- الخلاف بشأن رؤية الهلال
- الاستعداد الأمثل لشهر الصوم
- مرض الأمة وتحويل رمضان إلى شهر مظاهر

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا بكم في حلقة أخرى من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ويقول تعالى أيضا {ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ} بعد يومين أو ثلاثة يهل علينا شهر رمضان المبارك الذي يُعد مدرسة للصائمين بحق وفيه ليلة هي خير من ألف شهر وقد دأب المسلمون في أقطارهم المختلفة على استقبال رمضان بالتطلع إلى الأفق لرؤية هلاله فبعضهم يوفق في رؤية الهلال ومنهم مَن لا يتمكن من رؤيته البتة وبذلك يحصل الاختلاف خاصة في تحديد شهر رمضان استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" فكيف يستعد المسلم لاستقبال هذا الشهر العظيم؟ وما هي عدته ليدخل هذه المدرسة ويتخرج منها وقد غفرت ذنوبه كلها؟ وهل تعليق الصوم بالرؤية العينية أمر تعبدي لا يجوز تركه؟ وإذا كان الإسلام دين العلم فلماذا لا يتم اعتماد علم الفلك في حساب الشهور القمرية لتوحيد الصوم بين المسلمين قاطبة؟ هذه التساؤلات وغيرها حول استقبال شهر رمضان وإثبات هلاله نطرحها على فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، فضية الشيخ أهلا بك.

يوسف القرضاوي: أهلا بك يا أخ عبد الصمد.

الخلاف بشأن رؤية الهلال

عبد الصمد ناصر: الله يبارك فيك يا شيخ، يعني فضيلة الشيخ مع اقتراب كل شهر رمضان يعاد الجدل والنقاش حول قضية رؤية الأهلة، لماذا لا يوضع حدا لهذا الجدل؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن أتبع هداه، أولا أود أن أبدأ حديثي هذا بإسدائي التهنئة الخالصة إلى إخواني المسلمين في دولة قطر وفي بلاد الخليل وبلاد العرب وبلاد المسلمين بصفة عامة وإلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بمَقدِم هذا الشهر الكريم الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يهله عليهم جميعا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ويرضى وأود أن أقول إن الله تبارك وتعالى قد عين شهر رمضان لهذه الفريضة، اختاره شهرا قمريا ليتنقل في فصول السنة كلها، لو قال شهر سبتمبر أو شهر يوليو أو كذا سيثبت إما في حر الصيف أو في برد الشتاء ولكن جعله الله شهرا قمريا ليصوم المسلم في الصيف وفي الشتاء وفي الاعتدال.. الربيع والخريف {شَهْرُ رَمَضَانَ الَذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى والْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} معنى شهوده أن يعلم بدخول هذا الشهر علما يقين مؤكد أو ظن راجح، بماذا يثبت الشهر؟

 الشهر يثبت بظهور الهلال.. هذه هي العلامة الحسية المقدورة والميسورة لجميع الناس ولذلك ربط الإنسان دخول الشهر بهذه كما ربط دخول الصلوات بعلامات حسية في الطبيعة ظهور الفجر تبدأ صلاة الصبح، زوال الشمس عن كبد السماء تبدأ صلاة الظهر، ظهور يعني وصول الظل امتداد الظل إلى أن يصبح مثل الشخص بعد الزوال يدخل العصر، غروب الشمس يدخل المغرب، غروب الشفق الأحمر تدخل العشاء، كلها علامات طبيعية يعني ليست مخصوصة بفئة أو شريحة معينة شريحة المتعلمين أو المثقفين أو الحضريين.. لا الحضر والبدو والمتعلم والأمي الكل يعني يجب أن توضع أمامهم علامات يسرة وسهلة وواضحة ولذلك كان دخول رمضان مبني على رؤية الهلال، قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" في حديث آخر "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له أو أقدروا له" وفي رواية فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وبعض العلماء اتخذوا من كلمة فاقدروا له يعني بتقدير منازل القمر وعلم الحساب فجعلوا لعلم الحساب مدخلا كما رُوي ذلك عن بعض التابعين مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين وابن كتيبة من رجال العلم الحديث والموسوعيين من علماء المسلمين وابن سريج من أئمة الشافعية قالوا جعلوا للفلك مدخلا ولكن يعني جمهور العلماء لم يعتبروا الفلك وخصوصا في الفترة الأولى لأن علم الفلك كان علما معظم الذين يعلمونه من غير المسلمين وليس من المعقول أن نربط عبادة إسلامية وركن من أركان الإسلام بغير المسلمين وجاء في ذلك التعليل إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ولذلك بعض علماء العصر مثل الشيخ أحمد شاكر وهو من علماء الحديث وهو علامة وهو رجل سلفي ومثل العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا فقيه الأمة في زمنه قالوا نعمل بالحساب الفلكي ولكن للأسف كثيرون رفضوا الحساب الفلكي.

"
علم الفلك مبني على قواعد رياضية قطعية والمسلمون في عهد ازدهار الحضارة الإسلامية وصلوا إلى القمة في علم الفلك وكانوا مرجع العالم فيه
"
أنا أقول حضرنا في مجمع من مجامع الفقه وعُرض هذا الأمر في المجمع الفقهي الدولي في دورة في عمان وجاءنا من علماء الفلك مَن يشرح لنا القمر بالوسائل الإيضاح وأثبت لنا إن علم الفلك الآن أصبح علما في غاية الدقة حتى إن احتمال الخطأ في واحد على مائة ألف في الثانية وعلى أساسه وصل الإنسان إلى القمر وحاول أن يغزو المريخ ويقول سيصل الإنسان سيضع قدماه على سطح القمر في المكان الفلاني وفي الساعة والدقيقة الفلانية ويحدث كما توقع. ومع هذا نرى الكثير من علماء المسلمين رفضوا هذا ولاختلاط علم الفلك بعلم النجوم الإسلام يعني وقف ضد علم التنجيم اللي هو فيه التنبؤ بالغيب وأنه بناء على منازل النجوم هيحصل النحس أو هيحصل صعود أو تحصل يعني الأرزاق أو يحصل جذب أو يعني وجاء في الحديث "مَن أقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر" فبعض الناس خلطوا بين علم الفلك وعلم النجوم وهذا غير صحيح لأن ده علم مبني على التخمين والظن وعلم الفلك مبني على قواعد رياضية قطعية والمسلمون في عهد ازدهار الحضارة الإسلامية وصلوا إلى القمة في علم الفلك في عهدهم وكانوا هم مراجع العالم.

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ قضية وحدة المسلمين هي من المقاصد العظيمة التي يُفتَرض أن يحرص عليها العلماء، الحساب الفلكي لتوحيد الصوم أو الفطر لماذا لا يُعتَمد ويؤخذ به من هذه الزاوية لتوحيد المسلمين؟

يوسف القرضاوي: هو يعني حينما يعني يصل المسلمين إلى درجة بحيث يصبح علم الفلك علم معلوم للجميع ربما وصلنا إلى هذه الدرجة ولكن أيضا يجب أن نعرف أن هناك شيء يسمونه اختلاف المطالع، فاختلاف المطالع يجعل الهلال يظهر في البلد في الوقت الفلاني والبلد الثانية بعد ثماني ساعات أو عشر ساعات فلو ظهر في البلاد الغربية وكان البلاد الشرقية في ذلك الوقت ناموا ولا تسحروا ولا كذا يعني وبعدين هناك اختلاف بين المذاهب هل يعتبر اختلاف المطالع أو لا يعتبر، هل لكل بلد مطلعه؟ أو إذا ظهر في بلد يلزم جميع البلاد الأخرى هذا قضية فيها خلاف في عهد الصحابة ابن عباس لم يرضى أن يصوم بصوم معاوية في الشام وكان هو معاوية هو الخليفة وابن عباس في الحجاز وقال لا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل العدة ثلاثين فهذه قضية خلافية صعب أن تجمع الناس عليها..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: فضيلة الشيخ يعني عفوا على المقاطعة يعني ألا يمكن أن يحسم هذا الخلاف ونحن نعلم أن العرب والمسلمين الحمد لله لا تعوزيهم الوسيلة ولا الإمكانيات المادية لإطلاق قمر صناعي كما يقترح البعض.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا لا القمر الصناعي ما يحلش المشكلة، برضه سيظل الناس تقول لك لم يثبت الهلال عندي في إندونيسيا ثبت عنكم بعد ثماني ساعات دخلت أنا يعني الناس أصبحوا في الظهيرة عندي الآن ولا يمكن أن أصوم الآن يعني هذا سيظل وبعدين إذا كان مذهب بيقول لك أنا الهلال إذا رأيته أنا في منطقتي دي أصوم ولا يلزمني يعني هذا خلاف في المذاهب، يعني لازم نحسم هذا الخلاف وهذا الخلاف صعب أن يُحسم يعني.

عبد الصمد ناصر: طبعا هناك آراء يعني حول هذا الموضوع.

يوسف القرضاوي: وبعدين أنا أود أن أقول الإسلام يعني الخلاف في هذا أمر مغتفر وحتى الخطأ فيه مُغتَفر يعني لو الناس يعني الهلال غدا ولم يصوموا إلا بعد غد خطأ هذا مُغتَفر، المهم الذي ينبغي أن يحدث أن يصوم أهل البلد معا ويفطروا معا.

عبد الصمد ناصر: طيب لدينا التسجيل لبعض الآراء حول فكرة إطلاق قمر صناعي لتوحيد أو لاستطلاع ميلاد القمر نتابعه ونستأنف النقاش فضيلة الشيخ.

[تقرير مسجل]

نصر فريد واصل – مفتي مصر السابق: القضية يعني القمر عندما تمت دراسته والمشروع الخاص به يعني تمت دراسته بحيث أنه تكون الرؤية واضحة ويتم دورانه حول الكرة الأرضية حوالي يعني كل ساعة ونصف تقريبا دورة كاملة حول الأرض وأنه بعيد كل البعد عن.. وبعيد عن التعرجات التي تذكرها إنما هو له خط ومنهج سير يكون يبعد عن كل ما يعوق عن تحقيق الهدف منه، إذا المسألة بقى كونه غالي أو رخيص دي قضية ثانية، لكن العبرة أن المشروع وضع على أساس أن يكون القمر يحقق هذه الأهداف، يحقق من خلاله أولا الحسابات والتقاويم الفلكية اللي إحنا بنتكلم تكون عالمية، يحقق أيضا اللي هو الرؤية للجميع، يحقق وحدة المطالع.

سيد دسوقي– رئيس قسم هندسة الطيران - القاهرة: عندما نتحدث عن قمر هم يتحدثون عن قمر في (Low earth orbit) يعني في المدارات القريبة على بعد خمسمائة كيلو أو على بعد ستمائة كيلو هذا القمر معَرض للهواء ومعرض للديناميكا الهوائية والإعاقة الهوائية وأيضا هو جسم بسيط يعني لا تستطيع أن تتحكم في توجيه ولا في مداره بالضبط وخاصة أن هذه ما تحدثنا عنه هو قمر بدون دفع يعني قمر بدون قدرة على تحديد المدار وضبط المدار وضبط الوجهة أو هناك ضبط وجهة وليس هناك ضبط مدار هذا القمر الرخيص اللي إحنا نتحدث عنه عشرة مليون عشرين مليون دولار حاجة زي كده هذا قمر لا يستطيع أن يحدد مكان القمر عند التصوير لأنه لا يستطيع أن يمشي يمضي في كل المدارات يصور لأن هذه طاقة وهو لا يحمل هذه الطاقة معه.

مسلم شلتوت– أستاذ معهد الدراسات الفلكية- القاهرة: بالنسبة للقمر الإسلامي هو من الناحية الفلكية والشرعية أعتقد أنه غير سليم، يتفق معي في هذا الرأي معظم الزملاء والفلكيين العرب في الاتحاد العربي بعلوم الفضاء والفلك في مؤتمراتهم البادئة من عام 1998 وحتى 2005، القمر الصناعي الإسلامي المفروض ده هيكون قمر صناعي على ارتفاع من سبعمائة إلى ألف كيلو وبالتالي هيبقي يشوف الأرض ككرة والقمر ككرة وبعدين تجرى برامج محاكاة علشان يخلوها هيئة هلال ودي تعتبر رؤية غير شرعية المفروض الرؤية الشرعية تكون من على سطح الأرض فهي من الناحية الفلكية لا يمكن تكون رؤية فلكية ولا هي من الناحية الشرعية رؤية شرعية.

عبد الصمد ناصر: حتى حول القمر فضيلة الشيخ الآراء مختلفة لديك تعليق؟

يوسف القرضاوي: أنا لم أفهم يعني ماذا يراد بقمر صناعي، يعني القمر الصناعي يعمل إيه؟ يعني نشوف القمر من فوق يعني؟

عبد الصمد ناصر: نعم هذا المشروع.

يوسف القرضاوي: إحنا الرؤية المعتبرة هي الرؤية من الأرض أن نرى القمر من الأرض التي نحن فيها إنما علشان نراه من فوق هذه رؤية غير معتبرة لازم نشوفه بمرصد بالتليسكوب بأي شيء يعني مش ضروري بالعين المجردة نشوف بنظارة معظمة بتليسكوب مكبر ومقرب يعني عن طريق المراصد هذا معقول، إنما لا أدري معني إننا نعمل قمر يعني صناعي ويشوف لنا الهلال من الأعالي.

عبد الصمد ناصر: حينما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" هل يمكن اعتبار هذا الحديث مثالا على جعل الوسائل غايات يعني بمعنى أن الرؤية وسيلة فقط لإثبات بداية الصوم وليست غاية والوسائل يمكن أن تتغير؟

يوسف القرضاوي: هذا الأمر أنا عالجته في كتابي كيف نتعامل مع السنة النبوية وذكرت في فصل مهم جدا وهو يعني سميته التمييز بين الأهداف الثابتة والوسائل المتغيرة، يعني في أحيانا يكون هدف ثابت ووسيلة متغيرة الهدف الثابت أن نملك القوة والوسيلة الخيل ممكن الوقت ده نقول لا مش الخيل المدرعات والدبابات وكذا، السواك وتنظيف الفم وذكرت أيضا قضية دخول الشهر والرؤية.. الرؤية هي وسيلة وكانت هي الوسيلة المتعينة في زمن النبوة ممكن الآن نجد وسيلة أدق منها وأضبط لإثبات الشهر، لكن لو يعني نظرنا في الأمر نظرة إلى المقاصد والتمييز بين المقاصد والتمييز لا أجد مانعا من هذا وعلى الأقل أنا قلت يعني في بعض المجامع إننا نأخذ بالحساب الفلكي في النفي لا في الإثبات ما معنى في النفي يعني إذا قال الحساب الفلكي إن الرؤية غير ممكنة في ليلة كذا في هذه الحالة لا أعتمد الشهود ولا أفتح الباب حتى للناس يشهدوا لأنه علميا مقطوع بأنه لا يُرى، فهذا الذي يعني قلناه ولكن حتى الآن يعني لا زال وضع المسلمين أدنى مما يُطلَب ويُنشَد.

عبد الصمد ناصر: على كل حال هو هذا الخلاف حول رؤية الأهلة كما قلت قبل قليل الخلاف فيه مغتفر كما أن الخطأ فيه مغتفر لكنه لا ينسينا الحديث عن موضوع فضائل هذا الشهر الذي نحن مقبلون عليه فضيلة الشيخ بعد يومين أو ثلاثة إن شاء الله سنكون في شهر رمضان، كيف يجب على المسلم..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أنا بس أريد أن أنبه على شيء في قضية الرؤية هذه يعني أنا في سنة 1983 كنت في المغرب وألقيت درسا من الدروس الحسنية واجتمعت بالشباب الإسلامي قالوا الناس عندنا هنا شرائح ثلاث شريحة تصوم مع المملكة السعودية الإخوة السلفيين..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وهم قلة.

يوسف القرضاوي: وشريحة تصوم مصر وتونس والجزائر وكذا وشريحة تصوم مع المغرب، فأي الآراء تأخذ؟ قلت أنا مع الشريحة التي تصوم مع المغرب لأنه إذا لم نصل إلى وحدة المسلمين في العالم على الأقل نصل إلى وحدة المسلمين في البلد الواحد، إنما آجي الناس في أميركا وفي أوروبا الباكستاني يصوم مع باكستان والمصري يصوم مع مصر والخليجي يصوم مع الخليج يا أخي أنتم أصبحتم كتلة إسلامية في هذا البلد انظروا إلى أنفسكم أنكم أصبحتم يعني كأنكم بلد جديد صوموا لرؤيتكم أنتم وأفطروا لرؤيتكم، هذا الذي أدعو إليه المسلمين إذا لم نوحد المسلمين لا يجوز أن نفرق أهل البلد الواحد يصوموا معا ويعيدون معا.

عبد الصمد ناصر: وإن كنت أؤكد أن بحكم أني مغربي تقريبا غالبية الشعب المغربي يصومون وفقا لرؤية القضاة المغاربة حيث يتم الإعلان في الإذاعة والتليفزيون.

يوسف القرضاوي: هذا وخصوصا أنت لم تر الهلال لو رأيت الهلال صم إنما أنت لم تر.. خلاص حكم الحاكم وقضاء القاضي ورأي السلطة يرفع الخلاف.

عبد الصمد ناصر: هذا هو المعمول به في المغرب على كل حال، سنعود إلى هذا الموضوع فضيلة الشيخ بعد أن نأخذ فاصل فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الاستعداد الأمثل لشهر الصوم

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة، فضيلة الشيخ كنا نتحدث قبل قليل عن موضوع الأهلة لكن نريد أن ننتقل إلى الشق الثاني من حلقتنا هذه والحديث عن فضائل هذا الشهر العظيم، كيف يمكن للمؤمن أن يستفيد من هذا الشهر؟ كيف يمكن أنه يستقبل هذا الشهر ويستعد له بالشكل المطلوب؟

يوسف القرضاوي: شهر رمضان في الحقيقة يعني فرصة سنوية يتيحها الله للفرد المسلم وللأسرة المسلمة وللمجتمع المسلم وللأمة الإسلامية لينتفعوا بها وإن كان الكثير منا للأسف لم يستفد من هذا الشهر كما ينبغي، يعني أصبح حال بعضنا معتبره شهر الفوازير، شهر المسلسلات، شهر الأكل والطعام والشراب، في ناس تقضي الليل في شراب وطعام والنهار في كسل ومنام، هذا الشهر كان السلف إذا جاء شهر رمضان يقولون مرحبا بالمطهر، يعتبر أن رمضان شهر للتطهر، الإنسان تلوثه المعاصي والسيئات خلال السنة كلها وهذه فرصة ليتطهر منها ليغتسل من أدران سيئاته ويخرج نظيفا جديدا من هذا الشهر ولذلك جاءت الأحاديث "مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" "مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" "مَن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" أي فرصة هذه الإنسان يخرج من هذا الشهر مغفور له، النبي عليه الصلاة والسلام صعد المنبر وقال آمين الصحابة قالت آمين ليه يا رسول الله قال قلت "جاءني جبريل فقال بَعُدَ من أدرك رمضان ولم يغفر له أبعده الله ثم أبعده فقلت آمين" الذي يدرك رمضان ولا ينال المغفرة فيه دعا عليه أمين السماء وأمن عليه أمين الأرض.. أبعده الله بعدا لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له هذه الفرصة ليتطهر الناس في هذا الشهر الكريم إذا صام إيمانا واحتسابا، يعني مش بس مجرد إنه بيصوم لأن أهله بيصوموا أو أهل بلده بيصوموا.. لا إيمانا بالله واحتسابا طلبا للأجر وللتقرب إلى الله، طلب المغفرة والمثوبة من الله عز وجل مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذا شهر الاغتسال والتطهر ومن ناحية أخرى هو شهر التزود إذا كان من ناحية شهر التطهر.. الصوفية عندهم شيء بيقولوا لك التخلية والتحلية يعني يجب أن تتخلى عن الرذائل وتتحلى بالفضائل في هدم وبناء فيه إزالة لأنقاض وكذا وبناء عليها، أنت تطهر طيب وبعدين تعمل هذا الشهر عمل الصالحات.. التزود بالحسنات استباق الخيرات، شهر رمضان هو بنمارس فيه أركان الإسلام كلها، الصلاة وليست الصلاة فقط الفريضة التراويح قيام الليل الذكر الدعاء الاستغفار تلاوة القرآن كثير من الناس يختم القرآن في رمضان أكثر من مرة غير إنه بيستمع إلى القرآن في المساجد، كثير من المساجد تختم القرآن في شهر رمضان فالإنسان يروح يستمع إلى القرآن في مسجد من المساجد ويتلوه في بيته فأقل ما يعني يخرج به إنه يستمع إلى القرآن بأذنيه ويختم القرآن بلسانه، هذه كلها صلة الأرحام، البر الأقارب، إطعام الفقراء والمساكين هذا أمر.

عبد الصمد ناصر: هذه الأعمال الفاضلة لو أخذناها واحدة واحدة، قلنا بأن شهر رمضان شهر التطهر قلت فضيلة الشيخ بأن الإنسان 11 شهرا وهو يلَوث بالمعاصي كيف يمكن له أن يستعد لهذا الشهر بأية نية يستعد له حتى يستغل هذه الفرصة للتطهر؟

"
شهر رمضان شهر ينتصر فيه الإنسان بالإرادة على الشهوة، العقل على الغريزة، الإيمان على الهوى، الجانب الروحي على الجانب المادي
"
يوسف القرضاوي: هو أهم شيء العزيمة الصادقة والنية الصالحة، الواحد بيستقبل رمضان بهذا مش يستقبل يحضر الأكل والأشياء هذه.

عبد الصمد ناصر: هذه المشكلة الآن رمضان.

يوسف القرضاوي: هذه العزيمة.. البطارية فرغت خلال 11 شهرا عليه يملأها وينتصر ولذلك نحن نقول إن شهر رمضان شهر انتصار الإنسان ينتصر فيه الإنسان لأن الإنسان ما هو إنسان ليس هو مجرد هذا الغلاف الجسمي الطيني، ينتصر في رمضان الإرادة على الشهوة، العقل على الغريزة، الإيمان على الهوى، الجانب الروحي على الجانب الطيني نحن نعرف من خلق آدم أن الإنسان مخلوق خلقة مزدوجة على طبيعة مزدوجة في الطين والصلصال والحمأ المسنون وفيه {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}.

عبد الصمد ناصر: يعني عنصر الإنساني.

يوسف القرضاوي: يعني الملائكة لم يسجدوا للإنسان علشان الطين لا إذا سويته هذه النفخة الروحية التي جعلت الإنسان إنسانا، في رمضان ينتصر الجانب تنتصر الروح على الطين يصبح الإنسان كأنه ملائكة كما جاء في بعض الأحاديث.

عبد الصمد ناصر: العنصر السماوي على العنصر الأرضي.

يوسف القرضاوي: وقد جاء رمضان قال النبي صلى الله عليه وسلم "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطيئة ويستجيب الدعاء ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرا" فأن الشقي من حُرم فيه رحمة الله عز وجل أروا الله من أنفسكم خيرا هنا التنافس هنا التنافس فاستبقوا الخيرات فنرِد من المسلم أن يدخل رمضان بهذه العزيمة القوية ويحاول أن يزيد من رصيده عند الله، يعني الأعمال الصالحة تُضاعف في رمضان قالوا الفريضة بسبعين فريضة والنافلة كأنها فريضة ولذلك الكثير من الناس يحاول أن يخرج الزكاة في رمضان لأن في رمضان تتضاعف المثوبة، يقولك طيب أخرجها في رمضان، أجعل حولي في رمضان حتى لو كان أفرض الواحد حول ماله في شهر جمادى يقول لا أنا خليه في شهر رمضان.

عبد الصمد ناصر: يجوز هذا؟

يوسف القرضاوي: يجوز بس يعمل حسابه لمّا يجي رمضان يشوف جمادى الأولى جمادى الثانية ورجب وشعبان وأربع يعني يخرج الزكاة عن 16 شهرا، لمّا يجي رمضان يخرج الزكاة عن 16 شهرا ويخليها في رمضان لا بأس بذلك، المهم يستفيد الإنسان من هذا الشهر الكريم في أن يملأ صفحاته.

عبد الصمد ناصر: كأنه شهر العروض الإيمانية.

يوسف القرضاوي: نعم هو شهر النبي عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، حين ينزل جبريل فيدارسه القرآن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس مع جبريل القرآن، مش بس بيقرأ يقرأ كثير من الناس بيقرأ القرآن ولكن لا يدرس القرآن، تقابله الآية لكن لا يحاول أن يعرف خلي معك تفسير من التفاسير الموجزة واعرف إيه المعنى، اسأل أحد العلماء فكان يدارسه القرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن عباس أجرى بالخير من الريح المرسلة، فكان في رمضان أجود ما يكون في هذا الشهر ولذلك هذا الشهر يكثر عمل الخيرات من الناس والإفطار الجماعي وهذه الأشياء.. الأسرة في رمضان يقترب بعضها من بعض كثير من الناس لا يكاد يأكل مع أسرته، في شهر رمضان يفطر الناس معا ويتسحرون معا فهو يربط الأسرة في معاني اجتماعية لها أهمية في هذا الشهر الكريم المجتمع يقترب، الناس تتزاور، الأرحام تتواصل، الجيران يصلوا بعضهم بعضا، لابد أن نستفيد ربانيا وروحانيا ونستفيد اجتماعيا من هذا الشهر الكريم.

عبد الصمد ناصر: يعني الأبعاد الروحية والنفسية والتربوية يعني كيف يمكن أن يتجلى شهر رمضان فضيلة الشيخ كشهر للتربية الإيمانية واليقظة الروحية بعد الغفلة والنسيان طبعا كما يقال شر ما يصيب الإنسان هو الغفلة عن الله وعن الدار الآخرة؟

يوسف القرضاوي: شهر رمضان أنت قلت في المقدمة أن رمضان مدرسة كان الأديب الإسلامي الشهير مصطفى صادق الرافعي كتب في وحي القلم مقالة من أروع المقالات عن شهر رمضان يقول شهر للثورة، يعني رمضان قل ثورة على المألوف الإنسان يثور على مألوفاته، واحد يقولك أنا لازم الساعة سبعة أفطر الساعة واحدة أتغذى الساعة ثمانية أتعشى لا قوله ارمي ده كله في سلم.. لن تفطر إلا عند الغروب، وجبة الغذاء ذهبت وهناك السحور تسحر حتى لو لم يرد يقول له يا أخي تسحروا فأن في السحور بركة تسحر قم في هذا الوقت تسحر سحورا ماديا بأن تأكل ولو تمرة ولو تشرب يعني شربة ماء وفيه سحور روحي قم أدعو الله واستغفر في هذه الساعة التي يتجلى الله فيها على عباده ويناديهم هل من مستغفر فاغفر له هل من تاب فأتوب عليه هل من داع فاستجيب له هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر، فهذا الشهر الكريم هو فرصة لهذا الترقي، فلذلك بنقول هو مدرسة.

عبد الصمد ناصر: الرافعي.

يوسف القرضاوي: الرافعي يقول لو انصف الناس يا رمضان لسموك مدرسة الثلاثين يوما، هو مدرسة لتربية الإرادة، الإنسان محتاج إلى الإرادة المصممة القوية، ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ الإنسان تسيره أرادته الحيوان تسيره غريزته، إذا وجدت الحمار أعزك الله الحمار حينما يريد أن يبول.. يبول في الطريق لا يبالي إذا أعجبه هذا البرسيم أو هذه الخضرة لا يقول حلال ولا حرام، الإنسان يفكر ويستخدم إرادته هل يجوز أو لا يجوز هل ينبغي أو لا ينبغي هل يليق أو لا يليق؟ فالإرادة تربية الصلب تربية الإرادة، يعني قبل رمضان الإنسان يتعلم كيف يترك الحرام لله عز وجل، هذا حلال وهذا حرام يعمل الحلال ويترك الحرام تقربا إلى الله، في رمضان لا يترك الحلال تقربا إلى الله تعالى، الحديث القدسي يقول يعني "كل عمل بن آدم له الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به يدع الطعام من أجلي ويدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي ويدع زوجته من أجلي" هذا الحلال الطيب تركه لله، الصيام بيربي الإنسان على الامتناع عن الحلوب وهذا تتربى الإرادة المؤمنة هذا فالصوم تربية لهذه الإرادة القوية محتاجين نحن إلى هذه الإرادة في الحياة كلها.

عبد الصمد ناصر: المشكلة فضيلة الشيخ هو أن ليس كل الناس يعون هذه المعاني لشهر رمضان يعني هناك مَن يصوم فقط طاعة لله، يمسك عن الطعام يمسك عن أشياء محظورة في رمضان ولا يعي بعد هذه الأعمال التي يقوم بها في شهر رمضان؟

يوسف القرضاوي: هو لذلك هو محتاج إلى فقه مش فقه إننا نحفظ أحكام الوضوء، فقه النفس، قوم يفقهون نحن في حاجة إلى فقه العبادة، فقه العبادة الخروج من الغفلة إلى اليقظة، من العمى إلى البصيرة، من البلادة إلى الفقه، الله تعالى ذم الغفلة، شر ما يصاب به الإنسان في هذه الدنيا الغفلة، الغفلة عن الله، الغفلة عن الدار الآخرة، الغفلة عن الرسالة الإنسان يعيش لرسالة لازم يجيب الإنسان عن هذه الأسئلة الخالدة من أين وإلى أين ولما من أين جئت وإلى أين أذهب ولما أعيش هل لي رسالة أو ليه؟ الغفلة عن هذا هو شر داء يصيب الإنسان ربنا وصف الكفار الذين جعلهم حطب جهنم فقال {ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ والإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} هم أضل من الإنعام، لماذا؟ لأن الأنعام لم تؤتى ما أؤتي الإنسان لم تؤتى العقل المفكر ولا الإرادة المرجحة ولا المواهب الروحية التي أؤتيها الإنسان ولم ينزل عليها كتاب ولم يُبعث لها رسول، فهي معذورة إذا ضلت أو عاشت في جهالة، إنما الإنسان أعطي هذا كله ثم إن الإنعام لها مهمة لم تتمرد عليها، هل رأيت بقرة تمردت على أن تحلَب؟ هل رأيت حمارا تمرد على أن يُركَب؟ بيؤدي مهمته الإنسان له مهمة لم يؤديها ما هي مهمة الإنسان ليست مهمة الإنسان أن يأكل ويشرب أو يلهوا ويلعب أو يمشي على التراب ويأكل من التراب ثم يدفن في التراب، أرحام تدفع وأرض تبلع، لا شأن الإنسان له رسالة كبيرة يعيش لعبادة الله لطاعة الله ولخلافة الله في الأرض ليعمر الأرض بالحق والعدل لله تعالى بحقه يا عبادي إني ما خلقتكم لاستكثر بكم من قلة ولا استأنس بكم من وحشة ولا لأستعين بكم من عجز ولكني خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيلا كما قال الله تعالى: {ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} ينبغي للإنسان أن يعرف هذه المهمة، الأنعام عرفت مهمتها أدتها ولكن هل أدى الإنسان مهمته؟ ولذلك قال: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ} ثم قال: {أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} نبه إلى العلة الكامنة وراء هذه هي الغفلة أن يعيش الإنسان في غفلة في عمى لا ينظر ما.. هذه الدنيا التي نعيش فيها كم نعيش فيها؟ نحن لا ندرك قيمة هذا الموسم كان السلف يقولون عن رمضان موسم المتقين ومتجر الصالحين.. الناس لما بيكون في موسم وفي زي ما يقول لك ده موسم الأوكازيونات.. يروح يشتري البضاعة لأن فيها 30% أو 40% وربما لا يحتاج إليها طب رمضان فيه أضعاف مضعفة فيه ليلة القدر خير من ألف شهر في العشر الأواخر.

عبد الصمد ناصر: موسم التزود.

يوسف القرضاوي: لماذا يترك الناس هذه المضاعفات؟ أليس هذا من الغفلة من العمى يعني يرى الإنسان أمامه هذه الفرص التي.. ألا إن لربكم في ظهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ويترك نفحات الله ويعيش في الغفلة عن مصيره وعن آخرته، الدنيا لها تجار والآخرة لها تجار، تجار الدنيا يبحثون عن موسم التجارة ويضاعفون فيه نشاطهم لعلهم يربحون دراهم أو ريالات أو دولارات معدودة أو غير معدودة ولكنها يعني إذا دامت لهم فهم لا يدومون لها.

مرض الأمة وتحويل رمضان إلى شهر مظاهر

عبد الصمد ناصر: المشكلة فضيلة الشيخ أن رمضان أخرجه الكثيرون من سياقه الروحي الروحاني الديني، صار رمضان مرتبطا بظواهر غريبة، رمضان أصبح موسم الفوازير موسم المسلسلات موسم المسابقات الرياضية موسم الخيام التي تنصبها الكثير من الفنادق موسم التبذير والإسراف ويعني الإسراف في المصروف اليومي حتى للمواطن العادي يعني لماذا تحول رمضان أو حُوِّل رمضان من هدفه الأصلي إلى هذه المظاهر؟

يوسف القرضاوي: ما هو هذا يدل على أن الأمة في حالة مرضية، الأمة ليست في حالة صحية كما ينبغي يعني أولا يعني لكي نكون منصفين ينبغي ألا نعمم يعني هذا ونطلق.

عبد الصمد ناصر: طبعا.

يوسف القرضاوي: يعني أتحفظ دائما على الأحكام المطلقة والأحكام المعممة.

عبد الصمد ناصر: طبعا نعم.

يوسف القرضاوي: هناك كثيرون من أبناء الأمة ينتفعون برمضان، هناك أناس يزيدون التعبد لله تعالى في رمضان، هناك أناس يتلذذون بتلاوة القرآن، هناك ناس يبكون تدمع عيونهم وتخشع قلوبهم حينما يتلون كتاب الله، أرى هؤلاء الناس في المساجد في رمضان هناك أناس يعتمرون في رمضان صحيح بالغ الناس في ذلك، الأمة الإسلامية على علاتها هي أكثر الأمم تعبدا لله تبارك وتعالى، لا يوجد أمة في الأرض تعبد الله كما يعبده المسلمون وخصوصا في رمضان، في شهر رمضان يعني يذهب الناس للعمرة بالملايين في ليلة 27 رمضان في المسجد الحرام يصلي أكثر من مليوني شخص غير الذين يصلون في المسجد النبوي..

عبد الصمد ناصر[مقاطعاً]: في المدينة المنورة نعم.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: غير الذين يصلون في مساجد العالم الإسلامي كله هناك لا شك إنه رمضان له تأثير ولا ينبغي أن نغفل هذا ولكن الكثيرون للأسف أغفلوا رسالة رمضان، لن يعطهم رمضان الوعي بحقيقته بما يحدثه في النفس الإنسانية من تغيير، نحن الأمة في حاجة إلى أن تغير ما بأنفسها {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ورمضان فرصة لتغيير الأنفس هذا يعني وهذا يحتاج إلى توعية وإلى تذكير يعني فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين لا نقول إن الذكرى لا تنفع لا المؤمنين ولا يزال هناك مؤمنون ينتفعون.

عبد الصمد ناصر: الحمد لله.

يوسف القرضاوي: ولكن هناك أيضا مَن يشوش أجهزة الإعلام وإن كنت لا أنكر إن أجهزة الإعلام في رمضان خير منها في غير رمضان، يعني من غير شك أنا أتمنى إن أجهزة الإعلام تظل على هذا ومع هذا في رمضان لها أيضا أشياء أخرى تعمل أحيانا مسابقات غير جائزة محرمة، مسلسلات أحيانا لا معنى لها أن تكون في رمضان، شغل الناس حتى بهذا الكم الهائل من المسلسلات متى يفرغ الناس للعبادة إذا تأخرت من مسلسل لمسلسل وأحيانا يتبع هذه القناة خلص مسلسل ما حول على القناة الثانية حول على القناة الأخرى، متى يجد الناس لهم وقتا يجلس الإنسان مع.. يخلو إلى نفسه إلى ربه إلى تسبيحه وتهليله وتكبيره وتحميده، ما أحوج الناس إلى هذه الباقيات الصالحات.

عبد الصمد ناصر: هنا يدخل عامل الإرادة التي تحدثت عنه قبل قليل فضيلة الشيخ أن تغلب الإرادة يعني أن يغلب الإنسان على نفسه عوض أن تقوده نفسه أن يصبح هو قائد هذه النفس.

يوسف القرضاوي: هو الإرادة من غير شك هي سر الفلاح، لا يمكن أن يعني ينجح الإنسان في الدنيا أو في الآخرة إلا بالإرادة الصادقة ودي أساس تزكية النفس، الإنسان لا ينجح إلا إذا زكى نفسه، القرآن الكريم يقول: {ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تزكية النفس {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} الإنسان عليه أن.. وتزكية النفس لها معنيين تطهير ونماء، مش إحنا قولنا رمضان شهر التطهر وشهر التزود؟

عبد الصمد ناصر: التزود نعم.

يوسف القرضاوي: التطهر هو معنى التزكية جانب التطهير الجانب السلبي.

عبد الصمد ناصر: التخلية.

يوسف القرضاوي: في جانب إيجابي النماء يحاول أن ينمي نفسه ينميها ثقافيا ينميها روحيا ينميها أخلاقيا ينميها اجتماعيا لذلك أنا أقول عبارة أكررها دائما أقول رمضان ربيع الحياة الإسلامية، ربيع الحياة الإسلامية تتجدد في هذا الربيع العقول بالمعرفة والعلم، دروس رمضان يعني يجب الإنسان يقرأ ويفهم القرآن يستمع إلى الدروس في التراويح وفي غير التراويح وفي هناك علماء يقدمون أشياء نافعة في قنوات متعددة..

عبد الصمد ناصر: متعددة نعم.

"
تتجدد العقول بالعلم والمعرفة وتتجدد القلوب بالإيمان واليقين، وتتجدد النفوس بالتزكية والأخلاق، وتتجدد الأسرة بالتجمع والترابط
"
يوسف القرضاوي: تتجدد العقول بالعلم والمعرفة تتجدد القلوب بالإيمان واليقين، تتجدد النفوس بالتزكية والأخلاق، تتجدد الأسرة بالتجمع والترابط، يتجدد المجتمع بالاقتراب بعضه من بعض، تتجدد الأمة الإسلامية فيما بينها بالإحساس المشترك حينما يقف الجميع ينتظر الآذان وينتظر للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه إن ينتظر وقت الأذان لأن عند الفطر كما روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد".

عبد الصمد ناصر: لا ترد..

يوسف القرضاوي: ثلاثة لا ترد الصائم حين يفطر لذلك على المسلم ينتهز هذا الوقت ويستجيب الدعاء ويستكثر من الدعاء لأن الله يستجيب له في هذه الحالة يدعو الله وهو أكثر ما يكون جوعا وأقرب ما يكون إلى ربه، يعني يمسك الكوب كده حيشرب أو التمرة قبل ما يأكل التمرة يدعو الله له ولنفسه ولأسرته ولمن يحب وللمسلمين جميعا في هذا يعني يتقرب من الله عز وجل فهذا المدرسة التي ينبغي أن يتعلم منها المسلمون جميعا.

عبد الصمد ناصر: نعم فضيلة الشيخ المدرسة يتعلم منها ويتخرج منها أيضا، كيف يمكن للمسلم أن يحس أن يشعر بأنه فعلا قد تخرج من هذه المدرسة وفاز؟

يوسف القرضاوي: والله يحس هو المسألة مش يعني يحس يمكن بعض الناس يعني يخيل له إنه عمل شيء كثير وهو لم يعمل، المسلم الصادق يعمل الصالحات ويقول أرجو أن يُقبل مني والمنافق والضعيف الإيمان يعمل السيئات ويقول أرجو أن يُغفر لي، المسلم دائما خائف يعني كما يقول ابن عطاء الله في حكمه ربما كتب الله لك الطاعة وما كتب لك القبول وربما قدر عليك المعصية فكانت سببا في الوصول.. معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا، المهم المسلم حتى يعمل ما يعمل يقول يا ترى قُبِل مني؟ كان بعض الصالحين يصلي ويصوم ويتصدق ويعمل كذا ويبكي يقولوا له يا فلان أنت بتبكي أنت عملت كذا كم صليت كم صمت كم تصدقت كم.. يقول وما يدريكم أن شيئا من هذا قد قُبِل مني والله تعالى يقول: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ} ومنين نعرف المتقين والتقوى ها هنا، التقوى ليست مظهرا ليست لحية طويلة ليست عمامة مكورة ليست ثوبا قصيرا ليست هذه المظاهر التوبة خشية في القلوب خشية الله التوبة.. الرسول كما قال "التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا" ثلاث مرات.

عبد الصمد ناصر: جزاك الله خير.

يوسف القرضاوي: فالتقوى في الصدور تقوى القلوب من تقوى القلوب نسأل الله تعالى أن يرزقنا تقوى القلوب وأن يعمر صدورنا بالخشية منه والإيمان به والتوكل عليه والإنابة عليه إنه سميع قريب.

عبد الصمد ناصر: جزاك الله خير فضيلة الشيخ وكل عام وأنتم بخير ورمضان مبارك إن شاء الله ورمضان مبارك لكل السادة المشاهدين ونلتقي إن شاء الله في حلقتنا القادمة بحول الله.