- تعامل المسلمين اليوم مع القرآن

- القرآن بين القراءة والفهم والتدبر

- آداب تلاوة القرآن

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى {
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} صدق الله العظيم ويقول أيضا سبحانه {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} صدق الله العظيم، القرآن الكريم كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، مَن قال به صدق ومَن حَكَم عدل ومَن عمل به أجر ومَن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، غير أن ثمة مشكلة في تعامل المسلمين معه، فمنهم مَن يولع بكثرة قراءته فلا يجاوز قراءة حروفه وكلماته ومنهم مَن أتخذه شعارا يستعطف به الآخرين أو يستجلب به الرزق، كما أن هناك مَن يتكسب به في عيادات يقال أنها للتداوي بالقرآن وهكذا نشأت مهن وحرَف للمعالجين بالقرآن وللقراء الذين يطوفون على المآتم وفي الأفراح إلى غير ذلك من الممارسات الشائعة في العصور المتأخرة ومن هنا وجدنا العديد من المشاريع النهضويّة تعود إلى القرآن لتستنير بهديه في عملية استنهاض الأمة وبث قيم الفاعلية في قلب ركام العطالة التي ساهمت في تحنيط القرآن حين يتم اختزاله في تلك الممارسات وفي المقابل نشأت محاولات عدة لإعادة تفسير القرآن الكريم تفسيرات ذات مشارب شتى بعضها ينهل من معين الاستشراق والمناهج الغربية وبعض آخر يحاول أن يبني على أسس متينة من المعرفة التي تضيف إلى التراث الإسلامي وتتعامل معه بقيم النقد والتجاوز بناء على أسس قرآنية معتبرة والحديث عن القرآن يستغرق الكثير من الموضوعات لذلك سنخصص هذه الحلقة للحديث عن نقد تلك الممارسات السلبية وكيفية الخروج من ضيق الحروف والألفاظ إلى سعة المعاني وفضاءاتها، موضوعنا إذاً هو كيف نتعامل مع القرآن؟ مع فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ أهلا بك.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخ عبد الصمد.

تعامل المسلمين اليوم مع القرآن

عبد الصمد ناصر: حياك الله، فضيلة الشيخ يعني ربما أصبح القرآن.. يعني الحاضرة الغائبة في حياتنا ربما قصره البعض في التزيُّن والقراءة دون التدبر وربما على تعليقه في الجدران والتزيُّن به.. هل هذا يليق بالقرآن؟ هل يليق وينسجم مع وظيفته وتعاليمه؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأذكى صلوات الله وتسليماته على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فلا توجد أمة من الأمم لديها هذه الوثيقة الإلهية الفذة التي تحمل كلمات الله الأخيرة لهداية البشر.. لا توجد أمة غير أمة الإسلام ولا توجد هذه الوثيقة متمثلة إلا في القرآن العظيم، فهو الذي يحمل كلمات.. آخر كلمات الله للبشرية الموحى بها من السماء {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} الأمة الإسلامية وحدها هي التي تملك هذه الوثيقة التي جاءتنا سالمة من التغيير والتبديل والتحريف اللفظي والمعنوي، نحن لا نُغيّر ولا نُبدل في القرآن، نقرأه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أحد أن يُزيل من هذا القرآن حرفاً أو يُزوّد عليه حرف، المسلمون حتى عدّوا سوره وعدّوا آياته وعدّوا كلماته وعدّوا حروفه ويحفظه الألوف وعشرات الألوف من أبناء المسلمين وبنات المسلمين، لا يوجد كتاب في الدنيا يحفظه أهله مثل ما يحفظ المسلمون القرآن، يعني هات لي أعظم كاردنال أو كذا يحفظ الكتاب المقدس.. لا يوجد، إنما يوجد في أطفال المسلمين من يحفظون.. حتى من غير العرب، أنا امتحنت في الدوحة هنا.. يعني في امتحانات مسابقة القرآن الكريم وأنا مدير للمعهد الديني الثانوي.. امتحنت أناس كانوا يأخذون الجائزة الأولى في الحفظ، معظمهم من غير العرب باكستانيين، هنود، بنغاليين، بورماويين، يحفظون القرآن لا يخرمون منه حرفاً ولا يسقطون منه كلمة ولو سألته ما أسمك؟ لا يعرف ما أسمك، فهذا من عجائب هذا القرآن ومن معجزات هذا القرآن، فنحن.. يعني المسلمين.. يعني ينبغي أن نعتز بأن لدينا هذا الكتاب الذي {لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ} وهو كتاب إلهي رباني 100% يعني {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} نحن نقرأه بغنّه ومدّه وبإظهاره وبإدغامه كما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم وكما كان يقرأه الصحابة، بل نحن نقرأه في المصحف بالرسم الذي رُسم به في عهد سيدنا عثمان، رغم تَغيّر قواعد الرسم والإملاء وهذه الأشياء، لا نستطيع أننا نقول لا الربا باء واو ألف لا هي الربا، إحنا بنعملها في كتابتنا الربا باء ألف، إنما في المصحف باء واو ألف، الزكاة كاف واو.. نقرأها كما كانت، فهذا الكتاب العظيم ينبغي أن نؤدي له حقه، نحن المفروض هذا الكتاب أنزَله الله ليؤدي.. يعني رسالة، يهدي {إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ {15} يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ولكننا لم نتعامل معه باعتباره كتاب الهداية الرباني الأول والدستور الإلهي للفرد المسلم وللأسرة المسلمة وللمجتمع المسلم وللأمة المسلمة، لم نتعامل معه هكذا، تعاملنا معه أننا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: في المآتم.

"
لا مانع من تعليق القرآن للأطفال كحرز يحميهم من الجن ومن العين أو تزين الجدران بآيات منه
"
يوسف القرضاوي [متابعاً]: نُعلّقه حرْز للأطفال علشان يحميهم من الجن ومن العين أو للمرأة الحبلى أو نزيّن به الجدران، لا مانع من أن نزيّن به الجدران، إنما الواحد يزيّن الجدران يكتب {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} لافتة وهو من أظلم الناس {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وهو من أكذب الناس، إنما نتخذ القرآن ليكون دليلا لنا في حياتنا، نعمل به، لنطبقه في حياتنا أفراداً ومجتمعات، هذا هو الأساس.

عبد الصمد ناصر: كيف ينبغي لنا أن نؤدي حقه فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: كيف ينبغي لنا أن نؤدي حق القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: نؤديه.. نُحسن استماعه إذا استمعنا إليه، نُحسن تلاوته إذا تلوناه، نقوم بحقه في الحياة، يبدأ الإنسان يُطبّق على نفسه القرآن كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، الصحابة ما كانوا ينتقلون من سورة إلى سورة إلا بعد أن يحسنوا فهمها ويحسنوا العمل بها ويمسكوا العشر آيات يفهموها.. يحفظوها ويفهمونها ويطبقونها على أنفسهم ويحاسِبون أنفسهم ثم ينتقلون إلى الآيات العشر الأخرى وقال ابن مسعود رضي الله عنه وكثير من الصحابة أننا والحمد لله أوتينا حفظ حدود القرآن ومن بعدنا يحفظون حروفه ولا يحفظون حدوده، ليس المهم أن تقرأ القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام وصف بعض الناس بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم.. يعني لا يجاوز هذه التراقي والحناجر، لا يتجاوزها ليدخل في العقول حتى تفقهه، في القلوب حتى تتأثر به {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ} المفروض الإنسان يقرأ القرآن يخشع له قلبه، يتدبره عقله، يحاول أن يتفهّم، يفهم.. هذا الكتاب جاي من الله، فيه واحد يبعت لك رسالة وتقرأها وأنت لا تعرف ماذا يريد هذا لا يقبله بشر..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أو من يقرأ جريدة مثلا أو كتابا.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فكيف برب البشر وخالق القوى والقدرة..

عبد الصمد ناصر: سنعود إلى هذه النقطة بالتفصيل فضيلة الشيخ، لكن أريد فقط أن أنهي هذا المحور التداوي بالقرآن أو الاستشفاء به أو المتاجرة به من أجل تكسّب أو ولع البعض كما يقول البعض لبيان ما فيه من علوم تطبيقية كالفلك وغيرها، هل يجيز هذا القول بأن القرآن يُحمّل ما لا يحتمل أم هي نظرة ضيقة للقرآن الكريم أم يا ترى؟

يوسف القرضاوي: نحن يجب أن يكون عندنا أسوة في هذا، مَن أسوتنا في التعامل مع القرآن؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأجيال الأولى هو يقول "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" كيف كانوا يتعاملون مع القرآن؟ ما كانوا يتعاملون به بالطريقة التي نتعامل بها، يعني إننا نتخذه تمائم وأحجبة يعني هذا.. يعني نتلوه على الأموات ولا نُحكّمُه في الأحياء، كان ليّ قصيدة من زمان وأنا طالب لسه في وإحنا معتقلين في جبل الطور سنة 1949 بمناسبة ليلة القدر، فكان من هذه القصيدة.. يعني قلت..

يا ليلة زانها ربي وشرّفها تنزيله في دجاها نور قرأني

دستور حق وتشريع وتربية يبقى وإن زال هذا العالم الفاني

ربى رجالاً مغاوير اهتدوا وغزوا إن الرجولة من نور ونيران

أمسى بلال به من ذلة ملكا وصار سلمان شيء غير سلمان

إلى أن قلت..

هذا الكتاب غدا في الشرق وأسف شمساً تضيء ولكن بين عميان

يحاط بالطفل حرزاً من أذىً ورداً وفيه حرز الورا من كل خسران

يتلى على ميت في جوف مقبرة وليس يَحكم في حي بديوان

هو نزل لتَحكم به المحاكم مش ليقرأ به في المآتم، فهذا التعامل مع القرآن، الآن طلعوا لنا ببدعة المعالجون بالقرآن، واحد قال لك الشيخ فلان الفلاني المعالج بالقرآن، ما رأينا الرسول عمل عيادة ولا أمر الصحابة افتحوا عيادات لتعالجوا بالقرآن ولا رأينا قراء القرآن الكبار ابن مسعود أو أُبيّ بن كعب أو معاذ بن جبل أو علي بن أبي طالب أو هؤلاء من مَن حفظوا القرآن ما رأينا أحدا منهم فتح عيادة وعالج الناس كل ما فيه أنه ممكن تتخذ منه بعض الآيات للرقية الشرعية، آية الكرسي أو المعوزات..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: ماذا نقول لهؤلاء فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي [متابعاً]: إنما الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا قال "يا عباد الله تداووا فإن الذي خلق الداء خلق الدواء، ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله" وواحد جاء قال أنا مفؤود، يعني مصاب بفؤادي بكبدي، قال له اذهب إلى الحارث بن كلده الطبيب الثقفي حتى كان هذا الطبيب لم يُسلِم بعد، كان مشرك، قال له اذهب للطبيب، ما قالوش أقرأ قرآن.. يعني لو أن المسلمين عملوا كما يعمل هؤلاء الذين يفتحون العيادات ما رقي الطب، الحضارة الإسلامية الطب ارتقى فيها ارتقاءً هائلاً وفيها مئات الأطباء والكتب الطبية الإسلامية، القانون للرازي.. الحاوي للرازي أو القانون لأبن سينا أو الكليات لأبن رشد أو التصريف لمن عجز عن التأليف لأبي القاسم الزهراوي، كل هذه الكتب كانت مراجع للعالم، كان يرجع إليها الغربيون وتُرجِمَت إلى اللاتينية وغيرها لو أن المسلمين عملوا مثل ما يعمل هؤلاء يفتحون عيادات بالقرآن ما ترقى الطب ولا كان هذه النهضة..

عبد الصمد ناصر: الأدهى من ذلك فضيلة الشيخ أن البعض آلّف كتباً فيما يُسمّى بالأدوية الإلهية.

يوسف القرضاوي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: البعض من هذه الطينة من الناس ألّفوا كتبا فيما يُسمّونه بالأدوية الإلهية.

يوسف القرضاوي: هي الأدوية الإلهية هي عبارة عن إيه؟ يعني الرقي، الأدعية.. هذا تأخذ.. الإسلام لا يمنع أنك تستخدم الأدوية الإلهية، بس تستخدم الأدوية المادية حسب السنن التي وضعها الله في الكون، يعني افرِض إن الواحد.. يعني ضرسه بيوجعه.. يعني وقعد يقرأ سورة يس أو سورة الكهف، مش.. يعني إنما فيه طبيب هيعطيي له حاجه تسكنه خلاص، يدي له شيء أو يخلعه خالص ويريحه منه..

عبد الصمد ناصر: البعض يدّعي أنه يعالج السرطان.

يوسف القرضاوي: ففيه سنن إلهية، النبي عليه الصلاة والسلام سؤل "يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها وتقاة نتقيها هل ترُد من قَدَر الله شيءً؟ إذا كان ربنا مقدر لنا هنشفى أو نمرض هل الأدوية دي بترد القدر؟ قال هي من قدر الله" شوف حل هذه المشكلة العويصة بهذه الكلمة، إن الأدوية من قدر الله كما أن الأمراض من قدر الله، لماذا تَعتبر المرض من قدر الله ولا تعتبر الدواء من قدر الله؟ نحن نرد قدراً بقدر ونعالج قدراً بقدر فهذا هو الفهم الصحيح.

عبد الصمد ناصر: هل يحتاج المرء إلى شخص آخر لكي.. يعني يُرقّيه؟

يوسف القرضاوي: نعم؟

عبد الصمد ناصر: قضية الترقية أو يَرقِيه عفواً؟

يوسف القرضاوي: الرُقية.. يَرقِيه، لا مانع، هو ممكن يَرقِي نفسه وممكن يَرقِيه.. المؤمن يَرقِي أخاه.

عبد الصمد ناصر: هناك مَن اتخذها تجارة يعني.

يوسف القرضاوي: يعني إنه الرُقيَه دعاء، ما هي الرقية؟ دعاء، اللهم رب الناس اذهِب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءٌ.. هذه رُقية، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي المريض.. لمّا تروح تعود المريض، هذه هي الرُقية، هي دعاء لله تبارك تعالى، فنحن نستعمل هذه الأشياء الروحية، الأدوية الإلهية، الأدوية الروحانية هذه ونستعمل معها الأدوية المادية المعتادة التي يصل إليها أهل الاختصاص، النبي عليه الصلاة والسلام جاءه طبيبان من الأنمار وسألهما "أيكما أطب؟ فأشاروا إلى أحدهما، قال له أنت اللي تبدأ الفحص" يعني إذا كان حتى عندك خيار اختار أمهر الأطباء، هذا ما جاء به..

القرآن بين القراءة والفهم والتدبر

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: قبل قليل فضيلة الشيخ وقفنا عند موضوع الفهم والتدبر، قلت قبل قليل إنه لا يعني المرء أن يحمل كتابا أو جريدة أو إعلانا دون أن يفهمه أو أن يقرأه دون الفهم، لماذا حينما نتحدث عن هذا الموضوع تنفصل هذه المسألة القراءة عن الفهم حينما نأتي إلى القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي [متابعاً]: القرآن نزل.. أنزله الله ليُتَدَبّر شوف الآية اللي أنت ذكرتها..

عبد الصمد ناصر: في المقدمة.

يوسف القرضاوي: في أول المقدمة..

عبد الصمد ناصر: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ}.

يوسف القرضاوي: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} ليَتَدَبّروا.. وجاء القرآن {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} قلوب مغلقة {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} وذم القرآن حاملي الكتب القديمة الذين كانوا يحملونها {كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} حامل أشياء ولا يفهم فيها شيءً، لا القرآن يريدنا أن نتدبّر ونفهم ولكن.. يعني أريد أن أقول إن التدبّر هذا مستويات، فيه واحد يقرأ.. يعني ويتدبّر المعاني العامة المجملة وفيه واحد يتعمّق وفيه واحد يقرأ للتعبّد، يعني القرآن أيضا من مزاياه أنه يُتعَبّد بتلاوته، لا ينبغي أننا نُغفل هذه المهمة كتاب.. يعني حتى بمجرد التلاوة يؤثِر في القلب، تلاوة.. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " ولذلك الأعاجم يقرأون القرآن، يحفظونه عن ظهر قلب ويتلونه ويَتعبّدون، لا نُريد أن نَحرم هؤلاء ونقول لهم ما دمتم لا تفهمون القرآن فلا تقرؤوه.. لا، يتعبّد بتلاوته وقد أجريت تجارب على تأثير القرآن في الناس تأثيراً عجيبا، أخونا الله يعافيه ويشفيه دكتور أحمد القاضي من كبار الأطباء المسلمين والعرب الذين يقيمون في أميركا من زمن طويل وأقام مستشفى اسمه مستشفى أكبر يعني الله أكبر وجرّب على عدد من المرضى عنده تلاوة القرآن، فوجِد أن القرآن يؤثّر في المرضى ويعطيهم السكينة ويظهر هذا في النبض وفي حركة القلب وفي.. أثّر في العرب المسلمين الذين.. يعني وفي العرب غير المسلمين وفي المسلمين غير العرب وفي غير المسلمين وغير العرب، يعني حتى الأميركان الذين لا يعرفون العربية وليسوا المسلمين وجَد أنه حينما يُقرأ القرآن عليهم يؤثر فيهم، فلا نُريد أن نُغفل تماما.. يعني إنما الأصل أن الإنسان العربي الذي يستطيع أن يَتدبّر القرآن وعنده من مؤهلات الفهم الأساسي ما يُمكّنه من التدبّر وممكن يستعين بتفسير من التفاسير المبسطة ما بأقولوش هات لي.. يعني روح هات لي الفخر الرازي والا تفسير الآلوسي لأنه سوف يتوه، لا يجيب تفاسير مبسطة إذا اشتبه عليه لفظ، بحيث يقرأ القرآن ويفهم بالتدبّر..

عبد الصمد ناصر: ولكن هناك المشكلة فضيلة الشيخ.. يعني الذين ربما من باب الحصول على أجر بحُكم أن أل ليست حسنة واحدة إنما ألف حسنة واللام حسنة.. يقرؤون القرآن بسرعة خاصة في التراويح بسرعة خيالية لكي يقرؤوا الحد الأقصى من القرآن في ليلة واحدة هل يجوز هذا دون تَدبّر؟

يوسف القرضاوي: السرعة الشديدة التي.. يعني تجعل الإنسان لا يتأمل المعنى ولا يَتدبّر ما يقرأ هذه مكروهة أو ربما تكون محظورة، ورد أن بعض السلف قال إنه كان بيختم القرآن أكثر من مرة وورد أشياء وأنا ناقشتها في كتابي كيف نتعامل مع القرآن وقلت الكلام ده مش معقول، لأنه يقول لك مثلا يقرأ القرآن..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: في ليلة واحدة.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يختمه كذا مرة إزاي يختمه كذا مرة ولو قسمناها على الوقت كم يأخذ الجزء من القرآن والحزب من القرآن والربع من القرآن، لا هذا.. فبعض ما ورد إذا نوقش مناقشة.. يعني حسابية دقيقة يطلع مش معقول، فليس كل ما ورد في هذا الأمر مقبولاً والسلف قُراء القرآن الحقيقيين.. لأن أقرأ القرآن.. زيد بن ثابت وهو من كبار قُراء القرآن وكُتّاب القرآن وكُتّاب الوحي يقول لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إليّ من أن أقرأه في خمسة عشر يوما وأنا أقرأه في خمسة عشر أحب إلي من أن أقرأه في أسبوع وهكذا، ليُعطي لنفسه فرصة التأمل والتدبّر.

عبد الصمد ناصر: نعم، فضيلة الشيخ سنعود إلى هذا الموضوع.. موضوع القراءة والفهم والتدبّر والإنصات ولكن بعد فاصل نستأنف نقاشنا، فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في حلقة اليوم نتعرف على كيفية تعامل المسلم مع القرآن الكريم، فضيلة الشيخ وقفنا عند مسألة التدبّر، يُلاحَظ أن العلماء حينما عرّفوا القرآن عرّفوه تعريفاً وصفياً ليس فيه أي ذكر لمسألة التدبّر ولا الغاية من تنزيل القرآن ألا ترى في ذلك قصوراً؟

يوسف القرضاوي: لا، همّ الذين أرادوا أن يُعرّفوا القرآن أرادوا أن يُعرّفوه تعريفاً منطقياً فيه.. يعني علم اسمه علم المنطق وعلم المنطق يهتم بشيئين، حاجة اسمها التصور وحاجة اسمها التصديق وأساس التصور التعريف وأساس التصديق البرهان، فالتعريف يشترطون فيه أن يكون تعريفاً جامعاً مانعاً، فَهم يتحدثوا عن القرآن مثلا أن هو الكتاب اللفظ العربي الموحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم المَتلو بالألسنة المحفوظ في الصدور المُدوّن في المصاحف الكذا.. يعني يقصدون تعريفاً منطقياً..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: دون الغوص.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: إنما عندما يقصدون الغاية من القرآن يتكلموا عن التدبّر ويتكلموا عن الهداية ويتكلموا عن هذه الأشياء، فقضية التدبّر قضية مفروغ منها عند كل العلماء يعني.

عبد الصمد ناصر: نعم، هناك آيات كثيرة تحض على تدبّر القرآن بل إن الآية التي ذكرناها في مستهل هذه الحلقة تجعل علة نزول القرآن هي التدبّر..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: نعم {لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}.

آداب تلاوة القرآن

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: لماذا اعتَبر بعض دارسي أو مَن كَتب في علوم القرآن الكريم التدبّر من آداب التلاوة علماً بأن الآداب هي مسائل تحسينية.

يوسف القرضاوي: لا ليس هذا مُسلّمَاً، ليست كل الآداب تحسينية، لا في أداء بعض الآداب من الفرائض، يعني نقول من آداب الصلاة الخشوع، الخشوع فريضة {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} لمّا نقول من آداب خروج المرأة من بيتها أن لا تتبرج، أن لا تتعطر، أن لا تزاحم الرجال، هذه ليست أمور تحسينية، هذه فرائض، من آداب التعامل التجاري البُعد عن الغش، هذه آداب.. يعني ليست كل الآداب تحسينية لا هذا يعني..

عبد الصمد ناصر: يعني هذا كلام..

يوسف القرضاوي: فهناك آداب ولكن آداب مفروضة لازمة، من آداب القراءة أو الاستماع التدبّر، هذا أدب فرض لازم.

عبد الصمد ناصر: ما الفرق بين القراءة والتلاوة؟

يوسف القرضاوي: القراءة والتلاوة.. يعني كلاهما.. يعني يكادان.. يعني يقتربان، بس ربما كانت القراءة تكون من كتاب والتلاوة ليس من الشرط، ممكن واحد يتلو من حفظه.. يعني فإذا قرأت فتقرأ من النص..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: هل القراءة.. عفوا للمقاطعة.. المقصود بالسؤال هل القراءة تتوقف فقط عند اللفظ دون الوصول إلى المعنى؟ هل هذا هو الفرق؟

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا ربنا سبحانه وتعالى قال لرسوله {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ} هل معنى القراءة يقرأ بدون تدبّر؟ لا، التلاوة {إنَّ الَذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراً وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} ومن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم الأساسية تلاوة القرآن، { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ }، {هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ} ثلاث مهمات أساسية أحدهم تلاوة الآيات، يعني يبلّغهم رسالات الله، لأن التلاوة المقصود بها إنه يُبلّغ ما جاء عن الله إلى الناس {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ولذلك بلّغ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، حتى قالت السيدة عائشة لو كان محمد كاتماً شيئاً مما أنزل عليه من ربه لكتم هؤلاء الآيات {وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ} فكله حتى إللي فيها لوم له وعتاب عليه بلّغ.. فالرسول يُبلّغ الجميع هذا التلاوة.

عبد الصمد ناصر: بعض المسلمين يولع بكثرة قراءة القرآن كما قلنا قبل قليل في التراويح مثلا وغيرها بل وأنشأت معاهد كثيرة لتحفيظ أبناء المسلمين القرآن بالمقابل لا نكاد نجد اهتماماً كبيراً بتدبّر القرآن وفهمه وتحليل مضامينه ومعرفة مقاصده حتى أنك ذكرت قبل قليل فضيلة الشيخ أن هناك أطفال من دول غير عربية يحفظون القرآن ولا يعرفون كلمة من اللغة العربية دون تدبّر وفهم القرآن، أليس هذا تقصيرا من جانب التعليم التربوي؟

يوسف القرضاوي: هذا لا يعني أن ننكر على الحفظ، يعني الحفظ مطلوب، لأن هذا من تواتر القرآن ومن أسباب.. يعني حفظ الله للقرآن {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كيف يتم الحفظ؟ يعني بتوفير البواعث عند الناس ليحفظوا هذا القرآن ويحفظه الألوف بحيث لا يمكن أبدا أن يُتوقع أو يُتصور زوال القرآن، القرآن باقي ولكن المهم هو الفهم، هو المشكل أن المسلمين في العصور الأولى كانوا يهتمون بالفهم والفقه ولذلك اشتهرت العصور الأولى بالفقهاء، في العصور الأخيرة اشتهروا بالحُفاظ يقول لك فلان الحافظ، مش الفقيه، الحافظ.. كلمة الحافظ دي ما عُرفتش في الأولين كما عُرفت في الآخرين فلذلك المسألة ترجع بعقلية المسلمين، المستوى الإدراكي والعقلي والمعرفي للمسلمين في التعامل مع الإسلام عامة ومع القرآن خاصة.

عبد الصمد ناصر: نعم، فضيلة الشيخ نُشرك بعض السادة المشاهدين الذين ربما لهم مداخلات بهذا الخصوص، معي المشارك الأول.. مع فقط التذكير بأن لكل مشارك الحق في دقيقة واحدة ورجاء الالتزام، برهان العراقي من بريطانيا تفضل أخ برهان.

برهان العراقي- بريطانيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

برهان العراقي: أخ عبد الصمد أنا سؤالي للشيخ.. يعني الله عز وجل في القرآن أكد على التوحيد، يعني الأنبياء والرُسُل كلهم جاؤوا برسالة واحدة، برسالة التوحيد، الله يقول في القرآن {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ومن يشرك بالله فقد حَرّم الله عليه الجنة وفي آية أخرى {فَإذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلَى البَرِّ إذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} يعني الصحابة برسالة التوحيد هزموا أكبر إمبراطوريتين الرومانية والفارسية ولكن دائماً كانوا قلة وكانوا يغلبون في المعارك والله يقول في القراَن {ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} فالآن يا شيخ.. يعني الآن مسلمون هناك فِرَق كثيرة محسوبة على الإسلام عقيدتها الشرك ويطوفون بالقبور ويصرخون ويسجدون للقبور وعندي أشرطة ممكن.. ويضربون رؤوسهم بالسيوف ويصرخون بالقبور يا علي يا حسين أو يا عبد القادر، فإذاً ما رأيك يا شيخ هل هذا هو سبب تخلفنا؟

عبد الصمد ناصر: طيب الفكرة واضحة يا برهان، سليمان من السعودية تفضل.

سليمان- السعودية: السلام عليكم ورحمة الله

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

سليمان: سيدي الفاضل فضيلة الشيخ تكلم عن الفرق بين القراءة والتلاوة وقال إنه ليس هناك فرق بين القراءة والتلاوة وأستعجب عندما نزل سيدنا جبريل على الرسول صلى الله علية وسلم وقال له إقرا، فهل كان معه كتاب أو ورقة ليقرأ منها أو القراءة تعني شئ غير التلاوة وغير الترتيل..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: هذا ما قاله فضيلة الشيخ يا أخي.

سليمان [متابعاً]: نعم؟

عبد الصمد ناصر: هذا ما قاله فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هو النبي علية الصلاة السلام حينما قال له سيدنا جبريل اقرأ، قال ما أنا بقارئ، يعني دل على إن الأصل في القراءة هي القراءة من الكتاب، فقال له لا أنا أمي لا أحسن القراءة، قال له {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ}.

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: هل لديك سؤال محدد أخ سليمان؟

سليمان: قال الله سبحانه وتعالى {وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ولم يَقُول إذا تُلي القراَن أو إذا رُتل القراَن، فالقراءة هي التعمق والتفكّر وليست النظر إلى ما هو مكتوب في شئ ثم ترتيلة أو إعادة قولة بصوت مسموع، القراءة هي التفكّر هذا أول شئ، علينا أن نتفكّر في كلمات القراَن الكريم، فاللغة العربية ليس فيها مترادفات, كلنا نقول أن الشهيد هو الذي يموت في معركة ويدخل الجنة ونعلم أن الشهيد هو الذي حضر واقعة ما وسمع وشاهد شئ، مات أو عاد من المعركة فلن يدخل الجنة إلا إذا قُتل في سبيل الله وقال الله {ولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ولم يَقول لا تحسبن الشهداء، علما بأن في حالة الزنى مطلوب شهداء للحضور والشهادة، فالشهيد هو الذي كان يحضر ويسمع الواقعة والشاهد هو الذي لم يكن موجوداً..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نعم، شكراً لك.. تجاوزت الوقت المحدد لك أخ سليمان, أبو لوط من السعودية.

أبو لوط- السعودية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أبو لوط: مداخلتي بسرعة، الشيخ يُطالِب الأمة بالتدبّر في كتاب الله ومَن تدبّر كتاب الله بعض الأحيان تظهر له أمور ما ظهرت للنصارى ولا لليهود ولا المسلمين، مثلاً أنا ظهر لي على أن الشمس هي جهنم قبل البروج لأني تدبّرت قوله تعالى {إنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} وقولة تعالى {إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِن دَافِعٍ} وقولة تعالى {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) ومَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أبو لوط هل لديك سؤال محدد لفضيلة الشيخ؟

أبو لوط [متابعاً]: سؤال محدد هل قال أحد من المسلمين أو النصارى أو اليهود أن هذه الشمس المرئية لنا هي جهنم قبل البروج.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك يا أبو لوط, فضيلة الشيخ برهان يتحدث عن التوحيد وقال أن القراَن أكد على التوحيد من بريطانيا.

يوسف القرضاوي: التوحيد.. قطعاً من الأشياء الأساسية التي جاء بها القراَن هو التوحيد وتحرير العباد من عبادة غير الله سبحانه وتعالى, القراَن يقول للرسول صلى الله علية وسلم {ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وكان النداء الأول في كل رسالة حسب ما ذكر القراَن من قصص الأنبياء, النداء الأول {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} هذه حقيقة ولو حبينا نقول عن كل دين.. نضيفه إلى معنى معين نقول الإسلام دين التوحيد من غير شك، التوحيد هو جوهر الإسلام، كون المسلمين.. يعني للأسف انحرفوا عن هذا وأصبحوا يعبدون هذه الأشياء {مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَان}ٍ هذا إنحراف في فهم العقيدة الخالصة التي جاء بها الإسلام ولكن هذه الأمور ينبغي التدقيق فيها حتى لا نُخرج المسلمين من ملة الإسلام، بعض هؤلاء يقول هم جُهّال يجب أن يتعلموا وبدل ما نقول مرتدون يجب أن يقتلوا، لابد أن نبذل جهداً في تعليم التوحيد الخالص للمسلمين.

عبد الصمد ناصر: لو تحدثنا عن سُبل تدبّر القراَن كيف نعيد الأولوية لتدبّر القراَن..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لسه فيه الناس التانيين اللي تكلموا..

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: الأخ سأل عن الشمس.

يوسف القرضاوي: الأخ بيقول فيه حد تكلم عن الشمس؟ نعم هناك أحد الأخوة من السوريين كتب في مجلة حضارة الإسلام من سنين طويلة يقول إن الشمس هي جهنم ويستدل بأشياء كلها الحقيقة.. يعني لا تمس.. {إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} إيه دليلي على إن ده هي الشمس.. يعني هو الأخ قال {لَتَرَوُنَّ الجَحِيم}َ يعني قال الجحيم اللي بنراه الشمس، مع إن {لَتَرَوُنَّ} هذا للمستقبل، لأن لام القسم ونون التوكيد يدل على المستقبل، مش لَتَرَوُنَّ الآن، فهذا.. يعني محاولة جر القراَن جراً ليفيد معنى يريد الإنسان أن يثبته دون أن يدل علية القراَن.

عبد الصمد ناصر: ربما هناك سؤال في إطار موضوع الليلة، عبد العظيم من مصر يقول ما حكم حفظ القراَن؟ هل هو فرض أم سنة؟ هل يجوز أن ألزم إبني الصغير بحفظ القراَن وأضربه لذلك كما فعل معي والدي؟ هل بالفعل تُشفي آيات الشفاء في القراَن؟ وما الحكم الشرعي لمَن يستخدم القراَن في الدجل والسحر؟ على كل حال تكلمنا عن هذا الموضوع لكن أريد الجواب عن السؤال ما حكم حفظ القراَن؟

"
يجب على الشخص غير العربي حفظ الفاتحة وبعض الصور ليتلوها في الصلاة، وعموما حفظ القراَن هو من الأشياء العظيمة للإنسان
"
يوسف القرضاوي: حفظ القراَن فرض كفاية، يجب أن يكون في الأمة مَن يحفظ القراَن.. يعني في كل بلد من يحفظ القرآن، مَن يكون قادراً على تعليم القراَن، إنما حفظه كل فرد لا ولكن يجب على كل فرد أن يحفظ من القراَن ما يُحسن به صلاته، يعني يحفظ الفاتحة حتى لو كان غير عربي يجب أن يحفظ الفاتحة ويحفظ بعض الصور يتلوها بعد الفاتحة وبعض الآيات، هذا هو الواجب وإنما حفظ القراَن هو من الأشياء العظيمة لأن الإنسان.. يعني النبي عليه الصلاة والسلام حث على حفظ القراَن وقراءة القرآن وقال يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، يعني أحفظهم لكتاب الله، بس كان القراء في عهد النبوة.. الذين يقرؤون القراَن هم العلماء، يقولون القُراء.. هم قُراء القرآن وعلماء بالقرآن.

عبد الصمد ناصر: لضيق الوقت فضيلة الشيخ أريد جواب مختصر للأخ حتى لا نُهمل سؤاله، أبو يحيى من ماليزيا يسأل كيف يمكن عرض القراَن على غير المسلمين وإيجاد أرضية مشتركة مع الغرب؟

يوسف القرضاوي: هو واجبنا أن ندعو غير المسلمين، هذا واجب من الفروض الكفائية..

عبد الصمد ناصر: هو قصده من السؤال حوار بين الأديان.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: ومن الأشياء الأساسية من آليات الدعوة القراَن الكريم، لأن الناس مهما قلت لهم يحبون أن يعرفوا كتاب هذه الأمة ما هو وللأسف نحن المسلمين وهذا أكدته غير مرة أن لا توجد لديهم حتى الآن ترجمة لمعاني القراَن يرضى عنها المسلمون من ناحية الدقة العلمية، من ناحية السلاسة الأدبية والبلاغة اللفظية، لا يوجد.. يعني أمة من ألف مليون وثلث من الألف..

عبد الصمد ناصر: عموماً فضيلة الشيخ..

 يوسف القرضاوي: لا تُحسن حتى الآن.. هذا واجب الأمة.

عبد الصمد ناصر: الترجمة مهما كانت دقيقة وأمينة لا تُحسن توصيل المعنى خاصة مع النص القرآني.

يوسف القرضاوي: إذا قام بهذا العمل.. يعني يكون عمل جماعي، تُكلّف لجنة فيها الفقيه وفيها الأديب وفيها اللغوي وفيها.. بحيث يستطيعون أن يقوموا بعمل ترضى عنه الأمة، حتى الآن للأسف.. يعني اللغة الإنجليزية التي يتكلم بها مئات الملاين من المسلمين أنفسهم لا توجد ترجمة مرضي عنها 100% حتى اليوم..

عبد الصمد ناصر: ولن تكون.

يوسف القرضاوي: وهذا من الواجبات التي فرّطت فيها الأمة.

سبل تدبّر القراَن

عبد الصمد ناصر: طيب لو تحولنا كما قلت إلى سبل تدبّر القراَن, ما السبيل لإعادة الأولوية لتدبّر القراَن على مجرد قراءة كلماته وحروفه وأيهما أعظم أجراً؟

يوسف القرضاوي: لماذا نفاضل بين هذه الأشياء؟ التلاوة لها أجر والفهم له أجر، يعني واحد يتلو القراَن يتعبد بتلاوته ويتأثر به.. يعني ويخشع قلبه يفعل هذا وواحد ثاني عنده عقل.. يعني الناس ليسوا مثل.. لا أستطيع أن آتي بالرجل العامي وأقول له لابد أن تقرأ بتدبر, من خصائص القراَن أنه كتاب مبين وكتاب ميسر {ولَقَدْ يَسَّرْنَا القراَن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وإنه لكتاب مبين {تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ} فإبانة القراَن ويسر القراَن يجعل هذا القرآن يمكن أن يُفهم فهماً عاماً عند عوام الناس.

عبد الصمد ناصر: إذا كان مبيناً فضيلة الشيخ، هناك مَن قد يستفزك بالسؤال إذا كان مبيناً لماذا احتجنا لكل هذه التفاسير الضخمة؟

يوسف القرضاوي: أه مبين لكن التفاسير هذه للتبحر، أنا أقرأ قول الله تعالى {ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، فهمتها إنما هيجي المُفسّر يقول ذلك هذا أسم إشارة، الإشارة دي للبعيد، لماذا قال ذلك ولم يَقول هذا؟ هيُبيّن أه لأن هذا كتاب بعيد المنزلة، رفيع الكذا فكأنة يتكلم من بعيد يقول ذلك الكتاب وما هو المُراد بالكتاب؟ وما الفرق بين الكتاب والقراَن؟ وهل {ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ} كما يقف بعض الناس {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} ولا {لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وما معنى هدى؟ واشمعنا للمتقين؟ وكيف قال هنا {لِّلْمُتَّقِينَ} ووقال في آيات أخرى {هُدًى لِّلنَّاسِ}، المفسر أمامه متسع، كونه الكتاب مبين وكتاب مُيسّر لا يعني تفسيره ولذلك واحد يًفسّره.. كل مُفسّر تظهر ثقافته في التفسير، عالِم البلاغة تظهر بلاغته وعلمه البلاغي في بيان المعنى البلاغي، عالم الأحكام الشرعية زي الأمام القرطبي أو الأمام ابن العربي يَظهر في فقه الأحكام الشرعية، العالِم العقلي.. العالِم العلمي.. الكلام زي الفخر الرازي يُعنى بهذا وهكذا.

عبد الصمد ناصر: ثم التفاصيل تختلف من عصر إلى آخر، من جيل إلى آخر.

يوسف القرضاوي: نعم.. يعني الشيخ محمد عبده فسّر القراَن تفسيراً لم يهتم به.. لأنه كان محور التفسير عنده أن القرآن كتاب هداية، فكل ما يهمه أن يُظهر هداية القراَن، مش زي بعض المفسرين يبقى عايز يعرب الآية والنحو الصرف وكل هذه الأشياء ويتوه بها عن المقصِد الأساسي.

عبد الصمد ناصر: النقطة الأخيرة فضيلة الشيخ في الحلقة الشاعر الفيلسوف محمد إقبال حكى عن أبيه أنه كان يمر علية كل يوم وهو يقرأ القراَن فيسأله ماذا تفعل؟ فيجيب أقرأ القراَن، حتى تعجب له ذات يوم فسأله عن السر فأجابه أقرأ القراَن كأنه أُنزِل إليك..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أبوه قال له.. يعني يا بني إقرأ القرآن كأنما أنزل إليك.

عبد الصمد ناصر [متابعاً]: نعم وهذا المعنى سماه الأمام الغزالي التخصيص، كيف نقرأ القراَن كأنة أنزل إلينا؟

يوسف القرضاوي: لا التخصيص مش هذا المعنى، التخصيص الذي ذكره الأمام الغزالي بيقول خصص المعنى لك، إذا وجدت القراَن يقول {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} خصص هل أنت من الصادقين أم لا؟ إذا قال القرآن {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} هل أنت من الظَلمة أو لا؟ يعني خصص، ما تجعلش إن القراَن كأنة جاي للناس كلها إلا لك، حاول أن تخصص القرآن، تطبقه على نفسك..

عبد الصمد ناصر: إذاً ما معنى كأنة أنزل إليك إذاً؟

يوسف القرضاوي: ده ذكره الأمام الغزالي في حاجة اسمها الترقّي، يعني إيه الترقّي؟ يعني كان بعض السلف يقول الأول كنت أقرأ القراَن.. يعني كأنما أقرأه.. جاءنا وبعدين صِرت أقرأه كأنما أسمعه من الصحابي الذي سمع من رسول الله وبعدين ترقّيت درجة، كأني أسمعه من رسول الله وبعدين ترقّيت درجة، كأني أسمعه من جبريل يُلقّن رسول الله وبعدين ترقّيت كأني أسمعه من الله عز وجل، هذا نسميه الترقّي، أي الترقّي في الحالة الروحية التي يتعامل بها مع القراَن، فوالد إقبال يظهر إنه كان رجل عنده روحانية دافقة وعالية فقال له يا بني إقرأ القراَن كأنما عليك أنزل، يعني وصاه بوصية هائلة، كأن القراَن ده نازل عليك، ما تقرأهوش كأنك غريب عنه لا.

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ في نهاية هذه الحلقة نشكرك بارك الله فيك، أتينا إلى نهايتها، في نهايتها أيضا لكم تحيّات المخرج منصور طلافيح والمنتج معتز الخطيب ولنا لقاء في حلقة قادمة بحول الله.