابعون وأتباعهم؟ فالفقه بدأ من أول حتى بدأ في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام.

توفيق طه: كانوا ينظرون عندئذ في النص ويحاولون شرحه واستنباط الفقه منه لكن بعد القرن الرابع يعني صار الفقهاء يتحولون إلى النص الفقهي التراثي ويستنبطون منه، يعني هو بات مرجعهم وكأن تلك الفتاوى أصبحت تحجب النص القرآني أو من السُنة.

يوسف القرضاوي: هو انتشار التقليد بعد ذلك ولكن يعني رغم انتشار التقليد.. يجب أن نكون منصفين يعني لهذا التراث ظل هناك في كل عصر وفي كل مذهب من المذاهب أئمة مجتهدون مستقلون ويخرجون على المذاهب أحيانا ويستنبطون في المسائل الجديدة آراء مناسبة، في كل المذاهب وذكر هذا الإمام السيوطي في كتابه الرد على من أخلد إلى الأرض وجِهل أن الاجتهاد في كل عصر فرد، ذكر في هذا الكتاب أن في كل العصور كان هناك أئمة في جميع المذاهب استقلوا بالاجتهاد ولهم آراء خالفوا فيها مذاهبهم وإن بقوا في إطار المذهب، فالعصور الأولى طبعا كان الاجتهاد فيها واضحا، العصور المتأخرة بدأ فيها التقليد وكلما يعني توغلنا في التأخر دخلنا في إيه في التقليد الأكثر ودخلنا في التشديد أيضا، دخلنا في التقليد والتقليد معه التشديد، يعني أنا أنظر العصور الأولى أجد إنها أيسر الاتجاهات في الدين، يعني إذا نظرنا إلى الصحابة، الرسول أكثر الناس تيسيرا، بعده الصحابة على قدمه، التابعون تلاميذ الصحابة يعني قريبون منهم وإن لم يبلغوا مبلغهم، تلاميذهم أقرب إلى.. كلما نزلنا نجد دخلنا بعض التشديدات والتحوطات، يعني بدأ الناس يأخذون بالأحوط لا بالأيسر.

توفيق طه: نعم ربما بسبب بعدهم عن النص الأصلي.

يوسف القرضاوي: أه بعدوا عن مشكاة النبوة.. ولذلك كلما نزلنا نجد كثير من التشددات والاحتياطات وكلمة أحوط معناها أثقل وأشد، فلما تتجمع وتتراكم الأحوطيات على الدين يصبح الدين مجموعة من الآثار..

توفيق طه [مقاطعاً]: أيوه والقوى..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: والأغلال التي جاء محمد صلى الله عليه وسلم الناس أسرهم والأغلال التي كانت عليهم ولذلك كلما رجعنا إلى القرون الأولى ورجعنا إلى النصوص وجدنا التيسير هو المنهج النبوي..

توفيق طه: والرسول صلى الله عليه وسلم قائل "الدين يسر ولن يشد الدين أحدا إلا غلبة".

يوسف القرضاوي: إلا غلبة {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ}، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، "يسروا ولا تعسروا"، "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، هذه كلها نصوص واضحة وحاسمة.



الفقه والشريعة وتغييب العامل البشري

توفيق طه: نعم، فضيلة الدكتور في الإجابة عن بعض التساؤلات حول العلاقة بين الشريعة والفقه حول تغييب العامل البشري في الفقه.. التراث الفقهي وما يمكن أن نتجاوزه من هذا التراث الفقهي، استطلعنا آراء بعض الشيوخ وهذه هي النتيجة نراها ونسمعها الآن.

[تقرير مسجل]

محمد عمارة– كاتب مصري: نميز بين الشريعة التي هي وضع إلهي ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان وبين الفقه اللي هو أحكام وفتاوى تراعي حالة الزمان والوقت، الفقه اجتهاد بشري في إطار الشريعة ولذلك الفقيه يتحدث بلسانين، بلسان القرآن وبلسان الزمان، فهو يبحث لمشكلات العصر عن أحكام في إطار كليات الشريعة.

نصر فريد واصل– مفتي مصر السابق: الفقه يخضع لظروف الزمن المتعلق بهذا التشريع في مجال التطبيق.

حسام الدين الفرفور– أستاذ الفقه بمعهد الفتح بدمشق: موضوع تغييب العامل البشري في فقهنا، هذه مقولة أرى أنها أقرب إلى آراء العلمانيين منها إلى آراء الإسلاميين صراحة، أنا أرى أن هناك محاولة بقطع النظر عن مصدرها لاتهام فقهنا بأنه آراء بشرية أُلبس ثوب الشريعة الربانية.

وهبة الزحيلي– عضو مجامع الفقه الإسلامي: العنصر البشري هو أساس كل اجتهاد ولا يمكن أن يتصور لمفتي أو مجتهد أن يغيِّب هذا العنصر لأنه.. لأن الفقه ما هو عبارة.. إلا عبارة عن اجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية مراعي في ذلك واقع المعاملات وأحوال الناس وأوضاعهم وتطوراتهم، فلذلك في عصرنا الحاضر يمكن أن نتجاوز عن بعض هذه الاجتهادات الفرعية التي اختلفت فيها أوجه المصالح أو تغيرت فيها الأعراف أو استجدت فيها قضايا لم تكن موجودة في الماضي بسبب قفزة الحضارة العالمية في وقتنا الحاضر والعالم الإسلامي جزء من هذا التطور، فيمكن أن نتجاوز من التراث الفقهي ما لم يقم عليه دليل أصيل في الشريعة.

حسام الدين الفرفور: ما كان ظني الدلالة أو ظني الثبوت هذا للبشري فيه اجتهاد، هذا الاجتهاد يجب أن يصدر عن أهله بشروطه في محله حتى يكون موضع الاحترام وللعامل البشري فيه يد لكن هل وجود يد العامل البشري تنزل من مستوى هذا الاجتهاد أو تنفي عنه صفة الشريعة؟ لا.

محمد عمارة: الفقه اللي هو.. أو الأحكام الفقهية اللي تحتاج بالفعل إلى إعادة نظر هي بقى الحواشي، التهميشات، الاعتراضات، اللي هي صيغت في عصور التراجع الحضاري، يعني أنا أضرب لك مثلا، إحنا عندنا القرآن الكريم يتحدث عن العلاقة الزوجية باعتبارها مودة ورحمة وسكن وميثاق غليظ، طيب جاء في عصور التراجع الحضاري من يُعرِّف الزواج بأنه عقد تمليك بضع الزوجة، هذا الكلام رديء لا يليق أن.. لا يليق بالإسلام ولا بالعلاقة الزوجية ولا بما تحدث عنه الكتاب والسُنة في هذه العلاقة، إذاً الأحكام اللي هي كانت بنت عصرها هي دي اللي المفروض يعاد النظر فيها.

توفيق طه: نعم، إذاً كما لاحظنا فضيلة الدكتور آراء مختلفة في كيفية التعامل مع التراث الفقهي لكن لفت انتباهي القول إن الاجتهاد يجب أن يصدر عن أهله وبشروطه، هذا يدفعني إلى السؤال هل لكل إنسان حق الرجوع إلى النص القرآني أو السُنة؟

"
مجال الاجتهاد هو الأحكام الظنية في ثبوتها أو في دلالتها، أما الأحكام القطعية فلا يمكن أن تقبل الاجتهاد ولا التجديد ولا التطور
"
يوسف القرضاوي: لا، هذا يحتاج يعني كما قيل وكما قلنا دائما يعني في حلقاتنا إن الاجتهاد يجب أن يصدر من أهله في محله، ما معنى أهله؟ لا يأتي واحد لا يفهم اللغة العربية ولا يعرف يعني القرآن ولا يعرف أصول التفسير ولا أصول الحديث ولا أصول الفقه ويريد أن يستنبط من القرآن أو يقرأ القرآن قراءة معاصرة ويستنبط هو أحكام ما أنزل الله بها من سلطان وتعتقد على إجماع الأمة في جميع عصورها، يقول لك دي قراءة جديدة للقرآن، هذا لا يمكن وممكن لو أتيت له بكتاب من التراث وتقول له خد اقرأ لا يستطيع.. لا حسن أن يقرأ سطرين قراءة سليمة، فلابد أن يكون مَن يريد الاجتهاد، يكون آهلا للاجتهاد مستجمعا للشروط وهذه شروط معروفة فصلها الأصوليون وأجمعوا عليها وأن يكون هذا في محل الاجتهاد، كما أشار أحد الأخوة إنه المجال للاجتهاد هو الأحكام الظنية في ثبوتها أو في دلالتها، أما الأحكام القطعية فلا يمكن أن تقبل الاجتهاد ولا التجديد ولا التطور، نحن أمامنا فرصة.. يعني كما أشار الدكتور عمارة في أشياء صيغت صياغات غير مقبولة كانت ممكن تُقبل في ذلك الزمن ولا تقبل في هذا الزمان، مهمتنا إننا ننخل هذا، نشوف الأشياء التي هي بنت زمانها وبنت مكانها ونقول خلي دي ولكن ليس معنى هذا إننا نهيل التراب على فقهنا أو نجرِّح هذا الفقه أو نجعل الفقه كله إنتاج بشري لا قيمة له، هذا.. يعني في الحقيقة أنا ضد المبالغات، أنا منهجي هو المنهج الوسطي، المنهج الوسطي الذي يحترم التراث ويستفيد منه ويعرف قيمته وقيمته كبرى، يعني لا توجد عند أمة من الأمم مثل هذا التراث الهائل ولكن هذا التراث فيه خلل، فيه نواقص، فيه أشياء، أنا ما أجيش أجمع هذه العورات وهذه الكلمات التي قالها الفقهاء وأقول هو ده الفقه..

توفيق طه: هناك من يجمع هذه الفتاوى لنقل الرديئة كما سميتها ويقول هذا هو الفقه ويجب أن نتخلى عنه..

يوسف القرضاوي: هذا..

توفيق طه: هناك من يجمع الجيد من هذا ويقول هذا فيجب أن نتمسك به.

يوسف القرضاوي: اللي يجمع الجيد هذا هو العمل الإيجابي.

توفيق طه: ويقول هذا هو كل الفقه.

يوسف القرضاوي: العمل الإيجابي نستفيد منه، نجمع الجيد ونبني عليه ونقيم عليه فقهنا الحديث، الرديء ده ربما كان صالحا لزمانه، لتكون منصفا في أي حياة.. يعني في تقييم أي عمل أن تضعه في إطاره الزمني، ما تحاكمش الناس في عصور مضت إلى عصرنا نحن وبمقاييسنا نحن هذا ليس إنصافا ولذلك نحن.. هذه الأشياء نقول هذه كانت يعني صالحة لزمانها ومكانها وهي ليست قرآنً ولا سنة، أنا يعني في عملي الفقهي.. أنا بنظر هذه النظرة ولي منهج يعني معروف في هذا يمكن أن نتحدث عنه بعد ذلك.

توفيق طه: نعم معنا الآن فضيلة الدكتور بعض المشاركات، معنا أبو أحمد من فلسطين، أبو أحمد تفضل.

أبو أحمد– فلسطين: السلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

توفيق طه: عليكم من السلام.

أبو أحمد: أنا أحدثكم يا سيدي من سجن النقب في فلسطين، أخوكم في الله أبو أحمد عز الدين عمارنة.

يوسف القرضاوي: أهلا وسهلا.

أبو أحمد: وأستغل هذه الفرصة العظيمة العطرة لكي أقدم بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخواني من حولي أعطى التحيات وأحر السلامات لأبينا وحبيبنا وشيخنا وأستاذنا وتاج رؤوسنا جميعا سيدنا الدكتور القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حفظك الله يا أخي.

أبو أحمد: وأقول له إننا نحبك في الله وكلنا يشتاق وينتظر أن نسمع صوتك العذب العطر في كل أسبوع ونتمنى أن يجمعنا الله بك قريبا في الدنيا قبل الآخرة.

يوسف القرضاوي: إن شاء الله يجمعنا في ساحة النصر.

أبو أحمد: هذه المقدمة يعني ليست ديباجة إنما هي من القلب إلى القلب إن شاء الله، الآن أول ما نريده هو يعني دعوة خالصة طيبة في ظهر الغيب وفي جوف الليل من حبيبنا وشيخنا الدكتور القرضاوي وكل محبي المجاهدين الفلسطينيين في.. على امتداد عالمنا العربي والإسلامي، لأننا والله يا أخي الحبيب والله إننا بحاجة إلى الدعاة والله الآن يعني أنا أحدثكم حولي يعني الكثير من الأخوة الذين يعني بقى على وجودهم بضع سنوات..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم أخ أبو أحمد لو دخلت في الموضوع يعني الوقت محدود والحلقة مادتها طويلة.

أبو أحمد: نعم يا سيدي.

توفيق طه: لو تدخل في الموضوع الذي تريد أن تتحدث فيه مباشرة لو سمحت.

أبو أحمد: حاضر بس أنا أردت أن أؤكد أننا بحاجة إلى دعاءكم حقيقة السؤال لسيدي وشيخي وحبيبي الدكتور القرضاوي، أولا فيما يتعلق بموضوعكم العطر، نحن نتمنى على دكتورنا وشيخنا أن.. يعني ونلفت نظره إلى أن كثير من محبيه الذين يقرؤون كتاباته ويحبون أن يتزودوا من فقهه العذب المستنير الميَّسر، حضر لنا ما استطاع يعني أن تطبع هذه الكتب والمراجع بطريقة برايل حيث أن بعضنا..

توفيق طه: شكرا أبو أحمد من فلسطين وصلت الفكرة التي تريد طرحها، نتحول إلى مصر وهناك معنا من هناك الأخت أماني، أخت أماني تفضلي.

أماني- مصر: أيوه ربنا يخليك أبوس يديك، ده أنا بقى لي ساعتين بأتصل، أنا واقعة في مشكلة جامدة جدا وعاوزة عم الشيخ يوسف القرضاوي يحلها لي، دلوقتي زوجي طلقني مرتين شفوي وردهم لي برضه بعد ما اتصل بدار الإفتاء وثالث مرة كان مُعلق وأنا ما روحتش المشوار اللي قالي عليه وما روحتهووش خالص وهو بيقولي أنا متأكد إنك روحتي وطلقني مرة عند المأذون، أنا مش عارفة وضعي إيه.

توفيق طه: أخت أماني أنا أعتقد أن هذا الموضوع هو خارج الحلقة، يمكنك على ما أعتقد الكتابة إلى الدكتور وانتظار رأيه في هذا الموضوع، معنا عمر سفرجي من المملكة العربية السعودية.

عمر سفرجي- السعودية: السلام عليكم.

توفيق طه: عليكم السلام ورحمة الله.

عمر سمفرجي: هو التراث الفقهي.. يعني فيه مثل يقول "قديمك نديمك لو الجديد أغناك"، التراث الفقهي سيأتي من يؤيده في وقت من الأوقات، ليس كله أخطاء التراث الفقهي ولكن فيه ممكن أن ندمج بين الحاضر والقديم فيصبح تراث يعني مطور، أنا أعتقد لو خرج المسلمين بتراثهم الاجتماعي لدخل الناس في دين الله أفواجا، شكرا.

توفيق طه: نعم شكرا عمر سفرجي، سنعود إلى مناقشة هذه الفكرة بعد فاصل قصير، نعود إليكم مشاهدينا.



[فاصل إعلاني]

الفتوى والتعامل مع بعدي الزمان والمكان

توفيق طه: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في الشريعة والحياة، كان معنا مشاركة من عمر سفرجي من السعودية دعا فيها إلى المزج بين القديم والجديد للوصول إلى فقه جيد، هذا ينقلنا فضيلة الشيخ إلى الحديث عن أهمية بعدي الزمان والمكان في الفقه كما تناولتهما في كتابك "كيف نتعامل مع السُنن".

يوسف القرضاوي: أنا أريد أولا يعني أحيي الأخ أبو أحمد الذي اتصل من فلسطين وأقول له نحن دائما معكم بقلوبنا وبعزائمنا وبنيتنا وبألسنتنا وندعو لكم والله في كل حين في السحر في سجودنا في صلواتنا ونسأل الله أن يمدكم بروح من عنده وأن يكشف غمتكم ويفرج كربتكم وينصركم على عدوكم. والأخ بيسأل أنه حبذا لو طُبعت هذه على طريقة برايل حتى يستفيد منها المكفوفون وهذا والله أمر يحتاج إلى الرجوع إلى أهل الخبرة في هذا الأمر، الأخت التي اتصلت أماني التي اتصلت من القاهرة أنا أقول لها عشان.. حتى أريحها أن الطلاق المعلق لا يقع إذا كان قالها إذا روحتي كذا تكوني طالق أو كذا.. هذا لا يقع ولكن الرأي الذي نفتي به أن فيه كفارة يمين وهذا مذهب بعض السلف وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ما نفتي به ويفتي به كثير من العلماء من سنين طويلة، أما المزج بين القديم والجديد هذا هو طريقتنا نجمع بين الماضي والحاضر بين السلفية والتجديد بين الأصالة والمعاصرة وهذا هو منهجنا ننظر إلى التراث بعين وإلى العصر ومشكلاته وتياراته بعين أخرى هذه نظرتنا، سؤالك؟

توفيق طه: عن بعدي الزمان والمكان..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: عملية البعد الزماني والمكاني هذا أنا الحقيقة مش بس تناولت في كتاب كيف نتعامل مع السُنة تناولت في كتابي مع الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان وكتاب تيسير الفقه للمسلم المعاصر الجزء الأول وقلت أن إحنا يجب أننا ننظر إلى الزمان والمكان والمتغيرات، فهناك بعض الأحكام كانت صالحة لزمانها ولم تعد صالحة لهذا الزمن وذكرت لذلك أمثلة يعني كثيرة والصحابة ضربوا لنا المثل في ذلك حتى بعض الأحاديث الصحابة عملوا بها في وقت ولم يعملوا بها في وقت آخر مثل الرسول نهى عن كتابة الحديث وقال من كتب شيئا غير القرآن فليمحوا بعد ذلك أجاز الصحابة الكتابة لأنه كان فعل ذلك حتى لا يختلط القرآن بغيره، بعد ذلك استقر القرآن وعُرف ما عاد.. فكتبوا الحديث ودونوه هناك كان في عصر النبوة عملتان في الزكاة نصاب للزكاة بالذهب ونصاب بالفضة وظل الفقهاء يقولون هذا عصورا نحن في عصرنا هذا نقول لا داع لأنه كان فيه عصر النبوة فيه دراهم فضية ودنانير ذهبية وكان الدينار يُصرف بعشرة دراهم فأما تقول كذا بالفضة وكذا الآن لابد أننا نحدد نصاب واحد لأن النصاب هو الحد الأدنى للغنى فلا يجوز نقول إذا كان بالفضة يبقى كذا وإذا كان بالذهب يبقى الذهب أضعاف الفضة كيف نقول للناس هذا..

توفيق طه [مقاطعاً]: هذا عن بُعد الزمان ماذا عن بُعد المكان في التعامل مع الفتوى؟

يوسف القرضاوي: لابد أن تنظر إلى المكان ولذلك نحن أنشأنا مجلسا سميناه المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث لماذا؟ لأن المسلمين في أوروبا غير المسلمين الذين يعيشون داخل المجتمعات الإسلامية في ديار الإسلام هؤلاء لهم مشاكلهم الخاصة هم يعيشون أقلية في وسط مجتمع غير مسلم فلابد أن ييسروا عليهم أن ننظر إلى أمورهم لابد من مراعاة الزمان والمكان والحال وهذا ما ذكره ابن القيم وذكره الإمام القرافي وما ذكره عابدين حتى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتي الشخص بما يفتي به الآخر واحد سأله عن القبلة للصائم فقال له لا وواحد سأله قال أجاز لماذا؟ فبحثوا وجدوا الذي أجاز له كان شيخا والذي منعه كان شابا. سيدنا عبد الله ابن عباس جاءه رجل سأله عن أللقاتل توبة فصعد فيه النظر وصوبه بص له من فوق لتحت كده وقال له ليس للقاتل توبة. مشي الرجل أصحابه وتلاميذه قالوا له سمعناك قبل ذلك تقول للقاتل توبة قال إني نظرت في عينيه فوجدته مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، يعني ابن عباس نظر أن الرجل مش قتل وجاي يقول لي توبة لا ده هو يريد أن يقتل وقبل ما يروح يقتل عايز يأخذ فتوى ابن عباس له توبة ولا لا، فسد عليه الباب قال له لا ليس لك توبة ولذلك العلماء قرروا أن الفتوى قبل الابتلاء بالفعل غير الفتوى بعد الابتلاء بالفعل، الأخت دي قالت زوجي طلقني وخلاص شوف لها مخرج بقى إنما لو كان لسه ما طلقهاش ولو ما حصلهش ما وقعش الطلاق أحاول أفتيها بقى أشدد عليها شويه وهذا هو المفروض للفقيه أنه ينظر في الزمان وينظر ما يجمدش على حالة واحدة..

توفيق طه [مقاطعاً]: وفي الحالات الشخصية أيضا؟

يوسف القرضاوي: آه.

توفيق طه: هذا يدفعنا فضيلة الشيخ للتساؤل يعني عن ملامح منهجك في التعامل مع التراث أنت إن شاء الله من الفقهاء الذين تُسمع فتاواهم في شتى أصقاع الأرض.

يوسف القرضاوي: أنا لي منهج اتبعته قائم على أصول عدة أولا هو الجمع بين التراث من ناحية والعصر من ناحية، الجمع بين الحديث من ناحية والفقه من ناحية لأني وجدت هناك يعني فجوة بين أهل الفقه وأهل الحديث، يجب أن نردم هذه الفجوة ويتصل الفقه بالحديث هذا أمر.. لابد أن نصل بين النص الجزئي والمقصد الكلي، ذلك أن هناك أناس ينظرون في مقاصد الشريعة ويهملون النصوص الجزئية هناك ناس ينظرون في النصوص الجزئية ولا يلتفتون إلى المقاصد الكلية، لابد أن نعمل هذا، لابد أن ننظر في النصوص القطعية والنصوص الظنية النصوص القطعية لا تمثل الثوابت التي لا يجوز اختراقها والنصوص الظنية هذه هي مجال للاجتهاد يجب أن ننظر في الأحكام من الأحكام ما بني على أحاديث غير صحيحة يجب أننا هذه نبعدها حديث أن الرسول نهى عن بيع وشرط لم يصح نهى عن بيع العربون لم يصح، الأحاديث التي نبني عليها أحكاما هناك استنباطات كانت مرهونة بوقتها ليه بقى بعض الفقهاء يقول لك الذمي لم نجي نعطيه الجزية لازم نوقفه ونعمله كذا يعني نهينه هذا ليس صحيحا أو أن نميز أهل الذمة بزي خاص هذا كان في الزمن الماضي يقول لك حتى يمكن يموت وما نعرفش أنه ذمي وندفنه في مقابر المسلمين وهذا لا يرضاه هو ولا أهله دلوقتي لا يا سيدي فيه عنده فيه الهوية أو البطاقة الشخصية بينكتب فيها ونعرف ما عدنا محتاجين إلى هذا فيه الأحكام كانت لعلة معينة ولم تعد هذه العلة موجودة مثل..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم تحدثت عن أهل الذمة وهناك الآن ما يقال عن دار الحرب ودار الكفر كان هذا الحكم الفقهي القائمة الآن..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: دار الحرب ودار الإسلام.

توفيق طه: دار الحرب ودار الإسلام الآن هل ما زال هذا المفهوم قائما في الفقه؟

"
دار الإسلام هي الديار التي يعيش فيها المسلمون بأغلبية وتظهر فيها شعائر الإسلام وأحكام الإسلام بصفة عامة وإن لم يكن مطبقا فيها جميع أحكام الإسلام
"
يوسف القرضاوي: لا زال هذا المفهوم يعني قائما فيه دار الإسلام هي الديار التي يعيش فيها المسلمون بأغلبية وتظهر فيها شعائر الإسلام وأحكام الإسلام بصفة عامة وإن لم تكن مطبق فيها جميع أحكام الإسلام إنما الإسلام محترم تقام الصلوات تقام الشعائر يُقرأ القرآن تسمع الآذان يعني هذه دار الإسلام والذين يعيشون أقليات خارج دار الإسلام لذلك قلنا ليه عملنا مجلس الأوروبي للإفتاء لنراعي هذا في هذه الدار ولكن ليس كل ما ذكره الفقهاء من أحكام تختص بدار الإسلام بدار الحرب نفعله..

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن هناك رأي فقهي قديم يقول أن علة الجهاد هي الكفر، الكفر اختلف تعريفه الآن هل هذا المفهوم ما زال قائما الكلام عن حقوق الإنسان والحرية الإنسانية..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هناك من قال بهذا الشافعية قالوا بهذا وخالفهم الحنفية والمالكية والحنابلة وجمهور الفقهاء قالوا الكفر ليس هو علة القتال، إنما علة القتال العدوان على المسلمين وفتنة المسلمين عن دينهم ولذلك الإسلام لم يوجب قتل المرأة لأنها لا تقاتل اللي بيقاتل المسلمين {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا} {فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتاب من قديم اسمه القاعدة في قتال الكفار وقال أنه الأصل في القتال ليس الكفر وإلا كان وجب أن نقتل الرهبان في الصوامع والحراس في الأراضي والتجار في المزاد، نهي عن هذا كله قال لا تقتلوا وليدا ولا تقتلوا امرأة ولا تقتلوا شيخا دول كفار فالرأي الصحيح أنه القتال ليس لعلة الكفر ولكن للعدوان على المسلمين والاعتداء على حرماتهم أو على دعوتهم أو على أرضهم أو على حرماتهم هذا هو الموجب للقتال.



الفقه الحديث ومساءلة الأئمة

توفيق طه: نعم هناك الآن مَن يتعامل مع التراث بمنطق المساءلة هناك مَن يقلل من هذه المساءلة ابن تيمية نهج أسلوب الطعن في الأئمة الكبار..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لا أعوذ بالله أبن تيمية لم يفعل هذا..

توفيق طه [مقاطعاً]: نقدوا الطعن عفوا نقدوا الطعن في الأئمة الكبار هل أتباعه مازالوا يتعاملون بنفس النهج؟

يوسف القرضاوي: لا للأسف يعن أتباع ابن تيمية يعني لا يتبعون منهج ابن تيمية، ابن تيمية منهجه احترام الأئمة له كتاب يعني ليس كبيرا ولكنه قيم جدا أسمه رفع الملام عن الأئمة الأعلام وذكر أن أحد من الأئمة لم يتعمد مخالفة الشرع إنما ربما لم يبلغه الحديث ربما بلغه الحديث وكان عنده معارض لهذا الحديث وما بلغه الحديث ولكن فهمه فهما آخر وربما كان هناك عنده من القواعد ما يجعله هذا مثل القواعد التي أصَّلها الإمام مالك عن المصلحة المرسلة أو عن تقديم عمل أهل المدينة في بعض الأشياء إلى أخره كتاب أسمه رفع الملامة عن الأئمة ليت أتباع ابن تيمية يحترمون الأئمة للأسف كثير منهم لا يحترمون المذاهب ولا يحترمون الأئمة ويطعنون في المذاهب وكأن هذه المذاهب جاءت من خارج الإسلام أو ليست عمل العقل الإسلامي في لا هذا نحن يعني نحترم..

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن هل مساءلة الإمام هل مساءلة الفقيه يعني فيها تقليل من توقيره من احترامه؟

يوسف القرضاوي: لا المساءلة بمعنى أن تنتقد الفقيه في رأي من الآراء أو في حكم من الأحكام أو في فهم من الأفهام لا بالعكس، أصحاب الأئمة يعني حينما تجد أصحاب الإمام أبي حنيفة مثل أبي يوسف ومحمد وظفر والحسن ابن زياد وغيرهم من تلاميذ أبي حنيفة خالفوا أبي حنيفة في أكثر من ثلث المذهب أو ثلثي المذهب، خالفوه بعده وقالوا لو رأى ما رأينا لقال بمثل ما قلنا. تغير الزمن مع أن الزمن قريب يعني بين أبي حنيفة وبين أصحابه عشرات السنين فكيف نحن بيننا وبين الأئمة يعني قرون وقرون، الإمام الشافعي نفسه مش خالفه أصحابه هو خالف نفسه كان له مذهب قديم ومذهب جديد مذهبه الجديد استقر في مصر قبل ذلك حينما كان في العراق كان له مذهب آخر وأنا أقرأ في الكتب الشافعية قال الشافعي في القديم أي في مذهبه القديم كذا وقال في الجديد كذا، لأنه حينما جاء مصر رأى ما لم يكن قد رأى وسمع ما لم يكن قد سمع.. سمع أحاديث وأشياء لم يسمعها من قبل وسنه نضج، الإنسان أيضا بعد ما يكبر ويبلغ مبلغا من العلم والنضج الفكري يتغير بعض آراءه أحيانا يرق قلبه أنا بعض الأشياء كنت أحرمها من قديم لما بلغت من الكبر عتيا والله بدأت أيسر فيها ويعني فالإنسان هو الإنسان.

توفيق طه: نعم هذه المساءلة هذا النقد يعني هل يشمل أيضا الصحابة الذين عاصروا الرسول وعايشوه وأخذوا عنه؟

يوسف القرضاوي: نعم الصحابة هم بشر كغيرهم من البشر ما لم يُجمعوا على رأي فيجب أن يُحترم إجماعهم إنما إذا جاءنا رأي من أحدهم من حقنا أن نناقشه، هنا في العلم أصول الفقه هل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة والرأي الصحيح أنه ليس هناك أحد معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عداه من البشر من صحابة أو غير صحابة حتى أهل البيت في نظرنا هؤلاء كلهم يؤخذ من كلامه ويُترك، كان الإمام مالك يعني ينظر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة وفي المسجد النبوي ويقول كل واحد يؤخذ من كلامه ويُرد عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم أن ربنا عصمه {ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى}{إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى}..

توفيق طه [مقاطعاً]: الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم لكن هناك من يقول أن كلام الرسول ليس كله تشريعا يعني هناك جزء منه بشري ربما يخطئ أيضا.

يوسف القرضاوي: الرسول طبعا قد يعني الرأي الصحيح أنه يجتهد وقد يخطئ ولكن الله تعالى لا يقره على الخطأ في الاجتهاد إذا أخطأ في أمر من أمور التشريع أمور التبليغ لا يقره الله عليه ينزل الوحي يصحّح له جاءه أحد الناس فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقال له نعم ثم مشى الرجل خطوات فناداه قال له تعالى ماذا قلت آنفا قال له قلت لك يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقلت لي نعم فقال له إلا الدين تكفر عنك خطاياك إلا الدين أخبرني جبريل بها آنفا يعني بمجرد ما تركتني جاء جبريل قال له لا استدرك صحِّح له إلا الدين يعني الشهادة تكفر خطايا الإنسان إلا ديون العباد، فأنظر فالرسول بعض السنن بعض ما روي عن رسول صلى الله عليه وسلم بعضه تشريع وبعضه ليس بتشريع.

توفيق طه: بالضبط أين نميز بين ما ورد عن الرسول من سنة هل هو تشريع أو غير تشريع هل هو حكم أم غير حكم؟

يوسف القرضاوي: هذا يعرفه أهل العلم وأهل الخبرة الأشياء التي تتعلق بالطبيعة البشرية يعني كان يحب الدباء يحب إيه القرع هل ده تشريع يعني ينبغي أن الأمة كلها تحب القرع لا هذا أمر جبلي يعني أشياء يعني أخذها من التجربة العربية البيئية من حوله بعض الوصفات بعض الأشياء اكتحلوا بالأسمد هل أنا يعني إذا قال الرسول اكتحلوا بالأسمد حجر أسمه كحول أسمه الأسمد هل أنا أتبع الرسول في هذا ولا أتبع طبيب العيون يمكن طبيب العيون يلاقي الأسمد ده مينفعكش بالنسبة لعينك يمكن يضرها أنا أتبع لأن الرسول أمرنا أن نتبع أهل الخبرة وهو واحد قال له أنا مفؤود يعني عندي فؤادي أو كبدي يؤلمني وقال لي أذهب إلى الحارث بن كلده الثقفي طبيب متخصص ما شاء الله روح له فهذا هو اللي أمرنا والله تعالى يقول {فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} {ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} فلازم نسال الخبراء في هذا الشأن فنحن نعرف ما هو من التشريع وما ليس من التشريع ذكر هذا الإمام ولي الله الدهلوي من قديم وذكره الإمام القرافي وذكره الشيخ شلتوت في عصرنا والشيخ محمد مصطفي شلبي، من السنة ما هو تشريع وما ليس بتشريع وأنا ذكرت هذا في كتابي السنة..

توفيق طه [مقاطعاً]: وما جاء من أحكام التشريع على لسان صلى الله عليه وسلم فهو معصوم فيها السؤال عن العصمة.

يوسف القرضاوي: آه لا برضه حتى ما جاء من التشريع بعضه تشريع عام وبعضه تشريع خاص بعضه تشريع دائم وبعضه تشريع ليس بدائم يعني فيه تشريع جاء في مسألة يعني شخصية هذه لا ينبغي أن تعمم العلماء يقولوا عليها قضية عين أو قضية حال..

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن في النهاية..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: مثلا عرض عليه النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال يا رسول غلا السعر فسعِّر لنا فقال لهم أن الله هو المسعِّر القابض الباسط ليه لأنه كان غلا غلاء طبيعي من قلة الشيء وكثرة الخلق كما يقول ابن تيمية يعني ما نسميه الآن قانون العرض والطلب إنما حينما يتلاعب الناس بالسوق ويحتكر الناس بعض السلع ويتحكموا في الأسعار لا هنا ينبغي التدخل في السعر ولذلك الإمام بن تيمية قال لا السعر التسعير منه ما هو جائز ومنه ما هو واجب ومنه ما ليس بجائز فنحن ينبغي أننا ننظر في هذه.. أشياء النبي فعلها بصفته إماما ورئيسا للأمة مثلا قال من أحيا أرضا ميتة فهي له، هذا قاله بصفته إماما هذا رأي الحنفية وغيرهم أن لا ينبغي إحياء الأرض الموات إلا بإذن الإمام لأن الرسول لما قال هذا قال بوصفه رٍئيسا للدولة ومعنى هذا أن لا ينبغي أن.. حتى الدولة تعطي هذا تقول له أحيي في المكان الفلاني أحيي المساحة لك حد معين من المساحة حتى تقسم الأشياء المواد بين الناس بالعدل وبكذا وعلى حسب قدرتهم ولا تترك الناس يحجرون هذه الأشياء ويحتكرونها لحسابهم هذا كله..

توفيق طه: نعم في النهاية فضيلة الشيخ يعني ما جاء على لسان الرسول من أحكام فهو أحكام شرعية فهو معصوما فيها، هناك من المسلمون الشيعة الذين يعصمون أو يقولون بعصمة الأئمة؟

يوسف القرضاوي: عندهم الأئمة يعني المعصومون أثنى عشر وهم يعني سيدنا علي والحسن والحسين وزين العابدين وأبو جعفر الباقر وجعفر الصادق إلى آخر الأثني عشر..

توفيق طه [مقاطعاً]: وموسى الكاظم..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: هؤلاء ما جاء عنهم بيعتبرونهم يعني معصومين فيما جاؤوا به ولكني وجدت في النهاية أن ما يعتبرونه هؤلاء معصومين أشبه بما يقوله المقلدون عندنا من أنه يجب إتباع الأئمة وكذا وفي النهاية معظم الأشياء التي جاءت عن أئمتهم جاءت عندنا نحن أهل السنة أحاديث صحيحة فيعني الخلاف يكاد يكون يعني لفظيا في النهاية، يعني حينما تنظر إلى المحصلة النهائية لفقه الشيعة والمحصلة النهائية لفقه السنة تجد ما انتهى إليه فقه الشيعة في جملته لابد أن يوافق مذهبا من المذاهب السنية في الجملة إلا أشياء نادرة جدا.

توفيق طه: لكن تبقى القاعدة العامة بأنه لا عصمة لبشر إلا الرسول صلى الله عليه وسلم..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: إحنا عندنا لا عصمة إلا للرسول صلى الله عليه وسلم وعند الجميع الآن لا معصوم إلا القرآن والسنة لأن عندهم هؤلاء الأئمة انتهوا بالإمام الثاني عشر الذي اختفى وغاب وينتظرون يعني ظهوره وعودته فالجميع الآن مجمع على أنه كل العلماء غير معصومين كلهم مجتهدون يؤخذ منهم ويترك.

توفيق طه: نعم نعود إلى الفكرة الأساسية لهذه الحلقة الإتباع يعني كيفية التعامل مع التراث هناك مَن يحصر الآن أي فقه اجتهادي في إتباع الأئمة الأربعة وأنه لا مدرسة جديدة في الفقه ماذا ترون في ذلك؟



ملامح الفقه المعاصر وأدوات الفقيه

يوسف القرضاوي: أنا رأيي أن هذه المذاهب وهذه المدارس هي كلها تعتبر يعني مناهل غنية نأخذ منها ونقتبس منها ونتدرب عليها هذه الفقه الموروث هذا هو الذي يكوّن الملكة الفقهية التي يحتاج إليها أي مجتهد لا يمكن لمجتهد أن يبدأ كده من الصفر لابد أن يتعلم على هذا الفقه ويعرف كيف استنبط هؤلاء هذه الأحكام هذه مدرسة لابد أن يتعلم فيها ولذلك وخصوصا..

توفيق طه [مقاطعاً]: من أجل البناء عليها.

"
هناك فقه مذهبي وفقه مقارن، والفقه المقارن يتمثل بالنظر في المذاهب المختلفة في الرأي ثم تستخرج الخلاصة، لذلك قال علماؤنا قديما مَن لم يتعلم اختلاف الفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه
"
يوسف القرضاوي [متابعاً]: وخصوصا الفقه المقارن يعني هناك فقه مذهبي وهناك فقه مقارن وهذا الذي ندعو إليه وهو الذي نعلمه الآن في الجامعات، الفقه المقارن أنك تنظر في المذاهب المختلفة في الرأي هذا يرى كذا وهذا يستدل بكذا وهذا بكذا وهذا يرد عليه بكذا وكذا وننظر ونستخرج الخلاصة، هذا أمر مهم جدا لتكوين الملكة الفقهية ولذلك قال علماؤنا قديما مَن لم يتعلم اختلاف الفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه، لا يمكن أن يكون فقيها ما لم يتطلع على اختلاف الفقهاء.. اختلاف الفقهاء هو اللي يبين له لماذا اختلفوا هؤلاء طب ما هم كلهم يقرؤوا القرآن والسنة، ليه اختلفوا؟ حينما ينظر إلى أسباب الاختلاف كما ذكر ذلك العلامة بن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد يذكر اختلفوا في كذا واتفقوا في كذا وبعدين لماذا اختلفوا يقول وسبب اختلافهم كذا وكذا هذا مَن يقرأ هذا يتعلم كيف يكون الاجتهاد فلا يمكن لنا أن نستغني عن هذا التراث الفقهي أو المذاهب الأربعة هي كما قلت مذاهب أكثر من أربعة هناك مذاهب اندثرت ومذاهب بقيت وهناك فقه خارج المذاهب وهذا كله ينبغي أن يستفيد منه الفقيه المعاصر.

توفيق طه: هناك يعني فيه ملامح التوجهات الفقهية لفضيلتكم في أحد الكتب كما ورد تقولون تقليد السلف اغتراب في الزمان وتقليد الغرب اغتراب في المكان كيف يمكن أن نشرح هذه للمشاهدين؟

يوسف القرضاوي: يعني أنا أقول أنا ضد التقليد كله سواء كان تقليدا إسلاميا أو كان تقليدا عِلمانيا فالتقليد الإسلامي اغتراب في الزمان لأن معناها أننا لا نعيش زماننا ونعيش في زمن الآخرين ولو كانوا الآخرين في زماننا لاجتهدوا لزمنهم، فالمفروض أن إحنا لا نغترب عن زماننا ونعيش في الزمان الماضي والزمان الماضي مشاكله غير مشاكلنا ومفاهيمه غير مفاهيمنا فلذلك تقليد أسلافنا اغتراب في الزمان نترك زماننا ونغترب إلى الزمن، أما تقليد الغربيين وغيرهم فهو اغتراب في المكان نترك مكاننا وأمتنا وأرضنا ونذهب إلى أرض أخرى ودار أخرى ومجتمع آخر لنأخذ منه فهذا الذين يعيبون على الإسلاميين أنهم يقلدون الأسلاف هم يقلدون، بالعكس تقليد الإسلاميين هو تقليد لائمة هم على كل حال نشؤوا في ترابهم ونشؤوا على ثقافتهم وعلى عقيدتهم إنما هؤلاء أما تروح تقلد لي ماركس في الاقتصاد أو دوركايم في الاجتماع أو فرويد في علم النفس أو.. هذا اغتراب مطلق هذا نحن ضد التقليد لا نريد أن يبيع الإنسان عقله ويفكر برأس غيره سواء كان هذا الغير إمام من أئمة المسلمين أو فيلسوف من فلاسفة الغرب..

توفيق طه [مقاطعاً]: ومع ذلك..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: أنت فكر بعقلك مهتديا بالأصول بالكتاب والسنة وشغل هذا العقل وكما قال العقاد رحمه الله التفكير فريضة إسلامية لأن الله أمرنا أن نفكر {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ}{أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} {أَفَلا تَعْقِلُونَ} كل هذه الآيات القرآنية تدعونا إلى أن نعمل عقولنا لنفكر، لنفكر فيما حولنا {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} كل ما خلق الله من شيء مجال للنظر وللتفكير فنحن مطالبون أنا ضد التقليد سواء كان تقليدا في الزمان أم تقليدا في المكان تقليدا لأهل الغرب أو لأهل الشرق..

توفيق طه [مقاطعاً]: والإسلام كما قلت هو دعوة لإعمال العقل.

يوسف القرضاوي: العقل نعم.

توفيق طه: بهذا يجب أن ننهي هذه الحلقة فضيلة الدكتور ومشاهدينا الكرام هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة والتي خصصناها للتراث الفقهي وكيفية التعامل معه، لا يسعنا في نهاية هذه الحلقة إلا أن نشكر فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي شكرا لكم وشكرا لكم مشاهدينا مني ومن فريق البرنامج المخرج منصور الطلافيح ومعد البرنامج معتز الخطيب وإلى اللقاء.