- مفهوم المعاملات المالية والأصل فيها

- خلاف الفقهاء بين جديد وقديم المعاملات والعقود

- الفرق بين البنوك التجارية والإسلامية وحكمة تحريم الربا

- مشاركات المشاهدين

- حكم بيع الغَرر والأسهم والبيع عبر الإنترنت

- رأي الدين في الوساطة والاحتكار والتأمين

 

 

خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. غالب معاملاتنا المالية في الوقت الحالي مصدرها التاريخي القوانين الغربية، فكيف تعامل الفقه الإسلامي معها؟ وما هي القواعد والأسس الحاكمة لهذه المعاملات؟ وهل واكب الفقه التطورات الحديثة الطارئة في هذا المجال؟ أصول المعاملات المالية في الإسلام موضوع          حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الفقيه المعروف الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق والخبير في عدد من المجامع الفقهية، نرحب بكم فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي.

مفهوم المعاملات المالية والأصل فيها

ونبدأ أولا بتحديد مفهوم المعاملات المالية، تعبير المعاملات المالية يبدو حديثا لم يعهده الفقه الإسلامي قديما ماذا نعني به؟

وهبة الزحيلي- عضو المجامع الفقهية: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن والاه أما بعد فإن المعاملات المالية في الإسلام تتلوا قسم العقائد والعبادات ثم يعقبها الأحوال الشخصية وأحكام الأسرة والمعاملات الخارجية أو الدولية، والذي يُقصد بهذا التعبير هو كل ما يتعلق بتحريك المال من طريق العِوَض أو التبرع أو ما يتصل بهما من توثيق هذه العقود وبيان كيفية تنفيذها والالتزام بقواعدها وعلى وجوب الانصراف إلى احترام ما قرره الشرع في هذا النطاق، علما بأن هذا التعبير وإن كان حديثا فهو أيضا معروف في الفقه الإسلامي باسم آخر قريب منه أو شبيه له وهو عقود المعاملات الإسلامية التي تعني البيوع والإيجارات والشركات والكفالات والرهونات والصُلح والتبرعات من إعارة وإيداع ورهن وكفالة وغير ذلك مما تتطلبه الحياة في الماضي أو الحاضر أو المستقبل فهي نابتة بسبب وجود التعامل الذي لا يستغني عنه إنسان في هذه الحياة رجلا كان أو امرأة، كبيرا كان أو صغيرا، دولة أو مؤسسة أو أشخاصا كلهم بحاجة إلى الانخراط في هذه الساحة العملية التي تعبر عن مدى التزام المسلم بأصول شرعه في نطاق الحياة الاقتصادية التي لابد منها ليعيش المجتمع في رخاء واستقرار ويعم الخير على الجميع، ونستطيع بهذا التحريك أن نستثمر الأموال فيربح الجميع لأن تجميد الأموال يضر بمصلحة الكل فكان لابد من أن تكون هذه الأموال لها نشاط في سوق العملية فيستفيد البائع والمشتري، المشتري يُحقق حوائجه ويقضي مصالحه والبائع أيضا يربح وبذلك تتكامل الحياة الاقتصادية..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: يجب أن تُحرك.

وهبة الزحيلي [متابعاً]: وعن طريق تحريك هذه الأموال التي هي عصب الحياة والتي هي مهمة جدا والمال قرين الروح ولا يستطيع إنسان أن يتخلص أو يتنازل عن شيء من هذا المال إلا بسماحة نفس كالتبرعات المتمحضة لوجه الله جل جلاله أو عن طريق المعاوضات بأن يعطي فيأخذ بدلا عما يعطي.

خديجة بن قنة: يعني هذا المجال واسع جدا ومفاهيم المصطلحات كثيرة فيه.

وهبة الزحيلي: لا شك هو خضم الحياة يقوم على هذا النوع من المعاملات.

خديجة بن قنة: نعم لكن فضيلة الدكتور شيوع التعامل بالنقد الورقي واستخدام الأوراق التجارية كالشيك والكمبيالة وكل.. يعني المستوردات من خلال عقد فتح الاعتماد ووجود شركات مساهمة وذات المسؤولية المحدودة وغيرها والتعامل بالأسهم والسندات يعني كل هذه مصدره أو مصدرها الفكر الغربي كيف واكب الفقه الإسلامي هذه التطورات؟

"
الفقه الغربي في موضوعه ومادته وأصوله وكل تنظيماته مستمد من الفقه الإسلامي
"
وهبة الزحيلي: أولا أريد أن أؤكد على حقيقة واقعية أن هذا الفقه الغربي المتمثل بمجوعة نابليون بونابرت وهو من أهم نتاج الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر هذا الفقه في موضوعه ومادته وأصوله وكل تنظيماته مستمد من الفقه الإسلامي، وقد وُجدت مؤلفات في هذا الشأن وطُبع كتاب في أكثر من ألف وثلاثمائة مادة تبين أن القانون المدني والقانون الجنائي مستمدان من الفقه المالكي الذي كان ينتشر في بلاد المغرب والأندلس وفي أوروبا وكانت أوروبا في ذلك الوقت في عصر الظلمات، وكان طلاب العلم يؤمون هذه المدارس الإسلامية فأخذوا مادة هذا الفقه وطوروه طوروه فقط إما باستخدام تعابير حديثة وإما بصياغته تحت مظلة نظريات عامة هذا ما أضافوه فلذلك ليس بعيدا بل إنني أؤكد أن هذا النظام الموجود الذي تذكرين عنه أنه مستورد من الغرب هو مستورد في مجال الاصطلاحات فقط وفي التنظيمات أما المادة الموضوعية فكل هذه العقود نجد لها تغطية وشمولا في الفقه الإسلامي فإن كانت هذه التصرفات والعقود مقابلة بأجر كالوكالة بأجر في التحويلات مثلا فهي مشروعة كل المشروعية وإذا كانت أيضا تتفق مع قواعد الشريعة وأصولها وضوابطها العامة فهي أيضا مشروعة وأما إذا كانت تصادم أصول هذه الشريعة وخصوصا في قضايا الربا وعقود الغرر أي عقود الاحتمالية المترددة بين الوجود والعدم فهذه مما لا يجيزها الفقه الإسلامي حفاظا على نظامه الإلهي الذي يتدخل في تصرفات الإنسان من أجل حماية المجتمع ومن أجل إقامة العدالة وتنظيم تبادل الحقوق والالتزامات فيما بين الناس على أساس من الموضوعية والعدل دون أن يُبخس أحد حقه أو يقع في شيء من الغش أو الخديعة أو الغبن أو الضرر فهذه التصرفات كلها في جائزة فإن كانت مثل الشركات المعروفة الآن في القوانين الوضعية الشركات إما قسمان أما شركات أشخاص وإما شركات أموال، فشركات الأشخاص مثل شركات التضامن وشركات المحاصة وشركات التوصية البسيطة وهذه شركات أشخاص يعني يغلب عليها العنصر الشخصي، وأما شركات الأموال مثل شركات المساهمة والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات التوصية بالأسهم فكل هذه الشركات تدخل تحت اسم آخر في الفقه الإسلامي وهو شركات العِنان يعني الشركات التي تتعلق بتداول الأموال واستثمارها صحيح شركات الأشخاص يغلب عليها العنصر الشخصي وشركات الأموال يغلب عليها المال.

خديجة بن قنة: نعم سندخل فضيلة الدكتور في هذه التفصيلات الدقيقة لكن لاحظنا أن الإسلام يعني اهتم أو لم يدخل في تفاصيل التعاملات المالية كما دخل في موضوع العبادات لماذا برأيك؟

وهبة الزحيلي: هذا أيضا سؤال العكس هو الصحيح، أنا ألّفت كتابا شاملا في الفقه الإسلامي من أحد عشر مجلدا الفقه الإسلامي وأدلته. الذي يخص العبادات ثلاثة أجزاء من هذا الكتاب وهي العبادات الخمسة المعروفة من صلاة ومقدماتها وهي الطهارات وصيام وحج وزكاة وما يلحق بها من أحكام الجنائز والأيمان والنذور والأضاحي والكفارات هذا هو نطاق العبادات، أما بقية أجزاء الكتاب منه ما هو ذو صلة مباشرة بالمعاملات المالية وهو أكثر من ثلاثة أجزاء وهناك أحكام الأسرة وأحكام المعاملات الخارجية كلها تتعلق بالمعاملات سواء كان ذلك على نطاق واسع وشامل أو دوري أو كان على نطاق خاص، فهذه القضية منشأها أن الناس في غالب الأمر يحرصون على تعلم أحكام العبادات ولا ينتقلون إلى التعرف على أحكام المعاملات هذا أول سبب، السبب الثاني أن الناس عادة لا يُطبقون في الغالب أحكام المعاملات كما شرعتها هذه الشريعة وإنما انتقلوا إلى تطبيق ما هو قائم في الأعراف وما أفرزته القوانين الوضعية، ولكن الحق والعدل يوجب عليهم أن يتعلموا أحكام المعاملات كما يتعلموا أحكام العبادات وهذا ما قرره سيدنا عمر حين نادى في التُّجار في المدينة فقال يا معشر التجار لا يحل لأحد أن يمكث في سوقنا ما لم يتفقه في دين الله وشرعه وإلا وقع في الربا شاء أم أبى فإذا يجب علينا أن يتعلم المسلمون والمسلمات أحكام هذه المعاملات حتى لا يقعوا في المحرمات ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} مثل قوله تعالى {وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ} فلماذا نصرف الأمر هنا إلى التغافل عنه وإلى إهماله ونطبق أحكام الصلاة والصيام والزكاة، ففي واقع الأمر فقهاءنا أغنوا هذه الساحة وعندهم تفريعات ومئات وعشرات وآلاف الجزئيات لبحث قضايا المعاملات كما هو قائم بالنسبة للعبادات.

خديجة بن قنة: نعم سندخل في تفصيلات أحكام المعاملات المالية لكن بعد أن نأخذ هذا الفاصل القصير ونعود لتكملة محاور هذه الحلقة وموضوعنا اليوم التعاملات المالية في الإسلام.



[فاصل إعلاني]

خلاف الفقهاء بين جديد وقديم المعاملات والعقود

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة موضوعنا اليوم التعاملات أو المعاملات المالية في الإسلام مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي، فضيلة الدكتور ينشغل الفقهاء المعاصرون اليوم كثيرا بأن يُخرجوا كثير من المعاملات والعقود المعاصرة على شبيه لها في الفقه الإسلامي لماذا؟

وهبة الزحيلي: نحن أختنا الفاضلة نلتزم في الدرجة الأولى في هذه الشريعة ونتقيد بقواعد الهدي الإلهي فهذه شريعة إلهية وليست قوانين وضعية ومن هنا ينطلق أن يكون الالتزام أولا لضوابط الشريعة والفقه النابع من هذا الوحي الإلهي في غالبه سواء كان مصدره القرآن والسنة فنرجو أن يعرف المجتمع بأننا في هذا السلوك إنما نلتزم بالضوابط الإلهية وحيث لا يوجد نص في الموضوع فحين إذا نلجأ إلى الأعراف والمصالح فتكون العقود إن كان منها شيء جديد فنحن نحرص على إيجاد البديل عن القديم والذي لا يصطدم مع أصول هذه الشريعة وأما الذي يتفق قديمه مع جديده كالبيع والإيجار والشركة فهذا لا تغير فيه، ولكن نلتزم ضوابط الشريعة وأصولها المقررة في القرآن والسنة واجتهادات الفقهاء التي هي مستمدة من هذين المصدرين الأصليين، فلذلك لا يكون هناك أمرا مستغربا أن تكون هذه العقود كلها في محور الهدي الإلهي وليس من طريق العقل البشري..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: فضيلة الدكتور في هذه النقطة بالذات كثيرا ما يقوم الخلاف بين الفقهاء حول مسألة هل هذا عقد جديد أم قديم ويختلفون طبعا في بناء الموقف الفقهي من هذه المسائل كيف يتصرف المسلم إزاء هذا الاختلاف بين الفقهاء؟

"
عقد المقاولة  -الذي هو مشهور الآن في إنجاز المشاريع العمرانية والمعامل والمؤسسات والصناعات- جديد لكن في واقعه لا يختلف عن عقد مقرر في الفقه الإسلامي وهو الاستصناع
"
وهبة الزحيلي [متابعاً]: هذا أيضا كما هو موجود في القوانين الوضعية الحياة الحديثة قذفت بمئات المسائل والقضايا وأُوجدت عقود جديدة بسبب تعقد أمور الحياة الاقتصادية فحتى عند القانونيين يقولون هذا عقد جديد لا يوجد له نظير من العقود المسماة فكذلك أيضا الشأن في الفقه الإسلامي وفقهنا يشتمل على واحد وعشرين عقدا فما لم يكن العقد من جملة هذه العقود المسماة والمعروفة نستطيع أن نوجد عقدا كل ما في الأمر تنطبق عليه قواعد الشريعة مثلا عقد الإقالة.. عفوا عقد المقاولة فعقد المقاولة الذي هو مشهور الآن في إنجاز المشاريع العمرانية والمعامل والمؤسسات والصناعات هذا عقد جديد لكن في واقعه لا يختلف عن عقد مقرر في الفقه الإسلامي وهو الاستصناع، فهو إيجاد شيء لم يكن مع وجود مقاول يشرف على تطبيق وإنجاز هذا العقد والالتزام بالمواصفات والضوابط الموضوعة له على أن يكون له نسبة من الأجر أو شيء مقطوع. فإذا فقهاؤنا حينما يتقيدون بهذا الاتجاه عندما حتى لا ينسلخوا عن هدي هذه الشريعة وعن تطبيق أصولها ومراعاة ضوابطها وليكون السير على هدأة وأصول بحيث لا يصطدمون مع هذه الضوابط وتلك القواعد وحيث لا يوجد نص في الموضوع..

خديجة بن قنة: كيف تحدد المنهج الذي يجب أن يسير عليه لتفادي..

وهبة الزحيلي: هذا المنهج واضح وهو أن هذه العقود تنطلق من ضوابط وشروط معينة فمثلا لابد من أن يكون العقد قائما على التراضي بإيجاب وقبول وأن يكون هناك أهلية للمتعاقدين وهذا كما موجود في فقهنا موجود في القوانين الموضوعية، أهلية بأن يكون بالغا عاقلا راشدا أو رشيدا وأيضا أن يكون المحل المعقود عليه مما تُقر الشرعية التعامل به بأن يكون مالا متقوما يباح الانتفاع به شرعا فلا يعتبر التعامل مشروعا في شيء تافه ليس من قبيل الأموال ولا في الأمور التي لا يبيح الشرع الانتفاع بها مثل..

خديجة بن قنة: هل لك أن تعطينا أمثلة؟

وهبة الزحيلي: بيع الخمور والخنازير والنجاسات وكل ما يضر ولا ينفع فهذا يعد نوعا من اللغو ونوعا من الطرف الذي لا يحقق فائدة فالشريعة تبطل مثل هذه العقود فمنهج الفقهاء واضح في التزام الضوابط في كل دائرة من دائرة أنواع المعاملات والعقود سواء في البيوع أو في الإيجارات بأن يكون تكون الإجارة على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم ولمدة معلومة، فالإجارة تختلف عن البيع هي بيع في المعنى الإجارة لكن هي محددة بمدة أما البيع فهو يفيد التأبيد فبمجرد ما يبيع الإنسان كتابه أو منزله أو سلعته تنسلخ ملكيته عن هذه السلعة وتنتقل الملكية إلى المشتري أما في الإجارة يبقى الملك للمؤجر وإنما ينتفع المستأجر بهذا لمدة معينة فإذا وُجدت هذه الضوابط كان العقد صحيحا وسليما كذلك الشركات مثلا ما هي إلا اتفاق على الاشتراك في مال بين شريكين أو أكثر ثم تُستثمر هذه الأموال وإذا تحقق ربح يُقْسم الربح على ما شرط أي بحسب الاتفاق القائم بينهما والخسارة على قدر الماليْن لاحظي هذه العدالة.

خديجة بن قنة: نعم.

وهبة الزحيلي: القائمة في التطبيق الخسارة تكون على قدر الماليْن، أما الربح يقسم إما مناصفة أو أرباعا أو أثلاثا أو حسب الاتفاق بينهما وبحسب خبرة أحد الشريكين المتميز عن خبرة الآخر تكون بالإضافة إلى ما له من حصة في رأس المال تكون خبرته هذه محل تقدير ويأخذ أكثر من شريكه بما سبب أنه يدير هذه المحل أو المتجر أو الشركة ويسهر على شؤون هذا العمل فيستحق عوضا أكثر فهذه ضوابط من هذه البيوع الثلاثة أو العقود الثلاثة نلاحظ أنها في واقع الأمر تعتبر منطلقا للحكم على كل ما يستجد في الحياة المعاصرة.

خديجة بن قنة: نعم نأخذ فاصل قصير نأخذ خلاله موجزا لأهم الأنباء من غرفة الأخبار ثم نعود لمواصلة هذه الحلقة حول التعاملات المالية في الإسلام مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي.



[موجز الأنباء]

الفرق بين البنوك التجارية والإسلامية وحكمة تحريم الربا

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة موضوعنا اليوم التعاملات المالية في الإسلام مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي، فضيلة الدكتور في موضوع التعاملات أو المعاملات المالية كثير من الناس يتساءلون عن الفرق بين البنوك التجارية والبنوك الإسلامية وهنا لابد من الحديث أيضا عن موضوع الربا ما الحكمة من تحريم الربا خصوصا أنه قد تتم المسألة بالتراضي يعني الطرفان مستفيدان؟

وهبة الزحيلي: نعم.. مما لا شك فيه أن هذه العقيدة أو هذه الشريعة شريعة شاملة لكل شؤون الدين والدنيا والآخرة تتآزر فيها العقيدة مع الأخلاق والمعاملة والاقتصاد والغايات الكبرى وهذه الأشياء تقوم على أساس من الصدق والأمانة والعدل والتعادل في التبادل ومنع الغش والخداع وعدم إيقاع الناس في المنازعات والخلافات لأن الله تعالى يقول {ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}، ومما لا شك فيه أن المال هو العنصر الأهم الذي يؤدي إلى إثارة هذه المنازعات ومن هنا يكون الواجب على الناس جميعا ألا يأكل مال بعضهم البعض الآخر بالباطل لقوله سبحانه {ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ}، {ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} لنلاحظ ما السبب في أنه عطف النهي عن القتل بعد عدم أكل أموال الناس بالباطل والنهي عنها السبب أن هذه المنازعات قد تجر في كثير من الأمور إلى الاقتتال والمشاجرات وإلى المنازعات فهذا ما يحرص عليه الإسلام وهو أن تتحقق الثقة في التعامل والأخوة والتعاطف والتعاون وألا يستغل أحدهم حاجة الآخر من هنا كان الفرق واضحا بين البنوك التجارية أو التقليدية فهي بنوك تقتصر مهمتها كما في قوانين إنشائها على قضية الائتمان أي الوساطة بين المُقرض والمقتَرض، فهي تعطي للمقرض فائدة بالنسبة مثلا 5% أو 4% وتأخذ من المقترض فائدة 7% فهي وسيط بين المقرض والمقترض تعطي لهذا فائدة وتأخذ من هذا فائدة فهذه مهمتها الأساسية، أما البنوك أو المصارف الإسلامية فتختلف اختلافا كبيرا عن هذا الاتجاه فهي تقوم على أساس تشغيل الأموال واستثمارها وتنميتها والابتعاد بها عن كل دائرة ما يسمى بالربا أو الغرر العقود المشتملة على الجهالة والتي تُنشئ المخالفات والمنازعات فيما بين الناس، والمسلم حريصا على أن يكون كسبه من حلال ومبتعدا عن الحرام فقد قامت هذه الشريعة على أساس من مبدأ الحلال والامتناع عن الحرام والمسلم حريص على أن يكون كسبه حلالا ولا يشوبه شيء من هذه المحرمات.

خديجة بن قنة: نعم لكن فضيلة الدكتور كيف يمكن تأصيل منهج التعامل مع البنك التجاري كل شيء لا يجوز مع البنك التجاري حتى العمل فيه؟

وهبة الزحيلي: لا نحكم بالجملة بعدم الجواز وإنما..

خديجة بن قنة: ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز؟

وهبة الزحيلي: أينعم.. كل ما يعني هناك أنواع من التعاملات مع البنوك نلجأ إليها كلنا، مثلا الإيداع المال بدون فائدة فتح حساب جارٍ في البنك التحويلات التي تتم من دولة إلى أخرى كل..

خديجة بن قنة: كل هذا جائز؟

وهبة الزحيلي: نعم كله جائز لاشك لأن هذا قائم على أساس وكالة بأجر ثم حَوَالة وهذا جائز لا إشكال فيه وفقهاؤنا نصوا على هذا من القديم فهذه المعاملات لا إشكال فيها، أما الشيء المحرم في هذه البنوك وهو ما يسمى أخذ الفائدة أو إعطائها وهو الربا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول "لعن الله آكل الربا ومُوكِلَه.. الطرفان وشاهده وكاتبه" ولكن الربا ينبغي أن يدرك الناس معناه الربا ليس معناه الزيادة في اللغة ولكن ليس أي زيادة ممنوعة في الإسلام وإنما الربا الممنوع شرعا هو في دائرة محدودة جدا وهي دائرة النقود والمطعومات، لأن النقود عصب التعامل ووسيلة تيسير تحريك الأموال في المجتمع فكل زيادة في دائرة النقود كإعطاء مائة وأخذ مائة وعشرة أو مائة ليرة ذهب وأخذ زيادة عنها هذا حرام أو المطعومات مثل البُّر أو القمح والشعير والتمر والملح والأرز والسكر وهذه المطعومات هذه أساس قوت الإنسان وقيام وجوده في هذه الحياة فإذا أضفنا إليها هذه الزيادات معناه ألحقنا ضررا بإقامة بنية الإنسان ونستغل حاجته وليس كل الناس عندهم هذه المقدرة لأن يدفعوا ما شاؤوا، فهناك عمال وهم أكثر الناس يأكلون من كسب يدهم فإذا أضفنا عليهم شيء من هذه الزيادات معناه ألحقنا به ضررا وظلما وهذا هو معنى تحريم الربا فلذلك دائرة الربا مقصورة على النقود والمطعومات فأي زيادة فيها يكون حراما والله سبحانه وتعالى يقول {وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا} ويقول {وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ} وقال في حجة الوداع "ألا وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس.." وتنازل عنه والربا..

خديجة بن قنة: تنازل عنه وهل يجوز إذا..

وهبة الزحيلي: إسقاطه.

خديجة بن قنة: أن يتنازل الإنسان يتصدق مثلا بهذه الفائدة الذي يأخذها من البنك التجاري؟

"
طريقة التخلص من المال الحرام التصدق به  أو وضعه في مشروع إنساني ليتخلص من وزر هذا المال ولا ثواب له
"
وهبة الزحيلي: نعم في هذه الحالة طريقة التخلص من المال الحرام أن يأخذ هذا المال ويتصدق به أو يضعه في مشروع إنساني مشفى مدرسة تعبيد طريق ليتخلص من وزر هذا المال ولا ثواب له. فهذا هو طريق التخلص من الحرام فإذا دائرة الربا مقصورة على هذه الأمور، أما إذا بعت سيارة بسيارتين أو ثوب بثوبين أو ثلاجة بثلاجتين فهذا ليس حراما ليس هذا من قبيل الربا وإنما الربا مقصور على التعامل بالنقود والمطعومات لأنها أساس الحياة الاقتصادية وأساس وجود الإنسان، فأي زيادة تُلحق ضررا بالمتعاملين يجب منعها ولذلك قامت المعاملات في الإسلام على أساس التعادل في التبادل والرحمة والتعاون وبذلك شرع ما يسمي بالقرض الحسن، كما أن الربا يكون في هذه البيوع يكون أيضا في القرض فكل قرض جَرّ نفعا فهو ربا فهذه صحيح أنه لم يرد في حديث لكن معناها صحيح هذه القاعدة وثبت عن مجموعة من الصحابة أنهم نهوا عن قرض جَرَّ نفعا، فالربا يكون في عقدين في البيع وفي القرض وبعد ذلك لا يكون هناك ربا خصوصا في التبرعات لا يوجد ربا.

خديجة بن قنة: فضيلة الدكتور نريد أن نفهم الفرق بين القرض الربوي والقرض الحسن يعني في النهاية أنا أريد أن أشتري بالأقساط أن أشتري سيارة سواء اشتريتها عن طريق البنك التجاري أو البنك الإسلامي نتيجة واحدة البنك الإسلامي سيشتريها لي ويبيعها لي بسعر أعلى.

وهبة الزحيلي: القرض الحسن هو الذي لا يُضم إليه أي زيادة فيه أقرضت عشرة آلاف يردها عشرة آلاف أما كل ما يزيد على هذا القرض فهو حرام وممنوع وهو الفائدة، وفي البنوك أيضا شيء اسمه الفائدة المركبة إذا لم يقم الإنسان بتسديد القرض وفائدته في السنة الأولى تضاف عليه فوائد جديدة يقال لها الفوائد المركبة، هذا هو الحرام، أما الفرق بين بيع المصارف الإسلامية والمصارف الربوية حينما أشتري من إنسان شيئا بالبيع بالتقسيط يجوز البيع بالتقسيط ولو بأكثر من السعر الحالي لكنه هذا مشروع لأن الله تعالى قال {وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا} فهذا بيع يُقصد به تغطية حاجات الإنسان، أما الربا فهو استفادة بدون عمل ودون الدخول في مخاطرة واحتمال الربح والخسارة فهذا الذي لا يجوز وهو كسب بدون عمل، أما البيع فيه مخاطرة وفيه عمل وتعرض للخسارة والربح فلذلك يجوز البيع بأكثر من السعر الحالي للأجل أو بالتقسيط وهذا جائز، فالناس لا يفرقون بيقول لك هذا فيه فائدة وهذا فيه زيادة عن الثمن النقدي صحيح المعنى واحد ولكن الوسيلة والأسلوب مختلف ولذلك {أَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا} لأن الوسيلة هنا جائزة وأما هنا الوسيلة تكون حراما هذا هو الفرق.

خديجة بن قنة: نعم بعض الناس يطلب من البنك أن يشتري له سلعة ثم يبيع البنك السلعة بسعر أعلي مقابل الأجل أو التقسيط ثم يذهب العميل فيبيعها بسعر أقل حتى يحصل على مقابل هذه السلعة نقدا يعني هل يجوز ذلك؟

وهبة الزحيلي: هذا البيع يسمي بيع التورق يعني الوصول للورق الورق هو الفضة في الماضي والآن النقود الورقية حلت محل النقديْن الثمينين وهما الذهب والفضة لا إشكال المعنى واحد، فالوصول إلى العملة أو السيولة النقدية بالتعبير الحديث هذا هو هدف هذا الشخص الذي يلجأ إلى أخذ مال أو أخذ سلعة وشراء سلعة من البنك الإسلامي ثم بيعها بأقل من الثمن الذي اشتراها به هذا التورق في أصله عند جمهور الفقهاء حلال، لكن الذي آل إليه الأمر وهو ما يسمي بالتورق المصرفي وهو أن يكون حيلة للوصول إلى الاقتراض بفائدة حتى ولو باعه وتحمل هو الضرر فالإسلام يحميه من إلحاق الضرر بنفسه ولو باعه بأقل من ثمنه يكون قد وقع في الربا، فلذلك التورق المصرفي يعد ممنوعا وأما إذا كان التورق في أصله لحاجة طارئة اشتريت سلعة ثم بعتها بأقل من ثمنها واستفدت من الثمن ثم سددت المبلغ للمُقرِض البنك أو أي شيء آخر بعد أجل فهذا لا مانع منه.

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الدكتور كنت تقول منذ قليل أن المصارف الإسلامية لا تتعامل إطلاقا بالربا لكن كيف تَتحدد علاقتها بالبنك المركزي في الدولة ونعرف دائما أن البنك المركزي يتعامل بالربا؟

وهبة الزحيلي: هذه مشكلة اصطدمت بها البنوك الإسلامية حين إنشائها ففي قوانين كل دولة إلزام لكل البنوك أن تضع جزء من أموالها قد تصل إلى نسبة الخمس في البنوك المركزية هذا شيء والشيء الآخر أيضا قد تتعامل البنوك الإسلامية مع بنوك أجنبية في أميركا وفي أوروبا وفي غير ذلك من البلاد وتُودع هذه الأموال لتتمكن يوما ما من أن تُجري تحويلاتها إلى تلك البلاد فالأمر واحد انتهت المصارف الإسلامية من هذه المشكلة وقرروا فيما بينهم أنهم يودعون هذه الأموال بدون فائدة وإذا احتاجوا يوما ما إلى شيء من الأموال يدفع البنك المركزي أو البنوك الأجنبية شيئا من هذا المال لتغطية عجز طارئ عليهم دون أن يطلبوا على ذلك فائدة فحدثت مقاصة معاملة بالمثل فلا البنك الإسلامي يدفع فائدة ولا تأخذ هذه البنوك المتعاملة مع البنوك الإسلامية لا تأخذ فائدة، فهنا أسقط الطرفان قضية الفائدة فكان العقد سليما ولا إشكال فيه وتحققت حاجة البنكين.

خديجة بن قنة: لكن هناك نوع من التحايل أو لنَقُل..

وهبة الزحيلي: لا ليس تحايل نحن أي..

خديجة بن قنة: يعني حتى أسامة منصور مراد من إسبانيا يقول هناك بعض البنوك الربوية أصبحت تفتح دائرة أو بنك جديد يسمى بنك إسلامي؟

وهبة الزحيلي: والله هذه نحن كل هذه النوافذ نحن نرفضها لأن أنا اشتغلت في البنوك الإسلامية وشرطنا على من يفتح نوافذ إسلامية أولا أن يكون المال من مصدر مباح ليس من الأموال التي تختلط فيها الأموال الربوية بغيرها هذا أول شرط، الشرط الثاني هذا خداع النافذة الإسلامية هذه في واقع الأمر هي مجرد طريقة تحايل لإقناع هؤلاء السُذج والبسطاء أنهم يعاملونهم بالطريقة الإسلامية وهم في غالب الأمر لا يطبقون هذه الأحكام الإسلامية.



مشاركات المشاهدين

خديجة بن قنة: نعم أستأذنك فضيلة الدكتور في أخذ مداخلات المشاهدين معنا صلاح عبد الحي من الأردن تفضل.

صلاح عبد الحي: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام ورحمة الله.

صلاح عبد الحي: تحية لكم ولشيخنا الكريم، مداخلة بسيطة يا سيدي الشيخ أن المعاملات تقوم على تطابق إرادتين وأحبانا على الإرادة المنفردة، فهناك معاملات إرادة منفردة كالوصية أو الهبة وهناك معاملة تقوم بتطابق إرادتين كالشركات، فالبنوك يا سيدي الشيخ هي عبارة عن شركة فتفتقد تطابق الإرادتين لأنها بحسب تعريف فقهاء الغرب لشركة مساهمة بأنها دَرب من التصرف بالإرادة المنفردة فلا يوجد تطابق إرادتين أي لا يوجد بالتالي إيجاب وقبول صحيح شرعي ولذلك كون هذه البنوك تُبنى على عقد فاسد فكل ما يبنى عليها فاسد من الحوالات أو الإيداعات أو غير ذلك، فكلها شركات مساهمة وهذه أيضا كما تعلم أنها من الفكر الغربي وليست من فكر الإسلام قضية البنوك، فالشركات في الإسلام تعلم سيدي الشيخ بأنها معروفة كالمضاربة والعنان وغير ذلك ولها شروطها الشرعي كما تفضلت فلذلك يجب علينا أن نحارب مثل هذه البنوك ويمكن تحويل هذه البنوك إلى شركات شرعية بإيجاب وقبول بين طرفين مع وجود عنصر البدل الذي هو عنصر أساسي في كل شركة من شركات الإسلام الخمسة أو الستة، فلا يوجد عنصر البدل الذي له نسبة شائعة من الربح في الشركات المساهمة جميعها ومنها البنوك ولذلك من هنا تفتقد الناحية الشرعية وكل ما يبنى عليها يصبح غير شرعيا وشكرا لك.

خديجة بن قنة: نعم شكرا لك نأخذ الآن أحمد أو محمد أبو العز من مصر، تفضل.

محمد أبو العز: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خديجة بن قنة: عليكم من السلام ورحمة الله وبركاته.

تحياتي إليكِ يا أخت خديجة كما أحيي فضيلة الشيخ الفاضل في خضم الذلة والمهانة والضعف الذي يعيشه العالم الإسلامي أصبحنا عبيدا أذلاء للأنظمة الاقتصادية الفاسدة في العالم خاصة نظام الربا القائم على الفوائد الربوية وما أتبعها من فساد وفقر واحتكار فئات معينة لرأس مال الشعوب فازداد الفقير فقرا وازداد الغني ثراء من هذه الفوائد دون تعب ولا كد، أيضا من جراء عدم اعتزازنا بعقيدتنا ومبادئنا وعدم أخذنا بالمبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي في احترام العمل وإتقانه وعدم الاهتمام بالعِلم وما يترتب على هذا الاحترام كعقيدة من حسن إنتاج وإبداع واختراع وتطوير لغزو الأسواق لهذه الأسباب أصبحنا في ذيل الأمم، وسؤالي الآن لفضيلة الشيخ لماذا نتعلق في الإسلام فقط بأحكام البيع والشراء والرهينة وغيرها ونُهمل الأسس التي حث عليها الإسلام والتي قامت عليها الحضارة الغربية واحتكرت الاقتصاد العالمي لنفسها وفرضته على غيرها خاصة فيما يتعلق باحترام العمل والإبداع والأخذ بأسباب التقدم خاصة ونحن أمة سورة الحديد الذي فيه بأس شديد خاصة وأن العالم اليوم لم يصبح عدة إيجارات أو بيوع ولكنه تقدم صناعي وتكنولوجي ضخم لابد أن يأخذ المسلمون به أولا لكي يستطيعوا فرض مبادئهم في العلاقات الاقتصادية الأخرى في بلادهم وفي جميع أنحاء العالم. شكرا.

خديجة بن قنة: نعم وصلت فكرتك شكرا لك محمد أبو العز من مصر، نأخذ عمر السفرجي من السعودية تفضل.

عمر السفرجي: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم من السلام ورحمة الله.

عمر السفرجي: يقول الله تعالى {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} هل معنى هذه الآية إذا اضطر الإنسان إلى أكل الربا أن يأكل مثلا ضِعف؟ شكرا جزيلا.

وهبة الزحيلي: شكرا.

خديجة بن قنة: شكرا لك نأخذ فاصل قصير قبل الإجابة على هذه الأسئلة.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة حلقتنا اليوم حول التعاملات الإسلامية التعاملات المالية في الإسلام مع فضيلة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، فضيلة الدكتور كان يسأل صلاح عبد الحي من الأردن عن كيفية تحويل البنوك إلى شركات شرعية خصوصا وأن هذه الشركات لا يوجد فيها إيجاب وقبول لأن المعاملات تقوم أساسا على تتطابق أرادتين كما كان يقول؟

وهبة الزحيلي: هذا في الحقيقة غير وارد وإنما هذه الشركات لابد في أي مرحلة من مراحلها من وجود تطابق القبول والإيجاب، والأستاذ حفظه الله هو يركز على قضية الشركات المساهمة وأنا أعلم أن هذه نزعة فئوية لبعض الناس يقولون بعدم جواز أو مشروعية الشركات المساهمة وهذا غير صحيح فهذه الشركات المساهمة من شركات الأموال تدخل تحت نطاق ما يسمى في الفقه الإسلامي شركات العنان وقد يُضم إليها شركات المضاربة وهذه مشروعة في الإسلام فلذلك القول بعدم مشروعيتها غير صحيح لأنها تنضم تحت مظلة معروفة ومقررة في الفقه الإسلامي.

خديجة بن قنة: أبو العز من مصر يقول لماذا نتعلق فقط بأحكام البيع والشراء والتعاملات الاقتصادية ونهمل أسباب التقدم والتطور والعلم التي تقدم بها الغرب؟

وهبة الزحيلي: أخانا عصب الحياة ولا يستغني مجتمع هذه المعاملات لا تهرب من الواقع أنت يوم صباحا ومساء تحتاج إلى الشراء والبيع والإيجار والشركات وغير ذلك فهذا أمر يقرره حسب واقع الحياة الاقتصادية، أما قضية التنديد بمواقف الدول المتخلفة وأنها لا تُعنى بما يضع الأسس للانطلاقة الحضارية والعمل بما يقدم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وغير ذلك هذا واجب شرعي أيضا نحن إذا تكلمنا عن ناحية لا يعني أننا نهمل النواحي الأخرى فهي من واجبات الشرع ونحن نأثم جميعا إذا كنا متخلفين في أداء هذا الواجب على مختلف الأصعدة.

خديجة بن قنة: نعم عمر السفرجي يسأل عن معنى الآية {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}؟

وهبة الزحيلي: يا أخانا هذه الآية نزلت في المرحلة الثالثة من مراحل الأربع التي نزل فيها تحريم الربا ويراد بها تقرير واقع، هذا وصف.. واقع العرب في الجاهلية أنهما كانوا يأكلون الربا أضعافا مضاعفة فجاء النص مذكرا لهم إياكم أن تقعوا في هذا الظلم الذي هو على هذه الشاكلة في واقع الحياة العربية، ومن يدرك ويتأمل ويتعمق في النص إذا كان الربا بكثرته حراما فهو أيضا بقلته حرام لقوله تعالى في الآية الأخيرة في سورة البقرة {وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ} فإذا أي درهم ربا أو ريال ربا زيادة عن المطلوب وسواء كان هذا الربا قليلا أو كثيرا فهو حرام والآية مرحلة من مراحل التدرج في تحريم الربا.

خديجة بن قنة: نعم نأخذ الآن كمال شكري من ألمانيا، تفضل.

كمال شكري: تحية لكِ يا أختي خديجة.

خديجة بن قنة: أهلا بك.

كمال شكري: وتحية للدكتور وهبة، الحقيقة اللي أنا لاحظته في المداخلات اللي حصلت وتوجيه الدكتور وهبة لموضوع الربا تكلم عن الأفراد إنما ما وَضْع الدول نفسه؟ يعني نعلم أن فيه أكثر من ألفين مليار دولار من دول الخليج والمملكة العربية السعودية أموال البترول التي يفتقدها المواطن المسلم العربي موجودة في بنوك صهيونية في بنوك أميركية في بنوك في أوروبا ما حكمة.. يعني حكم الإسلام على وضع هذه الأموال وترك البنية التحتية ونحن في سورة الحديد كما تكرمت سعادتك والدكتور يوسف القرضاوي من قبل إننا لا نملك البنية التحتية في تحسين البحث العلمي للارتقاء بالمسلمين ليصلوا إلى مرتبة عالية من (Know How) يعني المعرفة والنقطة الثانية الشعب العربي والشعب المسلم يجوع وأرض الجزيرة لا تجد من يستثمر فيها حتى نستطيع أن نُنتج قمحنا..

وهبة الزحيلي: وضحت.

كمال شكري: ويكون عندنا قرار ممكن نرفع دين المسلمين والدين الإسلامي.

خديجة بن قنة: الفكرة واضحة كمال شكري شكرا جزيلا لك نأخذ أبو أسامة من سويسرا تفضل.

أبو أسامة: نعم سلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله.

أبو أسامة: أخت خديجة؟

خديجة بن قنة: نعم تفضل.

أبو أسامة: لا شك أن هناك تشابه بين ما يوجد في الإسلام من أحكام وما يوجد في القوانين الوضعية سواء في المعاملات المالية أو غيرها إلا أن المسلم يأخذ الحكم باعتباره من الإسلام وإلا فهو آثم فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أوجد أول دولة إسلامية في المدينة كانت فيها حياة اقتصادية بلا شك وكانت سائرة حسب ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم من عقود وضمان وشركات وهي خمس شركات لا يخلو منها العنصر البدني أريد أن أركز على ذلك، أما القول بأن ما يوجد في الغرب من معاملات مالية مأخوذ من الإسلام ولكن تغيرت الأسماء فقط فهو قول قد جانب الصواب، فشتان ما بين النظام الرأسمالي ونظام الإسلام، وكذلك القول إذا لم نوجد في الكتاب والسنة عملنا بالأعراف والمصالح فهو قول كذلك قد جانب الصواب لأنه إقرار بأن الشريعة ناقصة وأريد أن أسوق بشارة إلى المسلمين بأن هناك بنك واحد مركزي في الدولة الإسلامية القادمة بإذن الله وله فروع في كافة البلاد تُقرض الناس بدون ربا طبعا والسلام عليكم.

 خديجة بن قنة: وعليكم السلام نأخذ حمدي أبو الحسن من فرنسا، تفضل.

حمدي أبو الحسن: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام.

حمدي أبو الحسن: تحية سريعة لمقدمة البرنامج.

خديجة بن قنة: أهلا بك.

حمدي أبو الحسن: ولضيفها الكريم ولجميع القائمين على هذا البرنامج المفيد، إشارة سريعة كسبا للوقت لماذا حين نتكلم ونقارن بين أوضاعنا الاقتصادية الإسلامية وبين الأوضاع الوضعية الغربية أو الشرقية لماذا لا نُذَكِّر دائما بتأصيل أصل النظرية الاقتصادية الإسلامية في المال؟ حينما نتحدث عن أساطير الفكر الاقتصادي للوضع الغربي نقول نظرية فلان وفلان ولا نُذكر بأصل النظرية الإسلامية ومن هذه الأصول الجميع يعلمها أن المال في الإسلام أصلا هو مال الله والإنسان هو مُسْتَخْلَف فيه والفارق بين الإنسان المسلم، والإنسان غير المسلم هو أن يتصرف في هذا المال كسبا وصرفا واستثمارا وإلى آخر الأوجه طبقا لهذه الأصول الكلية وطبقا للتفاصيل التي تتفرع عن أصل النظريات الأصولية الإسلامية، فالتوجيه هو الغرض هو التفكير باستمرار بأصول النظريات الإسلامية وأن المال مال الله أصلا الذي يُنفق فيه ويتصرف فيه كما..

خديجة بن قنة: نعم وصلت الفكرة هل لديك سؤال محدد لفضيلة الدكتور وهبة الزحيلي؟

حمدي أبو الحسن: أينعم السؤال هو دائما أيضا لماذا لا تقوم المدارس والجامعات الإسلامية وغيرها في تدريس الاقتصاد؟ لماذا لا تربط دائما بين الأصول الإسلامية الذي دخلها الغرب وغير مسمياتها ثم تنقح مما دخل عليها من شوائب تتنافى مع أصول الشريعة؟

خديجة بن قنة: نعم شكرا لك عبد القادر الهيثمي من الإمارات، تفضل.

عبد القادر الهيثمي: شكرا بداية أسلم على فضيلة شيخي وأستاذي الدكتور وهبة الزحيلي.

وهبة الزحيلي: بارك الله فيك.

عبد القادر الهيثمي: وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يمد بعمره وأن ينفع المسلمين بعلمه.

وهبة الزحيلي: شكرا لكم.

عبد القادر الهيثمي: ثانيا أساله عن الشركة ذات المسؤولية المحدودة، الشركة ذات المسؤولية المحدودة كما تعرف فضيلة الشيخ تقوم على تحديد رأس المال بمبلغ معين مثلا عندنا في الإمارات مائة وخمسين ألف درهم ثم هي بعد ذلك تتعامل بملايين الدراهم أو الدولارات فإذا ما أصيبت بخسارة أو إفلاس أصحاب هذه الشركة لا يكونون مسؤولين إلا في حدود رأس المال فهل ترى فضيلتكم أن هذه الشركة أو أحكام هذه الشركة تتفق وتتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية؟ وجزاكم الله خيرا.

خديجة بن قنة: شكرا لك نبدأ بما طرحه كمال شكري من ألمانيا قال تحدثتم عن وضع الأفراد ولكن وضع الدول الإسلامية التي تضع مليارات الدولارات في بنوك غربية ربوية.

وهبة الزحيلي: الجواب واضح وهو أن هذه الشريعة الحنيفية لا تُفرق في التعامل والعقود بين الفرد وبين الدولة وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول والمؤسسات والجماعات، فالإثم يشمل الجميع فيما إذا تورطوا في إيداع هذه الأموال في البنوك والمصارف الأجنبية وهي معرضة للتجميد ثم المصادرة وكذلك إذا أخذوا فوائد عليها أيضا يلحقهم الإثم لا فرق بينه وبين أي شخص عادي.

خديجة بن قنة: نعم أيضا أبو أسامة من سويسرا كان يتحدث عن موضوع التشابه بين التعاملات المالية في القوانين الوضعية والإسلام ويقول المعاملات في الغرب عندما تقولون أن المعاملات أو التعاملات المالية في الغرب مأخوذة من الإسلام هذا غير صحيح؟

وهبة الزحيلي: يا أخانا أن أصول هذه المعاملات مأخوذة من فقهنا ووجدت وألفت كتب كثيرة في هذا الموضوع أما ما أضيف إليها من أمور غير مشروعة أو أمور غير مباحة فالإسلام ينبذها أقول أن أصول هذه العقود موجودة في الفقه المالكي ووجدت مؤلفات ومطبوعة في مصر وفي غيرها، فلذلك نحن حينما نقول إن شيئا مأخوذ من الإسلام يعني الشيء السليم أما الضار والنافع فنحن لا نقره لأن هذه الشريعة تنبذ كل ما يصادمها أو يعارضها أو يأتي على نقيضها.

خديجة بن قنة: نعم حمدي أبو الحسن من فرنسا يتحدث عن تأصيل النظرية الاقتصادية الإسلامية.

وهبة الزحيلي: أنا أحيي هذا الطلب وأؤكد عليه ولذلك بادرت كثير من الجامعات الإسلامية ولله الحمد وأول ما بُدء به بالسودان من دراسة الاقتصاد الإسلامي، ونحن دائما في كل جامعة نصر ونلح ونطلب بضرورة دراسة الاقتصاد الإسلامي وإعطاء النظرية الاقتصادية الإسلامية حقها من البحث والتأصيل والتنقيب، فأنا أضم صوتي إلى صوته الكريم لكن العبرة بهؤلاء هل ينفذون ويستمعون لنداءاتنا ورجاءاتنا أم أنهم مُعرضون عن كل ما نقول؟ هذه المشكلة مشكلة التنفيذ أما كلامك فهو سليم.

خديجة بن قنة: نعم عبد القادر الهيثمي من الإمارات يقول الشركة ذات.. يسأل عن الشركة ذات المسؤولية المحدودة إذا خسرت أصحابها لا يخسرون إلا..

وهبة الزحيلي: صحيح أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة هي محددة ضمن رأسمال معين وإن مقتضى التعقل وعدم الوقوع في التغرير والتدليس والتورط فيما يزيد عن أصل رأس هذا المال هذا أمر غير مشروع، فأصل الشركة جائز وهو داخل تحت مظلة شركة العنان كما قلت لكن الأخطاء التي يرتكب هؤلاء وأنهم يتعاملون بالملايين ورأسمالهم محدود      هذا يعد خطر يلحق ضررا بالشركة فينبغي منع هذا الضرر والتحديق بهذا الخطر وتلافيه حتى لا يقع الناس في شيء من المضار والمخاطر في المستقبل القريب.

خديجة بن قنة: فضيلة الدكتور أربط مع ما قاله كمال شكري من ألمانيا في موضوع سلطة الدولة ما هي حدود سلطة الدولة على السوق يعني السوق تخضع لرقابة السلطة لأن السلطة يفترض أن تكون في الإسلام هي دولة العقيدة لكن السلطة الآن في الدول الإسلامية لا تلتزم تماما بالمبادئ الإسلامية في المجال الاقتصادي

وهبة الزحيلي: هذا مما يحز في النفوس وهذا هو الذي يجعلنا أن نقول أن هذه الشريعة غائبة أن التطبيق في أغلب الدول الإسلامية فواجب كل دولة أن تعود إلى الاستظلال والتفيؤ بفيء هذه الشريعة والالتزام بكل ما جاء فيها وكل ما ورد فيه الوحي الإلهي فسلطة الدولة مسؤولة، ومن أول واجبات الحاكم المسلم أن يطبق أحكام الشريعة وأن يكون له رقابة على السوق وعلى الأعمال والأفراد والعقود والتحركات فالتقصير هو في الحقيقة تقصير من هذه الدول وتلك الأنظمة والمشكلة مشكلة أنهم يطبقون في غالب الأمر القوانين الوضعية ويهملون تطبيق هذه الشريعة التي لم يبقَ لها ظل من التطبيق إلا في نطاق أحكام الأسرة فقط وهذا المسؤولية فيه عليهم.

خديجة بن قنة: يسأل أسامة منصور مراد من.. عفوا عبد العظيم قداره المرَّاغي من مصر.

وهبة الزحيلي: المَرَاغي.

خديجة بن قنة: المَرَاغي عفوا.. ما حكم زيادة سعر السلعة عند الدفع بالأجل أي التقسيط هل يجوز للمشتري بالأجل بيع هذه السلعة دون سداد مبلغها بالكامل بمعنى اشتريت جهاز تليفزيون بالتقسيط فهل يمكنني بيعه دون سداد مبلغه بالكامل؟

وهبة الزحيلي: إذا تملك الإنسان السلعة ويحدث التملك بمجرد إبرام عقد البيع بالإيجاب والقبول ومن مقتضى هذه الملكية أنه يكون حر التصرف في بيع ملكه كما يشاء سواء بأزيد من السعر أو بأقل إذا واتته الظروف وارتفعت الأسعار فهذا أمر لا مانع منه لأن كل عقد قائم على التراضي وعلى تبادل الإيجاب والقبول ولا مانع من ذلك في شرع الله ودينه ما لم يكن ذلك حيلة للاقتراض بالفائدة أو استغلال البنوك الإسلامية لتحقيق هذه الشهوات والرغبات الخاصة.



 حكم بيع الغَرر والأسهم والبيع عبر الإنترنت

خديجة بن قنة: هناك سؤال أيضا عن التعامل الإسلامي ألا يُفترض أن تكون ملكية البضاعة فعلية وليست صورية حيث نرى أن البنك لا يقوم بتمويل الصفقة إلا بعد ضمان البيع للمقترض وبذلك تكون ملكية وهمية وهنا أريد أن أطرح أيضا سؤال عن مسألة البيع والشراء عبر الإنترنت وبيع الغرر كنت تحدثت في هذه النقطة ولكن نريد أن نفصل فيها ما هو بيع الغرر؟

"
بيع الغرر هو بيع الأشياء الاحتمالية المترددة بين الوجود والعدم
"
وهبة الزحيلي: بيع الغرر هو بيع الأشياء الاحتمالية المترددة بين الوجود والعدم وبالتالي فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر وقال "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غَرر" أي يحتمل اصطياده ويحتمل عدم الاصطياد وكل عقود الغرر مثل التأمين التجاري وكل العقود لبيع الأشياء قبل وجودها كبيع الثمار قبل بدو صلاحها أو بيع الأشياء قبل وجودها أو بيع الجنين في بطن أمه قبل أن يولد كل هذه من بيوع الغرر فهي ممنوعة ولا تحل في شرع الله لأنها تؤدي إلى إحداث منازعات في الوسط الإسلامي وبالتالي يقع الطرفان في خصومات شديدة لأنه لا يتمكن البائع من تسليم السلعة وهذا واجب عليه لأن من شروط البيع أن يكون الإنسان مالك للسلعة وفي حيازته أي قبضه فلا يجوز، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يكن موجودا عند الإنسان لا يحل سلفه ولا بيعه..

خديجة بن قنة: ولكن فضيلة الدكتور الزمن يعني تغير الآن وأصبحت الناس عن طريق الإنترنت تشتري كل شيء بالبطاقات الائتمانية الـ (Credit Card) وما إلى ذلك؟

وهبة الزحيلي: نعم يجوز هذه البيوع بوسائل الاتصال الحديثة وقد أصدرنا قرار في مجمع الفقه الإسلامي الدولي أنه يجوز إبرام هذه العقود في وسائل الاتصال الحديثة بالهاتف والفاكس والإنترنت وغير ذلك إلا عقد الزواج فقط، بشرط أن تتوافر الضوابط الأخرى أصل المبدأ جائز لكن تطبيق قواعد الشريعة وأصولها ومنها أنه لا يجوز البيع على الأوراق فقط فالبيع على الورق مثل البورصات وهذه وبيع المستقبليات بدون تسلم ولا تسليم ونترك الأمر لفُرص المستقبل واحتمالات ومخاطر زيادة الربح أو تحقق الخسارة هذه المخاطر ممنوعة في شرع الله ودينه فلذلك..

خديجة بن قنة: إذا هل المتاجرة بالأسهم..

وهبة الزحيلي: لا أما الأسهم هذه في واقعنا لها سعر محدد لها سعر في الأول الأسهم لها سعر اسمي عند صدور الأسهم بشركة من الشركات ولها سعر السوق فيجوز المتاجرة بالأسهم لأنها تمثل أعيان في الشركة وتمثل نقودا وهي أجزاء ولأن الشركات المساهمة عبارة عن أنها تجزئ رأس المال إلى أجزاء لكل جزء يكون له سهم معين فما يتصرف به الإنسان تصرفه على شيء موجود من أعيان الشركة ونسبة معينة وبحسب سعر السوق الذي يتم الإعلان عنه بين فترة وأخرى فهذا لا إشكال فيه، قضية بيع الأسهم تختلف كل الاختلاف عن بيع شيء غير موجود فهذا بيع وارد على موجود وليس معدوما أو معجوز التسليم لأنه بمجرد البيع يذهب إلى إدارة الشركة ويسجل ملكيته لهذه الأسهم التي تمثل له جزء من موجودات الشركة وما لديها من رأس مال نقدي فهو بيع على شيء موجود أما بيع شيء غير موجود هو الذي لا يجوز شرعا.

خديجة بن قنة: معنى ذلك أنه يجب أن يتحرى المرء عن هذه الشركة وفي ماذا تتاجر؟

وهبة الزحيلي: طبعا لابد أن تكون الشركة أولا قائمة على قواعد شرعية فلا يجوز الاتفاق مع شركة لا تتعامل بالضوابط الشرعية أو يكون أيضا من نشاطها الإسهام في ممارسات غير مشروعة ومحرمات ومنكرات فلابد من ذلك ويأثم كل إنسان ونسأل كثيرا عن المساهمة في شركة معينة دون تسمية هذه الأوصاف إنما هو حرام في الإسلام، فلا يجوز للإنسان أن يسهم في كل شركة وإنما الشركة التي تلتزم بضوابط الشريعة وتكون غاياتها ومقاصدها شرعية أما ماعدا ذلك فلا يجوز.

خديجة بن قنة: وماذا عن المنافسة؟

وهبة الزحيلي: المنافسة أيضا هذه مشروعة النبي عليه الصلاة والسلام يقول "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" يعني المنافسة مشروعة والأصل في الإسلام مبدأ الحرية الاقتصادية وقال "إن الله هو القابض إن الله هو المُسعِّر أن الله هو الرازق أن الله هو الباسط فدعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فمثل هذه الأعمال متروكة لطبيعة التعامل في الأسواق وارتفاع الأسعار أو القِباضة هذه هي مخاطر البيع التي يقوم عليها ومن هنا جاز البيع وحرم الربا، لأن الربا الفائدة مضمونة وأما هنا الربا ليس مضمونا في كل الأحوال، فهذا أمر جائز في مقابل تحمله المخاطر فلا مانع منه وأما الربح المضمون فهو المعبر عنه بالفائدة فهو الحرام.

رأي الدين في الوساطة والاحتكار والتأمين

خديجة بن قنة: نعم، يقال أن الوساطة أو أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الوساطة، عن وجود الوسيط بين المنتج والمستهلك ما صحة ذلك؟

وهبة الزحيلي: لا هذا غير صحيح وإنما كل الفقهاء اتفقوا على مشروعية السمسرة يعني الأجر على عمل في مقابل وهذه وقوع الوساطات موجودة في كل البلدان وفي كل الشراء وفي كل الأنظمة وفي الإيجارات وفي البيوع لأن خصوصا حين بسبب كثرة المجتمع الإنساني وتعقد الحياة وانفجار السكان وازدحام المدن ويريد الإنسان أن يشتري منزلا أو يستأجر بيتا فلا يمكنه ذلك إلا عن طريق هؤلاء الخبراء المعروفون بالسماسرة، فيجوز أن يأخذ أجرا على عمله فلا مانع من وجود مثل هؤلاء الوسطاء العقاريين لأنهم يأخذون مقابل تفرغهم في مكان وتخصصهم في جمع الأخبار والقيام بكل هذه الأنشطة فمقابل هذه الأعمال يجوز فهذا أجر على منفعة وكل أجر على منفعة مشروعة فهو جائز، لكن إذا كانت الوساطة في منفعة محرمة فهذا هو الحرام. فإذاً الوساطة إذا كانت المنفعة مباحة شرعا فهو جائز وأما إذا كانت الوساطة على استيفاء أو التمكين من منفعة محرمة دون حاجة إلى أن أعرض ذلك من أمثلة من المحرمات والمتاجرات الرخيصة في الأعراض وفي القيم والأخلاق فهذه كلها لا تحل في شرع الله.

خديجة بن قنة: طيب فضيلة الدكتور ماذا بالنسبة إذا لظاهرة الاحتكار؟ يعني الأصل في السوق الإسلامية هي سوق حرة لا احتكار فيها لكن الاحتكار أصبح اليوم ظاهرة اقتصادية موجودة في دائما في الأسواق.

وهبة الزحيلي: نعم يا أختنا الكريمة الاحتكار له ضوابط النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الاحتكار وقال: "لا يحتكر إلا خاطئ" أي آثم، "ومن احتكر طعاما من أقوات المسلمين فعليه لعنة الله المتتابعة" فالاحتكار بمعنى إذا كانت السلعة مفقودة في الأسواق ويمنعها صاحبها حتى يرتفع السعر فهذا هو الحرام، أما إذا كانت السلعة من أطعمة وألبسة وغير ذلك موجودة في الأسواق والبائع والمالك أراد أن يبقي هذه السلعة عنده لظرف في المستقبل قد يرتفع السعر وقد ينخفض فهذا لا يعد احتكارا الاحتكار حيث نضبت السلعة ولم توجد وألحقنا ضررا بالمجتمع وبالاستهلاك فحين إذا يكون الاحتكار حراما، وأما إذا لم إذا كانت السلعة موجودة ومثلا كتجار الأسمان وتجار الأشياء يشترونها في المواسم بسعر عادة يكون أقل ثم ينتظرون بقية السنة ويرتفع عادة سعر هذه الأسمان وغيرها، بالسين، فهذا لا مانع منه لأن الثمن مثلا موجود في السوق أما إذا انعدم الثمن أو في الأسواق أو الحِنطة أو الأشياء بحيث ندخل ضررا في أقوات الناس ونرهقهم فلا يحصلون على هذه السلع فهذا هو الاحتكار المحرم أما الاحتكارات الدولية والتكتلات الاحتكارية التي هي مظهر من مظاهر النظام الرأس مالي فكل ما فيه ضرر على المجتمع الإنساني ينبغي أن يكون حراما لأن هذا يؤدي إلى التحكم في مقدرات الشعوب وفي ثرواتها ويكون هناك احتكارات، دورية روست معروفة في النظام الرأس مالي هذا من أبشع ما قام عليه النظام الرأس مالي، فمثل هذه الأشياء التي تلحق ضررا بالمجتمع ينبغي أن تكون حراما.

خديجة بن قنة: لكن في النظام الرأس مالي فضيلة الدكتور وخصوصا في الموضوع في موضوع التعاملات البنكية يقدم ضمانات أكثر للعملاء أكثر مما هو موجود عندنا في البلاد الإسلامية؟

وهبة الزحيلي: قضية توثيق العقود نحن أيضا لا يصح أن نلحق ضررا بصاحب النقل وحقه أن يأخذ توثيقا على المال الذي يقدمه للآخرين من سندات ملكية، رهون، من كفيل مليء وغير ذلك من الاعتبارات التي تضمن له الوصول إلى حقه في المستقبل فإذا وجدت مثل هذه التوثيقات وهذا أمر مشروع في الإسلام فلا يضر.

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الدكتور نود أن نتحدث أيضا في نهاية هذا البرنامج عن موضوع التأمين الذي أصبح اليوم من المعاملات السائرة في جميع مجالات الحياة وبعض صور التأمين ملزمة يعني مرغم الإنسان أن يؤمن مثلا هناك دول يعتبر التأمين مثلا فيها على السيارات.

وهبة الزحيلي: نعم أولا إذا كان التأمين إجباريا مثل التأمين على السيارات في بعض الجوانب وهو التأمين الإجباري فهذا مشروع لأنه ضريبة تأخذها الدولة أو مثل التأمينات الاجتماعية وهي ما تقتطعه الدولة من رواتب الموظفين ثم يُسدد لهم في المعاش التقاعدي فهذا أيضا جائز، أما التأمين الاختياري وهو التأمين على الحياة التأمين على المحل التجاري التأمين على البضاعة التأمين على بعض أجزاء الجسد كل هذا في واقع الأمر حرام لأنه تأمين قائم على عوض وهذه الأحداث التي تلحق بأصحابها لا يُعرف، فقد يقع الحادث للسيارة ولقد لا يقع طول الزمن وقد يقع الحريق أو السرقة أو الغرق أو ما شكل ذلك وقد لا يقع فهذا هو الغرر، فالتأمين التجاري أو سوكرة العوام يقولون سوكرة إذا كان معاوضة مع هذه الشركات غير جائز أم ولذلك وجد بديل إسلامي وهو التأمين التعاوني والتأمين التعاوني قائم على التبرع بالأموال وقد نجح نجاحا باهرا في السودان فيتبرع مجموعة من الناس لسد حوائج الناس إما السيارات أو التجارات أو غير ذلك يتبرعون بهذا المال لترميم الأحداث والوقائع الطارئة فإذا غُطيت هذه الأحداث وفاض شيء منها قد يُستثمر ثم يوزع ربحه على هؤلاء الذين اشتركوا في التأمين التعاوني فإذا التأمين التقليدي أو التجاري قائم على الاسترباح والاستغلال أما التأمين التعاوني في الإسلام فهو قائم على اعتبارات إنسانية وتبرعات ولا يُقصد به الربح ولا الاستغلال فكان هذا مشروعا وأما النوع الأول القائم على الغرر والاحتمال فهو غير مشروع.

خديجة بن قنة: نعم شكرا لكم فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي.

وهبة الزحيلي: العفو.

خديجة بن قنة: لا يسعنا في نهاية هذا البرنامج إلا أن نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي على مشاركته معنا في برنامج اليوم.

وهبة الزحيلي: العفو شكرا جزيلا.

خديجة بن قنة: حول موضوع التعاملات المالية في الإسلام ونشكر أيضا مخرج البرنامج منصور الطلافيح ومعد البرنامج معتز الخطيب لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.