- أهمية فقه الواقع والطريق إليه
- الانفصام بين النصوص والمشايخ وبين الواقع

- وضع الاجتهاد والمجتهدون في فقه الواقع

- الإفتاء وإلمام المفتي بعلوم المجتمع

- إدراك الإنسان للواقع

- قضية سد الذرائع

خديجة بن قنة: مشاهدينا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. واقع المسلمين واقع متغير زمانا ومكانا واقع له موارده التي ينبثق منها من أمزجة العبادِ وأفعالهم وقراراتهم ومبادئهم وقيمهم وأيضا مرجعياتهم وعلاقاتهم وتواريخهم وآلامهم وآمالهم وثقافاتهم ومصالحهم وغير ذلك إضافة إلى التغيرات الكونية المحيطة بهم في هذا العالم، كل هذه العوامل تتفاعل وتتشابك تفاعلا مثيرا ومعقدا وبما أن هذا الدين هو دين لكل العصور ولكل الأمكنة كان لابد من إيجاد فقها لهذا الدين يساير هذا الواقع المركب المعقد، بمعنى أن تنزيل الدين المُطلق على هذا الواقع المركب يقتضي فقها لهذا الدين وفقها لهذا الواقع وهذا كله يقتضي إيجاد أنظمة منهجية ومعرفية وتحليلية يتحلى بها الفقيه الذي هو لغة واصطلاحا من يفهم الفقه.. فهل مناهج تكوين الفقهاء والعلماء في مؤسساتنا العلمية المُخرجة لهم تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع المتحرك الدينامكي الذي يتميز بالتجديد والتغيير كل لحظة بل كل ثانية بل كل عُشر ثانية أمام أعيننا ثم أي علماء وأي فقهاء تنتج هذه الأمة ولأي مستقبل وأية مناهج نحتاج اليوم لتخريج هؤلاء العلماء، فقه الواقع موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد عبادي أستاذ التفسير وتاريخ الأديان المقارن بجامعة القاضي عياض بمراكش في المغرب وهو يشغل حاليا منصب مدير الشؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، نرحب بك فضيلة الدكتور أحمد عبادي ونحن اليوم نتحدث عن واقع هذه الأمة واقع مركب كما قلنا ومعقد جدا ومتغير يعني مما يستوجب دراسة مستوعبة ودقيقة، مستوعبة لكل هذه التغيرات الناشئة بالاعتماد على كل ما يستجد من معلومات وبيانات وإحصاءات، بالنظر إلى هذا التعقيد وهذا التشابك كيف نجد فقه خاص بهذا الواقع؟





 

أهمية فقه الواقع والطريق إليه

أحمد عبادي- أستاذ التفسير وتاريخ الأديان المقارن، مدير الشؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى أهله وصحبه أجمعين، أولا يشرفني أن أمثل اليوم في هذا الموقع الذي يزينه عادة أستاذنا وشيخنا الفاضل العَلامة الدكتور يوسف القرضاوي، الواقع هو هذا الذي يحيط بنا ويحتوي شؤوننا من مظاهر كونية واجتماعية ومن سياقات مختلفة تنتج ابتداء أو ينتجها العباد بأفعالهم وبأنواع كسبهم، فقه هذا الواقع هو استبطانه، هو النقل لهذا الوجود إذا أردنا أن نستعير من أبي حامد الغزالي رحمه الله عبارته الشهيرة أن ننقل هذا الوجود العيني المُشخص إلى مرتبة أخرى من الوجود هي الوجود الذهني؛ أن يصبح الفقيه العالم متمثلا لهذا الواقع، بكل تضاريسه، بكل تلافيفه، بكل مساربه وبكل مكوناته ما أمكنه ذلك وإذا لم تكفيه نفسه في ذلك وجب أن يستعين بمن يعينه على هذا الأمر كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد نُقل إلينا في كتب السيرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يحرص جدا على أن يسأل عن كل خصائص وعن كل تفاصيل الواقع الذي يريد أن يفعل فيه؛ مرة في الحديث الذي رواه حذيفة ابن اليمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يذهب ويستقصي لنا من أخبار القوم" فسكت الجميع إلى أن قال حذيفة فعلمت أنه سيعينني فنهض حذيفة، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسأل عن الجذور التي تُنحر، عن الأمور التي تُستهلك في معسكرات الآخرين حتى يكون حُكمه على هذا الواقع في سِلِم أو في غيره من الأمور التي لا تجلب مفاسد فإذاً هذا الواقع ينبغي أن يُنقل إلى مرتبة الوجود الذهني التمثلي حتى يكون الفقيه قادرا على أن يُنزِل أحكام الشرع على هذا الواقع لأن الحكم على الأشياء كما قرره علمائنا فرع من تصورها، إذا لم يتصور العالِم ما الذي في هذا الواقع ما الذي يكونه فإن حكمه عليه سوف يكون فيه نوع من القصور ومن هنا فإن علمائنا قد قرروا أن فقه الواقع شرط؛ كابن القيم مثلا رحمه الله في إعلام الموقعين قرر أن العالِم لابد أن يكون عالِما بالدين وعالِما بالواقع واستعمل كلمة الواقع ثم قال عالِم بكيفية تطبيق وتنزيل أحدهما على الآخر، ما هي المداخل التي ينبغي أن يدخل منها الحُكم واشتغلوا باعتبار المآل أي الآثار التي سوف تكون للحُكم في واقعه والتي سوف تكون إما مجلبة لمصالح أو مفاسد واشتغلوا على كيفية الموازنة بين هذه المصالح والمفاسد، العلوم كلها التي تُمّكن العالم الفقيه من أن يدرك هذا البعد من أبعاد الوجود الذي يحيط به والذي اصطلحنا على تسميته بالواقع كل هذه العلوم مطلوبة، الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو حق الناس بها فكل العلوم مُسعفة لنسميها علوم اجتماع لنسميها علوم نفس، علوم اقتصاد، ميكانيكا كل ما يمكن أن يُسعف في التعرف على هذا الواقع، طبعا لا يمكن أن نطلب من المجتهد هذه الشروط الخرافية أن يكون عالِما بالموجودات كلها وبالعلوم كلها لكي يستطيع الإفتاء أو الفعل والإرشاد في واقعه، لكن بحسبه أن تكون عنده نوع إلمامات بهذا الواقع وبنفسيات الناس الذين يتحركوا في.. بين ظهرانيهم وفيهم وهذا هو الذي جعل الإمام الشافعي مثلا يغير مذهبه بين العراق ومصر فالمذهب القديم الذي كان في العراق والمذهب الجديد الذي كان في مصر لأنه أخذ بعين الاعتبار هذه التضاريس الجديدة لهذا الواقع وعقليات الناس وآلامهم كما تفضلتِ وآمالهم في هذا الواقع لكي يكون الدين بالفعل تحصيلا للسعادتين السعادة الدنيوية والأخروية ويكون بالفعل سببا في أن يحصل العباد على الفلاح في الدنيا وفي الآخرة وليس أثارا لأن هذا الدين أصلا ما جاء إلا ليرفع الآثار ويضعها ولكي ييسر على الخلق.

خديجة بن قنة: يعني أول ما ننتبه إليه دكتور عند قراءة كتاب الله القرآن الكريم.. يعني نعرف أن هذا القرآن منه ما هو مكي ومنه وما هو مدني وأنه أنزل منجما أو متفرقا على مراحل وارتبط بأحداث فحمل إجابات لأسئلة كانت في ذلك الوقت تشغل المسلمين، هل في هذا التفرق وهذه الإجابة على أسئلة المسلمين كما وردت في سور وآيات كثيرة من القرآن الكريم دلالة على أهمية فقه الواقع في منهاج الإسلام؟

أحمد عبادي: طبعا أول تفسير للقرآن هو عين تنزله لأن هذا القرآن هو موجود في علم الله عز وجل أزلا، ثم كان في بيت العِزة كما قرره العلماء، ثم تفق جبريل أمين الوحي كما نصت عليه كل الآثار، يأتي بالآيات بأمر الله عز وجل يتنزل بها على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} فتكون هذه الآيات بالفعل بلسما شافيا وهذا في حد ذاته منهج وتعليم للناس وعلى رأسهم وإمامهم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله سلم كيف يأخذون من هذا القرآن إذا استقر بنيانه وثبت كما في العرضة الأخيرة في رمضان الذي سبق انتقال رسول الله صلى الله وعلى أهله وسلم إلى الرفيق الأعلى، فإذاً عين تنزل القرآن عرض لمنهج التعامل مع هذا القرآن وكيفية تنزيله على أرض الواقع، رسول الله صلى الله عليه وعلى أهله وسلم كان يأخذ هذه العلامات وهذه السور وهذه الآيات لكي يضعها في نفسه وفي أنفس الناس ثم في واقع الناس لكي يتمكنوا من الاهتداء بها بما أن الآية هي العلامة لغة {وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} فكما أن في الكون سور يهتدي بها فكذلك هذه الآيات جاءت لكي يهتدي بها، تنزيلها إذاً لابد أن يكون مرفقا بفقه لهذا الواقع الذي يرام تنزيل هذه الآيات عليه ولقد أُثرت أحاديث كثيرة وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفادها أن الناس ينبغي أن يخاطبوا على قدر عقولهم وينبغي أن تكون هذه الآيات بحسب حاجاتهم وهذا هو الدرس الذي تُعلمنا إياه أسباب النزول، لنأخذ مثلا آية الإفك أو آيات الإفك هذه الحادثة حادثة الإفك حين اتُهِمت أم المؤمنين رضي الله عنها قصفا وزروا وظلما، هذه الحادثة لو وقعت في أمة أخرى لم يكن فيها هذا البلسم وهذا الوحي لتشتت شذرا نظرا ولأصبحت أحاديث، أن تتهم زوجة النبي صلى الله عليه وعلى أهله وسلم، لكن هذه الآية التي كانت في علم الله أزلا حين تنزلت على هذه الواقعة تنزلت شفاء وبلسم وهو المنهج الذي أدركه أبو بكر رضي الله عنه حين انتقل رسول الله صلى عليه وعلى أهله وسلم إلى الرفيق الأعلى وجاء عمر يقول للناس من قال أن محمد قد مات بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى أهله وسلم لأقطعن يديه ورجليه من خلاف ما مات وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، أبو بكر رضي الله عنه ذهب قَبّل وجه رسول الله صلى عليه وعلى أهله وسلم كما ترويه لنا كتب السّير، ثم رجع ثم أراد أن يُسكت عمر فما سكت عمر رضي الله عنه فقام بجانبه وحمد الله ثم قال أيها الناس من كان يعبد الله فأن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فأن محمد قد مات ثم قرأ قوله تعالى {ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أخذ الآية من موقعها ونزلها على هذا الواقع الذي يعرفه فكان هذا التنزيل في هذه الفترة في هذه اللحظة إحياء وتجديدا لهذه الآية نفسها لدرجة أن عمر رضي الله عنه قال أهذه آية من كتاب الله؟ قال نعم، قال والله كأني بها الآن نزلت وكان لهذا التنزيل في هذا الواقع الذي فقه آثاره التي هي حماية الجماعة المسلمة من أن يقع بها مكروه.

خديجة بن قنة: سنواصل الحديث في هذه النقطة بعد الفاصل، نعود إليكم مشاهدينا بعد فاصل قصير فأبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الانفصام بين النصوص والمشايخ وبين الواقع

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم فقه الواقع وكنا نتحدث دكتور عن أن منهاج الإسلام قائم أساسا على ضرورة فهم الواقع في حال المجتمعات والأفراد وبالتالي نتساءل كيف يمكن تفسير ظاهرة الانفصام بين النصوص من جهة والواقع المعيش من جهة بحيث أننا الآن نجد في حياتنا الفكرية يعني علماء نصوص ليست لهم دراية كافية بالواقع وخبراء واقع ليست لهم دراية كافية بالنصوص وبالشريعة، كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة برأيك وكيف نؤلف بين النص وبين الواقع المعيش.

"
أصبح القرآن والسُنّة يدرسان في الكليات وفي المجامع والمعاهد دون أن يكون له فعل في الواقع، الشرخ الذي أصاب هذه الأمة في العصر الحديث كان سببه تدخل ثقافات أخرى
"
         أحمد عبادي

أحمد عبادي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا له أسباب تاريخية وأخرى اجتماعية وأخرى منهجية تضافرت فيما بين لكي يُسفر عنها هذا الواقع الذي تفضلتِ به، القرآن المجيد جاء لكي يبدأ مع الإنسان من حيث هو من النقطة التي يجدها عنده وهذا الإنسان وجب أن يكون متبنيا لهذا القرآن موقنا بأن الحلول لكل مشاكله فيه، فيضطرح بإرادته وبفكره بين يدي هذا القرآن المجيد اضطراح استمداد المؤمن الموقن فيأخذ العلامات ويأخذ الآيات من هذا القرآن لكي يهتدي بها في جنبات هذا الواقع الذي يعيش فيه، حين عاش المسلمون فترات من الزمن حُيد فيها هذا النص وحُيدت فيها كل هاديات الإسلام عن الفعل في هذا الواقع إما بسبب استبداد أو بسبب تقليد أو بسبب غفلة فلو كان سهما واحدا لاتقيته ولكنه سهم وثان وثالث، أصبح هذا القرآن وأصبحت هذه السُنّة وأصبح هذا الدين شيئا يدرس في الكليات وشيئا يدرس في المجامع وشيئا يدرس في المعاهد دون أن يكون له كبير فعل في الواقع.. الذي هو ما يعيشه الناس من مستأنفات الأحوال في قضايا الاجتماع وقضايا السياسة وقضايا الاقتصاد وغيرها، فأصبح الاستمداد من القرآن بفعل أن هذه الأمة أمة مؤمنة مسلمة في القضايا الخاصة، فإذاً هذا الشرخ الذين أصاب هذه الأمة في العصر الحديث كان سببه تدخل ثقافات أخرى في فضائنا الثقافي وفي فضائنا المعرفي وفرض أوجه وزوايا نظر جديدة وهذه ظهر حتى في بناءاتنا عندنا المدينة القديمة والمدينة الجديدة وكأن بينهما فاصلا أو هوة تفصل بينهما، هذه القديمة بدكاكينها القديمة وحوانيتها ومساجدها وهذه الجديدة بفلسفاتها وبأنماطها الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في كل شيء ظهر هذا النوع من الانفصال.

خديجة بن قنة: القديم والجديد معنى ذلك أن هناك خطابا إسلاميا قديما وخطابا إسلاميا جديدا.

أحمد عبادي: ليس بالضرورة هذا وإنما الذي أقصده بالذات هو أن هذا النص لم تبق له معابر تجسر بينه وبين هذا الواقع الذي يريد.. يُراد أن يفعل فيه لأنه لا يُسئل في الجانب القانوني إلا قليل أو ما ندر وإلا في بعض البلدان، لا يُسئل عن الجانب الاقتصادي إلا ما ندر، لا يُسئل عن الجانب الفكري النظري ألا فيما ندر فحصلت هذه الهوة وهي هوة لم يفتأ المسلمون في كل عصورهم عاملين على ردمها وعلى التجسير هذا النص مع هذا الواقع، الحمد لله لم تعدم هذه الأمة إرادات في القديم أو في الحديث، المطلوب الآن هو أن نرجع مرة أخرى إلى هذه المرجعية وإلى هذا الأصل الجامع الذي يبرر وجود هذه الأمة في مناطق كأفريقيا وأسيا وغيرها لأن وجود هذه الأمة في هذه المناطق ليس وجودا أثنيا أو عرقيا إنما هو وجود هذا الهدي ووجود هذا النص وهذا الوحي بين ظهراني الناس، فإذاً الذي يبرر وجود هذه الأمة والذي يجعل هذه الأمة بالفعل أمة ذات تُميز وهذه الدعامة المرجعية التي تُكسبها هوايتها وتُكسبها بالفعل النور الذي تهتدي به في الناس وتجعل منها بالفعل إضافة بين الأمم، فالذي ينبغي إذاً هو أن يلتفت هؤلاء الذين أصبح الإسلام بين ظهرانيهم شيئا يُدرس والآخرون الذين أخذوا من أنماط التفكير المستجدة وكل ما أنتجه الإنسان ملك للإنسان كل الإنسان وكما تقدم فالحكمة ضآلة المؤمن وجب أن ننظر إلى كيفية الأخذ بكل هذه الوسائل التي تمكّن من فقه الواقع وهذه الهِداية الموجودة في النص وأن يستفيد كلا من الأخر لأن المراد في النهاية هو تحصيل السعادة للإنسان وتحقيق الخير والبر له في العاجلة وفي الآجلة.

خديجة بن قنة: طالما طرحت دكتور مثال المسلمين في أفريقيا وفي أسيا، أتساءل إن كان إدراك المسلم في أسيا أو في أفريقيا هو نفس إدراك المسلم مثلا في شبه الجزيرة.. نفس إدراكه لواقعه في شبه الجزيرة العربية هل يفترض أن يكون إدراك هذا الواقع إدراكا موحدا أم أن لكلٍ إدراكه لهذا الواقع؟

أحمد عبادي: القِبلة في المنظومة الإسلامية تجسد حقيقة لا يمكن تلافيها بل ينبغي أن ننيط بها وأن نتمسك بها، القِبلة واحدة لكن زوايا النظر مختلفة {ولِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}، أن تنشأ أمة معينة أو شعب معين أو قبيلة معينة في إطار جغرافي وفي سياق حضاري وثقافي معين هذا يُكسبها خصائص تعطيها زاوية نظر متميزة وهذه الزاوية من زوايا النظر ناجمة عن الآلام وعن الآمال وناجمة عن التجارب التاريخية والكونية مع هذا المحيط وناجمة كذلك عن تطلعات عن ضغوط هذا الجانب الكوني لكي تفرز استجابة لكل هذه التحديات وقد أنعم بعض المؤرخين الحديث في هذا حين قالوا هناك تحدي وهناك استجابة، فإذاً هي زوايا نظر مختلفة تتكامل فيما بينها وكأنه قيل للإنسان بعد أن خُلق من نفس واحدة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً} كأنه قيل للبشر انتشروا اكتسبوا تجارب، ابحثوا في هذا الكون، ثم بعد أن يصبح العالم قرية واحدة لنعد مرة أخرى نحو القبلة الواحدة لكي يعطي كل منكم تجربته وكسبه الحضاري والثقافي للآخرين وهذه أمور متكاملة وهو قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} لتتكاملوا لكي يأتي كل بنصيبه المعرفي والثقافي بكسبه التجريبي الذي حصل عنده فيتكامل مع إخوانه الآخرين، لأنه لا يمكن للناظر إلى الكعبة أن ينظر إليها كلها في نفس الوقت بل ينظر إلى الحجر الأسود أو إلى الميزاب أو إلى حِجر إسماعيل أو إلى الركن اليماني ثم يطوف لكي يتعارف مع الزوايا الأخرى ويتكامل مع إخوانه الآخرين، فإذاً هذا ثراء في الأمة وجب أن نحافظ عليه ووجب أن نعتبر أنه بالفعل عطاء لهذه الأمة وتمييز لهذه الأمة، بما أن القِبلة واحدة فإن الاستباق للخيرات هو هذا التكامل بين زوايا النظر هذه كلها لكي تكون الأمة متعاونة فيما بينها مكملة لغيرها، ربما أنا افتقر في أميركا إلى تجربة عند أخي في غينيا بيساو أو غينيا كوناكري أو في منطقة من أسيا أفتقر إلى تجربة تاريخية التي لم تحصل عندي أنا ولعل هذه التجربة هي التي سوف تحل مشكلا كبيرا لم يكن عندي مصدر هذا الحل بالنسبة لما حصل عندي من تجارب، فهذا بالفعل ثراء وجب أن نحافظ عليه وهذا هو الدرس في القِبلة في النهاية.

خديجة بن قنة: نعم سنعود مع الدكتور أحمد عبادي إلى مناقشة موضوع فقه الواقع لكن بعد موجز لأهم الأنباء من غرفة الأخبار فانتظرونا.



[موجز الأنباء]

وضع الاجتهاد والمجتهدين في فقه الواقع

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة وفضيلة الدكتور أحمد عبادي وموضوعنا اليوم فقه الواقع، نعود فضيلة الدكتور للحديث عن فقه الواقع والاجتهاد في فقه الواقع هل تعتقد أن لدينا أزمة اجتهاد بسبب الشروط التي تفرض على المجتهد؟

أحمد العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم، نعم الذي ينظر في كتب علم أصول الفقه وفي غيرها من كسب علمائنا سوف يجد أن ثمة نوعا من الاحتياط في قضية الاجتهاد إلى درجة أن بعضهم قد قال أنه الصلاح مثلا شهرزوري رحمه الله باب الاجتهاد قد أغلق وعين إغلاق باب الاجتهاد هو اجتهاد فإذاً لم يغلق، السيوطي رد عليه فقال الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل بأن الاجتهاد في كل عصر فرض، الاحتياط لأن كثيرا من الناس قد يجتهدون دون أن يستكملوا المستلزمات والمقتضيات التي تمكنهم من الاجتهاد، لكن سد الذرائع هذا دون أن يفتي من لا يعلم ويجتهد من لا يحسن لا ينبغي أن يتجاوز حدا معينا لأنه إذا تجاوز حدا معينا سوف يصير نوعا من الجمود وللأسف الشديد هذا الذي وقع بعضه لأن كثيرا من علمائنا قد تهيبوا الاجتهاد وإن استجمعوا شروطه ولم يستطع أن يرفع عقيرته باستكمال شروط الاجتهاد إلا القلة القليلة من علمائنا وإن كانوا بالفعل مستجمعين له ولذلك تحدث علماء آخرون عن فتح الذرائع كذلك، لا ينبغي أن نغلق الذرائع ونسدها فقط أحيانا يقتضى الواقع أن نفتح هذه الذرائع لكي نجعل الناس يجتهدون مع العلم بالحدود التي ينبغي ألا تتجاوز، فإذاً الاجتهاد قد قل أو ترامى عليه في بعض الأحيان من لا يحسن، لابد إذاً من أن نعيد استخراج كل هذا الكسب المبارك الذي كسبه علمائنا حين تحدثوا عن شروط الاجتهاد أن يحصل فيه نوع من التكميل لمجتهد قد نقصه شرط بآخر عنده هذا الشرط وإن لم تكن عنده شروط أخرى عند المجتهد الآخر وهذا الذي أفضى بعلمائنا خصوصا في العصر الحديث وإن كان هذا الأمر ساريا في الصدر الأول وفي العهود الأولى للإسلام دعا علمائنا يتحدثوا عن الاجتهاد الجماعي، مثلا إذا نظرنا في عصر أتباع التابعين؛ الإمام مالك رضي الله عنه كانت له مراسلات مع الأشهب ومع الليث، نجد أن ثمة كلاما كان يدور بين أبي حنيفة وأصحابه، إلى درجة أن الإمام مالك رضي الله عنه كان يقول هذا رأي أصحابنا يريد أنه ناطق رسمي باسم مدرسة من المجتهدين تتباحث فيما بينها لكي تخرج برأي معين، ينقلون عن أبي حنيفة رضي الله عنه في مجالسه أن صوته وأصوات تلامذته كانت تتعالى، أصوات ظفر ومحمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف وغيرهم كانت تتعالى ولا يزجرهم عن ذلك بل يشجعهم عليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه فإذاً التكملة.. تكملة العلماء بعضهم لبعض أمر مطلوب لكي نفتح المجال مرة أخرى لهذا الاجتهاد، الاجتهاد بذل الجهد من أجل أن نتبين معالم الواقع، تضاريسه كما سلف، مواطن ومناطات الأحكام في هذا الواقع، أن نستنبط من النص الأصلي من الكتاب ومن سُنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأحكام أن ننظر إلى كيفية تنزيلها وتطبيقها، أن نعتبر المآلات أن نوازن، أن ننظر هل هذا سيجلب مصلحة أم سيجلب مفسدة نوازن؛ إذا كانت المفسدة تغالب فدرؤها مقدم على جلب المصلحة إلى غير ما قرره علمائنا رحمهم الله وجزى الله خيرا الأحياء منهم في هذا المجال وفي غيره، فإذاً شروط المجتهد بالفعل فيها هذه السمة سمة الحيطة وسمة الحذر وهذا لا ينبغي أن يُفتح على مصراعيه لكن ينبغي أن يُكمل بهذه الكيفية أن تفتح الذرائع بتقنين وبمنهجية لكي يكون إنشاء الله الاجتهاد عبارة عن وضع الأحكام في مواضعها في مناطتها مخرجة وملقحة.

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: دكتور هناك من يتساءل لماذا توقف الاجتهاد عند المدارس الكبرى المعروفة المذاهب الأربعة، ما المانع في ظهور مذاهب جديدة أخرى تساير العصر وروح العصر بدل التوقف عند هذه المذاهب الرائجة والكبيرة المعروفة؟

أحمد عبادي: الاجتهاد لم يتوقف قط في هذه المدارس يمكن أن نقول انحصر قليلا أو كثيرا بحسب الظروف والأزمنة لآن الله تعالى كما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث على لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، فتجديد أمر الدين جار سار ويمكن أن نتتبع هذه المحطات المضيئة في تاريخ المسلمين، الاجتهاد لم يتوقف الحمد الله قط، يمكن أن نقول قد قل في بعض المحطات، ثانيا الاجتهاد في هذه المدارس كان عبارة عن تأفيل وعن تكامل بين مختلف فقهاء الأجيال في هذه المدارس مما أكسبها نوعا من الرسوخ وأكسبها خطا إدراكيا وخطا تأصيليا واستنباطيا لا ينبغي أن يتم الاستغناء عنه وإلا فإن هذا نوع من الإهدار الذي لا يحله الدين أصلا، أن نستغني عن مدارس برمتها نحتت مساراتها عبر تاريخ المسلمين وأفلت هذه المدارك وهذه المناهج بضربة لازم، بجرة قلم نقول نستغني عن هذه المذاهب، هذا يمكن أن يكون تجليا كبيرا لأشد أنواع السفه الحضاري لا قدر الله، أما إفساح المجال للآراء فهذه الآراء من علمائنا من داخل مدارسهم من يأتي بآراء مباركة؛ الأمام الغزالي داخل مذهبه الشافعي، الأمام بن تيمية داخل مذهبه الحنبلي، الصراخصي داخل مذهبه الحنفي والقاضي عياض داخل مذهبه المالكي وأبن عبد البر وغير هؤلاء داخل مذاهبهم وداخل مدارسهم قد أثروا وأضافوا واتبعتهم ذرية بإحسان، كان هذا الأتباع بإحسان الذي فيه المقاربة النقدية والمستفيدة من كسب السالفين لكن التي تضيف انطلاقا من هذه الدراسة المتجددة لواقعنا الذي يتغير وكما تفضلت كل عُشر ثانية.

خديجة بن قنة: نعم أستأذنك دكتور في أخذ مداخلة، ينضم ألينا الآن عبر الهاتف الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الأيمان في اليمن، فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني يعني هناك حديث طويل عريض عن أزمة مناهج في تخريج العلماء والفقهاء، هل لك أن تحدثنا قليلا عن الدور المختلف الذي تقوم به جامعة الأيمان في تخريج علماء أكثر قدرة على فهم الواقع والتعاطي مع روح العصر أكثر؟

عبد المجيد الزنداني- رئيس جامعة الأيمان في اليمن: شكرا لإتاحة هذه الفرصة وأقول بسم الله الرحمن الرحيم.. نعم نشعر أن النظام التعليمي الذي يقوم اليوم في العالم الإسلامي والذي له الهيمنة هو نظام مأخوذ من جهة الغرب، تلبس روح الغرب حتى فرض منهاجه وأفكاره ومنطلقاته على بعض جوانب التعليم الديني، لذلك حاولنا أن نعود في جامعة الأيمان إلى الأصول التي بنى عليها علماؤنا السابقون، مع الاستفادة بما وصل إليه واقعنا وعصرنا الذي نعيش فيه، فنحن ندرس العلوم الشرعية التي قُبلت.. التي تلقاها المسلمون بالقبول في التفسير أو في الفقه أو في الحديث أو في المصطلح أو في غيرهم وكذلك نُدرس السياسة والإدارة والإعلام والاقتصاد ونُدرس الإعجاز العلمي المتعلق بالنظريات الكونية والحقائق الكونية حتى يكون الطالب مؤهلا لمعرفة عصره وما يدور في زمنه ووجدنا أن المدة التي تعطى للطالب أربع سنوات لا تكفي لا تؤهل، إذا أخذنا شهرين للامتحانات وأربع أشهر للإجازة هذه ست أشهر انتهت فقررنا نظاما يقوم على فترة كافية سبع سنوات لكي يتخرج لدينا العالم وثلاثة سنوات زيادة على ذلك لكي يتخرج القادر على الاجتهاد وأخذنا بمنهج جديد وهو التطبيق العملي الاهتمام بالتطبيق العملي، حيث يقضي الطالب مدة شهرين في كل عام ينزل إلى واقع مجتمعه ويطبق العلوم التي تلقاها ويعرف تفاصيل الوقائع التي يعيش فيها وفي مجتمعه وكيف يُنزل هذه الأحكام فيرجع إلى مشايخه عندما يجد إشكالا أو يجد حيرة أو سؤالا ليجد الجواب من شيوخ بعض هذه التطبيقات العملية.

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ هل يمكن إذاً أن تبقى عمليات الاجتهاد برأيك قاصرة على الجهد الفردي الآن في هذا العصر، عصر التكنولوجيا والفضاء والاستنساخ وعصر كل هذه الثورة العلمية؟

عبد المجيد الزنداني: لا شك أن هناك من الأمور الدينية ما هو سهل وبسيط يعرفه في بعض الأحيان عامة المسلمين كحرمة الخمر ووجوب الصلاة وغيرها وهناك مسائل يعرفها طلاب العلم وهناك مسائل لا يعرفها إلا علماء وهناك مسائل دقيقة جدا تحتاج إلى جهود كبار العلماء وإلى فقه جماعي، فليست كل المسائل متساوية بل هناك مسائل في غاية التعقيد تحتاج إلى هذا الجهد الجماعي في المجتمعات الفقهية التي بدأنا نشهدها اليوم وهي خطوة مباركة جدا.

خديجة بن قنة: نعم.. طيب فضيلة الشيخ برأيك إذاً كيف أو ما هو المطلوب الآن لتجاوز أو التغلب على هذه الأزمة وتجاوز حالة الفصام التي كنا نتحدث عنها قبل قليل الفصام بين أو الانفصام بين علماء النصوص وخبراء الواقع؟

عبد المجيد الزنداني: لابد أن نعرف أولا ما هو الدين ونعرف ما هو الواقع لأن تعريفنا للأمرين يحدد وظيفة كل منهما؛ فالدين هو وضع إلهي يعني هو شيء من عند الله جل وعلى وهو وحي جاء من عند الله حمله الرسل إلينا وهو بيان لمراد الله من عباده وهو الحاكم على أحوال العباد وهو الحاكم على الواقع وعلى أحوال العباد في كل زمان وفي كل مكان وأما الواقع فهي أحوال الناس المتبدلة الواقعة أو النازلة عليهم وهي موضوع حكم الدين وحكم الشريعة فلا يمكن أن يقال هناك فصام بين علماء الواقع وعلماء الشريعة إلا إذا كانت المسألة قد اختلت فيها الموازين من أساسها، الحكم لمن؟ الحكم لله ليس الحكم للناس والذي يعرف حكم الله هو الذي يجوز له أن يعبر عن ذلك الحكم، أما خبير الواقع فدوره أن يصف المسألة وأن يأتي بأوصافها وأن يكيف القضية أمام المفتي وأمام العالِم الشرعي دوره تكييف المسألة، دوره وضع المسألة، دوره وضع السؤال أمام من يعرف الأحكام الشرعية والنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة وقواعد الشريعة ومراميها وأهدافها ويعرف مراد الله جل وعلا، فلابد من معرفة الواقع ولذلك قال العلماء هذا معرفة الواقع شرط للمجتهد، شرط لابد من توفيره فإذا لم يتوفر هذا الشرط لا يتحقق الاجتهاد، فلابد أن يعرف العالِم هذا الواقع وإذا كان لا يعرفه فعليه أن يسأل أهل الاختصاص وهم خبراء الواقع والمجامع الفقهية اليوم نحت منحا عظيما فجاءت بالخبراء ولكن الفتوى ليست للخبراء، خبراء الواقع أنهم يخبرونا عن الواقع كيفما هي.. من يخبرون، يخبرون علماء الشريعة الذين يقدرون على استنباط الحكم ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بتلك الواقعة كما قال تعالى { وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ} لعلمه من؟ لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أهل الاستنباط هم أهل العلم الذين يحق لهم أن يوقعوا عن الله جل وعلى في المسائل المعروضة عليهم.



الإفتاء وإلمام المفتي بعلوم المجتمع

خديجة بن قنة: نعم نشكرك جزيل الشكر الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان باليمن ونعود إلى حوارنا أيضا مع الدكتور، في نفس النقطة دكتور أحمد عبادي على المجتهد أن يكون على دراية واسعة بالواقع إذاً هي عبارة عن سلسلة يعني المفتي عليه أن يستجمع المعلومات من مجموعة من الأشخاص وبالتالي فالإفتاء ليست مسألة فرد وإنما مؤسسة يمكن أن نسميها مؤسسة الإفتاء؟

أحمد عبادي: هذا هو الذي ينبغي أن يكون لأن الإنسان مهما كان قليل بنفسه قوي بغيره، لكن الحلقة الغائبة التي وجب التنبيه عليها هنا هو أنه لابد من ذلك الناظم الذي ينظم كل هذه المفردات وهذه الجزئيات المتناثرة التي قد تتراءى متناثرة في القرآن أو في الكون، إذا لم يكن هناك رؤية للكون للإنسان للخلق للحال للمآل تستنبط من كتاب الله تعالى وكذلك لتؤثث بهذه الأمور التي تؤخذ من الواقع، إذا لم تكن هذه الرؤية أين ينبغي وضع ماذا ومتى وكيف إذا لم تكن هذه الرؤية ناظمة فإن عملية الاجتهاد سوف تتراءى بل سوف تكون مجرد أخذ لنصوص معينة من أماكن معينة ووضع في مواطن معينة دون أن يؤخذ بعين الاعتبار الشمول الذي في هذا الدين والذي في هذا الوحي المبارك ولهذا فإن العلماء اشترطوا من ضمن ما اشترطوا في عملية الاجتهاد أن يكون وإن تكامل الناس فيما بينهم، أن يكون هناك هذا الناظم المنهجي وهذا النظام المعرفي القرآني السامي والشامل الذي يمكننا من أن نعرف طبوغرافيا الواقع وكيف نضع الأحكام في هذا الواقع دون عوج ولا أمت، أما إذا أخذنا وأنزلنا فهذا ربما قد تكون له مآلات معينة وهذا هو الدرب من النظر الذي نص عليه خصوصا علماء المقاصد ومنهم الأمام أبو إسحاق الشاطبي رضي الله عنه ورحمه في موافقاته حين كان يؤكد على ضرورة أن تكون هناك عملية استقراء، فيقول في مواطن كثيرة لقد استقرينا من الشريعة استقراء لا يجادل فيه فلان ولا فلان الرازي ولا غيره أن كذا وكذا وكذا، أن يكون هناك هذا المنهج مستتبا حتى يُنظر بهذا المنظار الشامل وحتى يكون هذا الناظم المعرفي والمنهجي له حضور وهذا من أول ما ينبغي أن يُدرس في جامعاتنا لكن للأسف نجد أنه غائب ولذلك يشيع منهج الخطف ومنهج البتر في كثير من مواطننا التي هي أماكن لتعليم الناس كيف يجتهدون وكيف يستنبطون.

خديجة بن قنة: على ذكر تعليم الناس، هل المطلوب من العالم أو الفقيه أن يكون ملما بالعلوم الأخرى أم أن لكل علم أهله الهندسة للمهندسين والطب للأطباء والعلوم الشرعية للعلماء وهكذا؟

أحمد عبادي: نصّ العلماء أن الفقيه وجب أن يكون عنده عقل مرتب، أن تكون عنده دراية بكيفية تحريك آلية السؤال، أن يعرف حدوده وألا يتجاوزها، إذا كان عنده هذا العقل المرتب وكان داريا بكيفية تحريك آلية السؤال وكان يعرف من يقصد من أجل أن يسأل وكان يعرف كيف يستدمج هذه المعطيات الجديدة التي حصلت عنده في أماكنها وفي سياقاتها فهذا يكفي، ليس يشترط أن يكون عالما بكل شيء، من الجيد المستحسن أن يكون عنده إيمان، أن تكون عنده مشاركة، لكن إذا كان عنده عقل مرتب وكان يعترف بالاختصاصات الأخرى ويحسن أن يسأل أهله ويحسن أن يضع هذه المعطيات التي تحصل عنده في أماكنها فإن هذا قد يغنيه عن أن يكون عالما بكل هذه الأشياء، لكن كلما استطاع أن يحصل من هذه العلوم كان أحسن بطبيعة الحال.

خديجة بن قنة: طيب دكتور أحمد عبادي يعني عندما نتحدث عن فقه الواقع يعني نصطدم دائما بقوالب جامدة يحاول الفقهاء أو بعض الفقهاء إسقاطها على أي زمان وأي مكان وهنا أقصد التيار المتشدد وهناك طبعا نموذج دعوي أصبح رائجا في العالم وسُخرت له أموال كبيرة لتسويقه في العالم، ما سبب ابتعاد هذا التيار تحديدا عن فقه الواقع؟

أحمد عبادي: هذه مسألة قديمة كان قد تحدث عنها وأن بعلم الأمام أبو داود الظاهري وابن حزم الأندلسي رحمه الله ونفوا القول بالقياس وبغيره وقالوا هذا ما ندين الله تعالى به لكن هؤلاء كانوا علماء وكانوا يتحملون مسؤوليتهم في استقراء النصوص وأحيانا كانوا يقومون بالقياس بطرائق معينة وإن لم يسموه القياس، لكن أن تستحيل هذه الدعوى بغير علم إلى محاولة النظر الظاهري للنص في انعزال وانفكاك عن كل ما يُمكن من المعرفة بالواقع فهذا لا شك يجلب مفاسد عظيمة، ابن القيم رحمه الله في إعلامه للموقعين يقول باب تغير الفتوى أو الفتيا بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعادات قال وهذا فصل عظيم النفع جدا دخل عن الناس بسبب الجهل به فساد عظيم أو ضرر عظيم أو كما قال، فإذا لم أكن أراعي هذه التحولات التي تطرأ على واقع الناس، إذا لم أكن مستنطقا لهذا الواقع أنى لي بالحكمة والحكمة سبق وعرفوها بأنها وضع الشيء في موضعه فإذا لم أكن أعرف المناط وأعرف الموضع كيف يمكن أن أكون حكيما واضع للحكم في مكانه؟ فإذا الذي ينبغي أن يراعى في هذا الباب هو أن الله عز وجل في محكم الكتاب قد أمرنا بالتأسي ولم يأمرنا بالتقليد وجاء دم التقليد في مواطن كثيرة كما يقول الله عز وجل {إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}، الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنفسه الشريفة يتأسى به والتأسي هو أن تعرف هذا المتأسى به، أن تعرف سياقه الذي كان يوجد فيه وأن تعرف ما هي المكونات التي كان فيها في هذا السياق؟ وكيف نزّل هذه الآيات وهذه العلامات على هذا الواقع؟ وأن تعرف واقعك أنت وتعرف مكونات هذا الواقع ثم تأخذ المنهج الذي به تم التنزيل على ذلك الواقع الذي يختلف سياقه عن واقعك أنت وتُنزل أنت كذلك.

خديجة بن قنة: نعم بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب على أسئلة أو سؤال بإجابات مختلفة حسب حاجة الأفراد.

أحمد عبادي: حسب حاجة الأفراد ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان دائم السؤال عن الأشياء ودائم السؤال عن تفاصيل هذه الأشياء حتى يكون تنزيله تنزيلا موافقا لهذا السياق ولحاجياته، رسول الله عليه الصلاة والسلام كان دائم التوجيه لأصحابه رضي الله تعالى عنهم أن يتمثلوا بالمنهج وهو الذي كان يسميه صلى الله عليه وعلى آله وسلم السُنة، صحابيان كانا في مكان لم يجد ماءا تيمما وصليا ثم بعد أمة وجدا الماء فأحدهم أعاد الوضوء وأعاد الصلاة، أما الآخر فلم يعد الصلاة فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للذي لم يعد الوضوء "أصبت السُنّة" أي أدركت المنهج وقال للآخر "لك أجرك مرتين" لك أجرك مرة.. ونفس الأمر، الأمر نفسه في قضية بني قريضة "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة" طائفة لم تصل العصر ولو بعد خروج وقته إلا في بني قريضة وكان لها أجرها والآخرون أصابوا السُنّة فإصابة السُنة هي إصابة المنهج، السُنة روح ويمكن لإنسان أن يصيب السُنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الزمان وفي مكان آخر أو في زمان آخر وفي مكان آخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام "عليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".. فهي إصابة للسُنّة وإدراك لفحوى هذا المنهج الذي جاء به عليه الصلاة والسلام وهذه روح التأسي، كلمة القدوة والاقتضاء لم تأتي في القرآن المجيد إلا في مقام الاقتضاء بالهدى {أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} أي أن أقتضي بالهدى والأمور الأخرى فيها التأسي أي النظر في السياق الذي تم فيه التنزيل، أحيانا قد يكون تماثل بين السياقات؛ في الصلاة لا أحتاج إلى أن أعرف سياقي اللهم إلا إذا كنت مريضا لا أستطيع الوقوف، السياق نفسه لا تغيره الحيثيات الزمنية، الوقت هو الوقت والركعات هي الركعات أشياء ثابتة، لكن في الأمور التي هي من قبيل المعاملات والتي يدخل فيها التحول، هذه لابد أن أكون داريا بالسياق؛ كمثل مثلا إذا انتقلنا إلى العلوم الكونية أن يصر شخص معين أن يصفي الماء بنفس الطريقة التي كان يصفيه بها باستير أو ابن سينا مثلا لا مانع من أن أستعمل كل التقنيات الجديدة لكن روح المنهج موجودة.

خديجة بن قنة: حتى أن هناك من يتمسك بالسواك لتنظيف الأسنان والاستغناء عن معجون الأسنان والفرشاة.

أحمد عبادي: هذا السواك فيه بركة ولكن المهم بالفعل كما تفضلتِ الاستياك يمكن أن يكون بفرشاة يمكن أن يكون بمعجون.

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: نعم فقط نأخذ فاصل قصير ونعود لمناقشة موضوع فقه الواقع مع الدكتور أحمد عبادي.



[فاصل إعلاني]

إدراك الإنسان للواقع

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة وموضوعنا اليوم فقه الواقع وينضم إلينا الآن من القاهرة عبر الهاتف الدكتور عبد الوهاب المسيري المفكر العربي الإسلامي، دكتور عبد الوهاب المسيري أهلا بك، هل ترى الحديث عن الواقع حديثا واقعيا بمعنى أنه أمر مسلم به أن هناك واقعا واحدا يستطيع كل الناس إدراكه بنفس الطريقة والوصول إلى نفس النتيجة أم أن الإنسان ربما اخترع هذه الأكذوبة وصدقها حتى يوهم نفسه بقدرته على فهم الواقع بكل ما يجري به أو حوله؟

"
إدراك الواقع يتأثر إلى حد كبير بذكريات الإنسان بتوجهاته الأيديولوجية وبرؤيته للحياة بمعنى أن النفس الواقعة يمكن أن يراها عربي وأميركي وصهيوني وكل منا يقيمها ويراها بطريقة مختلفة
"
    عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري- مفكر إسلامي عربي: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعا إدراك الواقع بيتأثر إلى حد كبير بذكريات الإنسان بتوجهاته الأيدلوجية برؤيته للحياة بمعنى إنه النفس الواقعة يمكن أن أراها أنا ويراها أميركي ويراها صهيوني وكل منا يقيمها ويراها بطريقة مختلفة، فأنا مثلا أجد إنه وجود صهاينة في الضفة الغربية هو احتلال هم يتحدثون عن أرض متنازع عليها يتحدثون عن حقوق الآباء، الولايات المتحدة بتجد إن.. إن وجودهم هذا مشروع، فالرؤية بتحدد كيفية النظر يعني وما أرى دي مسألة أصبحت أساسية في علم الاجتماع وفي علوم الإدراك المختلفة وفي علم النفس.

خديجة بن قنة: طيب بالتالي يعني هل إدراك الإنسان للواقع يعني عملية أكثر تعقيدا مما يظن البعض ويمكن الوصول.. يعني كيف يمكن برأيك الوصول إلى نظرة أكثر شمولية لهذا الواقع، أكثر شمولية طبعا لكل المسلمين كيف يمكن التوصل إلى هذه النظرة برأيك؟

عبد الوهاب المسيري: أنا بعتقد إنه لابد أن يتسلح المسلم برؤية إسلامية في مجال الثوابت؛ بمعنى إنه يدرك الرؤية الإسلامية لله، الرؤية الإسلامية للطبيعة، الرؤية الإسلامية للإنسان وبالتالي يمكنه أن يحكم على أي موقف كان جديدا أم قديما من هذا المنظور، بمعنى أنه إن تسلح المؤمن المُسلم بهذه الرؤية الكلية أمكنه إذاً أن يواجه مواقف جديدة ويستجيب لها وأعتقد إن أصبح هذا مهم للغاية هذه الأيام بعد أن اكتسحتنا التيارات الغربية والتيارات الحدثية والتيارات العلمانية، بمعنى يجب ألا يترك المسلم أعزل أمام هذه التيارات ولا يوجد مجال لإيقافها، فالحل الوحيد هو أن يتسلح المسلم بهذه الرؤية بحيث إنه يدرك تضمينات ما يرى؛ بمعنى إن رأى أغنية مثلا يمكنها أن يحللها ويمكنه أن يرى هل هي تتسم بالبراءة أم أنها هناك تضمينات غير أخلاقية مثلا وتضمينات معادية للمجتمع ومعادية للإنسان.

خديجة بن قنة: هل هناك ضرورة اليوم دكتور عبد الوهاب المسيري لإيجاد خطاب إسلامي جديد يساير روح العصر وكل التغيرات الحاصلة في عصرنا الحالي.. يعني بالنظر إلى من يتمسكون الآن بالخطاب الإسلامي القديم؟

عبد الوهاب المسيري: هوه الخطاب الإسلامي القديم يحوي الكثير من القضايا المهمة، المشكلة معه هي أنه نفس المصطلحات مغلقة على كثير منا، نفس المصطلحات تحتاج إلى عملية تعديل بحيث إن إحنا نفهم المفاهيم الكامنة فيه ونفهم طريقة تعامله مع الواقع؛ يعني أنا بعتقد أن نفهم طريق تعامل الخطاب القديم مع الواقع أهم من المضمون في حد ذاته، إلى جانب أنا أعتقد إنه ظهرت إشكاليات جديدة لم يتناولها الخطاب القديم، فمثلا أنا بعتقد إن مشكلة النسبية الأخلاقية دي إشكالية لم يجابهها الخطاب القديم، في الماضي كان المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والمسائل واضحة، أما الآن النسبية تدعي أنها تقبل أي شيء ومواجهة هذه النسبية الأخلاقية التي تقوِض كل شيء تحتاج إلى خطاب جديد، أعتقد إنه داخل القرآن والسُنّة والخطاب القديم هناك إجابات على هذه النسبية لكن تحتاج إلى إعادة تعريف وأن توَلد من جديد في عصرنا الحديث.

خديجة بن قنة: طيب دكتور عبد الوهاب المسيري كنا تحدثنا مع فضيلة الشيخ الزنداني قبل قليل عن موضوع تخريج العلماء وأن هناك أزمة مناهج تعليمية الآن في تخريج الفقهاء والعلماء وهو يعني أحال المشكلة إلى مسألة التغريب إلى أن مناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية تلبست لباسا غربيا، هل تشارك هذا الطرح؟

عبد الوهاب المسيري: نعم يعني أنا بعتقد إنه كثير من المفاهيم الكامنة في مناهجنا التعليمية هي مفاهيم غربية مثل مفهوم الموضوعية مثلا يعني أنا بعتقد إن إحنا نعيش كلنا في ظلال وهم الموضوعية وأعتقد إن هذه الفكرة قد قتلت الإبداع، قتلت المقدرة التفسيرية عند المسلمين ولابد أن نأتي بإطار معرفي مختلف، لكن في نفس الوقت المناهج عندنا أيضا تتسم بشيء من التحجر والتكلس فتحتاج إلى تطوير، تطوير من الداخل وأصبحت المسألة ملحة ومهمة إلى حد كبير.

خديجة بن قنة: وهل نملك أدوات التغيير برأيك؟

عبد الوهاب المسيري: نعم يعني عندنا.. أنا بعتقد إنه هناك كتابات إسلامية حديثة كثيرة جدا يمكن يعني أن أقضي وقت البرنامج كله في تعداد الأسماء، سواء في باكستان أو في مصر أو في المغرب أو في سوريا في كل أنحاء العالم الإسلامي، هناك كتابات ومعاهد بحثية ثرية إلى أقصى درجة، كل ما في الأمر المسألة تحتاج إلى عملية تجميع وتكثيف بحيث إن هذا التراث الجديد العظيم الحركي يصبح متاح لمن يضعون المقررات الدراسية ومتاح لتوليد خطاب إسلامي يتعامل مع المشاكل الجديدة مثل الاستعمار الأميركي والعولمة والاستهلاكية وهي كلها قضايا جديدة لم يواجهها الخطاب القديم.

خديجة بن قنة: ولكنها دكتور قد تصطدم مباشرة بالضغوط الأميركية خصوصا أننا نعلم ما يمارس من ضغوط على الدول العربية والإسلامية في اتجاه تغيير المناهج التعليمية بما يخدم المصلحة الأميركية أليس كذلك؟

عبد الوهاب المسيري: نعم أنا بعتقد أي حركة نحو الإصلاح الحقيقي، أي حركة نحو توليد خطاب إسلامي جديد حقيقي ستقابل بالبطش الأميركي، فالولايات المتحدة الأميركية تود أن تعيد صياغة العالم الإسلامي حسب رؤيتها ومصالحها وهي رؤية ومصالح أنا بعتقد علمانية وثنية بحيث نتحول إلى مادة استعمالية تدخل في النظام العالمي الجديد ويتحول الإنسان المسلم إلى إنسان اقتصادي أو إنسان جثماني يبحث عن لذته، أما الإسلام المقاوم، أما الإسلام الذي يريد أن يتوجه للعالم بأسره برسالة فيها خلاص له من هذه المنظومة الحدثية التي أوردتنا موارد التهلكة، أنا أعتقد إن الولايات المتحدة تقف أنا ضد هذا الموضوع على طول الخط.

خديجة بن قنة: نعم نشكرك جزيل الشكر الدكتور عبد الوهاب المسيري المفكر العربي والإسلامي من القاهرة ومن ضمن ما قاله الدكتور المسيري أننا نعيش في ظلال وهم الموضوعية، هل ترى الواقع هكذا؟

أحمد عبادي: بالفعل إذا نسي الإنسان أنه نسبي، إذا نسي أنه محدود زمانا ومكانا، إذا نسي ما يتفاعل فيه داخليا وما يتفاعل حوله خارجيا وظن أن.. أنه في منآه عن أن يتأثر بالمزاج، أن يتأثر بعوامل بيولوجي أحيانا بضغوط معينة لكي يميل هذا الميل أو ذاك، الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه لم يكن في منآه عن هذا ومن هنا نجد تحذيرات رب العزة له عليه الصلاة والسلام {ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} و{لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}، فالمحافظة على هذا التوازن لا يمكن أن تتم إلا إذا كان هناك ركن شديد وكانت هناك عروة وثقا وكان هناك الناصح الذي يحذرك في حالة الابتعاد أو الانفصال عن هذه الثوابت وعن هذه الأمور، هذا لا ينبغي أن يستحي إلى جمود لكن الإنسان وجب أن يعلم أنه نسبي وفيه قدر كبير ومن النسبي ولذلك الناظر في كتب علمائنا دائما يجد والله أعلم بالصواب والله أعلم يحتفظ بهذا القدر من النسبية والشافعي رضي الله عنه أثر عنه قوله رأيي عندي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري عندي خطأ يحتمل الصواب ويبقى دائما الباب مفتوحا، لكن الذي أود الإشارة إليه بخصوص الكلام عن هذه المناهج وتجديد المناهج، نحن باعتبارنا أمة مررنا من فترة يمكن أن ننعتها بأنها فترة اضطراب حضاري تاريخي مثل الطائرة حين تمر من لحظة اضطراب جوي فهذا الاضطراب حصل عنه نوع من الانقطاع في الذاكرة وإلا فإن الأمة في عهودها كانت عندها مناهجها وكانت هناك دقة متناهية في كيفية سؤال وحوار الكون وحوار الواقع واستجلاب المعطيات من هذا الواقع، كانت هناك منهجية في حوار الوحي واستجلاب الهاديات من هذا الوحي وكل المحاولات مثلا في علم أصول الفقه هي تثبيت لوسائل الحوار مع الوحي وكل ما كسبه علماؤنا كابن النفيس والخوارزمي وابن الهيثم وغيره في مجال العلوم الطبيعية وسائل الحوار مع الكون واستجماع لهذه الأجوبة وتحويلها إلى أسئلة مرة أخرى، فإذاً عندنا هذه المنهجية التي وجب أن تجدد هذا بالضبط ما أخذه هنري ديكارت حين كتب عن كيف تقود الفكر والذهن في اكتساب العلوم وهذا السؤال نفسه الذي وضعه كانت حينما كان يقول كيف نعلم؟ وماذا نعلم؟ هذه الأمور كانت على قدم وثاق، إذ حصل هذا النوع من الاضطراب بسبب أسباب متعددة ومتداخلة ليس المجال مجال عرضها كأننا توهمنا أنه ليست عندنا منهجية توهمنا أنه ليس عندنا كسب في هذا الباب في حين أن هناك الشيء الكثير كما تفضل الدكتور عبد الوهاب حفظه الله مما يمكن أن يؤخذ شريطة التعديل الاصطلاحي لكي نستخلص المفاهيم الكامنة في تلك المصطلحات، قضية ثانية بخصوص المناهج وهو أن مناهجنا بالفعل خضعت عبر تاريخنا لمحاولات تجديد كثيرة فردية وجماعية وما الذي نعيشه الآن في هذه اللحظة إلا نتائج ما كان يقوله محمد عبده وكان يقوله محمد رشيد رضا وغير هؤلاء ممن حاولوا.. أو في الهند أحمد خان أو غير هؤلاء ممن أصاب أو تجانف عن الصواب في بعض الأحيان ورجع أو غير ذلك فإذاً كانت هناك محاولات، المحاولات إذاً إما أن تكون فردية أزرع ثم أوري العالم ثمرات هذه المقترحات وما يحاوله الشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله ونسأل الله أن يكلل جهوده بالتوفيق، لكن الذي ينبغي في عالمنا هذا وهو أن تطلب الأمة من علمائها فتح عروض، أن يكتب هؤلاء العلماء مشاريعهم، إذا أردت أن أبني بنيانا أن أطلب فتح عروض من المهندسين ومن الشركات، أن تقول لي ما هي خبرتها وكيف تبني وما هي معداتها وما هو تصميمها ثم أنظر إلى الموارد البشرية التي سوف تستخدم وأقبل أو أرفض وجب أن يتم فتح عروض في هذه المجالات لكي يطرح علماؤنا ومفكرونا كما تفضل الدكتور عبد الوهاب المسيري حفظه الله أفكارهم بهذا الصدد وأن تكون هناك ندوة أممية مفتوحة بهذا الخصوص حتى نستخرج وألا تبقى الأمور في ظل الانكبات والانقماع والصمت والآهات وجب أن تخرج مشاريع واضحة كما أيضا وجب أن نُلح في هذه المناهج كلها أنه لا ينبغي أن نتوهم في لحظة من اللحظات أننا سوف نعيد اختراع العجلة، العجلة قد اختُرعت ونحن أمة لم تأتي من عدم عندنا مناهجنا، النظر في مناهج علم أصول الفقه والتي هي مناط حديثنا اليوم يقضي العجب في الدقة المتناهية التي كانت عند هؤلاء وجب تجديد هذه الأمور تعديل أقلمة المصطلحات التي كانت عندهم مع ما هو رائج عندنا بعد فترة الاضطراب هذه التي حصلت والنظر..

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: نعم..

أحمد عبادي [متابعاً]: والنظر في ما الذي ينبغي أن نحافظ عليه ويدعم أو ما وجب أن نتبعهم فيه بإحسان وأن نضيف، لماذا تقدمت علوم التسخير {وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} منه من طب وفيزياء وغيرها وتوقفت علوم التيسير {لَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}

خديجة بن قنة: لماذا برأيك؟

أحمد عبادي: توقفت بسبب كثير من الأمور منها سد الذرائع الذي تحدثنا عنه ومنها كذلكم هذا النوع من الابتعاد والتحييد الذي مورس على كثير من الناس بفعل القداسة التي أصبحت عندهم لعلماءهم السالفين وبفعل ما مارسه بعض هؤلاء العلماء على عقول من بعدهم..



قضية سد الذرائع

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: هل يوجد مبالغة في استخدام هذه يعني تبرير سد الذرائع من طرف تيارات معينة؟

أحمد عبادي: عفوا أتم هذه النقطة وأعود إلى قضية سد الذرائع.

خديجة بن قنة: أنا لم أقصد المقاطعة ..

أحمد عبادي [مقاطعاً]: بعض علمائنا ساهموا في هذا، يقول لك كتبه العالِم العلامة الدراكة قمر زمانه وسابق أقرانه وكذا ويقول لك اعلم يرحمك الله أو قد يشفع بقوله ومن شك في هذا فقد كفر، صارت هناك هالة أصابتنا بنوع من العجز ومن الكسل الفكري إزاء هذه الجهود هذا سبب، ثم الجمال الذي كان في هذه الجهود والدقة والعظمة جعلت بعضنا ينهج بالقول المشهور ليس في الإمكان أبدع مما كان وهذه أمور كلها وجب أن نتخلص منها من أجل أن تستأنف مسيرة علوم التيسير، أما فيما يخص سد الذرائع، سد الذرائع وجب أن يكون بمقدار سد الذرائع ضد التسمم مثلا لا ينبغي أن يفضي إلى منع الطعام كلية أسد ذريعة التسمم بتنقية الطعام وأسد ذريعة أن يتدخل من لا يحسن بالتقنين وبالمنهجية.

خديجة بن قنة: يعني المرأة في بعض المناطق محرومة من كثير من الحقوق بدعوى سد الذرائع لنأخذ مثلا حقها في السفر.. يعني السفر كان يجب أن يكون سفرها مع مَحرم لأنها كانت تسافر عبر الصحراء القاحلة المقفرة وقد تتعرض لأخطار واليوم السفر سهل بالطائرة، هل يمكن أن يتغير فقه الواقع بناء على تغير هذه المعطيات.

أحمد عبادي: في دين كانت المرأة فيه يلقاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فلاه أسماء ذات النطاقين التي كانت بالمناسبة تأخذ الطعام له عليه الصلاة والسلام ولأبيها أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، هذا الدين الذي فيه المرأة يلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وينيخ لها راحلته ويدعوها إلى الركوب فتستحي وتراعي مشاعر الزبير، هذا الدين لا يمكن أن يمنع النظر المتجدد في هذه الأمور بضوابطها وبطبيعة الحال فإذا كانت المرأة سوف يرافقها من يؤتمن إلى المطار أو إذا كانت هي مسؤولة قادرة على أن تحمي نفسها من أي نوع من أنواع العدوان وكان سوف يلتقيها شخص آخر أو كانت سوف تنزل في مطار آمن ما الذي يمنع من ذلك، لابد من النظر المتجدد في كل هذه الأمور بالمنهجية ولكن أعيد الإلحاح على قضية الناظم المنهجي المعرفي الذي ينبغي أن يُأطر كل هذه الأنواع من الكسب.

خديجة بن قنة: تحدثت دكتور عن الفتوى وأهل الإفتاء ولم نتحدث عن الفرق بين مفهوم الإرشاد والفتوى هل لك أن توضح لنا هذه النقطة؟

"
الإرشاد هو أن يُسأل العالِم عن شيء محسوم وواضح من الثوابت، الفتوى جهد متجدد يمارسه العالِم
"
          أحمد عبادي

أحمد عبادي: الإرشاد هو أن يُسأل العالِم عن شيء محسوم واضح من الثوابت الوضوء أو الصلاة أو الحج فيرشد إليه من مظانه كما هي موجودة في نصّ واضح من كتاب أو سُنّة أو كسب لبعض الفقهاء قد تلقته الأمة بالقبول، أما الفتوى فهي جهد متجدد يمارسه العالِم ينظر إلى هذه النازلة التي نزلت بساح المسلمين في مكان ما وفي زمان ما وينظر لها في الكتاب وفي السُنة وفي الأصول عن ما يمكن أن يحلها ويوجه المكلفين بصددها وبخصوصها فالفتوى إذاً عملية فيها تركيب وفيها جهد ينبغي أن يبذل ولها مقتضياتها من نوع إحاطة في النظر بالنص وبالواقع وكذلك بالموازاة بالشرع وبهذا الواقع الذي يراد أن يُنزَل فيه الشرع فهي عملية تحتاج في كثير من الأحيان إلى معطيات قد لا تتوافر ألا عند الهيئات التي بيدها الحل والعقل، مثلا قضايا السلم والحرب لا يمكن أن نبيح لشخص واحد مجرد عن هذه المعطيات لا يعرف ماذا المقدورات الكامنة ولا يعرف ما هي المعدات ولا يعرف ما هي الوسائل التي يمكن ربما أن تتلافى بها هذه الحرب أن يفتي في قضايا الحرب أو في قضايا السلم إذا لم يكن عنده خبرة بالنوايا وبالوسائل والطرائق الدبلوماسية التي قد ينتهجها هذا الطرف أو ذاك الطرف، فإذاً أحيانا يُحرم الفرد إذا غابت عنه المعطيات من أن يجتهد في قضايا معينة، قضايا تحتاج بالفعل إلى تضافر الأنظار والجمع بين زوايا النظر من أجل الخلوص إلى شيء يقرب من الصواب.

خديجة بن قنة: نعم دكتور أحمد عبادي واضح من كلامك وأنت تتحدث قبل قليل عن أزمة تكوين العلماء أن كلمة سر هي مسألة الناظم، هذا الناظم هل هو شرعي هل هو علمي وكيف يمكن إيجاده؟

أحمد عبادي: هذا الناظم باختصار شديد هو كيف أن الإنسان النسبي المحدود زمانا أستطيع أن أتمثل هذا الوجود انطلاقا من هذه المعطيات الموجودة في هذا الكون وانطلاقا من هذه المعطيات التي جاءت من عند الله والتي آيات وعلامات عبارة عن وحي يهديني إلى صراط مستقيم، فإذا استجمعت الرؤية عن الله وعن الكون وعن الذات وعن المحيط وعن الدقائق التي في النفس البشرية مما لا يمكن أن أقف.. عن عوالم ربما تتجاوز إدراكي الحسي المحدود فكانت عندي بمثابة رؤية شاملة كالناظم المعرفي، هذا المبحث كان علماؤنا يسمونه الفقه الأكبر وقد سماه بعضهم العقيدة لكن استحالت العقيدة مع الزمن إلى أشياء تحفظ ويتم الإيمان بها، قالوا ويعقد القلب عليها بحيث لا تعود إلى الطفو مرة أخرى والسلام، في حين أنها ليست كذلك إنما هي شيء ينبغي أن يتمثل دائما يحيا المسلمون على نوره في كل زمان وفي كل مكان، إذا لم نشتغل على استنباط هذه الرؤية الشاملة لرب العالمين وللإنسان وللعالمين وللمرسلين وللكونيات الكبرى والصغرى وكل ذلك، آن لحركتنا أن تكون راشدة وآن لنا في غياب هذه الطبوغرافية أو الجغرافية أو الخارطة الكونية الشاملة آن لنا أن نضع الأشياء في مواضعها وأن نضع الأحكام في مواقعها دون عوج ولا أمت ولا اغتراب.

خديجة بن قنة: في نهاية هذا البرنامج لا يسعنا إلا أن نشكر الدكتور أحمد عبادي جزيل الشكر، أستاذ التفسير وتاريخ الأديان المقارن بجامعة قاضي عياض بمراكش بالمغرب وأيضا مدير الشؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف بالمغرب، نلتقي مشاهدينا في حلقة الأسبوع المقبل بإذن الله لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.